الموسوعة الشاملة - شرح ديوان الحماسة

صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

 


الكتاب : عبدل باسط شرح ديوان الحماسة
المؤلف : المرزوقي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وقوله (ألم تر) تقرير لمن تصوره مخاطبا فيقول: أما علمت أنا لأهل قو بمنزلة النور للأبصار، عبدل باسط فهم بنا يهتدون، وبمعالنا يقتدون، ولمراسمنا يقتفرون، وبسنا رأينا يستضيئون، ولولا ذلك لكانوا يتوقفون في مراشدهم فلا يقضون، ويتحيرون في آرائهم فلا يمضون، كما أن الناس لولا ما يمد بـه النور أبصارهم في رواكد الظلم حتى يتبينوا المرئيات، ويتميزوا أشباح المدركات على حقائقها، لوقفوا حيارى لا يتقدمون ولا يتأخرون.
ومفعول (يبين) محذوف، والضمير من نورها يعود إلى الظلماء لما كان يتعقبها. عبدل باسط وهم يضيفون الشيء إلى الشيء لأدنى تناسب بينـهما.
وقال معن بن أوس
لعمرك ما أدرى وإني لأوجل ... عبدل باسط على أينا تعدو المنية أول
لعمرك مبتدأ، وخبره مضمر، وفيه معنى القسم، وقد تقصى القول فيه. وقوله (إني لأوجل) مما جاء فيه أفعل ولا فعلاء له، كأنـهم استغنوا عن وجلاء بوجلة. ويقال: وجلت أوجل وآجل وجلا، وهو وجل وأوجل. وقلبي من كذا أوجل وأوجر، بمعنى. ويروى: (تعدو المنية) و (تغدو) ومعناهما ظاهر. وأول، بني على الضم، كما فعل ذلك بقبل وبعد، وذاك انـه لما كان أصله أفعل الذي يتم بمن، وأضيف من بعد، وجعل الإضافة فيه بدلا من من، والمضاف إليه من تمامـه ثم حذف المضاف إليه ليعلم المخاطب به، وجعل في نفسه غاية، وكان معرفة كما كان قبل وبعد كذلك وجب أن يبنى كما بنيا. وموضعه نصب على الظرف. ومعنى البيت: وبقائك ما أعلم أينا يكون المقدم في عدو الموت عليه، وانتهاء الأجل إليه، وإني لخائف مترقب. فموضع (على أينا) نصب لأنـه مفعول ما أدرى، والذي لا يدريه هو مقتضى هذا السؤال. وقوله (إني لأوجل) اعتراض.
وأني أخوك الدائم العهد لم أحل ... إن ابزاك خصم أو نبا بك منزل
أحارب من حاربت من ذي عدواة ... وأحبس مالي إن غرمت فأعقل
يقول: إني وديدك الذي يدوم عهده، ويتصل على تقلب الأحوال وتبدل الأبدال، ولا يحول إن تطاول عليك الخصم، أو بطش بك عدو، أو ضاق عنك منزل، فاحتجت إلى التحول عنـه والاستبدال به. وقال الخليل: يقال أبزيت بفلان، إذا بطش بـه وقهرته. وحكى الدريدي: بزاه يبزوه بزوا، إذا قهره. وأنشد:
جارى ومولاي لا يبزي حريمـهما ... وصاحبي من دواء السر مصطحب
ويبزى يكون مستقبل بزى وأبزى جميعا. والله أعلم. ويجوز أن يكون أبزى منقولا بالألف عن بزى يبزى بزى فهو أبزى، وامرأة بزواء؛ وهو الظهر وخروج البطن. ويكون المعنى: إن خفض منك خصم، أو طأطأ من إشرافك عدو، وحملك من الثقل ما يبزى له ظهرك، فلا تطيق الثبات تحته، والنـهوض به.
وقوله (أحارب من حاربت) هو تفسير دوام عهده وثبات وده. والمعنى تجدني ذابا نك واقعا معك، أرصد الشر لأعدائك، وأعهم دونك، وإن أصابك غرم حبست مالي عليك، واحتملت فيه الثقل عنك. وكان الواجب أن يقول: فأعقل عنك، لأنـه يقال عقلته إذا أعطيت دبته، وعقلت عنـه إذا غرمت ما لزمـه في ديته. وقال الخليل: الغرم لزوم نائبة في مال من غير جناية. والمال إذا أطلق يراد بـه الأبل. ويجوز أن يكون معنى فأعقل: أشدها بعقلها بفنائك، لندفعا في غرامتك.
كأنك تشفى منك داء مساءتي ... وسخطى وما في ريثي ما تعجل
قوله (مساءتي) يريد مساءتك إلى، وكذلك (سخطى) يريد سخطك علي، فأضافهما إلى المفعول. ويقال: مساءة ومسائية. والسخط والسخط لغتان، ومثله السقم والسقم، والعدم العدم، وهو نقيض الرضا. ويقال: سخطته وتسخطته، إذا لم ترض به، وإن كان في التفعل فضل تكلف. ومعنى البيت أنك تستمر في إساءتك إلى وسخطك علي، حتى كأن بك داء ذاك شفاؤه، وما تطلبه من عجلتي لا تجده في بطئي، أي ما تقدره يتعجل لك من المكاشفة بيني وبينك، واستثارة الحقد الكامن فيك، لا يحصل لك مني متباطئا أيضا. والمعنى أني أصابرك وأتركك على مداجاتك.
وإن سؤنني يوما صفحت إلى غد ... ليعقب يوما منك آخر مقبل
ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني ... يمينك فانظر أي كف تبدل

(1/346)

قوله (وإن سؤنني يوما) يقال: سوؤت فلانا، وسؤت له وجهه مساءة ومسائية. والمعنى: أني لا أؤاخذك بما يظهر من مساءتك، بل أقابله بصفح جميل عنك، انتظارا لفيئة تظهر منك في مقتبل أمرك، ومراجعة تعفى على قبيحك، فإن لم يتفق منك عقبى حسنة تنسى زلاتك، بل تتابع بين مسببات القطيعة وموجباتها بما تظهره من الجفاء والعقوق فيما يجمعني وإياك، فإنك تقطع أخا هو في مظاهرتك، وانطواؤ على مساعدتك، وال تحت طاعتكفي كل ما يعن ويعرض لك، بمنزلة يدك اليمنى، فانظر من بعد من تعتاض منـه، وعلى من تعول إذا صارمته. وانتصب (أي كف) ب (تبدل). وقوله (ليعقب يوما منك آخر) يجوز أن يكون من قولهم أعقب هذا ذاك، أي صار مكانـه، ويكون المعنى: ليصير مكان يوم من أيامك مذموم يوم آخر منـها مقبل محمود. وهذا حسن. ويجوز أن يكون أعقب غير متعد، بيعقب، ويكون قوله يوما منك ظرفا. والمعنى: ليصير ما يقبل من أمرك يوما ذا عاقبة محمودة. ويجوز أن يكون من أعقب فلان عزا، أي أبدل، ويكون المعنى: ليعقبنا يوما منك محمودا أمر آخر مؤتنف. ورأيت من يرويه: (ليعقب يوما منك آخر) بفتح الياء، ويكون من قولهم عقب فلان فلانا إذا خلفه، وهما عقيبان، وقد اعتقبا ةتعاقبا. ويكون المعنى: ليخلف يوما منك يوم آخر مقبل.
وفي الناس إن رئت حبالك واصل ... وفي الأرض عد دار القلى متحول
إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على شرف الهجران إن كان يعقل
ويركب حد السيف من أن تضيمـه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف مزحل
قوله (وفي الناس إن رثت حبالك واصل) إظهار للزهد في وداده إذالم يستقم معه. ويقال: رث الثوب يرث رثوثا ورثاثة. وقال أبو زيد وأبو عبيدة: رث المتاع وأرث جميعا. وأنشد لعدي:
أرث جديد الوصل من أم معبد
وفي طريقة ما قاله لبيد:
واحب المجامل بالجزيل وصرمـه ... باق إذا ضلعت وزاغ قوامـها
وقول أوس:
وإن قال لي ماذا ترى يستشيرني ... يجدنب ابن عم مخلط الأمر مزيلا
فيقول: إذا رغبت عن مواصلتي، وتقطعت حبال الود بيني وبينك ففي الناس واصل غيرك، وإذا نبا بي جوارك، وضاق عني أرضك وديارك ففي جوانب الأرض سعة ومزحل عنك، سيما والتحول عن دار البغض والنبو لى عادة أعتادها، وسنة أسيرها ولا أعدل عنـها، وأعلم أنك إذا لم تعط أخاك النصفة ولم توفر حقوقه متوخيا المعدلة، ولم يوجب بـه عليك مثل ما توجبه لنفسك عليه، ألفيته هاجرا لك، مشارفا قطيعتك، مستبدلا بك وبمؤاخاتك إن كانت بـه مسكة، أو يمتلكه عقل ومعرفة، ثم لا يبالي أن يركب من الأمور ما يقطعه تقطيع حد السيف ويؤثر تأثيره فيه، مخافة أن يدخل عليه ضيم، أو يلحقه عار واهتضام، متى لم يجد عن ركوبه مبعدا ومعدلا. وكما قال هذا (دار القلى) قال غيره:
دار الهوان لمن رآها داره
وقوله (من أن تضيمـه) معناه بدلا من أن تضيمـه. ويجوز أن يريد بركوب السيف على الحرب والموت. وشفرة السيف: حده. والشفير: حرف كل شيء، منـه.
وكنت إذا ما صاحب رام ظنتي ... وبدل سوءا بالذي كنت أفعل
قلبت له ظهر المجن فلم أدم ... على ذاك إلا ريث ما أمحول
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد ... إليه بوجه آخر الدهر تقبل
يقول واذا رأيت صاحبي يتجنى علي ويتجرم، ويتطلب على ما ينتج ظنـه ويولد تهممة، وطفق يفبح آثاري، ويبدل حسناتي، اتخذته عدوا، وقلبت له ظهر الترس متقيا منـه، ومدفعا له، ولم أدم على تلك الحال المتقدمة معه إلا قدر ما أتحول، وبطء ما أتثقل. فقوله(رام ظنتي) أي رام ارتفاع التهنة علي. وقوله(بالذي كنت أفعل) أي أفعله، فحذف الضمير استطالة لصلة الذي.
وقوله(إذا انصرفت نفسي) يريد أني أمد نفسي التصبر ما أمكن، فاذا أعجزتني الحال العارضة عن الاحتمال انصرفت مالكا عناني، ثم لايثنيني على ما أعرضت (عنـه) شيء أبد الدهر. (وقوله بوجه) الباء تعلق بقوله تقبل أي لم تكد تقبل إليه بوجه من الوجوه، وعلى لون من الالوان.
وقال عمرو بن قمية
يالهف نفسي على الشباب ولم ... أفقد بـه إذ فقدته أمما
إذ أسحب الريط والمروط إلى ... أدنى تجاري وأنفض اللمما

(1/347)

لاتغبط المرء أن يقال له ... أضحى فلان لعمره حكما
إن سره طول عيشـه فلقد ... أضحى على الوجه طول ما سلما
يتحسر على ما فاته من الشباب وحسن أيامـه، ونضارة العيش به، فقال: يا حسرة نفسي على مقتضى الشباب ومتوليه، فإن ما فاتني منـه لم أفارق بـه أمرا قريبا، وشيئا هينا، لكني فقدت بـه صحة بدني، وروعة وجهي، وطيب عيشي، وقوة روحي، حين كنت أجر ريطتي (وهو الإزار الذي ليس بملفق) ومروطي (وهو جمع مرط، وهو ملحفة يؤتزر بها) إلى أقرب الخمارين إلى وأنفض شعر رأسي إعجابا به، واستحسانا له، وطربا يداخلني في جميع أسبابي معه. ثم قال مزريا بالشيب وبما يكتسبه المرء اذا علاه، من إكبار الناس له، وتقديمـهم في المجالس إياه، ومن الرجوع إلى قوله، واستشارتهم فيما يعز من الخطوب رأيه، فقال: لاتغبطن الرجل ولا ترمقن ولاتجعلن محسدا اذا قيل فيه: صار فلان حكما في عشيرته لكثرة تجاربه، وامتداد عمره، ودوام مزاولته للأمور، واتصال لقائه للناس وممارسته لهم وفيهم ، لأنـه إن سره امتداد عمره، وتنفس عيشـه فلقد ظهر في نفسه من ضعف وانحناء، وعلى وجهه من ذبول وسهوم إلى غيرها مما يدل على طول سلامته التي هي الداء الذي لادواء له. ومثل هذا قول الشاعر:
وحسبك داء أن تصح وتسلما
وقول الآخر:
فدعوت ربي بالسلامة جاهدا ... ليصحني فإذا السلامة داء
وقوله (أن يقال له) أراد لايغبط لأن يقال له، ومن أجل أن يقال له. وقوله (أدنى تجاري) إظهار لغلوه في سباء الخمر وسرفه، ثم تبجح بإضافتهم إلى نفسه.
وقال إياس بن القائف
يقيم الرجال الأغنياء بأرضهم ... وترمي النوى بالمفترين المراميا
يفضل الغنى على الفقر و يبعثه على طلبه وارتياده. فقال: ترى الموسرين يتودعون، وتطول إقامتهم في دورهم وأرضهم يمتعون، والفقراء تراهم ترتمي بهم البلدان النائية، وتقذف النوى بهم المقاذف البعيدة، والمـهالك المستصعبة، فلا يهدؤون ولا يقرون. والنوى: وجهة القوم التي ينوونـها. و المرامي: جمع مرمى، وهو المكان لاغير هنا، لأنـه قابل الأغنياء بالمقترين، وأرض الأغنياء بمرامى الفقراء، لأنـهم لاتذوبهم دار أبدا، فمجال تسيارهم لكسبهم وتصرفهم كدور أولئك لهم. ومفعل يكون اسما للحدث، وزمانـه، ومكانـه.
فأكرم أخاك الدهر ما دمتما معا ... كفى بالممات فرقة وتنائيا
إذا زرت أرضا بعد طول اجتنابها ... فقدت صديقي والبلاد كما هيا
يقول: أحسن صحبة أخيك وصاحبك. وتناوله بالإكرام طول الدهر ومدة العمر، فإن المنايا كفتك مفرقة ومبعدة. وقوله(الدهر) انتصب على الظرف، وما دمتما انتصب على أنـه بدل من الدهر. وانتصب (معا) على أنـه خبر ما دمتما. ومعنى ما دمتما معا: مدة بقائكما ودوامكما مجتمعين. وقوله (كفى بالمنايا) موضع بالمنايا رفع على أنـه فاعل كفى. وانتصب (فرقة) على التمييز، أو يكون في موضع الحال، كأنـه قال: كفى بفرقة المنايا فرقة. و التقدير: كفى فرقة بالمنايا من فرقة، أو كفى المنايا مفرقة ومتنائية.
وقوله(إذا زرت أرضا بعد طول اجتنابها) هذا الكلام توجع وتشك من نوائب الدهر. يقول: أرى الإخوان تخترمـهم المنايا فهم يتفاقدون، وبلادهم وأروضهم على ما كانت عليه، فمتى زرت مكانا بعد طول العهد بـه وجدت أصدقائي مفقودين، وأماكنـهم كما كانت. وقد تقدم القول في إعراب (كما هيا) وقول صديقي يراد بـه الكثرة لا الواحد.
وقال ربيعة بن مقروم
وكم من حامل لي ضب ضغن ... بعيد قلبه حلو اللسان
ولو أني أشاء نقمت منـه ... بشغب أو لسان تيحان
كم لفظة وضعت للتكثير، كما أن رب وضع للتقليل، إلا أنـه اسم ورب حرف وله موضعان: الاستفهام، والخبر، وهو من باب الخبر هنا. والضب: الحقد.قال:
فما زالت رقاك تسل ضغني ... وتخرج من مكامنـها ضبابي

(1/348)

وأضافه إلى الضغن لأن الضغن العسر، فكأنـه حقد عسر ولجاج.فيقول: كثير من الرجال يحملون لي الضغائن، ويسرون لي البغضاء، وقد حلا منطقهم لي جريا على سنتهم في المداجاة، وبعد قلبهم مني استمرارا في طريق الشنآن لي والمعاداة، ولو شئت لانتقمت منـه بالفعل أو بالقول، فإني لساني عريض ويدي عالية، يتأتى له مكافأة كل الناس على مقدار فعله، ونقمت منـه بمعنى انتقمت. ونقم ونقم لغتان. و التيحان لا يكسر ياؤه، وقد مضى القول فيه.
ولكني وصلت الحبل منى ... مواصلة بحبل أبى بيان
وضمرة إن ضمرة خير جار ... علقت له بأسباب متان
هجان الحي كالذهب المصفى ... صبيحة ديمة يجنيه جان
قوله (ولكني وصلت الحبل منى) يقول: أبقيت على من يعاديني ولم أعجل مؤاخذته بإساءته وإصراره. وتماديه فيما أكرهه و لجاجه، لأني قد واصلت أبا بيان وعلقت حبلي بحبله؛ وكذلك احتشمت ضمرة لأنـه خير جار، وقد استحكمت بيني وبينـه أواصر حفظها عن القطيعة واجب، ولأن العصم المتينة التي تجمعنا تلزمني الوقوف فيما يكرهانـه، وترك ما لا يؤمنني استيحاشـهما، وهما مع ذلك كرام الحي لا غائلة لهما، ولاشبهة في مصافاتهما وحسن عقيدتهما، فما ودهما إلا كإبريز الذهب، المصفى، وما يظهر من معادن الذهب صبيحة مطرة تكشف عن عروق الذهب، فيجتنيه المجتنون، أي يلتقطه الملتقون. وهذا الذي وصفه يقال إنـها تكثر في نواحي اليمن و اليمامة، وتسمى تلك المعادن معادن اللقط، فإذا مطرت وانكشفت الهبوات والغبار عن وجوه حجارتها يظهر من عروق الذهب في صفائحها مثل ماوصفه أو أحسن.
وقوله (هجان الحي) ارتفع على أنـه خبر مبتدأ محذوف، كأنـه قال: هم هجان الحي. وهجان جمع، وواحده هجان أيضا، لأن فعيلا وفعالا يشتركان في الجمع كثيرا؛ فهجان جاء من هجان واحدا كظراف من ظريف. وقوله (كالذهب) في موضع الحال، وكذلك قوله(يجنيه جان) حال من الذهب المصفى. وقوله (مواصلة) يجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال، أي مواصلا، ويجوز أن يكون موضوعا موضع صلة فيكون مصدرا من غير لفظه، مثل قوله تعالى:(والله أنبتكم من الأرض نباتا): وقوله (يجنيه جان) وضعه موضع يلقطه.
؟؟وقال سلم بن ربيعة
إن شواء ونشوة ... وخبب البازل الأمون
يجشمـها المرء في الهوى ... مسافة الغائط البطين
والبيض يرفلن كالدمى ... في الريط والمذهب المصون
والكثر والخفض آمنا ... وشرع المزهر الحنون
من لذة العيش والفتى ... للدهر والدهر ذو فنون
واليسر كالعسروالغنى ... كالعدم والحي للمنون
هذه المقطوعة خارجة عن البحور التي وضعها الخليل بن أحمد، وأقرب ما يقال فيها أنـها تجيء على السادس من البسيط، وليس هذا موضعا لبسط الكلام فيه.
والنشوة :الخمر والسكر. والخبب والخبب: ضرب من السير. والبازل: التي قد استكمل لها تسع سنين فتناهى قوتها. والأمون: الموثقة الخلق. وخبر إن في قوله (من لذة العيش).
وقوله(يجشمـها المرء) من صفة البازل والمعنى يكلفها صاحبها قطع المسافة البعيدة فيما يهواه. والمسافة مأخوذة من السوف، وهو الشم. وكان الدليل إذا اشتبه عليه الطريق يفعل ذلك. والغائط: المطمئن من الأرض. والبطين: الواسع الغامض.

(1/349)

وقوله(و البيض يرفلن كالدمى) يعنى بـه النساء. ويرفلن: يتبخترن في الريط، وهي الملاءة الواسعة. والمذهب المصون؛ يراد بـه الثياب الفاخرة المطرزة بالذهب. وتعلق في من قوله(في الريط) بيرفلن، وكا الدمى في موضع الحال. و المعنى: والنساء البيض يتبخترن في المصونات من الثياب الكريمات وهن مشبهات للصور.والكثر انعطف على البيض، كما أن البيض انعطف على (وخبب البازل الأمون). و المراد بالكثرة كثرة المال ومساعدة الحال، وضده القل. وقال الخليل: كثر الشيء: أكثره، وكذلك قله أقله. و الخفض: التودع. وانتصب (آمنا) على الحال، وانعطف (وشرع) على الخفض. فيقول: إن لذات الدنيا من مأكول و وملبوس، ومركوب وقد استعمله صاحبه فيما يهواه، وكلفه قطع المسافات فيما تدعوه إليه نفسه، والنساء البيض بالصفة التي ذكرها، والغنى والراحة في الأمن والملاهي، جميع ذلك من لذة العيش. وقوله (وشرع المزهر) أي الأوتار، واحدها شرعة. والمزهر : العود. والحنون: يريد بـه الصبت من الحنين، فكأنـه أشار إلى المزهر منقورا ينقره الملهى. فانظر فإنـه جمع كل ما يلتذ بـه النفس، وجعلها تامة بما قرن بـه من حال الأمن، لأن جميع ذلك إذا عرى من الأمن لم يستعطب ولم يستمرا.
ثم قال: (والفتى للدهر والدهر ذوفنون) الواو واو الحال، وذو فنون أي ضرب. يريد: أن كل ذلك مما يتلذ العائش به، لكن الفتى مـهدف للدهر، والدهر ذو تارات: كما يهب يرتجع، وكما يسلم بعل، وكما يودع يتعب، وكما يصفى يكدر، وبعد ذلك قال:
واليسر كالعسر والغنى ... كالعدم والحي للمنون
يريد أن شيئا من هذه الأحوال لا يدوم إلا ريث ما يسلط عليه القواطع والمغيرات، فاليسار إذا حصل كالإعسار، في أن واحدا منـهما لا يبقي، وغنى النفس كفقرها، ثم انتهاء كل ذلك للحي منا إلى الموت الذي لا غاية وراءه، وليس يتخلص منـه بحيلة تنقذ، أو روية تعمل.
وقال آخر:
وأنت امرؤ إما ائتمنتك خاليا ... فخنت وإما قلت قولا بلا علم
فأنت من الأمر الذي كان بيننا ... بمنزلة بين الخيانة والإثم
يقول: أنت رجل إما وثقت بك في شيء يحتاج إلى أداء الأمانة فيه، وقد خلوت معك وأظهرت السكون إليك فخنتني، وإما أستنيم إلى ناحيتك في الخير فكذبت علي، وخبرت بما لا علم لك به، فأنت مما بيني وبينك واقف في محل بين الخيانة فيما ائتمنت فيه. والإثم فيما رجع إليك في الكشف عنـه. وقوله (ائتمنتك) هو افتعل من الأمانة، ولك أن تخفف الهمزة وتبدل منـها ياء، ولك أن تعوض من الهمزة تاء فتدغمـه في التاء التي بعدها فتقول: اتمنتك.
وخاليا انتصب على الحال، وذو الحال يجوز أن يكون الشاعر. والمعنى: جعلتك موضعا للأمانة وقد خلوت بك لئلا يتجاوزنا السر الذي أودعتك. ويجوز أن يكون حالا للمخاطب، والمعنى منفردا.
ويروى أن رجلا أتى عبيد الله بن زياد فأخبره أن عبدالله بن همام السلولي سبه وأسرف جهارا، لا حشمة تردعه، ولا رقبة تمنعه. فأرسل عبيد الله إلى ان همام واستحضره ليقابله بالرجل، ويتبين من حضورهما صحة الخبر، فأتاه ابن همام، فلما استقر بـه المجلس قال عبيد الله: يا ابن همام، إن هذا يزعم أنك قلت كذا وكذا. فأقبل ابن همام على الرجل وخاطبه بقوله: (أنت امرؤ إما ائتمنتك خاليا) ... البيتين.

(1/350)

فإن قيل: ما موضع (إما ائتمنتك) من الإعراب؟ قلت: هو في موضع الرفع على أن يكون صفة لامرىء. وإما هذه هي التي تعد في حروف العطف، والكلام خير. يريد: أنت رجل لا تخلو مما تصك بـه وجهي من أحد الأمرين اللذين أذكرهما. فهو كما تقول: أنت رجل إما صالح وإما طالح. وقوله (فخنت) انعطف على ائتمنتك، كأنـه قال: أنت رجل إما مؤتمن فخائن، وإما قاتل قولا لا علم لك به. وقوله (وإما) الواو هي العاطفة. وإما كأو في أنـه لأحد الأمرين، إلا أن (أو) يبنى الكلام فيه على اليقين، ثم يعترض ما يخرج بـه عنـه؛ و (إما) يبنى الكلام فيه على عين اليقين. ولهذا الذي قلناه قال حذاق أصحابنا: إنـه ليس من حروف العطف، وكيف يكون منـها وهو يحيء قبل ما يعطف عليه أو مع حرف العطف. تقول: رأيت إما زيدا وإما عمرا. فإما الأولى سابق المعطوف عليه وهو زيد، وإما الثانية معها الواو العاطفة. وقوله (فأنت من الأمر الذي كان بيننا) مبتدأ وخبره (بمنزلة) وبين الخيانة صفة للمنزلة. والمعنى: أنت مما بيننا في موقف يشفي بك إما على الخيانة فيما ائتمنت فيه، وإما على الإثم فيما تستشـهد فيه، فتقول بما لا علم لك به.
وقال شبيب بن البرصاء
قلت لغلاق بعرنان ما ترى ... فما كاد لي عن ظهر واضحة يبدي
عرنان: إسم واد. وقوله (عن ظهر واضحة) يجوز أن يريد عن ظهر خصلة بينة والمراد: لما استشرته وقد حصلنا بعرنان ارتبك فلم يكد يكشف لي عما يصح المراد به، ويمكن الإعتماد عليه. ويجوز أن يريد بالواضحة السن. والمعنى: لم يكد يتهلل أو يكشف عن أسنانـه بـه ضاحكا أو كاشرا. ويكون استعمال الواضحة كما قال طرفة:
كل خليل كنت عاهدته ... لا ترك الله له واضحه
وقوله (تبسم كرها) يدل على الوجه الثاني.
تبسم كرها واستنبت الذي بـه ... من الحزن البادي ومن شدة الوجد
إذا المرء أعراه الصديق بدا له ... بأرض الأعادي بعض ألوانـها الربد
انتصب كرها على أنـه مصدر في موضع الحال. يقول: بسم لي كارها فتبينت الذي بـه من حزن ظهر عليه، ومن وجد استكن في قلبه. ويقال استنبت وتبينت بمعنى واحد. وبسم وابتسم بمعنى واحد، إلا أن في تبسم زيادة معنى التكلف، كأنـه تكلف منـه ما تكلف على كراهية. وقوله (إذا المرء أعراه الصديق) يريد به: إذا الرجل خذله صديقه وقعد عن نصرته، وتركه بالعراء، في أرض الأعداء، بدا له من ألوان الأرض يكون إذا اسودت بعضها. وهذا التفصيل والتبعيض دل على أن اسوداد الأرض يكون من وجوه عدة، وللحالة التي أشار إليها ما يختص بها، ويجب أن يكون شدها . وهذا لأن ما يرد على النفس من المكاره مراتب، فاسوداد الأرض عليه لها حسب مقاديرها في أنفسها.
وقال سالم بن وابصة
أحب الفتى ينفي الفواحش سمعه ... كأن بـه عن كل فاحشة وقرا
سليم دواعي الصدر لا باسط أذى ... ولا مانع خيرا ولا قائل هجرا
يقول: أحب من أخلاق الفتى أن يكون متكرما إذا طرق أذنـه ذكر الفواحش، فلا بعيها ولا يجعلها من نفسه ببال، حتى كأن بـه صمما عن أنواع الفواحش كلها.
وقوله (سليم دواعي الصدر)، ارتفع سليم لأنـه خبر مبتدأ محذوف، كأنـه قال: هو سليم، ويكون ما بعده صفات له. ويريد بالدواعي ما يتعلق بالأغيار منـه لاما يخصه في نفسه. ألا ترى أنـه فسره بقوله (لا باسط أذى ولا مانع خيرأ ولا قائل هجرا) وكل ذلك للغير لا للنفس. ويكشف هذا أنـه إذا بسط أسباب الأذى عاد الضرر منـها لا عليه. وإذا منع خيره كذلك عاد الضرر على المنتفع بـه وعلى هذا إذا قال هجرا. والهجر: الفحش. ويقال: أهجر الرجل، إذا أنى به. وقد كان من فلان هاجرة. على ذلك قوله:
إذا ما شبت نالك هاجراتي
ولك أن تنصب (سليم) بما بعده، فيكون في موضع الحال، وما يتبعه صفات له، وهو لا باسطا أذى ولا مانعا خيرا ولا قائلا هجرا.
إذا ما أتت من صاحب لك زلة ... فكن أنت محتالا لزلته عذرا
غنى النفس مايكفيك من سد حاجة ... فإن زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا
يقول واعظا ومـهدئا: إذا اتفقت من صديق لك زلة، أو وقوف موقف تهمة، فحسن أمره في ذلك واحمله على ضروب مما يبسط عذره فيه، بل كن أنت المحتال لعذره، فلا تحوجه إلى تكلف الأعتذار.

(1/351)

وقوله (غنى النفس ما يكفيك من سد حاجة) يقول: خذ من دنياك ما تسد بـه فقرك، فإن غنى النفس ما يضمن الكفاية، فإن زاد قليلا عاد ذلك بزيادتك فيه الفقر، وذاك أن الدواعي إنما تكثر وتتوسع الأسباب وكثرتها، وما يفضل عن الكفاية يمت كل جزء منـه بماتة صاحبه فلا يكاد يكتفي ببعضه إلا وما عداه يمت بمثل ماتته. وإذا صار الأمر على ذلك فكل منزلة ينتهي إليها طلب الفضل تدعوه إلى مافوقها، فيبقى أبدا متعبا فقيرا. وقوله (فإن زاد، شيئا) انتصب شيئا على المصدر، لأنـه واقع موقع زيادة. وزاد هاهنا بمعنى ازداد، فلا يتعدى. وانتصب فقرا على الحال.
وقال آخر:
وكم من لشيم ود أنى شتمته ... وإن كان شتمي فيه صاب وعلقم
وللكف عن شتم اللئيم تكرما ... أضر له من شتمـه حين يشتم
اللئيم: الذي اجتمع فيه خصال مذمومة في نفسه وأبويه. فيقول: كم من رجل دنى النفس والأصل، يتمنى أن أتخذه نظيرا لي أكابله وزنا بوزن، وأكافيه لفظا بلفظ، وإن كان في هجوى له وشتمي إياه ما يجري مجرى الصاب والعلقم في المرارة. والصاب: شجرة لها لبن فإذا أصاب العين حلبها. والعلقم: الحنظل. وقال الخليل: يقال: علقم الحنظل، إذا اشتدت مرارته. ثم قال: لإمساكي عن مشاتمة اللئام آخذا بالكرم، أصون لعرضي، وأعود عليهم بالضرر من كل ذم وهجو. وانتصب (تكرما) على أنـه مصدر في موضع الحال، أي متكرما، ويجوز أن يكون مفعولا له، أي للتكرم.
وقال عقيل بن علفة
وللدهر أثواب فكن في ثيابه ... كلبسته يوما أجد وأخلقا
وكن أكيس الكيسي إذا كنت فيهم ... وإن كنت في الحمقى فكن أنت أحمقا
ذكر الأثواب مثل، وإنما يريد تلون الدهر بأهله، وتصرفه بأحداثه وتاراته وغيره. واللبسة: اسم حالة اللابس. أي البس ثيابه لبسته مجدا أو مخلقا، وإن أجد أو أخلق، لأن الحال يتضمن معنى الجزاء. والقصد إلى توصية المخاطب بأن يطلب موافقة الناس في دهرهم، ويتخلق بأخلاقهم. والقصد إلى توصية المخاطب بأن يطلب موافقة الناس في دهرهم، ويتخلق بأخلاقهم. ومعنى أجد: جعل ثوبه جديدا. وكذلك أخلق الثوب نفسه فهو مخلق؛ وهذا أشـهر من الأول. وقد قيل في الدعاء للآبس الجديد: (أبل وأجدد) يراد بـه فعل مثله في المستأنف، واتصال عمره. وقد صرح عن المعنى فيما بعده، لأنـه قال: وكن أكيس الكيسى إذا كنت فيهم. والمعنى: تكيس مع الأكياس، بل اجتهد أن تفوقهم في كيسهم وإن ابتليت بحمقى فتحامق معهم. وقوله (كن أنت) أنت توكيد للمضمر في كن. و(أحمقا) يجوز ألا يريد بـه أفعل الذي يتم بمن ويكون المعنى تحامق. ويجوز أن يكون أفعل الذي يتم بمن، وقد حذف منـه من لأنـه خبر فجاز ذلك فيه. ويدل على هذا أنـه قال: كن أكيس الكيسى. وقد قيل: ما أحمقه، لأنـه ليس من الخلق في شيء. ألا ترى أن صاحبه يوبخ على ما يأتيه منـه. فأما قوله (الحمقى) ففعلي جمع فيما يكون بلاء وزمانة. على ذلك الجرحى والمرضى، فشبهت الحماقة به، ثم حمل الكيسى عليه، لأنـهم يحملون النقيض على النقيض كثيرا.
وقال بعض الفراريين
أكنيه حين أناديه لأكرمـه ... ولا ألقبه والسوءة اللقبا
كذاك أدبت حتى صار من خلقي ... إني وجدت ملاك الشيمة الأدبا
يصف حسن عشرته لصاحبه وجليسه، ومؤاخذة نفسه بصيانته وإكرامـه فيقول: إذا خاطبته خاطبته بأحب أسمائه إليه، وهو الكنية، وأعدل عن نبزه ولقبه؛ لأني على هذا أدبت، حتى بـه تطبعت، فصار خلقا ثانيا لي وإن كان أصله تخلقا؛ إني وجدت الأدب ملاك الأخلاق. والملاك: اسم لما يمتلك بـه الشيء، فهو كالرباط والنظام وماأشبهما. وقوله (ولا ألقبه والسوءة اللقبا) ينصب السوءة. فتنصب اللقب من ألقب، وينتصب السوءة على أنـه مفعول معه، فيكون من باب: جاء البرد والطيالة. والتقدير: لا ألقبهاللقب مع السوءة. ويجري هذا المجرى قوله تعالى: فأجمعوا أمركم وشر كاءكم ، لأن المعنى مع شركائكم. ويكون المراد: لا أجمع بين اللقب ومايسوءه من فحش الكلام. فهذا وجه للنصب. ويجوز أن يكون انتصاب السوءة على المعنى، كأنـه قال: ولا آتي السوءة، فعمل فيه معنى لا ألقبه، فيكون على هذا من باب:
ياليت بعلك قد غذا ... متقلدا سيفا ورمحا
و
علفتها تبنا وماء باردا

(1/352)

ويجوز أن يمون السوءة مفعولا به، وقد عمل ماقبل الواو فيه، كما تقول: مازلت وزيدا حتى فعل كذا، أي مازلت بزيد حتى فعل. وتقدير الباب في هذا أكشف من تقدير مع وإن تقارب معنياهما، كأنـه قال: لا ألقبه اللقب بالسوءة. ويقال: سميته كذا وبكذا، ولقبته كذا وبكذا. قال الله تعالى: ولا تنابزوا بالألقاب . وإن رفع فارتفاعه يجوز أن يكون بالإبتداء ويكون الخبر مضمرا، كأنـه قال: والسوءةذاك، يعني إن لقبته فالفحش فيه. ويجوز أن يكون مبتدأ وخبره للقبا، ويكون مصدرا كالجمزى والوكرى وما أشبههما. والمراد: والفحش استعمال اللقب معه، ويكون تفظيعا للأمر لو فعل. ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنـه قال: لا ألقبه اللقب، وهو السودة. وهذا أقرب. والسوءة: الفعلة القبيحة. قال الشاعر:
يالقوم للسوءة السواء
ويسمى الفرج السوءة، لقبحه. وفي القرآن: فبدت لهما سواتهما . ويقال: سوءة لفلان ! دعاء عليه.
وقال رجل من بني قريع
متى ماير الناس الغنى وجاره ... فقير يقولوا عاجز وجليد
وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ... ولكن أحاظ قسمت وجدود
أخرج هذا الكلام مخرج الإنكار لما تعوده الناس في الحكمعلى الأغنياء والفقراء. فيقول: مما يقضى بـه الناس على الغنى وإلأى جنبه فقير، ان يقولوا: هذا من عجزه أتى، وهذا لجلادته أغنى. وهذا خطأ، لأن الغنى والفقر مما قدر الله تعالى وأجرى بـه قسمـه في خلقه، وليس المعتم فيه على احتيالهم، وسعيهم واجتهادهم، لكنـها جدود وحظوظ درجوا عليها، وخلقوا لها، على ماعرف الله تعالى من صالح خلقه.
وجواب (متى ما ير) قوله (يقولوا). وارتفع عاجز على أنـه خبر مبتدأ محذوف، كأنـه: هذان عاجز وجليد.
إذا المرء أعيته المرورءة ناشئا ... فمطلبها كهلا عليه شديد
وكأن رأينا من غنى مذمم ... وصعلوك قوم مات وهو حميد
قوله (إذا المرء أعيته) بعث وتحضيض على النـهوض في طلب المعالي في ابتداء النشء، وحين كان في القوة فضلة، وفي العمر مـهلة، حتى تتلاقى أوائل عمره وأواخرهفي طلب الرياسة، وإقامة المروءة، وأنـه إن ع بما عليهفي ذلك وماطل انتظارا لأحوال تجتمع له ، فاكتهل ولما تساعده تلك الأحوال فإنـه يتعذر عليه طلبها، ويشتد عليه إدراكها. وانتصب (ناشئا) على الحال، والعامل فيته أعيته. ويقال: فتى ناشىء، أي شاب. قال الخليل: ولا يوصف بـه الجارية. والناشئة: أول الوقت، من هذا. وينتصب (كهلا) على الحال أيضا، والعامل فيه مطلبها، لأن المعنى مطلبه لها وهو كهل، فالمصدر مضاف إلى المفعول، أو مطلبه لها إذا كان كهلا، ومثله: هذا تمرا أطيب منـه بسرا.
وقوله (وكائن رأينا) كائن بمعنى كم. وكأنـه أخذ يفضل الفر إذا جرى صاحبه في محمود الطرائق من التجمل، والإكتفاء والتعفف، على الغنى وصاحبه يبطر، ويطفى ويأشر، ثم لا يؤدي حق النعمة عليه، فقال: كم من غنى ساعدته الدنيا والأقدار، ثم أصبح مذمما حين لم يلتزم شروط محمود الغنى، وكم من فقير قوم لما جرى في ميدان العفاف والتجمل، والرضا بماله والتشكر، مات وهو حميد الطريقة، رضى السريرة. والصعلوك: الفقير. ويقال: صعلكته، أي ذهبت بماله كله.
وقال بعضهم:
وأضحت أمور الناس بغشين عالما ... بما يتقى منـها وما يعتمد
جدير بإلا أستكين ولا أرى ... إذا الأمر ولى مدبرا أتبلد
قوله (يغشين عالما) أي يغشين منى عالما، لأن العالم هو هو، فحذف منى. والمعنى : إني باشرت الأمور العظيمة، ولا بست الخطوب الجليلة، فصرت بطول تجربتي، واتصال ممارستي، عالما من أمور الناس إذا وردت أخبارها على بما يتحامى منـها ويحذر، وما يتمنى منـها فيطلب. فلا جرم أني خليق بألا أضرع عند نوائب الدهر ولا أخضع، ولا أرى إذا فاتني أمر أتحسر في إثره وقد ولى، وأضرب بلدة إحدى كفى بالأخرى، ثوجعا وتلهفا، إذا كنت واثقا بأن الأمور يملكها التغير، وأن الفائت يتلافى، فلا يدوم شيء على حال إلا ريث ما يتسلط عليه انتقال.

(1/353)

وقال الدريدي: تبلد الرجل، إذا تحير في أمره فأقبل يضرب بلدة نحره بيده. وبلدة النحر: الثغرة وما حواليها. وقال الخليل: التبلد: نقيض التجلد وهو استكانة وخضوع. وبلد الرجل، إذا انكسر في العمل وضعف.
وقال آخر:
وإنك لا تدري إذا جاء سائل ... أأنت بما تعطيه أم هو أسعد
عسى سائل ذو حاجة إن منعته ... من اليوم سولا أن يكون له غد
وفي كثرة الأيدي لذي الجهل زاجر ... وللحلم أبقى للرجال وأعود
هذه الأبيات تشبه قول الآخر:
وأكرم كريما إن أتاك لحاجة ... لعاقبة إن العضاه تروح
وقوله الأخر:
لا تهين الفقر علك أن ... تركع يوما والدهر قد رفعه
وقوله (أأنت بما تعطيه أم هو أسعد) تقديره أأنت أسعد بما تعطيه أم هو. وأم هذه هي المتصلة المعادلة لألف الاستفهام، فانعطف هو بـه على أنت. وقد يجيء الخبر في مثله مكررا، كقول الشاعر:
بات يقاسي أمره أمبرمـه ... أعصمـه أم السحيل أعصمـه
فيكون التكرار فيه على طريق التأكيد. ويجري (بين) هذا المجرى في نحو قولهم: بين زيد وبين عمرو خلاف، ولو لم يكرر بين لكان الوجه. والشاعر يقول: اذا زارك سائل فتوفر عليه، ولين قولك وجانبك له، فإنك لاتعلم أأنت أسعد بما يناله منك أم هو، واعلم أن المحتاج إليك إن منعته سؤله وطلبته فهو حقيق بأن ينال ما منعته في غده. وقوله (أن يكون له غد) في موضع خبر عسى، والضمير من له يعود إلى السائل، و المعنى: عساه إن منعته سؤله من يوم كان عليه، أن يكون غد ذلك اليوم له، ولهذا قال الله عز وجل: وتلك الأيام نداولها بين الناس ، فغد يرتفع بيكون، وله في موضع الخبر.
وقوله(وفي كثرة الأيدي لذي الجهل زاجر) يريد استبق إخوانك وذويك، واعلم أن في التكاثر بهم مزجرة للجاهل، ولتعاون أيديهم مدفعة لأذى المغلب الخامل. ومع ذلك فالحلم أبقى شأنا وأمرا للرجال، وأرد عليهم وأنفع لهم. وهذه الوصاة اشتملت على أمرين: أحدهما اكتساب مودات الإخوان لكي يكونوا إذا احتيج إليهم عونا. والثاني استعمال الحلم مع الأعداء، والجري معهم على حد لايخرجهم إلى المكاشفة، ولا يحوجهم إلى خرق الهيبة. وقوله (من اليوم سولا) يقال: أعطى فلان سوله، فيهمز ولا يهمز.
وقال آخر:
إياك والأمر الذي إن توسعت ... مداخله ضاقت عليك المصادر
فما حسن أن يعذر المرء نفسه ... وليس له من سائر الناس عاذر
انتصب (والأمر) بفعل مضمر. وإياك ناب عن أحذرك، فكأنـه قال: أحذرك أن تلابس الأمر الذي إن توسعت موالجه ضاقت عليك مخارجه. والمعنى: تأكل كل ما تلابسه، واعرف أواخره وإن اشتبهت، كما تعرف أوائله وإن تبينت، لأنـه يقبح بالمرء أن يكون فيما يقتحمـه عند نفسه معذورا، وعند الناس ملوما.
وقوله (فما حسن أن يعذر المرء نفسه) في إعراب (أن يعذر) وجوه: أحدها أن يرتفع بالابتداء وخبره متقدم عليه، وهو حسن، لأن ما النافية إذا قدم خبره على اسمـه يبطل عمله. ويجوز أن يكون موضعه رفعا بفعله وفعله حسن، ويرتفع حسن بالابتداء، ويستغنى بفاعله عن خبره، وجاز الابتداء بحسن وإن كان نكرة لاعتماده على حرف النفي. والمعنى: ما يحسن عذر المرء نفسه فيما يتولاه وليس له من الناس عاذر. ويجوز أن يرتفع (أن يعذر) بأنـه خبر المبتدأ الذي هو حسن، وهذا أضعف الوجوه. ويروى: (إن توسعت موارده ضاقت عليك المصادر) وقوله (من سائر الناس) أي من باقي الناس، وهو من السؤر. ومن موضع الجميع فقد أخطأ.
وقال العباس بن مرداس
ترى الرجل النحيف فتزدربه ... وفي أثوابه أسد مزير
ويعجبك الطرير فتبتليه ... فيخلف ظنك الرجل الطرير

(1/354)

ينبه بهذا الكلام على أن الرجال ليسوا بجزر يطلب عظمـها وسمنـها، لأن المرء بأصغريه: قلبه ولسانـه. فيقول: ترى الرجل النحيف المـهزول الدقيق، فتستحقره لضؤولته، واذا فتشت عنـه واستشفقت ما وراء ظاهره وجدته أسدا مزيرا. و المزير هو الجلد الخفيف النافذ في الأمور. ويروى: (يزير) وليس بجيد من طريق المعنى، فكأنـه أصله يزئر فنقلت الحركة إلى الزاء وأبدل من الهمزة ياء، كما يقال المراة و الكماة، في المرأة والكمأة. وإنما ضعف من طريق المعنى لأن تشبيهه إياه بالأسد لا فائدة لذكر الزئير معه، إذ لاتدوم حاله على ذلك. ووجهه على ضعفه أن يكون مورد (يزئر) تأكيدا للتشبيه، كما يستعار صفة المشبه بـه للمشبه وإن كان حصوله لو حصل ذما فيه، تأكيدا للتشبيه. على ذلك قوله:
أزل إن قيد وإن قاد نصب
والزلل من صفة الذئب. ومثله قول الآخر:
صكاء ذعبلة إذا استدبرتها
والصكك من صفة النعام.
وقوله (فيعجبك الطرير) فالطرير: الشاب الناعم ذو الكدنة. فيقول: ويتفق في الرجال من يعجبك خلقته، فإذا بلوته وامتحنت أخلاقه وجدته لايصدق ظنك فيه، بل يخلف ويخالف في كل ما تعتمد عليه، أو تكله إليه.
فما عظم الرجال لهم بفخر ... ولكن فخرهم كرم وخير
ضعاف الطير أطولها جسوما ... ولم تطل البزاة ولا الصقور
بغاث الطير أكثرها فراخا ... وأم الصقر مقلات نزور
صرح عن الغرض المقصود فيما تقدم فقال: إنما يحمد من المرء كرمـه وفضله وكثرة محاسنـه وخيره، وكل ذلك يرجع إلى الأخلاق لا إلى الخلق، فلا اعتبار بالعظم، ولا فخر في البسطة إذا حصلت في الجسم خاصة من دون العلم. ثم أخذ يمثل فقال: ترى الطير ضعافها كالكراكي وطيور الماء أطولهاجسوما، وأمدها أعناقا وسوقا، ثم كرائمـها كالبزاة و الصقور، وهي تصيد ما وزنـه يتضاعف على وزنـها. وما طوله وعرضه يتزايد على طولها وعرضها، ثم بغائها وهي صغارها ومصطادها أكثر فراخا وأوسع نسلا، وأم الصقر قليلة الفراخ مقلات لايبقى لها أيضا ما تفرخه. وانتصب (جسوما) و (فراخا) على التمييز. والمقلات: مفعال من القلت، وهو الهلاك. والنزور: القليلة الأولاد، من النزر، وهو القليل.
لقد عظم البعير بغير... فلم يستغن بالعظم البعير
يصرفه الصبي لكل وجه ... ويحبسه على الخسف الجرير
وتضربه الوليدة بالهراوي ... فلا غير لديه ولا نكير
لما ضرب المثل بذوات الأجنحة و الماشية على رجلين، عاد يذكر من ذوات الربع مثل ذلك فقال: ترى البعير مع عظمـه وقوته، وصبره على النـهوض بالأعباء الثقيلة، والأحمال العظيمة، لما لم يصحب عظمـه اللب، وقوته التمييز، لم يستغن بما أعطي من ذلك، بل تراه مسخرا لأن يديره الصبي على وجه من وجوه التذ ليل، ةيحبسه زمامـه على كل خسف وهضم، حتى أن الوليدة تضربه أوجع الضرب، فلا إنكار منـه ولا ذهاب عنـه، ولاتغيير إليه ولا نكير لديه.
وقوله(الهراوي) جمع هراوة، ووزنـه فعائل هرائي، لأن فعيلة وفعالة يشتركان في هذا البناء من التكسير، تقول: صحيفة وصحائف، ورسالة ورسائل، إلا أنـهم فروا من الكسرة وبعدها ياء إلى الفتحة، فصار هراءا، فاجتمع همزة وألفان فكأنـه قد اجتمع ثلاث ألفات أو ثلاث همزات، فأبدلوا من الهمزة واوا فصار هراوى. فإن قيل: هلا أبدلت منـه الياء، كما فعلته في مطايا وما أشبهها؟ قلت: أرادوا أن يظهر في الواو كما ظهر في الواحد ليتميز بنات الياء عن بنات الواو.
فإن أك في شراركم قليلا ... فإني في خياركم كثير
يقول : إن كثرني شراركم وأراذلكم، لوفور عددهم وكوني واحدا فيهم، فإني أكثر خياركم وأغلبهم لقلتهم وكثرتي، وذلك أني أنوب عن جماعة إذا عد الأخابر. ويجوز أن يريد أنـه لاخيار لكم، فأنا وإن كنت واحدا من حيث العدد، كثير إذا طلب الخيار منكم، إذ لم يكن لكم خيار. وقد مضى القول في غير موضع في حذف النون من لم أك وإن أك.
وقال بعضهم:
أعاذل ماعمري وهل لي وقد أتت ... لداتي على خمس وستين من عمري
رأيت أخا الدنيا وإن كان خافضا ... أخا سفر يسرى بـه وهو لايدري
مقيمين في دار نروح ونغتدي ... بلا أهبة الثاوي المقيم ولا السفر

(1/355)

وقوله (ما عمري) استفهام على طريق التحقير والاستقلال، فكأنـه العاذلة كانت عتبت عليه في تبذير وإنفاق، وخوفته العواقب وما تؤدى إليه باتفاق، فأخذ يجيبها ويقول: يا عاذلة، أي شيء عمري، وكيف يدوم بقائي حتى أخوف بالفقر، وهل لي عمر وأقراني يعدون خمسا وستين سنة. ثم أخذ يذم الحريص على الدنيا وأعراضها، ويقص ما تستوي فيه أقدام الخلائق من إرصاد الفناء لها فقال: رأيت صاحب الدنيا وإن كان متودعا مقيما، كامسافر يسار بـه وهو لا يعلم؛ وذلك لأن له أجلا يساق إليه، ومنتهى من العمر يحال عليه، فالأيام تأخذ منـه،وتنقص من عمره، فهو كالمسافر وقد انتوى نية فما يقطعه من المسافة يقربه من مقصده، ويعجل وصوله إلى أمده.
وقوله(مقيمين في دار) انتصب على الحال من قوله (أخا الدنيا)، لأنـه أراد بـه الكثرة، فهو كأسماء الأجناس. وقال: (نروح ونغتدي) لأنـه من إخوان الدنيا، فادخل نفسه فيهم. وقوله (بلا أهبة الثاوي المقيم ولاالسفر) يريد: لانأمل البقاء في هذه الدنيا، ولا نأمن الفناء، فلسنا كالثاوي فنتأهب أهبته، ولا كالمسافر فنعد عدته. واراد بالثاوي المقيم الكثرة لا الواحد. وقد تقدم القول في حقيقة العمر.
وقال بعضهم:
لاتعترض في الأمر تكفى شؤونـه ... ولاتنصحن إلا لمن هو قابله
ولاتخذل المولى إذا ما ملمـه ... ألمت ونازل في الوغى من ينازله
يوصى مخاطبه بأن يعرض عن الأمر الذي لايعنيه، ويترك الاعتراض فيه، والا يتنصح إلا لمن يرجو قبول النصح منـه، وبألا يخذل ابن إذا نزلت بـه نازلة، بل من ينازله، ويناوىء من يناوئه. وهذا على طريقتهم في قولهم: (انص أخاك ظالما أو مظلوما). وأصل الوغى هو الجلبة والصوت. وقوله (في الأمر تكفى شؤونـه) يريد تكفى أسبابه وجوانبه. والضمير من (قابله) لما دل عليه قوله لاتنصحن، وهو النصح.
وقال منظور بن سحيم
ولست بهاج في القرى أهل منزل ... على زادهم أبكى وأبكى البواكيا
فإما كرام موسرون أتيتهم ... فحسبي من ذي عندهم ما كفانيا
وإما كرام معسرون عذرتهم ... وإما لئام فادكرت حيائيا
يصف نفسه بالتعفف عن المطامع الدنية، والمطامع الذميمة، فيقول: لاأهجو بسبب القرى، وهو ما يقدم إلى الضيف، ولا أشكو أهل دار فأبكي على ما يفوتني من زادهم وأبكي غيري معي. وقوله (أبكي وأبكي البواكيا) لا بكاء ثم، وإنما أراد تفظيع التأسف. فيريد: لا آسف لما أرى من الحرمان أسف من يبكي ويبكي غيره تهالكا على مال غيره، وتوجعا لشدة نـهمته.
وقوله (فإما كرام) فصل بين حرف الجزاء والفعل بقوله كرام، فارتفع بفعل مضمر دل عليه الفعل الذي بعده. كأنـه قال: فإما يقصد كرام موسرون أتيتهم. وقوله (فحسبي) في موضع الابتداء، و (ما كفاني) في موضع الخبر، والفاء ما بعده جواب الشرط. وقوله (من ذي عندهم) أراد من عندهم. والعرب تقول: هذا ذو زيد، يريدون: هذا زيد. وهذا من إضافة المسمى إلى الاسم. قال الكميت:
إليكم ذوي آل النبي تطلعت
يريد أصحاب ذا الاسم. وقال الأ عشى:
فكذبوها بما قالت فصبحهم ... ذو آل حسان يزجى الموت والشرعا
أي العسكر الذي يقال له آل حسان.
ويروى : (من ذو عندهم) ويكون ذو بمعنى الذي، وعندهم في صلته، وذو هذه طائية. والمعنى: لايخلو من أقصده وأنزل بـه من وجوه: إما أن يكونوا قوما يرجعون إلى كرم ويسار، فيتوفرون على حسب ما يقتضيه كرمـهم وأكتفى من الذي عندهم لي بما يكفيني، وإما أن يكونوا كراسسما مضيقين أثر الدهر فيهم، فأعذرهم لإضاقتهم، وعلمي بحالهم. فقوله (وإما كرام معسرون) بيانـه: وإما قصد كرام مضيقون عذرتهم في تقصيرهم، وإما أن يكونوا قوما لئاما في أخلاقهم دناءة، وفي أعراقهم نذالة، فتذكرت حيائي وصيانتي لنفسي، فلم أبذل لهم وجهي، ولم أبتذل بتقاضيهم ومطالبتهم جاهي.
وعرضي أبقى ما ادخرت ذخيرة ... وبطني أطويه كطي ردائيا
قوله (أبقى ما ادخرت) ما في موضع الجر، كأنـه قال: عرضي أبقى شيء أدخره ذخيرة، أي اكتسبه ذخيرة. فعلى هذا ينتصب (ذخيرة) على الحال المؤكدة لما قبله. وادخر: افتعل من الذخر لكنـه ابدل من التاء دالا فأدغم الدال فيه، فلك أن تقول ادخر ولك أن تقول اذخر.

(1/356)

وهذا الكلام بيان ما يأخذ بـه نفسه من الصيانة والقناعة، وسلوك طرائق الانقباض عما يشين ولايزين من الانبساط إلى اللئام. فكأنـه قال: أبقي على عرضي، لأنـه أعز الذخائر لي، وأطوي بطني عن المآكل المردية كما أطوي ردائي، إذ كان التزهد قيما يخزي أولي عندي.
وقال سالم بن وابصة
ونيرب من موالي السوء ذي حسد ... يقتات لحمي وما يشفيه من قرم
داويت صدرا طويلا غمره حقدا ... منـه وقلمت أظفارا بلا جلم
النيرب: النميمة والعداوة وقوله (ونيرب) أراد وذي نيرب، والمصدر وما يجري مجراه إذا وصف بـه إما أن يكون على حذف المضاف، وإما أن يجعل الموصوف نفس الحدث لكثرة وقوعه منـه. فيقول رب ذي نيرب حسود من موالي السوء، يغتابني بظهر الغيب، ويأكل لحمي ولا يشفيه ذلك من قرم. والقرم : شـهوة اللحم. والمعنى أنـه لايكفيه ما يتناول مني وإن كان لا يألو جهدا في ثلبي. وجواب رب قوله (داويت) من البيت الثاني. ويقتات: يفتعل من القوت، وهو فعل المطاوعة. ويقال: قاته كذا فاقتاته.
ومعنى (داويت صدرا طويلا غمره) أي صابرته على مداجاته وانطوائه على حقدي، فدفعت شره عن نفسي بطول مداواتي، وفللت حده بترك مكاشفته حتى لم يجد إلى إثارة كامن غمره طريقا، فاحتاج إلى الإمساك عن أذاتي، لدوام تمسكي بمجاملته شاء أو أبى. وقوله حقدا هو اسم الفاعل من حقد، وهولغة في حقد. يقال حقد يحقد فهو حقود، وحقد يحقد فهو حقد.
بالحزم والخير أسديه وألحمـه ... تقوى الإله وما لم يرع من رحمي
فأصبحت قوسه دوني موترة ... يرمي عدوى جهارا غير مكتم
الباء من قوله (بالحزم) تعلق بقلمت او داويت من البيت المتقدم. والخير: الكرم، وقيل: هو الهيئة والطبيعة، يقال: هو كريم الخيم والخير جميعا وقوله (أسديه وألحمـه) خبران لف أحدهما بالآخر. فقوله (تقوى الإله) يرجع إلى أسديه، و (ما لم يرع من رحمي) رجع إلى ألحمـه. والمعنى: داويت صدره أي مكنون صدره، وقلمت ظفره باستعمال الحزم والخير معه، ثم جعلت تقوى الله تعالى سدى ما بيني و بينـه، وألحمته رعاية ما ضيعه من الرحم، فلا جرم أنـه كف من شأو شره وغرب عداوته، وأقبل في الظاهر يعادي من يعاديني، فقوسه الآن موترة دوني يرمي منـها أعدائي بأسهم النصرة. مجاهرة لا مكاتمة.
إن من الحلم ذلا أنت عارفه ... والحلم عن قدرة فضل من الكرم
نبه بهذا الكلام على أن تحلمـه عن أدانيه كان عن قدرة لا عن عجز ونقيصة، ولو شاء لانتقم منـهم. وأنـه لم يكسبه إمساكه عن مجاذبتهم ذلا، ولو كان يفضي بـه الحال إلى ذلك لما فعل، فتحلمـه كرم، وإبقاؤه على ما يجمعه وإياهم من قربي وقرابة تقي و تفضل. وقوله (فضل من الكرم) يريد أنـه نوع من الفضل يعد في خصال الكرم. ومثل هذا قول الآخر:
جهول إذا أزرى التحلم بالفتى ... حليم إذا أزرى بذي الحسب الجهل
وقال بعضهم:
وأعرض عن مطاعم قد أراها ... فأتركها وفي بطني انطواء
فلا وأبيك ما في العيش خير ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
يماثل هذا قول الآخر:
ولقد أبيت على الطوى وأظله ... حتى أنال بـه كريم المطعم
قوله (وأظلله) يريد أظل عليه، فحذف حرف الجر، كما قال:
لولا الأسى لقضاني
أي لقضى علي.
وقال نافع بن سعد الطائي
ألم تعلمي أني إذا النفس أشرفت ... على طمع لم أنس أن أتكرما
ولست بلوام على الأمر بعدما ... يفوت ولكن عل أن أتقدما
يقول: أما علمت من أخلاقي الكف عن كثير من المباغي الجالبة لقالة الناس وتصرفهم في الحكم عليه وله، وأنني إذا أمكنني الفوز بالمطامع القريبة والمآكل الهنيئة، فأشرفت منـها على تحصيلها لم أنس أخذ النفس بالنظر فيها، واستعمال الكرم في ترك ما يجمع على عارا منـها. وقوله (على طمع) أي على مطموع فيه، ومنـه قيل لأرزاق الجند: أطماعهم.

(1/357)

وقوله (ولست بلوام) يقول: إذا فاتني أمر لا أرجع على نفسي بللوم الكثير تحسرا في إثرهم، لكنني حقيق أن أتقدم في تحصيله قبل فواته إن كان مما يهم وقوله (ولكن عل) هو أصل لعل، وهو حرف موضوع للطمع والإشفاق، واسمـه مضمر كأنـه قال ولكن لعلني أن أتقدم. وهويجيء بأن وبغير أن، فإذا كان معه أن أفاد فائدة عسى، وإذا جاء بغير أن كان الفعل أقرب وقوعا، لأن أن للاستقبال، ولعل وإن كان حرفا يعد مع أفعال المقاربة وهي عسى وكاد ولوام بناء المبالغة، وليس بمبنى على لوم لأن المبني عليه هو ملوم.
وقال بعض بني أسد
إني لأستغني فما أبطر الغنى ... وأعرض ميسوري على مبتغى قرضي
وأعسر أحيانا فنشتد عسرتي ... فأدرك ميسور الغنى ومعي عرضي
ومانالها حتى تجلت وأسفرت ... أخو ثقة منى بقرض ولا فرض
يعدد في هذه الأبيات عاداته في حالتي الغنى والفقر، فقال: إني أنال الغنى فلا يكسبني أشرا ولا بطرا، لكني أشكر الواهب وأبقى على حالتي الأول، بل يقربني ما أناله من المتصلين بي، والمضمين إلى بسبب من الأسباب، فأعرض ما يتيسر لي عن طلاب قرضي، وأشرك من يمت إلى في الخير المتاح. وقد يتعقب الإيسار إعسار في الوقت بعد الوقت، فأصبر وإن اشتد عسري، وأسبل على نفسي جناح تحملي وتعففي حتى أدرك ميسور الغنى ونفسي معي، لم أبتذلها ولم أدنسها بتعريض أو تصريح لمفضل أطلب بهما عنده مطمعا، وأجتلب مرغبا. وقوله: (وما نالها) يريد وما نال تلك العسرة أخ لي يوثق بوده لا بعارية ولا بعطية، إلى أن انكشف وفارقت.
وقوله:(أبطر الغنى) معناه أبطر في الغنى حتى أذهب عن سنن الشكر فأتجاوزه وأخلفه ورائي، غمطا للنعمة، أو جهلا بحق الصنيعة. وقال الله تعالى: وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها . وقوله (أعرض ميسوري) وضعه بلفظ المفعول للمصدر، يريد اليسر. ومثله ماله معقول. وضده حمل عليه وهو العسر، فقيل معسور. وإنما قال (ومعي عرضي) لأنـه إذا صانـهعن القبائح ولم يسلط عليه من يتملكه بهبة أو صلة، فكأنـه معه لم يفارقه. ولو أجراه على غير هذا لكان مفارقا له، وداخلا في ملكه غيره.
ولكنـه سيب الإله ورحلتي ... وشدى حيازيم المطية بالغرض
الهاء من قوله (ولكنـه) يعود إلى الميسور الغنى. واستدراك النفي من قوله (ما نالها حتى تجلت) بقوله لكن، يريد: لكن الغنى المتجدد، وهو عطية الله تبارك وتعالى، وتقلبي وارتحالي، وشدى حيازيم المطايا بالغروض. كأنـه ذكر الأسباب التي يسرت له الغنى، وأنـها لم تخرج من تفضل الله تعالى واجتهاده. وقوله (المطية) أراد بها الجنس، لذلك قال (حيازيم) وجمعها. والسبب: العطاء والمعروف، وكثر في الاستعمال حتى سمى الكنوز سيوبا، وقيل لكا تخرجه المعادن سيوب. والغرض والغرضة: البطان، وهو للبعير بمنزلةالحزام للدابة. والمعرض منـه كالمحزم.
وأستنقذ المولى من الأمر بعدما ... يزل كما زل البعير عن الدحض
وأمنحه مالي وودي ونصرتي ... وإن كان محي الضلوع على بغضي
يقول: إني أتعطف على أبناء عمي، فأخلصهم من الشدائد، وآخذ بأضباعهم إذا زلت أقدامـهم، فأقيمـهم بعد أن كانت زلتهم كزلة البعير عن المزلفة. وإنما خص البعير لأن سقطته أفظع وأسرع في المزل. يقال: مكان دحض ومدحضة. ودحضت رجل البعير، إذا زلقت. قال:
وحدت كما حاد البعير عن الدحض
ومنـه: حجتهم داحضة أي لا تثبت. ودحضت الشمس عن كبد السماء: زالت.
وقوله (وأمنحه مالي) يريد: أني بعد استنقاذي إياه أتوفر عليه ببذل المال، وإخلاص الود، وتقريب النصرة، وإن كان منطويا على العداوة والبغضاء.
وقوله (محنى الضلوع) أي معطوفها. ويقال: حنيت الشيء وحنونـه حنيا وحنوا، فهو محني.
وقال حاتم الطائي
وما أنا بالساعي بفضل زمامـها ... لتشرب ماء الحوض قبل الركاب
وما أنا بالطاوي حقيبة رحلها ... لأبعثها خفا وأترك صاحبي

(1/358)

يقول: لا أجتذب إلى نفسي الفضل مع خلطائي وشركائي في الشرب وغيره فلا أتسرع في الورود مستعجلا براحلتي لتشرب ماء الحوض قبل ورورد ركائبهم. ومعنى قوله (بالساعي بفضل زمامـها) السابق بما أعطى راحلتي من زمامـها. وهذا مثل. والركائب: جمع ركوب، وهو إسم يجمع ما يركب، ويقال: ركوبة، فهي كالحلوبة والحمولة، وتقع للواحد والجمع. وقوله (وما أنا بالطاوي حقيبة رحلها)، يقول: وإذا كان لي رفيق في السفر وسعت جنابي له، ولا أتركه يمشي وقد خففت حقيبة رحل ناقتي طلبا للإبقاء عليها، ولكني أردفه أو أركبه. والحقيبة: ما يشد خلف الرحل. قال:
والبر خير حقيبة الرحل
والفعل منـه احتقب واستحقب. واستعير فقيل: احتقب إثما. قال:
فاليوم فاشرب غير مستحقب ... إنما من الله ولا واغل
وقال آخر:
وإني لأنسى عند كل حفيظة ... إذا قيل مولاك، احتمال الضغائن
وإن كان مولي ليس فيما ينوبني ... من الأمر بالكافي ولا بالمعاون
يصف نفسه بأن الحقد ليس من طبعه ولا عادته، فيقول: إني أشفق على موالي حتى إذا اتفق لواحد ما يحتاج منى إلى معونة نسيت سيئته، ولم أحتمل في صدري له ضغنة، فأخذت بيده وأعنته على دهره، وإن كان فيما ينوبني ليس بكاف لي ولا معين، إذ كنت أوجب له بكونـه مولى ما ينسى تباغضه وجفاءه. والحفيظة: الخصلة يحفظ لها الإنسان، أي يغضب. ويقال: (أهل الحفائظ أهل الحفاظ)، لأنـهم يحامون من وراء إخوانـهم. وانتصب (احتمال) بأنسى. والضغائن: جمع الضغينة، وقد مر ذكرها.
وقال آخر:
ومولى جفت عنـه الموالى كأنـه ... من البوس مطلى بـه القار أجرب
رئمت إذا لم ترأم البازل ابنـها ... ولم يك فيها للمبسين محلب
يقول: رب ابن عم زهد أقاربه في الإحسان إليه فاطرحوه وانثنوا عن الفكر فيه والتوفر عليه، نبوا عنـه وعن اصطناعه، فأثر فيه البؤس، وأحلط بجوانبه الشقاء والضر، حتى صار كالبعير الجرب وقد طلى بالقار، هيئة ولونا، وضؤولة وانخزالا، وتباعدا عن الناس وتجافيا، أنا عطفت عليه، وأشركته فيما وهب الله لي في وقت من الزمان لا يؤوي أحد من أهله غيره، لشمول القحط، وغلبة الضر والفقر، حتى أن النوق تؤثر التباعد عن أهلها فلا ترأمـها، وترى الذين يبسون بذوات الألبان عند الحلب، لا يجدون في ضرعها خيرا، وترى الذين يبسون بذوات الألبان عند الحلب، لا يجدون في ضرعها خيرا. ويقال: بس بالناقة وأبس، إذا دعاها للحلب. ومن أمثالهم: (لا أفعل كذا ما أبس عبد بناقة)، أي دعاها للحلب. ويقال: رئمت الناقة رئمانا، إذا عطفت.
وقال عروة بن الورد
دعيني أطوف في البلاد لعلني ... أفيد غنى فيه لذي محمل
أليس عظيما أن تلم ملمة ... وليس علينا في الحقوق معول
يخاطب عاذلة له فيما هم بـه من الترحال في طلب المال، فقال: اتركيني وما اختاره من التجوال، والتنقل في البلدان، طمعا في خير أستفيده، وغنى أستجده، لكي إذا نابنا ذو حق وجد على مالنا محملا وعلينا في التزام واجبه متكلا؛ لأن من جال نال، ومن قرع بابا وجد ولوجا، وأول درج الحرمان الوقوف عند أدنى الهمتين، وآخرها الرضا بأودع العيشين.
وقوله (أليس عظيما) يريد تقريرها على فضاعة الفقر والفاقة، وقباحة إمساك الناس عن تعليق الرجاء بهم والطاعة، فقال: ألا تستعظم أن تنوب الحي نائبة فلا يعولون علينا في الإحتمال عنـهم، ولا يرتجون منا تعطفا عليهم، لا تضاع حالنا، وتأكد اليأس من نيلنا. وقوله (أفيده) بمعنى أستفيد. وأليس يقرر بـه في الواجب الواقع، وأن تلم في موضع الرفع بليس.
وقال آخر:
تناقلت إلا عن يد أستفيدها ... وخلة ذي ود أشد بـه أزرى
هذا في طريقة ما تقدم. والمعنى: أني أتباطأ عن المطالب والمباغى كلها إلا إذا اتفق مصنع عند حر، فإني أتسرع إليه، وأتخفف في تحصيله، مخافة أن يفوز بـه غيري، لأن اعتقاج المنن في أعناق الرجال أعده غنيمة تغتنم، وفائدة تدخر؛ وإلا صداقة أخ وديد أعتمدها في معة شر، ولا شتداد أزر، فإني أجمع يدي عليها، ولا أصبر على المزاحمة فيها. ويقال: شد فلان أزره، إذا شد معقد إزره. ويقال: آزره على امره، إذا ظاهره وعاونـه عليه.
وقال عبدالله بن الزبير

(1/359)

لا أحسب الشر جارا لا يفارقني ... ولا أخر على ما فاتني الودجا
وما نزلت من المكروه منزلة ... إلا وثقت بأن ألقى لها فرجا
يصف حسن ثقته بربه، وجميل ظنـه بتفضله، وأنـه قد جرب وتبصر،وعرف من أعقاب الأمور ما جعله لا يذل لنائبة، ولا يتخشع لنازلة، فلا يظن الشر إذا بلى بـه ضربة لازم لا يخالف، وجار سوء لا يفارقز قال: وإذا فاتني أمر وإن جل لا أهلك أسى في إثره، ولا أقتل نفسي جزعا لفوته، ولا أنزل من مظان الماره منزلة إلا وثقتي بتلى الفرج وتعجله على أقرب مسافة مني. والودجان: عرقان يقطعهما الذابح. ويقال: ودجت الدابة، إذا أصبت ودجها.
وقال مالك بن حزيم
أنبيت والأيام ذات تجارب ... وتبدي لك الأيام ما لست تعلم
بأن ثراء المال ينفع ربه ... ويثنى عليه الحمد وهو مذمم
وأن قليل المال للمرء مفسد ... يحز كما حز القطيع المحرم
يرى درجات المجد لا يستطيعها ... ويقعد وسط القوم لا يتكلم
قوله (والأيام ذات تجارب) اعتراض وقع بين أنبيت ومفعوليه، وهما في قوله (بأن ثراء المال ينفع ربه) لأن أنبيت ونبيت وأخواتها كل واحدة منـها تتعدى إلى ثلاثة مفاعيل. وقوله (وتبدي لك الأيام) اعتراض ثان وإن عطف على ماقبله. والمعنى أن الأيام والليالي تفيد أربابها تجارب بما يحدث فيها من الحوادث، ويتحول من الأحوال، وتعلمـهم بما ينكشف عنـها ويشتملعليها من غوامض الأمور وخفياتها، مالا يخطر لهم ببال، ولا يؤديهإليهم رسم ولا مثال. فيقول: أخبرت والأيام هذه حالها أن كثرة المال، والتوسع في الحال، يرجعان بالنفع على صاحبهما فيصورانـه بصورة المشكور والمحمود، وإن كان عند التحقيق والتحصيل مشكوا مذموما؛ وأن قي قلة المال مفسدة لحال المقل وجاهه ونفسه، حتى يبريه ويقطعه بري السوط الجديد الذي لم يلين بعد، المضروب به، فتراه يبخع نفسه، وبتخشع للاقيه والناظر إليه، ويلزم السكوت في نادي الحي فلا ينبس تماوتا وتصاغرا، إذ كان قد علم من نفسه أنـه لا يستطيع الترقي في مدارج الفضل والإفضال، وانـه تقعد الحال بـه عن النـهوض بما ينـهض بـه أماثل الرجال، فهو يسلم الأمر لهم، ويبرأ من التدبير إليهم إليهم. وقوله (بأن ثراء المال) تعلق بأنبيت بأن الأمر كذا وأن الأمر كذا. والقطيع: السوط. والمحرم: الذي لم يمرن بعد.
وقال محمد بن بشير
لأن أوجى عند العرى بالخلق ... وأجتزي من كثير الزاد بالعلق
خير وأكرم لي من أن أرى مننا ... خوالدا للئام الناس في عنقي
يصف رضاه بيسير الحظ من الدنيا، وعفافه عن كثير ما يستغني عنـه فيتوقى، فيقول: لأن أتبلغ عند التعري باكتساء الخلق، وأكتفي من الزاد الكثير بما يمكن بـه سد الفاقة - أصون لي وأرد على من أرى مننا معقودة في عنقي، مثقلة لظهري، باقية على أعقاب الزمان للئام الناس عندي. والعلق: جمع العلقة، وهي اليسير من الشيء يتبلغ بـه ويعتلقه المحتاج إليه. ويجوز أن يكون من علق يعلق، إذا رعى. ومنـه الحديث: (إن أرواح الشـهداء لتعلق في الجنة) وتكون العلقة كالغرفة والطعمة وما أشبههما. وقوله (لأن أزجي) اللام لام الابتداء، وأن أزجى مبتدأ وخبره قوله (خير و أكرم بي).
إني وإن قصرت عن همتي جدتي ... وكان مالي لايقوى على خلقي
لتارك كل أمر كان يلزمني ... عارا ويشرعني في المنـهل الرنق
نبه على تمام الظلف والعفاف إذا أخذ بـه الإنسان، فيقول: أنا وإن عجزت غنيتي عما توجبه همتي، وكان في حالي قصور عما يدعو إليه خلقي، معرض عن كل أمر إذا نلته رجع منـه على أذكر به، ويوردني مشارع الكدر، فإذا صدرت عنـها لم أتهنأ بشربي منـها.ولك أن تروى: (في منـهل الرنق) فيكون المنـهل مضافا إلى المصدر، ولك أن تروى: (في المنـهل الرنق) بكسر النون فيكون صفة له. والمنـهل: موضع النـهل. والناهل: العطشان، والريان جميعا. والوجد والجدة: مصدر وجدت، في المال. ويقال: شرعت في الماء، إذا خضت. وأشرعني فيه فلان وشرعني أيضا. وفي المثل: (أهون الورد التشريع).
وقال أيضا:
ماذا يكلفك الروحات والدلجا ... البرطورا وطورا تركب اللججا

(1/360)

كم من فتى قصرت في الرزق خطوته ... ألفيته بسهام الرزق قد فلجا
قوله (ماذا) لفظة استفهام، والمعنى الإنكار، ويجوز أن يكون (ما) مع ذا بمنزلة اسم واحد مبتدأ، ويكلفك خبره. ويجوز أن يكون وحده اسما، وذا في موضع الخبر، ويكلفك من صلته؛ كأنـه قال في الأول: أي شيء يكلفك، وفي الثاني: ما الذي يكلفك السير في الليل والنـهار متصلا، لاتفتر تركب البر تارة، والبحر أخرى. و الروحات: جمع الروحة، وهو يريد بـه السير رواحا. والدلج والدلجة: السير بالليل. وقوله (طروا) انتصب على الظرف، والبر انتصب بفعل مضمر دل عليه الفعل الذي بعده. واشتقاق الطور من قولهم: لاأطور به، ومن طوار الدار، وهو ما كان ممتدا معها.
وقوله (كم من فتى) أفاد كم التكثير، والكلام خبر، والمراد: كثير من الفتيان تودعوا في منازلهم، وقصرت خطواتهم للسعي في طلب أرزاقهم، ألفوا قد نالوا ما غلبوا بـه المجد في الطلب، المتعب نفسه في التنقل. ومعنى فلج: غلب. وسهام الرزق، يراد بـه قداح الرزق، كأنـه فاز لما خرج له من عند الإجابة بما غلب بـه مقامره ومزاحمـه. ويجوز أن يري بسهام الرزق ما حظ له من الحظ، وأسهم له وقسم في الرزق.
إن الأمور إذا انسدت مسالكها ... فالصبر يفتق منـها كل ما ارتتجا
لاتيأس وإن طالت مطالبة ... إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا
يقول: استعن بالصبر في كل ما تزاوله وتراوده، فإن الأمور إذا انسدت طرقها، وأعيت الحيل في تحصيلها، فإن الصبر يسهل مدارجها، و يوسع موالجها، ويفتح ما انغلق منـها، ويفتق ما ارتتق من أسبابها، ولا يتسلطن عليك من اليأس ما يفتر عزمك، أو يقصر سعيك، وإن دامت مطالبتك، واتصلت مواظبتك. واعتقد أن الفرج يتلقاك، والنجح بأقرب المنازل منك؛ فإنك إذا فعلت ذلك فزت بكل ما ترومـه، وتعجل لك كل ما تهواه. وقوله(أن ترى) في موضع المفعول من تيأسن. وقوله (فالصبر يفتق) جواب إذا، وخبر إن الأمور في الشرط والجواب. ويقال رتجت الباب وأرتجته، إذا أغلقته، وباب مرتج ومرتوج. والرتاج: الباب نفسه.
أخلق بذي الصبرأن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
أبصر لرجلك قبل الخطو موضعها ... فمن علا زلقا عن غرة زلجا
يقول: إن مدمن الصبر في الأمور، وملازم التثبت و التلوم عند الخطوبحقيق بأن يظفر بطلبته، وبنجاح السعي في مرامـه وبغيته.كما أن من أدام قرع أبواب مداخله، وغمز مفاصل آرابه، حقيق بولوجه ووصوله، ومعرفة متيح ما يرجوه ومريحه.
ثم قال: وإذا سعيت في أمر فاعرف مواطىء قدمك قبل أن تعلوها، ومواقع خطوك قبل أن تعدوها، واقسمـها بين نظرك واختبارك، وتحقيقك وحدسك؛ فإن من ركب مزلقة عن غرة وغفلة، يوشك أن يسقط ليديه وفمـه، وتزل بـه قدمـه إلى قرار هلكته وحينـه. والزلج: السرعة في المشي و السقوط وغيره. وفرس زلوج: سريع السير. وكذلك يقال قدح زلوج. و مزلاج الباب: الخشبة التي يغلق بها.
وقال آخر:
لججنا ولجت هذه في التغضب ... وشد الحجاب بيننا و التنقب
تلوم على مال شفاني مكاني ... إليك فلومي ما بدا لك واغضبي
كان هذا الشاعر اطلع من أحوال أيتام أخيهعلى ماساءهوأنف منـه، ثم دعاه التحنن والإشفاق مما يتداوله الناس في مجالسهم من أحاديث البر والعقوق، وتصرفهم في صرف المقت إلى مستحقه، والحمد إلى مكتسبه، إلى أن أمر عبديه الراعيين بإراحة ما ردا إلى فنائه من مسارح إبله عليهم، فاغتاظت امرأته من ذلك وأنكرت فعله، وخوفته في أثناء ملامـها بالفقر وهجرته، فأخذ يقتص ما كان منـها ومنـه فقال: تمادت امرأتي في الغضب والهجران، واللوم والإحتجاب، وكل ذلك منـها في مالي شفاني موضعه الذي وضعته فيه، ومصرفه الذي صرفته إليه. ثم أقبل عليها مستهينا بها وبفعلها فقال: إليك فلوميما بدلك. والمعنى: اجمعي أمرك واستمريي عتبك وغضبك ما بدا لك، فإن الرشاد فيما آثرته، والصلاح في قران ما اخترته. و(إليك): اسم من أسماء الأفعال هنا، كما يكون عليك، وعندك. ولذلك عطف عليه قوله (فلومي). و(ما بدالك) في موضع الظرف. وقد تقدم القول في أمثاله.
رأيت اليتامى لا تسد فقورهم ... هدايا لهم في كل قعب مشعب

(1/361)

فقلت لعبدينا أريحا عليهم ... سأجعل بيتي مثل آخر معزب
عيالي أحق أن ينالوا خصاصة ... وأن يشربوا رنقا إلى حين مكسبي
يعني باليتامى أولاد أخيها المتوفي. يريد: رأيتهم لا تسد مفاقرهم ولا تقيم مختل أحوالهم، تحف توجه إليهم، وهدايا تحمل نحوهم في قعاب مشعوبة. يشير بذلك إلى ما كانت امرأته تتولاه وتأتيه من برهم وتفقدهم قبل ذلك. وفي قوله: (هدايا لهم في كل قعب مشعب) إزراء بصنيعها، وبالألبان المنقولة إليهم وظروفها. وجمع الفقور لاختلاف وجوهها.
وقوله (فقلت لعبدينا) يعني راعييه اللذين أمرا بسوق الإبل المردود من المراعي إلى فناء أولاد أخيه. وإنما ثنى على عادتهم في تثنية مزاولي أعمالهم، كالبائن والمستعلى في الحلب وما أشبههما. وقوله: (سأجعل بيتي مثل آخر)، يريد مثل بيت آخر وقد عزبت إبله وتباعدت، فإن عيالي ولهم كاسب مثلي أحق بمزاولة الفقر، ورثاثة العيش، والصبر على المشرب الرنق، إلى أن أكسب ما تعود بـه حالهم إلى ما ألفوه من الخطب والسعة، والخفض والدعة. ويقال: أعزب الرجل، إذا عزبت عنـه إبله في المرعى.
ذكرت بهم عظام من لو أتيته ... حريبا لآساني لدى كل مركب
أخوك الذي إن تدعه لملمة ... يجبك وإن تغضب إلى السيف يغضب
يقول: تذكرت بهؤلاء الأولاد أباهم الذي لو أتيته محزونا مسلوبا، ومتعبا بأعباء الفقر مبهورا، لضمني إلى صدره، وشملني تضاعيف بره، وجعلني إسوة نفسه في كل ما أركبه، والمسعف بطلبته عند جميع ما أخطبه، لأن الأخ الكامل الأخوة هو الذي يشد أزرك، ويحمي ظهرك، وإن دعوته لنائبة تنوب أجابك سريعا، وإن أعملت سيفك أعمل سيفه معه حثيثا.
وقال المقنع الكندي
يعاتبني في الدين قومي وإنما ... ديوني في أشياء تكسبهم حمدا
أسد بـه ما قد أخلوا وضيعوا ... ثغور حقوق ما أطاقوا لها سدا
وفي جفنة ما يغلق الباب دونـها ... مكللة لحما مدفقة ثردا
وفي فرس نـهد عتيق جعلته ... حجابا لبيتي ثم أخدمته عبدا
كأن قومـه ينعون عليه سرفه في الإنفاق، وتخرقه في الإفضال، وتجاوزه ما تساعده بـه حاله وتتسع له ذات يده إلى الاستقراض، وبذل الوجه في الأديان، فقال: كثرت لأئتمتهم فيما يركبني من الديون، وإنما هي مصروفة في وجوه مؤنـها علي، وجمالها لهم، وقضاؤها في أنفسهم يلزمني، ومحامدها موفرة عليهم. ثم أخذ يعد فقال: من تلك الوجوه أن ما ينوب من الحقوق فيخلون بها ويضيعونـها عجزا عن الوفاء بواجبها، أنا أسد ثغورها، وأقيم فروصها.
ومنـها: أن لي دار ضيافة قدورها مشبعة موفورة، وجفانـها معددة منصوبة، لا يمنع منـها طالبها ولا يحجب عنـها رائدها، فلحمانـها كلأكاليل على رءوسها، وثرئدها قد نمق تدقيقها.
ومنـها: أن بفنائي فرسا مربوطا قد أعد للمـهمات، على عادة لأمثالي من الأكابر والرؤساء. ولكرمـه وما يتوفر عليه من إكرامي إياه قد صار كالحجاب لباب بيتي، وقد شغلت بخدمته عبدا يتفقده بمرأى مني، لا أهمله ولا أغفل عنـه.
قوله: (مدفقة) أي مملوءة. والأحسن أن يروى معه: (ثردا) بضم الثاء. ويروى (مدفقة ثردا) بفتح الثاء. والمراد مثردة ثردا دقيقا. والنـهد: الجسم المشرف من الخيل.
وإن الذي بيني وبين أبي ... وبين بني عمي لمختلف جدا
فإن يأكلوا لحمي وفرت لحومـهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم ... وإن هم هووا غي هويت لهم رشدا
وإن زجروا طيري بنحس تمر بي ... زجرت لهم طيرا تمر بهم سعدا

(1/362)

ذكر بعد ما عدد معاذيره فيما أنكروه عليه، أن إخوته وأبناء يحسدونـه ويأتمرون العداوة والغواية له، وهو يصابرهم ويجاملهم، ويتغابى معهم، فقال: إن ما بيني وبينـهم في طرفي نقيض، وعلى لون من الخلاف عجيب؛ فإنـهم إن اغتابوني وتطعموا لحمي أمسكت عنـهم، وتركت أعراضهم موفورة، لم يتخونـها مني إذالة ولا ثلب، وأعراقهم محفوظة لم يتحيفها تحامل ولا غض. وإن سعوا في نقض ما أبرمته من مسعاة كريمة، وهدم ما أسسته من خطة مجد علية، جازيتهم باببتناء شرف لهم مستحدث، وإعلاء شأن لهم مستأنف. وإن أهملوا غيبي فلم براعوه بحسن الدفاع عنـه، وإسباغ ثوب المحاماة عليه حفظت أنا غيبهم، وأرصدت الغوائل لمن اغتالهم. وإن أحبوا لي الغواية، والتسكع في الضلالة والبطالة، اخترت لهم المراشد، وهويت في مباغهم المناجح. وإن تمنوا لي المنحسة، وزجروا من بوارح الطير وسوانحها في المشأمة، جعلت عيافتي لهم فيما يمر بي منـها المسعدة والطيرة الحميدة. وقوله: (سعدا) صفة لطيرا.
ولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا
لهم جل مالي إن تتابع لي غنى ... وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا
وإني لعبد الضيف مادام نازلا ... وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا
أثبت لنفسه الرياسة عليهم في هذا البيت. والمعنى أنـه متى استعطفوه عطف عليهم، وإن استقالوه أقالهم وأسرع الفيئة لهم، غير حامل الضغن واللجاج معهم، ولا معتقدا انتهاز الفرص فيهم، لما اكتمن من عوادي الحقد عليهم. وقوله:(وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا) يجري مجرى الالتفات، كأنـه أقبل على مخاطب فقال: إني لا أتجمل بترك مؤاخذتهم، وأطراح الحقد في مساوقتهم، فإن الرئيس يحب ذلك عليه في شروط الرياسة. وقوله: (لهم جل مالي) يريد إن تواصل الغنى لي أشركتهم في معظمـه، من غير امتنان ولا تكدير، وإن تحيف مالي حادث يلم، أو عارض يحدث، لم أنتظر من جهتهم معونة، ولا كلفتهم فيما يخف أو يثقل مؤونة .
وقوله(وإني لعبد الضيف) أراد أن يبين ما عنده للغريب الطارق، والضيف النازل، بعد أن شرح حاله مع مواليه، وخصاله في مرافقة ذويه، فقال: وابلغ في خدمة الضيوف مبالغ العبيد فيها. ثم أكد ما حكاه بقوله (وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا)، فانتصب (غير) على أنـه مستثنى مقدم؛ وذاك لأنـه لما حال بين الموصوف والصفة، وهما شيمة وتشبه، وتقدم على الوصف صار كأنـه تقدم على الموصوف، لأن الصفة والموصوف بمزنلة شيء واحد. وقوله (تشبه العبدا) يريد: تشبه شيم العبد، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامـه.
فليتأمل الناظر في هذا الباب وفي مثل هذه الأبيات، وتصرف قائلها فيها بلا اعتساف لا تكلف، وسلاسة ألفاظها، وصحة معانيها، فهو عفو الطبع، وصفو القرض.
وقال رجل من الفزاريين
إلا يكن عظمي طويلا فإنني ... له بالخصال الصالحات وصول
ولا خير في حسن الجسوم ونبلها ... إذا م تزن حسن الجسوم عقول
إذا كنت في القومالطوال أصبتهم ... بعارفة حتى يقال طويل
يقول: إن لم يكن في طولي امتداد، ولا في خلقي بسطة وكمال، فإني لا أزال أصل نقص جسمي، وأمد قصر قامتي بما أتولاه من الأفعال الكريمة، وأختاره من الخصال الحميدة، حتى أمحو سمة الإزراء عن نفسي. ومن أوتي الفضل في خلقه ونفسه، وعاداته وشيمـه، خير ممن أوتي العظم في خلقه، والبراعة في جسمـه، فلا فضيلة لمن حسن وجهه ونبل منظره، إذا لم يزينـه عقل وافر، ومخبر رائق. ومتى حصلت بين أقوام طوال القامات، قابلت طولهم بطول يدي فبهم، وأنلتهم معروفي حتى عظمت في أعينـهم، وامتلأت من حبهم لي وميلهم إلى قلوبهم، فأنساهم طول باعي بالغطية قصر قامتي بين قاماتهم. وقوله (حتى يقال طويل) ارتفع طويل على أنـه خبر مبتدأ محذوف، كأنـه قال: هو طويل. أي يسلمون له فضيلة الطول عندهم.
وكم رأينا من فروع كثيرة ... تموت إذا لم تحيهن أصول
ولم أر كالمعروف أما مذاقه ... فحلو وأما وجهه فجميل.

(1/363)

هذا مثل ضربه للخصال المجتمعة في الانسان، لا تعد فضائل إلا إذا اقترنت بخصال أخر، وهي كالأصول لها. ومثال ذلك ما قدمـه من ذكر عبالة الخلق إذا عربت من نباهة الخلق، وما شاكلها من صباحة الوجه إذا خلت من صحابة العقل. ثم قال: ولو أر شيئا كإسداء المعروف وبث العطاء والإحسان، فإن من ذاقه استجلاه، ومن رآه استحسنـه وارتضاه. وهذا تأكيد ما ذكر من قوله: (أصبتهم بعارفة حتى يقال طويل).
وقال عبدالله بن معاوية
أرى نفسي تتوق إلى أمور ... ويقصر دون مبلغهن مالي
فنفسي لا تطلوعني ببخل ... ومالي لا يبلغني فعالي
قد مضى له أمثال، ومعناه ظاهر، ويروى:(لا يقوم له فعالي).
وقال مضرس بن ربعي
إنا لنصفح عن مجاهل قومنا ... ونقيم سالفة العدو الأصيد
ومتى نخف يوما فساد عشيرة ... نصلح وإن نر صالحا لا نفسد
يصف صفاء نيتهم لقومـهم، وأنـهم يسلكون معهم طرائق ما يعود على المسود بالصلاح، وعلى السائد باستكمال الرياسة والارتفاع، فقال: إذا جهلوا علينا صفحنا عنـهم، وأبقينا على الحال بيننا وبينـهم، واستفأنا إقامتهم ورجعتهم. كل ذلك لئلا ينفروا فيزداد ما بيننا وبينـهم تفاقما. فأما الأعداء فإنا نكسرهم ونستل عنـهم كبرهم وخنزواتهم، وانلين أعناقهم حتى ينقادوا على ضغن منـهم. والسالفة: صفحة العنق. والصيد: ميل في العنق من الكثير كما ما يكون الصغر في الخد، وكما أن الصاد يستعمل في الناظر.
وقوله: (ومتى نخف يوما فساد عشيرة) يريد: إنا نسعى في إصلاح ذات بينـهم، ولا ندعهم يتدابرون ويتضاغنون؛ لأن عز الرجل بعشيرته. ثم إن رأيناهم على حد مت الصلاح زدنا في قوة نياتهم، وحملناهم على ما يزدادون بـه استقامة واستمرارا.
وإذا نموا صعدا فليس عليهم ... منا الخبال ولا نفوس الحسد
ونعسين فاعلنا على ما نابه ... حتى نيسره لفعل السيد
يقول: وإذا ارتقوا في درجات العز وتبوءوا منازل الفضل، لم نحسدهم، ولم نضيق عليهم طرائق مقاصدهم، فيورثهم ذلك خبلا وفتورا. والساعي منـهم إذا جد في إقامة ما ينوبه من الحقوق أعنا على إتمام ما يشيده، والزيادة فيما يؤيده، حتى نبلغ بـه فعل السيد، علما بأن رفعتهم لنا، وجمالهم جمالنا.
ونجيب داعية الصباح بثائب ... عجل الركوب لدعوة المستنجد
فنفل شوكتها ونفثأ حميها ... حتى تبوخ وحمينا لم يبرد
ونحل في دار الحفاظ بيوتنا ... رتع الجمائل في الدرين الأسود
قوله (ونجيب داعية الصباح)، يريد: وإن استعان بنا من أغير عليه صباحا من ذي محرم أو جار،أو متسبب بإل وقرابة، أجبناه سريعا بجيش سريع الركوب لدعوة المستصرخ، فنكسر شوكة المغيرين، ونخمد نائرتهم ونسكن حماهم حتى تبرد، وحمانا لم تسكن ولم تبرد. وجعل الشوكة كناية عن السلاح والقوة جميعا، وقوله (نفثأ) هو من فثأت القدر، إذا سكنت غليانـها. وقوله (حتى تبوخ) يقال باخت النار إذا طفئت.
ومعنى (ونحل في دار الحفاظ بيوتنا) نصبر في دار المحافظة على الشرف إذا اشتد الزمان،وإذا قصد غيرنا للخصب أو طلب الإنتجاع أقمنا مرتعين في الدرين مالنا، ولانمكن أعدائنا من أرضنا وحمانا. والدرين: اليابس من الكل القديم العهد. وجعله أسود لفساده وطول قدمـه. ويروى(وتحل في دار الحفاظ بيوتنا). وانتصب (رتع الجمائل) على أنـه مصدر في موضع الحال. ومثله قول الآخر:
ونحل في دار الحفاظ بيوتنا ... زمنا ويظعن غيرنا للأمرع
وقال المتوكل الليثي
إني إذا ما الخليل أحدث لي ... صرما ومل الصفاء أو قطعا
لاأحتسي ماءه على رنق ... ولا يراني لبينـه جزعا
يقول: إذا اعوج صديق لي والتوى، وطلب الخلاف علي فأحدث لي نبواوجفاء، وتبرم من مصافاتي فاقبل يتجنى علي، فإني لا أروم منـه العود، ولا أعرض عليه الرجوع، بل أصارحه ولا أتجرع ماء الود بيني وبينـه علىكدر فأحتمل مكروهه، ولا أظهر جزعا لاستحداث فراق من، أو تنكر ينطوي عليه فأخبث له، لأني وصال صروم، أصافي من يصافيني، وأجامل من يجاملني، وأداجي من يداجيني.
أهجر ثم تنقضي غبر ال ... هجران عني ولم أقل قذعا

(1/364)

اخذر وصال اللئيم إن له ... عضها إذا حبل وصله انقطعا
الغبر: البقايا، واحدتها غبرة. ويقال: تغبرت الناقة، إذا احتلبت غبرتها. وغبر الليل: مآخيره.قال:
فيا صبح كمش غبر الليل مصعدا ... ببم ونبه ذا العفاء الموشح
والقذع والقذيعة: الفحش. يقال: قذعته، إذا رميته بالقذع. وأقذع الرجل: أتى بالفحش. وكلام قذع. ويتوسع فيه فيقال للقذر: القذع، حتى يقال: قذع ثوبه بالبول وغيره. يقول: أقطع العلائق بيني وبينـه فأنصرف عنـه هاجرا، وتنقضي مدة الهجران عنا ولم أعتبه ةلا قلت فيه فحشا، ولا ذكرته بزلة كانت منـه.
ثم قال: احذر مواصلة اللئيم ومؤاخاته، لأنـه إذا انقطع حبل وصله، وانصرم ما يجمعك وإياه من وده يتكذب عليك، ويخلق من الإفك فيك ما لم تكتسبه لابيدك ولا لسانك، وهذا كأنـه لما نفى عن نفسه في البيت الأول ما نفى بين في البيت الثاني أنـه لايفعل ذلك، لكونـه من فعل اللئام. والعضه: ذكر القبيح كذبا و زورا. ويقال: عضهته، إذا رميته بالزور. واعضه الرجل أتى بالعضيهة، وهي الإفك. ومن كلامـهم: يا للعضيهة! ويا للأفيكة! وقال بعضهم:
خليلي بين السلسلين لو أنني ... بنعف اللوى أنكرت ما قلتما ليا
ولكنني لم أنس ما قال صاحبي ... نصيبك من ذل إذا كنت خاليا
النعف: ما ناعفك، أي عارضك من الجبل أو المكان المرتفع. واللوى: مسترق الرمل. وجواب لو (أنكرت)، وكأن نعف اللوى كان أرضه ودياره، فيقول: لوكنت في أرضي ومعي عشيرتي وأهلي، ثم سمتماني ما سمتماني لأنكرته ولم أقبله، ولكنني لم أذهب عما وصاني بـه صاحبي من قوله: الزم نصيبك من الذل إذا كنت في دار غربة، ومتباعدا عن نصارك و المشفقين عليك. وانتصب (نصيبك) بإضمار فعل.
وقال قيس بن الخطيم
وما بعض الإقامة في ديار ... يهان بها الفتى إلا بلاء
وبعض خلائق الأقوام داء ... كداء البطن ليس له دواء
يريد المرء أن يعطى مناه ... ويأبى الله إلا ما يشاء
وكل شديدة نزلت بحي ... سيأتي بعد شدتها رخاء
قوله (وما بعض الإقامة) إنما بعضها لأنـه أشار إلى الإقامة التي أوائلها تنزاح معها العلل، ويسهل في اختيارها الانفصال والترحل، وأواخرها تتغير بما يعرض فيها حتى يشق لها التلوم و التلبث.وارتفع (بلاء) لأنـه خبر المبتدأ، وهوبعض الإقامة،(ويهان بها الفتى) في موضع الصفة لقوله في ديار.فيقول: إذا أمكن الارتحال عن دار الهوان، ولاع ولامانع يوجبا الصبر فالإقامة بها بلاء، ويجب على الحر طلب الانفكاك منـه، وروم الخلاص من أذاه.
وقوله (وبعض خلائق الأقوام) يريد أن يعض ما يتخلق بـه الناس يتعذر مفارقته ومداواة إزالته، فهو كالداء الذي يكون بالإنسان وقد استصحبه من بطن أمـه. يريد أن ما اعتاده الإنسان من الأخلاق يصير لإذا أتت الأيام عليه، وقوى الإلف له، كالخلقة أو ما يجري مجراها.
وقوله (يريد المرء أن يعطي مناه) معناه أن الإنسان يتمنى أن يحصل له ما يتعلق بـه ه، ويرتاده هواه وإرادته، ويمنع الله تبارك وتعالى إلا ما يكون بشيئته، ويعرفه من مصالح خليقته.
وقوله (وكل شديدة) يريد أن الشيء لايدوم على حال، فالشدائد إذا نزلت يتعقبها الخير ورخاء العيش وسعته، لأن لكل أمر أمدا يمد له الوقت، فإذا تناهى انقطع.
ولايعطى الحريص غنى لحرص ... وقد ينمي إلى الجود الثراء
غنى النفس ما عمرت غنى ... وفقر النفس ماعمرت شقاء
وليس بنافع ذا البخل مال ... ولا مزر بصاحبه السخاء
وبعض الداء ملتمس شفاه ... وداء النوك ليس له شفاء
قوله (ولا يعطى الحريص) يريد أن حرص الإنسان في طلب الغنى لايجدي عليه نفعا، ولايقرب منـه بعيدا، لأن ميسر اليسر والغنى هو من له الخلق و الأمر، وإليه الإبرام و النقض.
وقوله (وقد ينمي إلى الجود) يريد أن الثروة و الكثر هما ينميان مع الجود. وإنما يقدح بهذا الكلام في البخل و الإمساك، وأن زيادة المال وبقاءه لايحصلان لهما وبهما. وقوله (إلى الجود) إلى بمعنى مع. تقول: هذا إلى ذاك.

(1/365)

وقوله(غنى النفس ما عمرت غنى)، يريد أن غنى النفس خير من كثرة المال؛ لأن من كان راضيا بماله، غنيا عن غيره بما يحصل في يده، تراه باكتفائه اغنى الموسرين، وفقير النفس وإن ساعده المال، وأطاعه القدر يزداد على مر الأيام وزيادة الحال، حرصا ونـهمة وشقاء.
وقوله (وليس بنافع ذا البخل مال)، يريد أن البخيل لاينتفع بماله، لنـه يجمعه ويتركه لغيره، والسخاء لايقصر بصاحبه، بل يرفع منـه، ويكسبه الحمد والأحدوثة الجميلة.
وقوله (وبعض الداء ملتمس شفاه) جعل الداءللجنس فناب عن الجمع فقال: بعضها يعرف شفاؤه فيطلب إزالته، وداء الحمق لاشفاء له، ولامحيد لصاحبه عنـه. وقوله (شفاه) قصر الممدود، وهذا لاخلاف في جوازه على المذهبين.
وقال يزيد بن الحكم
يا بدر و الأمثال يض ... ربها لذي اللب الحكيم
دم للخليل بوده ... ما خير ود لا يدوم
قوله (والأمثال يضربها) اعتراض دخل بين قوله (يا بدر) وبين دم للخليل من البيت الثاني، ونبه بهذا الاعتراض على أن وصيته وصية حكيم، وأن اللبيب العاقل يأخذ بها ويتأدب.
ومعنى قوله (دم للخليل بوده) أي بودك له، فأضافه إلى المفعول، و المصدر كما يضاف إلى الفاعل يضاف إلى المفعول. وقوله (ما خير ود) استفهام على طريق الاستثباب والقصد إلى النفي و المعنى: أن الوداد إذا لم يصف ولم يدم فلا خير فيه. وقوله (لايدوم) صفة لود. تلخيصه: أي شيء خير ود غير دائم.
واعرف لجارك حقه ... والحق يعرفه الكريم
واعلم بأن الضيف يو ... ما سوف يحمد أو يلوم
والناس مبتنيان مح ... مود البناية أو ذميم
يقول: ارعف حق الجوار لمجاورك، فإن الكريم هو الذي يعرف حق مثله. وقوله (والحق يعرفه) الواو واو الحال، وهو واو الابتداء. فإذا رويته بالواو يكون حالا لقوله حقه، كأنـه قال: اعرف حقه معروفا للكرام، وهو معروف للكرام.
وقوله (واعلم بأن الضيف) يقال علمت كذا، وبكذا. وهذه الوصاة بالضيف قد عللها بقوله(سوف يحمد أو يلوم). و المعنى: أحسن إليه وتفقده، عالما بأن نزوله بك يجلب حمدا إن أحسنت إليه، أو لوما إن أسأت إليه أو قصرت في حقه.
وقوله (محمود البناية) أتى بالبناية غير مبنى على مذكر حصل من قبل، ثم ادخل تاء التانيث عليه، فهو كالثناية اسم الحبل، والشقاوة والرعاية والغباوة. ولو كان مبنيا على مذكر لكان (البناءة) لأن الواو و الياء إذا كانا حرفي إعراب بعد ألف زائدة تبدل منـهما الهمزة. على ذلك: الرعاء و الكساء و الرداء و الباب كله.
ومعنى البيت: ان افعال عقلاء الناس لاتخلو من أن تكون مما يستحق بـه حمد او ذم، فهم يبنون مبانيهم، ويؤسسون مكاسبهم على أحد هذين الركنين، وذلك لأن الأفعال تابعة للأغراض، وغرض العاقل إليهما ينقسم، فانظر ماذا تجلب على نفسك بما من فعلك، وتدخره من كسبك.
وارتفع (محمود) على أنـه بدل من (مبتنيان)، أو خبر مبتدأ محذوف، كأنـه قال: هما محمود البنية أو ذميم.
واعلم بني فإنـه ... بالعلم ينتفع العليم
أءن الأمور دقيقها ... مما يهيج له العظيم
والتبل مثل الدين تق ... ضاه وقد يلوى الغريم
والبغي يصرع أهله ... والظلم مرتعه وخيم
قوله (بني) إن ضممته فهو منادى مفرد، وإن كسرته فهو منادى مضاف وقد حذف ياء الإضافة. وإذا كان ياء الإضافة في المنادى يحذف في نحو يا غلام لأن الكسرة تدل عليه، وهو واقع موقع ما يحذف في هذا الباب وهو التنوين وباب النداء باب حذف، لكثرة الاستعمال، فهو في بني أولى بالحذف، لاجتماع الياءات والكسرات. في آخرهاوقوله (فإنـه بالعلم يتنفع العليم) الهاء ضمير الأمر والشأن، والجملة اعتراض بين اعلم ومفعوليه. والمراد باستعمال العلم، وذاك أن من علم طرق الرشاد ثم لم يسلكها كان معرفته بها وبالا عليه.
وقوله (إن الأمور) مفعول واعلم، ودقيقها مبتدأ وما بعده خبره، والجملة خبر إن. ولك أن تكسره فتقول (إن) عل الاستئناف، ويكون واعلم معلقا و المعنى: أن الشر يبدؤه أصغره، كما أن السيل أوله مطر ضعيف. وهذا الكلام بعث على النظر في ابتداءات الأمور وتصور عواقبها.

(1/366)

وقوله (والتبل مثل الدين)، التبل: الذخل، ومعنى يلوي يمطل، ومصدره اللي و الليان. وفي الحديث: (لي الواجد يحل عقوبته). وقد روى (يلوى) و (يلوى) فإذا رويت يلوى بالكسر ، فمعناه يذهب بالحق، يقال: الوى بالشيء إذا ذهب به، و (يلوى) هو بناء ما لم يسم فاعله، لوى إذا مطل. و الغريم: اسم لمن له الدين، وللذي عليه الدين. وأصل الغرامة اللزوم، ولكون كل واحد منـهما ملازما لصاحبه إلى أن ينقضي ما بينـهما أجرى الاسم عليهما. و المعنى أن الوتر و الذحل كالدين على الواتر، فهو بعرض المطالبة بـه كالغريم ثم، قد يقضي وقد يمطل، فلا تكتسبه، لأن العداوات وخيمة الأواخر، سيئة المبادىء.
وقوله (و البغي يصرع أهله) يقول: وإذا كان لك خصم في شيء فلا تستهن به، ولا تستعمل البغي معه، فإن من بغى عليه بعرض النصرة، والباغي بعرض التلف والهلكة، ولاتظلم فإن الظلم ذميم المرتع وبيله، وفظيع المسمع قبيحه. ويقال: ظلمته ظلما بفتح الظاء وهو المصدر، وظلما بضم الظاء و هو الاسم.
ولقد يكون لك الغري ... ب أخا ويقطعك الحميم
والمرء يكرم للغنى ... ويهان للعدم العديم
قد يقتر الحول التق ... ي ويكثر الحمق الأثيم
يملى لذاك ويبتلي ... هذا فأيهما المضيم
قوله (ولقد يكون) معناه أن لوفاء قد يكون في الغريب إذا آخيته، والخيانة تتفق من القريب إذا صافيته، فانظر لنفسك إذا اخترت، ولا تعتمد القربى و القرابة، فإن المواخاة مبنية على الأصول الزكية، والنفوس الوفية، لا على الأنسا و الأسباب.
وقوله (والمرء يكرم) يقول: ادخر المال واسع في جمعه، وإياك و استعمال التبذير فيه، فإن اليسير منـه مع حسن التدبير يتصل بقاؤه، و كرامة المرء متسببة عن غناه، كما أن هوانـه في قران فقره. وقوله (والمرء) ارتفع بالابتداء، وخبره يكرم، وقد عطف على هذه الجملة جملة مخلفة لها من التقارب لما صلح ذلك. ومثله قول الآخر:
أموف بأدراع ابن ظبية أم تذم
على العكس من هذا قول الله تعالى: سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون ، لأن هذا عطف فيه على المبتدأ و الخبر على الفعل و الفاعل.
وقوله (قد يقتر الحول) فالحول: الكثير الحيلة. وصحح بناؤه ولم يقل إخراجا له على أصله، وتنبيها أن ما علل من نظائره كان حكمـه أن يجيء على هذا. ومما جاء على القياس من نظائره: رجل مال وصات وما أشبههما. وكذلك هذا كان يجب أن يقال حال. والمعنى أن الكثير الحيل، الخراج الولاج، وهو سديد في طرائقه، قد يفتقر فيكون مقلا، وأن المائق الناقص في عقله، المكتسب بجهله، المرتكب للأوزار بحرصه، قد يستغنى هو فيكون مكثرا، إذ كانت القسم والحظوظ لا تقف علي كيس المرء وخرقه، ولا على تقاه وفسقه.
وقوله (يملى لذاك) أشار بذاك إلى الحمق الأثيم، وبهذا إلى الحول التقى. وقد طابق بذاك وهذا فيقول: أملي لذاك الجاهل وأرخى له الحبل فنال ما نال، وابتلى هذا الحول التقي حتى شقى وحرم، فأيهما المظلوم. والمعنى أن ذلك من قسمة من عرف مصالح خلقه، وعلم ما يتأدى إليه حال كل واحد منـهم، فاختار الأحكم في التدبير، والأصلح للصغير والكبير.
والمرء يبخل في الحقو ... ق وللكلالةما يسيم
ما بخل من هو للمنو ... ن وريبها غرض رجيم
ويرى القرون أمامـه ... همدوا كما همد الهشيم
يقول: ترى الرجل يسوف بما يلزمـه من أداء الحقوق، فيبخل بإخراجه وأدائه، فيموت عما يجمعه ويبخل به، ويتركه للكلالة. والكلالة هم الوارث وقد خلوا من الوالد والولد. وأصله من تكلله النسب، إذا أحاط به. وقيل هو من الكلال: الإعياء ؛ كأن بعد النسب أكله. وقوله (مايسيم) يجوز أن يكون مصدرا، كأنـه قال: فإسامته لماله للغيرلا لنفسه. ويجوز أن يكون ما بمعنى الذي، وقد حذف الضمير العائد إليه من يسيم، كأنـه قال: وللورثة ما له الذي يسيمـه. والإسامة: إخراج المال إلى المرعى. ويقال أسمت البعير فسام. ومنـه السائمة للمال: الراعية.

(1/367)

وقوله (ما بخل من هو) استفهام على طريق الإنكار. فيقول: ما يغنى بخل من هو للحوادث كالغرض المنصوب للرمي، فإذا علم من نفسه أنـه غير مخلد، بل هو منقول من دار الفناء إلى دار البقاء، فلماذا يمسك ولا ينفق، ويجمع ولا يفرق. هذا وقد رأى الأمم الخالية قبله ماتوا وفنوا فعادوا رميما، كما يهمد النبات فيصير بعد نضارته دريبنا هشيما، وهو اليابس المتشـهم الأسود لطول القدم. والمنون يكون اسما للدهر فيذكر، ويراد بـه المنية فيؤنث. وهو من المن: القطع. فلك أن تروى:(وريبه) (وريبها) جميعا. ومعنى (وريبها) نزولها، قال أبو عبيدة: راب عليه الدهر، أي نزل. وقد يراد بريب الزمان أحدائه وصروفه الرائبة.
وتخرب الدنيا فلا ... بؤس يدوم و لانعيم
كل امرىء ستئيم من ... ه العرس أو منخها يئيم
ما علم ذي ولد أيث ... كله أم الولد اليتيم
يقول: وإذا كانت الدنيا مبنية للفناء لا للبقاء، والخراب لا للعمارة، وكذلك أعراضها مخلوقة للزوال لا للدوام، وقرب الأمد في الاستمتاع بالمعار لا الإملاء، فلماذا يفرح الإنسان بما ينال، ويجزع لما يفوت، وكل بائد غير ثابت، ومستلب غير موفر.
وقوله (كل امرىء)، يقول: إن الأليفين فيها لابد من فقدان أحدهما للآخر، والبعل يموت فتبقى العرس منـه أيما، لتقدم موته، والعرس تموت فيبقى هو منـها أيما لتقدمـها. ويقال: رجل أيم وامرأة أيم. وقد آمت تئيم أيمة. وكذلك ذو الولد لايدري أيموت فيتيم الولد، أم يهلك الولد فيثكل الوالد، فإن سكان الدنيا موعودون آجال منتظرة، مدعوون لأحوال مؤخرة.
وقوله (ما علم ذي ولد) استفهام معناه النفي، و المراد: لايعلم الوالد ما يكون منـه ومن ولده في الإمـهال والاستعجال، أي لايدري أي الأمرين يقع. وقد عطف قوله(أم الولد اليتيم) وهو جملة من ابتداء وخبر على (أيثكله) وهو فعل وفاعل. وجاز ذلك لما قدمته.
والحرب صاحبها الصلي ... ب على تلاتلها العزوم
من لايمل ضراسها ... ولدي الحقيقة لايخيم
واعلم بأن الحرب لا ... يسطيعها المرح السؤوم
والخيل أجودها المنا ... هب عند كبتها الأزوم
الصليب: الصلب ذو الصلابة. والتلاتل: الشدائد، ويقال: تلتله، إذا حركه ، يقول: وصاحب الحرب هو الصبور على شدائدها، القوى العزم في مصارفها، الحامي الشكة على نوائبها، فلا يمل عضاضها، ولايخيم عند حقائقها. ومعنى يخيم: يجبن.
وقوله (من لايمل ضراسها) في موضع الرفع على أن يكون بدلا من قوله الصليب. والضرس: العض، وأصله إصابة الشيء بضرسه.
ثم قال: واعلم أن الحرب لايطيقها الملول النزق، العجول الطرف، لأن مبانيها على الصبر و الثبات، و التدبير السديد، والحذر الشديد، واستعمال الإقدام في وقته، والإحجام لدى موجبه. وقوله (لايسطيعها) يريد لايستطيعها. والماضي منـه اسطاع يستطيع بكسر الهمزة، وأصله استطاع، وقوله (والخيل أجودها) يريد: خير الخيل ما ينتهب الأرض انتهابا في سعيه. وقال الخليل: المناهبة: المباراة في الجري و الحضر. ومعنى (عند كبتها) أي حملتها. وسئل رجل: كيف طعنت قتيلك؟ قال: (طعنته في الكبة، طعنة في السبة فأنفدتها من اللبة). وكل ما جمعته فقد كببته ومن كبة الغزل. والأزم: العض، وكنى بـه عن الاحتماء فقيل:(نعم الدواء الزم)، فكأنـه أراد بالأزم هنا الصبر و الثبات.
وقال منقذ الهلالي
أي عيش عيشي إذا كنت منـه ... بين حل وبين وشك رحيل
كل فج من البلاد كأني ... طالب بعض أهله بذحول
ما أرى الفضل و التكرم إلا ... كفك النفس عن طلاب الفضول
وبلاء حمل الأيادي وأن تس ... مع منا تؤتىبه من منيل
قوله (أي عيش) استفهام مبتدأ. والمعنى الإزراء بـه والذم له. (وإذا) تعلق بما دل عليه عيشي. والمراد؛ إذا كنت من عيشي بين سفر متواصل، ونزول وارتحال متتابع، ولاأنال دعة، ولا أحصل خفضا وراحة، فكأنـه لا عيش لي. وقوله:
كل فج من البلاد كأني ... طالب بعض أهله بذحول
قد سلك مثل هذا المسلك أبو تمام في قوله:
كأن بـه ضغنا على كل جانب ... من الأرض أو شوقا إلى كل جانب

(1/368)

والمعنى: أني لا أقتصر على قصد منتوى، ورمى نفسي في جانب من الأرض مرتمى، ولكني أتنقل في أطراف الأرض وآفاقها، وأضرب في أعراض البسيطة وأعماقها، كأني أطلب بعض أهلها بترة، فهو في الهرب وأنا في الطلب.
وقوله (ما أرى الفضل) ينبه بـه على أن سعيه في إصلاح عيشـه، وترك ما لايعنيه من شأنـه، فقال: ليس الفضل و العفاف، وحبس النفس فيما بينك و بين الناس على التكرم و الكفاف، إلا إذا زممت نفسك عما يتجاوز رم الحال، ووقفت عندما يمكن الاكتفاء بـه من المعاش. فمن البلاء العظيم تحمل النعم عن المفضلين، وسمعك امتنان المنيلين. وهذا دأبى فيما ألتزمـه من التعب، وأحمل عليه نفسي من التجوال في البلاد و التقلب. وارتفع (بلاء) على أنـه خبر مقدم، و المبتدأ حمل الأيادي. وقوله (تؤتى به) من صفة المن.
وقال محمد بن أبي شحاذ
إذا أنت أعطيت الغنى ثم لم تجد ... بفضل الغنى ألفيت مالك حامد
إذا أنت لم تعرك بجنبك بعض ما ... بريب من الأدنى رماك الأباعد
قوله (إذا أنت) جوابه ألقيت، وهو الفعل الواقع فيه، لأن إذا بتضمنـه للجزاء يطلب جوابا ويكون ظرفا له، فيقول: إذا نلت اليسار والغني، ومكنت من أطماع الدنيا فملكتها، ثم لم تتسخ بما يفضل من وجدك ، وجدت لا يثنى عليك حامد، ولا يحفظ غيبك ذائد، وفي الثناء الباقي على الدهر خلف من نفاذ العمر، فإن لم تكتسبه بما تناله لحقك الذم ممن ألحاظهم سهام، وألفاظهم سمام. وقوله (إذا أنت لم تعرك) جوابه رماك الأباعد. وكما بعث في البيت الأول على الإفضال وذم الإمساك مع القدرة، بعث في هذا البيت على مصابرة العشيرة واستبقائهم، وترك مؤاخذتهم بما يتفق من هفواتهم، وتدقيق محاسبتهم علي بدوائهم وزلاتهم. فقال: لا يؤمنك إقبال الدنيا عليك إدبارها عنك، ولا دولة لك من إدالة منك. وأعلم أنك إذا لم تعف عما يريبك من أدانيك، ولم تحتمله في عفوك وحلمك، اجترأ عليك الأباعد فرموك بما لا صبر لك عليه من أذاهم ومكروههم. ويقال: عركت كذا بجنبي، أي احتملته وجعلته مني بظهر. والعرك والدلك بمعنى واحد. وقال:(بعض ما يريب من الأدنى)، إشارة إلى ما يكون فيه على الحلم محمل. لأنـه ليس كل ما يريب يعد التجافي عنـه حسنا.
إذا الحلم لم يغلب لك الجهل لم تزل ... عليك يروق جمة ورواعد
إذ العزم لم يفرج لك الشك لم تزل ... جنيبا كما استتلى الجنيبة قائد
قوله (إذا الحلم) جوابه لم تزل، فيقول: تحلم في كثير مما يعروك ويطرقك، وانظر أن تكون لك الغلبة على جهلك، والتملك لاحتدادك وصولك، فإنك إن لم تستعمل الأناة في مقارضاتك، وتسرعت إلى المكافأة على ما يظهر لك، ولم تضن بمن بلوته فعرفت مذاهبه، وخبرت خلائفه وصار مستمد رأيك ومشتكي حزنك لم تنتفع بغيره، واجتمعت عليك البروق والرواعد ممن تعده لك وعليك. وهذا مثل لأنواع الأذى والمكروه، والتوعد بضروب القول، وفنون الفعل. وقوله (إذا العزم لم يفرج) جوابه لم تزل جنيبا. والمعنى: أنظر لنفسك فيما تشرف عليه طالبا للحزم ثم اعزم، ودع التشكك والتلوم فيما يريك رأيك وإلا بقيت تابعا لغيرك، متوقفا فيما يمسك، كما يستتبع قائد الخيل مجنوبا له. وهذا بعث على اقتحام الأمور، واستعمال الإستبداد فيها بعد النظر والتحزم في الظاهر، وترك التعرج على قول مانع، أو دفع مزاحم، أو مذكر بعاقبة. كما وصى في البيت الذي قبله بالرفق في الأمور التي تكسب العداوات، واستعمال الصبر فيما يجلب الضغائن ويهيج التراث.
وقل غناء عنك مال جمعته ... إذا كان ميراثا وواراك لأحد
تجللت عارا لا يزال يشبه ... سباب الرجال نثرهم و القصائد

(1/369)

المراد بذكر القلة هاهنا النفي، لا إثبات شيء قليل. وانتصب (غناء) على الحال، أي مغنيا عنك. فيقول: لا يعني عنك مال تجمعه إذا ذهبت عنـه وتركته لورثتك، فإن ما تملكه هو ماتنفقه أيام حياتك، وتصرفه فيما يدخر لك أجرا، أو يكسب لك حمدا، فأما إذا سترك من يلحد قبرك، فما تتركه لغيرك لا حظ لك فيه ولا نصيب، بل تكتسي عارا منـه لا يزال يوقد ناره، ويرفع في المحافل ذكره سباب الرجال، من النثر تارة ، ومن النظم أخرى، لأن الباخل مذموم بكل لسان حيا وميتا، وفي كل زمان موجودا ومفقودا، ثم تراه كالجاني على كل من يعرفه، فهم يذمونـه بظهر الغيب، ويقذعونـه في الحضور، فلا يزال مسبوبا ، مأكول اللحم مدحورا.
وقال:
ويلم لذات الشباب معيشة ... مع الكثر يعطاء الفتى المتلف الندى
وقد يعقل القل الفتى دون همـه ... وقد كان لولا القل طلاع أنجد
لفظه (ويل) إذا أضيفت بغير اللام فالوجه فيها النصب، تقول: ويل زيد، والمعنى ألزم الله زيدا ويلا، فإذا أضيفت باللام فقيل: ويل لزيد، فحكمـه أن يرفع فيصير مع ما بعده جملة، ابتدىء بها وهي نكرة لأن معنى الدعاء منـه مفهوم. والمعنى: الويل ثابت لزيد. كأنـه عدد محصلا له، كما يقال: رحيم الله زيدا! فيجعل اللفظ خبرا. وإذا كان حكم ويل هذا وقد ارتفع في قوله (ويلم لذات الشباب) فمن الظاهر أن أصله ويل لأم لذات الشباب، فحذف من أم الهمزة، واللام من ويل، وقد أبقى حركة الهمزة على اللام الجارة، فصار ويلم. وقيل: ويلم، كما قيل: الحمد لله و الحمد لله إتباعا إحدى الحركتين الأخرى، وقصده إلى مدح الشباب وحمد لذاته بين لذات المعاش وقد طع لصاحبه الكثر، وهو كثرة المال، فاجتمع الغنى والشباب له وهو سخي مبذر فيما يكسبه ذكرا جميلا، وصيتا عاليا. ثم قال: وقد يحبس قلة المال صاحبه دون ما يهتم له أو يهتم به. وقد كان لولا إضافته وقلة المال صاحبه دون ما يهتم له أو يهتم به. وقد كان لوللا إضافته وقلة ذات يده طلابا للترقي في درجات الفضل والإفضال، طلاعا على عوالي الرتب في النـهايات. وانتصب (معيشة) على التمييز.
وقالت حرفة بنت النعمان
بينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن منـهم سوقة نتنصف
فأف لدنيا لا يدوم نعيمـها ... تقلب تارات بنا وتصرف
بينا: كله تستعمل في المفاجآت، وهي من ظروف الزمان. وقد يقال بينما؛ كأنـهم أرادوا أن يصلوه بدلا مما كان يضاف إليه من قبل الناس وندبر أمرهم بما نريد، وطاعتنا واجبة، وأحكامنا نافذة، إذا الأمر انقلب فانضعت الأحوال، وتسلطت الأبدال. وصرنا سوقة نخدم الناس. والناص في اللغة: الخادم. والسوقة: من دون الملك. ومعنى (والأمر أمرنا)، أي لا يد فوق أيدينا. والعامل في بينا مادل عليه قولها (إذا نحن منـهم سوقة). وإذا هذه ظرف مكان، وهي للمفاجأة، وقد تقدم القول فيه.
وقوله (فأف) فيه لغات عدة، يفتح ويكسر ويضم،وينون في كل ذلك ويترك التنوين فيه. وهو اسم من أسماء الفعل، وأسماء الفعل أكثر ما تقع في الأمر والنـهي، وفي باب الخبر تقع قليلا، فمنـها أف هذه، وواها، وهيهات وأحرف أخر. ومعنى أف الحقير. كأنـه قال: حقارة لدنيا نعيمـها يزول، وحالها لا يدوم، بل تقلب بأهلها وتتحول، وتتصرف بطلابها وتتبدل. فمن فتح أف فلخفة الفتحة، ومن كسر فلالتقاء الساكنين؛ لأن الكسر فيه أولي، ومن ضم فلإنباع الضمة الضمة. والتنوين فيه أمارة للتنكير، وترك التنوين أمارة للتعريف.
وقال الحكم بن عبدل
أطلب ما يطلب الكريم من ال ... رزق بنفسي وأجمل الطلبا
وأحلب الثرة الصفى ولا ... أجهد أخلاف غبرها حلبا
يقول: مطالبى من الدنيا ومراغبي على حد من استعمال الكرم والتعفف، لايزري بي نظر الناظر إلي، لأني إذا طلبت أجملت، وإذا سدت مفاقري اكتفيت، ثم لاأعول فيما أزاوله إلا على نفسي، متهما سعي غيري، وكل ذلك أبقى على مراعاة العفاف والكفاف.

(1/370)

وقوله: (وأحلب الثرة الصفي) يقول: أعلق طمعي بمن إذا استدر حلبه كان غزيرا، لأني لاأسف للمطامع الدنية، ولا أضع نفسي في المواضع الخسيسة. والثرة: الغزيرة. ويقال: عين ثرثار ، إذا كانت كثيرة الماء. والصفى: الجامع بين محلبين في حلبة. وقوله (ولا أجهد أخلاف غبرها حلبا) انتصب الحلب على أنـه مصدر في موضع الحال. والمعنى: أني لاأطلب الزهيد الحقير القدر، ولا أستدر البكى القليل الدر. والحلب قد يراد بـه المصدر، وقد يراد بـه المحلوب.
إني رأيت الفتى الكريم إذا ... رغبته في صنيعة رغبا
والعبد لايطلب العلاء ولا ... يعطيك شيئا إلا إذا رهبا
مثل الحمار الموقع السوء لا ... يحسن مشيا إلا إذا ضربا
قوله (إني رأيت الفتى الكريم) يقول: إن من تكرم عروقه و تزكو أصوله، إذا دعوته إلى اصطناع صنيعة، وهززته لابتناء مكرمة، أجابك حريصا على استغنامـه. وترى الدنى الخسيس الهمة والنفس لايطلب ارتفاعا ولا يكسب ادخارا، ولا يسمح بشيء إلا عن رهبة، فعل من لايبتغي في مصارفه حمدا، ولايقتني ليومـه وغده خلا، فهو كالحمار السوء، الذي بظهره آثار دبر وقد ذلل في العمل، لايجيب إلا إذا استحث حتى يضرب، بلادة منـه وكسلا. وقوله (لايحسن) موضعه من الإعراب نصب على الحال. وارتفع (مثل) على أنـه خبر مبتدأ مضمر.
وقوله (مثل الحمار الموقع) يجوز أن يراد منـه الذي في ظهره أثر الإكاف أو الدبر، ويجوز أن يراد بـه المذلل، كما يقال: طريق موقع. ويجوز أن يكون من وقعت الحديدة، إذا ضربتها بالميقعة، كأنـه لبلادته يضرب كثيرا.
ولم أجد عروة الخلائق إلا ... الدين لما اعتبرت والحسبا
قد يرزق الخافض المقيم وما ... شد بعنس رحلا ولاقتبا
ويحرم المال ذو المطية والرحل ومن لا يزال مغتربا
قوله (لم أجد) يريد أن مساك الخلائق الشريفة، ووثائق عراها، إنما هي إذا اعتبره المعتبر في الدين وعمارته، وفي الشرف وتحصيله. كأنـه جعل طلب الحسب للدنيا وأسبابها والاعتلاء فيها، وجعل الدين للآخرة وتقديم ما يفوز بـه من رضا الله عز وجل، والثواب الجسيم.
وقوله (قد يرزق الخافض المقيم) سلك فيه مسلك الآخر في قوله:
ماذا يكلفك الروحات والدلجا ... البرطورا وطورا تركب اللججا
البيتين، وقد تقدما.
والخافض: الوداع الذي لم يحدث نفسه بتجوال وارتحال. فيقول: قد ينال الرزق الواسع من لايؤثر على الإقامة في وطنـه شيئا، وقد ترى قاطع الشقة البعيدة، وصاحب الرحل و المطية، الصابر على الغربة، محروما مضيق العيش، مكدود العمر. والرحل: مركب البعير؛ والرحالة نحوه؛ وهوالسرج أيضا. والقتب: إكاف الجمل، كذا ذكره الخليل. وقوله (ذو المطية والرحل)، الرحل: مصدر رحلت البعير، إذا شددت عليه الرحل.
وقال آخر:
يأيها العام الذي قد رابني ... أنت الفداء لذكر عام أولا
أنت الفداء لذكر عام لم يكن ... نحسا ولا بين الأحبة زيلا
يفضل أيامـه الماضية على أيامـه الحاضرة، فقال كالمخاطب لها: أيها العام الذي قد أتى بما يريبني، جعلك الله فداء لعام أول من عامي، تقضى بما سرني. وقوله (عام أولا) مما ألف فيه كثرة الاستعمال، فوصف بصفة لم توصف بـه نظائره، اعتمادا على التعارف. والمراد بهذا أنـه لم يقل شـهر أول ولا حول أول، ول سنـهة أولى، وإنما خص هو بذلك لكثرة الاستعمال، ولأن دلالة الحال وتعارف المتكلمينبه سوغ الحذف والإجراء على ما ألف قيه.
وقوله (أنت الفداء) يريد تكرير الدعاء على التضجر بحاضر وقته وعامـه، والتنبيه على ما رابه منـه. فيقول: جعلك الله فداء لذكر عام لم يعد بمنحسة، ولاحكم بين الأحبة بفرقة. وإنما قال (لذكر عام) لأن العام وقد تقضى لايصح فيه التفدية. والنحس: ضد السعد، وقد وصف بـه الغبرة و الأمر المظلم. وفي القرآن: في أيام نحسات . ويقال: رجل منحس أي محزون.
وقال الفرزدق
إذا ما الدهر جر على أناس ... حوادثه أناخ بآخرينا
فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا

(1/371)

يقول: إذا صروف الدهر أناخت على قوم بإزالة نم، وتكدير عيشـهم، فجرت عليهم أذيال الشر والتغيير، ودرست آثارهم ومحت دولهم، تراها تنتقل إلى آخرين، لأنـها كما تهب ترتجع، وكما تولى تستلب.
ثم قال: قل لمن شمت بنا فيما رأى من أثر الزمان فينا: انتبهوا من رقدتكم واصحوا من شمانتكم، فستلقون كما لقينا، وتمتحنون كما امتحنا؛ لأن حياتنا وجميع ما في أيدينا عوار، والعواري تسترد وإن طالت المـهلة.
وقال الصلتان العبدي
أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الليالي ومر العشى
إذا ليلة هرمت يومـها ... أتى بعد ذلك يوم فتى
نروح ونغدو لحاجاتنا ... وحاجة من عاش لاتنقضي
ذكر في الأبيات ما تدور عليه دوائر الأيام، وصروف الأزمان، وأنـها لاتقف عند غابة، ولا تعرف فيما تجري فيه مقر نـهاية، وأن من عادتها تغيير الأمور، وفي تقضيها وقضاياها تحويل الأحوال، فقال: إن كرور الأيام، ومرور الليالي والأوقات، تراها تجعل الصغير كبيرا، والكبير حقيرا، وتجعل الطفل شابا، والشيخ فانيا، فكلما خلقت جدة يوم جاء بعدها يوم آخر فتى جديد، ونحن فيها ندأب في حاجاتنا، فلا نحن نمل، ولا حاجاتنا تفنى أو تقل، ولا الوقت بنا يقف، ولا واحد منا ينتظر أو يتوقف، إذ كان ذو العيش مآربه متصلة، كما أن أوقاته دائرة متتابعة.
معنى هرمت يومـها: ضعفته مسلما للزوال. ويقال: هو ابن هرمة أبيه، كما يقال: هو ابن عجزة أبيه، لآخر الأولاد، كأنـه من الهرم. والهرمى من الخشب: مالا دخان له، لعتقه وذهاب قوته. والفتى مصدره الفتاء، وضده الذكي. ويقال: فتاء فلان كذكاء فلان وكتذكية فلان.
تموت مع المرء حاجاته ... ويبقى له حاجة ما بقي
إذا قلت يوما لمن قد ترى ... أروني السرى أروك الغنى
يقول: تموت مع المرء حاجاته. يريد أن المرء ما دام حيا فمآربه وشـهواته تتجدد تجدد الأوقات، وأمانيه تتصل ما اتصل عمره، فإذا جاء أجله وتناهى أمده، انتهت مآربه، ووقفت مطالبه.
وقوله (إذا قلت يوما لمن قد ترى) يريد: وإن سألت كل من تقع عينك عليه من المميزين، عن سراة الرجال وكرامـهم، أحالوا على المثرين وإن ضعفت رغباتهم في اكتساب الخير، واستجلاب الحمد. والسرو: سخاء في مروة. ويقال: سرو الرجال يسرو، وهو سري من قوم سراة. وكأن هذا سلك مسلك الآخرحين قال:
وأن ثراء المال ينفع ربه ... ويثني عليه الحمد وهو مذمم
ألم تر لقمان أوصى بنيه ... وأوصيت عمرا ونعم الوصي
بني بدا خب نجوى الرجال ... فكن عند سرك خب النجى
وسرك ما كان عند أمرىء ... وسر الثلاثة غير الخفى
معنى (ألم تر): اعلم. ويريد التنبيه على أن له في وصاته ابنـه اقتداء بالحكماء قبله، فكما ساغ للقمان أن يوصي ابنـه ساغ للصلتان أن يوصي عمرا ولده. والمحمود في قوله (نعم الوصى) محذوف، كأنـه قال: ونعم الوصى هو. وهذا ترغيب منـه لعمرو في الاحتذاء بما يرسم له. وقوله (بني بدا خب نجوى الرجال) فالخب: المكر بكسر الخاء، والخب بفتحها: المكار. ومثله رجل صب. والنجوى: مصدر، وهو يستعمل فيما يتحدث فيه اثنان على طريق الستر والكتمان. فيقول: إذا ناجيت صاحبا لك فكن خبا فيما تودعه من سرك، فإن نجوى الرجال إذا بدا خبها، ومكر أربابها فيها، عادت وبالا وفضيحة. والنجي يقع على الواحد والجمع، وكذلك النجوى. وفي القرآنإذ هم نجوى.
وقوله(وسرك ما كان عند امرىء) ذهب فيه مذهب من قال:
إذا جاوز الاثنين سر فإنـه ... ببث وتكثير الوشاة قمين
وقد قيل في (الاثنين) من هذا البيت أراد بـه الشفتين. وكأن من فسر هذا التفسير يريد: لاتتفش سرك إلى أحد.
آخر باب الأدب، والحمد لله وحده، والصلاة على نبيه محمد وآله بعده.
وقال الصمة بن عبد الله القشيري
حننت إلى ريا ونفسك باعدت ... مزارك من ريا وشعبا كما معا
فما حسن أن تأتي الأمر طائعا ... وتجزع أن داعي الصببابة أسمعا

(1/372)

الحنين: تألم من الشوق وتشك. وريا؛ اسم امرأة. فإن قيل: هلا قيل روى، لأن فعلى إذا جاء اسما من بنات الياء يقلب ياؤه واوا، على هذا الفتوى والشروى والتقوى والبقوى؟ قلت: إنـه سمي بـه منقولا عن الصفة، وفعلى صفة يصح فيه الياء، على هذا قولهم: خزيا وصديا وريا كأنـه تأنيث ريان في الأصل، كما يقال عطشان وعطشى، ثم نقل من باب الصفات إلى بابالتسمية بها فترك على بنائه. وقوله (ونفسك باعدت) الواو واو الحال، وهي للابتداء، ومعنى باعدت بعدت، وهو كمل يقال ضاعفت وضعفت. وفي القرآن: باعد بين أسفارنا، والمزار: اسم مكان الزيارة. والشعب. شعب الحي، يقال: التأم شعبهم، أي اجتمعوا بعد تفرق، وشت شعبهم، إذا افترقوا بعد تجمع. وقوله (وشعبا كما معا) الواو واو الحال أيضا، والعامل في (ونفسك باعدت) حننت، وفي قوله: (وشعبا كما) باعدت. ومعنى قوله: (معا) مجتمعان و مصطحيان، وموضعه خبر المبتدأ.
وقوله (فما حسن أن تأتي الأمر طائعا) في حسن وجوه: يجوز أن يكون مبتدأ، وجاز الابتداء بـه وهو نكرة لاعتماده على حرف النفي، و (أن تأتى) في موضع الفاعل لحسن، واستغنى بفاعله عن خبره، والتقدير: ما يحسن إتيانك الأمر طائعا. وانتصب طائعا على الحال من أن تأتي.ويجوز أن يرتفع حسن على أنـه خبر مقدم، وأن تأتي في موضع المبتدأ. ويجوز أن يرتفع حسن بالابتداء وأن تأتي في موضع الخبر، وهذا أضعف الوجوه لكون المبتدأ نكرة والخبر معرفة.وقوله (وتجزع أن داعي الصبابة) أن مخففة من أن الثقيلة، والمراد: وتجزع من أن داعي الصبابة أسمعك صوته ودعاك. ومعنى البيتين: شكوت شوقك إلى هذه المرأة، وأنت آثرت البعد عنـها بعد أن كان حيا كما مجتمعين، وليس بجميل اختيارك الأمر طائعا غير مكره. وجزعك بعده، لأن داعي الشوق والعائد منـه إليك أسمعك وحرك منك.
قفا ودعا نجدا ومن حل بالحمى ... وقل لنجد عندنا أن يودعا
وليست عشيات الحمى برواجع ... عليك ولكن خل عينيك تدمعا
يخاطب صاحبين له يستوقفهما ويكلفهما توديع نجد معه والناول بالحمى منـه. ثم استأنف فقال ملتفتا: ويقل لنج وساكنـه التوديع من، لأن حقهما أعظم من ذلك، ولكنا لانقدر على غيره. والحمى: موضع فيه ماء وكلأ يمنع منـه الناس. ويقال: أحميت المكان، إذا جعلته حمى. وحكى ابن الأعرابي أنـهم يقولون للمكان وقد أبطل وأبيح ولم يحم: بهرج. وأنشد:
فخيرت بين حمى وبهرج ... ما بين أجراذ إلى وادي الشجى
وقوله (أن يودعا) في موضع الفاعل لقل. ومعنى قوله (وليست عشيات الحمى برواجع) أنك وإن أفرطت في الجزع، فإن أوقات المواصلة بالحمى مع أحبابك لاتكاد تعود، ولكن أدم البكاء لها، مع التوجع في إثرها، تجد فيه راحة. وفي هذا إلمام بقول الآخر:
فنلت له إن البكاء لراحة ... بـه يشتفي من ظن ألا تلاقيا
وقوله (تدمعا) جواب الأمر. ولو قال تدمعان، لكان حالا للعينين.
ولما رأيت البشر أعرض دوننا ... وحالت بنات الشوق يحنن نزعا
بكت عيني اليمنى فلما زجرتها ... عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا
البشر: جبل. وأعرض دوننا: ابدى عرضه. وحالت: تحركت. يقال: استحلت الشخص، إذا نظرت هل يتحرك. ومنـه لاحول ولا قوة إلا بالله! والمعنى: لما تباعدنا عن نجد؛ وحجز بيننا وبينـه البشر، تحركت بنات الشوق نوازع كثيرة الحنين، مظهرة ضعف الصبر. وجواب لما قوله (بكت عيني اليمنى). وأراد ببنات الشوق مسبباته. وهذا كما قال الآخر:
يضم إلى الليل أطفال حبها ... كما ضم أزرار القميص البنائق
فأطفال الحب كبنات الشوق. والنزع، الأشـهر فيه أن يكون جمع نازع بمعنى كاف، فوضعها موضع نوازع، واللفظتان المتواخيتان لكونـهما من أصل واحد يستعار ما إحداهما للأخرى. وإنما قال (بكت عيني اليمنى) لأنـه كان أعور ممتعا بعينـه اليسرى. والعين العوراء لاتدمع. فيقول: بكت عيني الصحيحة؛ فاجتهدت في زجرها عن تعاطي الجهل بعد أن كنت تحلمت وتركت الصبي، فلما تكلفت ذاك لها أقبلت العوراء تدمع معها وتبكي. ونبه بهذا على عصيان النفس والقلب، وقلة ائتمارهما له، وأنـهما إذا زجرا وردا عن مواردهما زادا على المنكر منـهما
تلفت نحو الحي حتى وجدتني ... وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا

(1/373)

وأذكر أيام الحمى ثم أنثني ... على كبدي من خشية أن تصدعا
يقول: أخذت في مسيري من لما أبصرت حال نفسي في تأثير الصبابة فيها، ملتفتا إلى ما خلفته من الحي وأرض نجد، حتى وجدتني وجع الليت - وهو عرق فيها - لطول إصغائي، ودوام التفاتي؛ كل ذلك تحسرا في إثر الفائت من أحبابي وديارها، وتذكرا لطيب أوقاتي معهم فيها. وقد قيل فيه: إن من رموزهم أن من خرج من بلد فالتفت وراءه رجع إلى ذلك البلد. وأنشد فيه أبيات منـها قوله:
عيل صبري بالثعلبية لما ... طال ليلى وملني قرنائي
كلما سارت المطايا بناميلا تنفست والتفت ورائي
قالوا: التفت لكي يقضى له الرجوع، لكونـه عاشقا وانتصب (ليتا) لأنـه تمييز، وهذا من باب ما نقل الفعل عنـه، كأن الأصل: وجع ليتني وأخدعي، فلما شغل الفعل عنـهما بضميره أشبها المفعول فنصبهما. ومثله: تصببت عرقا، وقررت بـه عينا.
وقوله (وأذكر أيام الحمى ثم أنثني) يقول: وأتذكر أوقاتي بالحمى لما كان من أسباب الوصال تساعد، وبين دورنا ودور الأحبة تقارب، وللتراسل إمكان، ومع الحبيب في الوقت بعد الوقت تلاق واجتماع، ثم أنعطف على كبدي وأقبض عليها مخافة تشققها، وخروجها من مواضعها، شوقا إلى أمثالها، وحسرة في إثر منقطعها. وقد ذكر هذه الأبيات أبو عبد الله المفجع رحمـه الله، في حد الغزل من كتابه المعروف بالترجمان، فنذكر بيتين منـها في (باب الصبابة)، وهما:
حننت إلى ريا ونفسك باعدت
و
فما حسن أن تأتي الأمر طائعا
وقال في تفسيرهما:(يقول: الحرب بينك وبين قومك تمنعك من قربها ولقائها). وذكر مع البيتين قول عنترة:
علقتها عرضا وأقتل قومـها ... زعما لعمر أبيك ليس بمزعم
ثم جاء إلى (باب الحنين)، فذكر ما في الأبيات،
وأذكر أيام الحمى
و
وليست عشيات الحمى برواجع
و
بكت عيني اليمنى
الأبيات، وقال في تفسيرها: هذا كان مجرورا لأحبابه وهم منتجعون بجنوب الحمى فنشأت عين - والعين: سحابة تجيء من ناحية القبلة - فنشأت من عين يسار القبلة، فارتاع لذلك، وخشى الفرقة إذا اتصل الغيث، فذلك معنى قوله: بكت عيني اليسرى، كناية عن السحاب. وجهلها: كثرة مطرها. وجعل ارتياعه منـها زجرا لها. ثم نشأت أخرى من عن يمين القبلة، فأيقن حينئذ بالفراق. فذلك معنى قوله: أسبلتا معا. ثم قال معترفا بالبين: خل عينيك تدمعا، يعني السحابتين. وقال جرير:
إن السواري والغوادي غادرت ... للريح منخرقا بها ومجالا).
هذا كلامـه في كتابه، وقد حكيناه على ما أورده لازيادة فيه ولا نقصان. وأظن أنـه تذكر أبيتا غير هذه، ثم تصرف في تفسيرها وذكر هذه الأبيات في أثناء تفسير ما ذكره، ولم يأت بها. وقد أحسنت الظن مستطرفا فعله. والله أعلم.
وقال آخر:
ونبئت ليلى أرسلت بشفاعة ... إلى فهلا نفس ليلى شفيعها
أأكرم من ليلى علي فتبتغي ... بـه الجاه أم كنت امرأ لا أطيعها
نبىء يحتاج إلى ثلاثة مفاعيل، وقد حصلت إلى قوله (أرسلت بشفاعة إلى). وقوله (هلا نفس ليلى) هلا: حرف تحضيض، وهو يطلب الفعل، وقد وقع في البيت بعده جملة من مبتدأ وخبر. وفارق (هلا) هذه أختها (لولا) في قوله:
تعدون عقر النيب أفضل مجدكم ... بنى ضوطري لولا الكمي المقنعا
وذاك لأن تأثير الفعل بالنصب بعد لولا من البيت دل عليه، فأمره في إضمار الفعل بعده قوى. وهذا لم يصلح له أن ينصب النفس بعد هلا، فكان يجيء التقدير: فهلا أرسلت نفسها شفيعها؛ لأن القوافي مرفوعة، فجعل ما بعده مبتدأ لما لم يتأت له ما تأتي لذاك. وقد يفعلون هذا في الحروف المختصة بالأفعال إذا كان في الكلام دلالة على المضمر من الفعل. ألا ترى أن ويطلب الفعل. ثم جاء قوله تعالى: قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق . وعلى ذلك جاء إن الجازمة الدالة على الشرط في وقوع الإسم بعده، وإن كان يطلب الفعل عاملا فيه بالجزم، وذلك نحو: إن زيد أتاني أكرمته. وقول الشاعر:
إن ذو لوثة لانا

(1/374)

وما أشبهه. فإن قيل: هلا جعلت المضمر بعد هلا فعلا رافعا فيرتفع النفس بـه لا بالإبتداء، كما يفعل ذلك في: إن زيد أتاني أكرمته، فيصير هلافي ذلك أجرى في بابه من أن يكون ارتفاعه بالإبتداء؟ قلت: إن قولك إن زيد أتاني أكرمته، ارتفع زيد بفعل هذا الظاهر تفسيره، وأكرمته جواب إن، فساغ فيه مالم يسغ هاهنا، لأنـه ليس هاهنا شيء يكون تفسيرا لذلك الفعل. وإنما جاء بد الفعل المفسر شفيعها، ويكون خبرا، ويكون خبرا لا غير، وإذا كان كذلك لم يمكن حمل هذا عليه.
ومعنى البيت: خبرت أن ليلى أرسلت إلى ذا الشفاعة في بابها، تطلب بـه جاها عندي، مستكفية عن ذكرها في الشعر وعن إتيانـها وما يجري مجراه. ثم قال: هلا جعلت نفسها شفيعا. فقوله (بشفاعة) حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامـه، الفعل الذي يقتضيه هلا دل عليه شفيعها، لو قال: هلا نفسها شفيعها - لكان أقرب في الإستعمال، إلا أنـه قصد إلى التفخيم بتكرير اسمـها.
ثم قال :(أأكرم من ليلى علي)، فأتى بلفظ الاستفهام، والمراد التقريح والإنكار، كأنـه أمكر منـها استعانتها بالغير عليه، وطلب الشفيع فيما أرادت لديه. وقوله (فتبتغي) في موضع النصب على أن يكون جواب الاستفهام بالفاء. وقوله (أم كنت) هي أم المتصلة، كأنـه قال: أي هذين توهمت: طلب إنسان أكرم علي منـها، أم اتهامـها لطاعتي لها. وخبر أكرم علي محذوف، كأنـه قال: أأكرم منـها موجود، أو في الدنيا.
وقال آخر:
أما يستفيق القلب إلا انبرى له ... توهم صيف من سعاد ومربع
أخادع عن أطلالها العين إنـه ... متى تعرف الأطلال عينك تدمع
عهدت بها وحشا عليها براقه ... وهذي وحوش أصبحت لم تبرقع
استفاق وأفاق بمعنى صحا. وانبرى: تعرض. وأراد بالصيف المصيف. وقوله (من سعاد) أراد من دار سعاد وأرضيها. و (أما) هي ما النافية أدخل عليها ألف الاستفهام تقريرا او إنكارا. والمراد: لا يحدث القلب بالسلو والإقامة مما تداخله من علائق حب هذه المرأة، وتشبث بـه فألهاه عن كل شيء، إلا اعترض له تذكر مصيف ومربع من أرضيها بعد التوهم. كأنـه كان يقف على منازلهم فيتوهمـها بآياتها وعلاماتها، ثم يعرفها. وأكثر ما يذكرون التوهم في الديار يعقبونـه بالعرفان دون العلم. وهذا أحد ما نفصل بـه بين العلم والمعرفة، ولهذا وأشباهه ممتنع من أن نصف الله تعالى بأنـه عارف. لذلك، قال زهير:
فلآيا عرفت الدار بعد توهم
أشباهه كثير. وقوله (أخادع عن أطلالها العين) يريد أني إذا وقفت على آثار دارها وجوانب محلها رمت خداع النفس والعين عن تأملها، تفاديا مما يتسلط من الوجد بها، ويتجدد لي من الصبابة نحوها. ولائلا أتذكر بما أتفرس فيها أحوالي قبلها، ولأن العين إذا عرفتها وكفت بالدمع، والنفس إذا تبينتها أشقيت بالوجد.
وقوله (عهدت بها وحشا) هذا تحسر فيما رأى الدار عليه من الإستبدال وحوشا، فقال: عهدت بها نساء مبرقعة - يشير بذلك إلى عفافها وقلة تبرجها - كالوحش كمالا وحسنا، ونفورا عن الريب، وأرى الآن وحوشا تختلف فيها غير مبرقعة. وفي هذه الطريقة قول الآخر:
يعز على أن يرى عوض الدمى ... بحافاته هام وبوم وه
وقوله (عليها براقع) صفة للوحش، وكذلك (أصبحت لم تبرقع).
وقال آخر:
فيا رب إن هلك ولم ترو هامتي ... بلبلى أمت لا قبر أعطش من قبري
وإن أك عن ليلى سلوت فإنما ... تسليت عن يأس ولو ألمن صبر
وإن يك عن ليلى غنى وتجلد ... فرب غنى نفس قريب من الفقر

(1/375)

حذف الياء من (يارب) لوقوعها موقع ما يحدث في باب النداء، البتة، وهو التنوين، ولأن الكسرة تدل عليه، وإن باب النداء باب حذف وإيجاز، لكثرة تردده في الكلام، وقوله (أمت) جواب الشرط. وقوله (لا قبر أعطش من قبري) الجملة في موضع الحال. وقد روى: (ترو) بفتح التاء ويكون الفعل للهامة، (وترو) بضم التاء والفعل لله عز وجل. فيقول متألما من برح الصبابة، وعطش الاشتياق، ومتشكيا إلى الله تعالى: يا رب إن مت ولم أنل شفاء من دائي ، وريا من عطشي إلى هذه المرأة مت ولا قبر لعاشق أشد عطشا من قبري. وإنما قال: لم ترو هامتي، لأنـهم كانوا يزعمون أن عظام الموتى تصير هاما فتطير. والأصلح في هذا المكان أن يكون جعل نفسه مقتتلا لحبها. ومعنى (ترو هامتي) لم تطلب دمي من قاتلي، تبق هامتي أعطش من كل هام. وكانوا يقولون: إنـه يخرج من رأس المقتول هامة فتصيح وتقول: اسقوني اسقوني! إبى أن يدرك ثأره.
إنما آثرت هذا لتوحيده هامة. والرةايتان في ترو وترو معنياهما ظاهران وقوله (وإن أك عن ليلى سلوت) قد تقدم القول في حذف النون من أكن. وجواب الشرط قزله (فإنما) بما بعده والمعنى: إن اك في الظاهر حصل لي سلو عنـها لمن يتأمل حالي، فإنما تكلفت ما ظن مني سلوا لغلبة اليأس منـها على، فأما نفسي فهي كما كانت، ذهابا فيها وولوعا بها. وقوله (سلوت) مـهناه طبت نفسا. وتسليت معناه تكلفت ذلك، والتفعل لا يكون إلا عن تكلف في أكثر الأحوال، وكذلك التفاعل، فأتى بسلوت بناء على ظنـهم واعتقادهم، وتسليت بناء على حاله.
وقوله (وإن يك عن ليلى غنى) يريد: وإن كان ظاهر أمري أني استغنيت عنـها بخلو قلبي من حبها، أو أني أتجلد للوهن العارض في الإشتياق إليها، فرب غني نفس يقرب من الفقر، والمعنى أن باطن أمري بخلاف ظاهره. وإنما يتصور مني غنى يقرب من الفقر إذا حصل وتؤمل. ومن روى (أمر من الفقر) فالمعنى ظاهر والفاء من فرب بما يعده جواب للشرط. وفائدة رب التقليل، كأنـه استقل الحالات التي تشبه حاله، فلذلك أتى برب.
وقال آخر:
يوم ارتحلت برحلي قبل برذعتي ... والعقل متله والقلب مشغول
ثم انصرف إلى نضوى لأبعثه ... إثر الحدوج الغوادي وهو معقول
انتصب (يوم) بإضمار فعل، كأنـه أراد: أذكر يوم هذا الأمر والشأن. وأضاف اليوم إلى الفعل تشيهرا له وتعظما لما اتفق فيه. وذلك أنـه باغته حديث الفراق وما هم بـه المجتمعون معه في النجمة من الارتحال، فلما ورد عليه مالم يحسبه ولم يحدث نفسه بـه تولة وخولط، حتى صار لا يدري ماذا يأتي عندما هم بـه من تشييعهم، والتهيؤ للكون معهم، فقال: أذكر يوم أقبلت أضع الرحل على الناقة قبل البرذعة، وعقلي فاسد وقلبي مشغول بما دهمـه من الحال. وقوله (متله) هو مفتعل من الوله، وأصله مؤتله، فأبدل من الواو تاء كما تقول في اتقى واتجه وما أشبههما، ثم أدغم إحدى التاءين في الأخرى. ويروى: (مختبل) والخبل: الفساد.
وقوله (ثم انصرفت إلى نضوى) تتميم لبيان حاله فيما انعكس عليه من قصده، وفسد من همـه، فقال: ثم رجعت إلى بعيري لأقيمـه في إثر الظغائن الباكرة، وهو مشدود بعقالة لم أحله. وهذا غاية ما يقال في انحلال العقدة، واسترخاء المسكة، وسوء الضبط وانقلاب القلب. ومعنى أبعثه أهيجه. والنضو: البعير المـهزول. والحدوج: مراكب النساء الظاعنة. وانتصب إثر على الظرف.
وقد سلك أبو تمام هذا المسلك فقال:
أصمني سرهم أياهم فرقتهم ... هل كنت تعرف سرا يورث الصمما
نأوا فظلت لوشك البين مقلته ... تندى نجيعا ويندى جسمـه سقما
أظله البين حتى إنـه رجل ... لو مات من شغله بالبين ما علما
وقال جران العود
أيا كبدا كادت عشية غرب ... من الشوق إثر الظاعنين تصدع
عشية ما فيمن أقام بغرب ... مقام ولا فيمن مضى متسرع

(1/376)

يروى (ياكبدا) والمراد يا كبدي على الإضافة، ففر من الكسرة وبعدها ياء إلى الفتحة، فانقلبت ألفا. ويروى (ياكبدا) والمراد بـه كبده وإن نكرها، بدلالة أنـه وصفها بقوله (كادت عشية غرب من الشوق)... البيت. وهذه الصفة لم تحصل إلا لها. والمراد أنـه تألم مما دهمـه من أمر الفراق بعد الاجتماع الحاصل في مواضع الانتجاع، وكأن المجتمعين تحزبوا حزبين، ارتحل أحدهما وصاحبته معهم، وأقام أحدهما بالتهيؤ والاستعداد وهوفيهم، فالمتقدمون ليس فيهم متسرع، لانتظارهم المتخلفين، والمتخلفون لا مقام لهم لاستعجالهم اللحاق بهم. فشكا الحالة الواقعة في أثناء ذلك، وهو مع ذلك يحن ويشتاق. وغرب : موضع. وأضاف المشية إليه تخصيصا. وفصل بين كاد وبين الفعل الذي تناوله بالظرف على ما اتصل به. و (وإثر) انتصب على الظرف من الشوق، و (عشية) من البيت الثاني بدل من العشية الأولى. وكما أضاف الأولى إلى غرب تبيينا أضاف الثانية إلى قوله(ما فيمن أقام بغرب) تبيينا، وهما عشية واحدة وإن اختلف مبينـهما.
وقال الحسين بن مطير
لقد كنت جلدا قبل أن توقد النوى ... على كبدي نارا بطيئا خمودها
وقد كنت أرجو أن تموت صبابتي ... إذا قدمت أيامـها وعهودها
يقول: كنت قوى النفس، ثابت القلب، راجح العقل، صبورا في الشدائد، قبل أن بليت بفراق الأحبة، فلما أوقدت نيته التي انتوها نار الصبابة على كبدي فأبطأ سكونـها ضعفت عن الثبات لها، وظهر عجزي عن تحمل أعبائها، وقد كنت أؤمل إذا أتت الأيام على ما أقاسيه، واستمرت النفس في التألم تارة وفي التصبر أخرى، أن يتنقص ذلك صبابتي، وأن قدم الأيام وانحاء العهود يؤثر في تسكين نائرتها، ويبطل ما تسلط على من أذاها ومكروعها. وقوله (إذا قدمت) ظرف لتوت صبابتي.
فقد جعلت في حبة القلب والحشا ... عهاد الهوى تولى بشوق يعيدها
يريد أن ما كان يرجوه من سكون صبابته قد ازداد، لأنـها صيرت في حبة القلب وأحشائه أمطار الهوى، تجدد وتتبع بولي من الشوق يردها كما كانت، وانتصب (عهاد) على أنـه مفعول أول لجعلت. وتولى بشوق في موضع المفعول الثاني، ويعيدها في موضع الصفة للشوق. ومعنى (تولى) تمطر الولى. والولى المطرة الثانية لأن الأولى منـها تسمى الوسمى. والعهاد: جمع العهد، وهو المطر الذي يجيء ولما تقدمـه عهد باق لم يذهب. وحبة القلب هي العلفة السوداء في جوفه. ويورى (عهاد الهوى - بالرفع - يولى - بالياء - بشوق بعيدها، بالباء)، فيكون معنى جعلت طفقت وأقبلت، ويكون غير متعد، ويرتفع عهاد بجعلت، وبعيدها يقوم مقام فاعل يولى. فيكون المعنى: فقد طفقت أوائل هواها يمطر أبعدها بشوق يجددها.
بسود نوصيها وحمر أكفها ... وصفر تراقيها وبيض خدودها
مخصرة الأوساط زانت عقودها ... بأحسن مما زينتها عقودها
يمنيننا حتى ترف قلوبنا ... رفيف الخزامى بات طل يجودها
الباء من قوله (بسود نواصيها) يجوز أن يتعلق بقوله تموت صبابتي، ويجوز أن يتعلق بجعلت إذا ارتفع عهاد الهوى بـه يريد: جعلت العهاد تفعل هذا بسبب نساء هكذا. وإنما جاز أن يجمع سود وحمر وغيرهما وإن ارتفع ما بعدها بها، لأن هذه الجموع لها نظائر في هذه الأسماء المفردة، ولو كانت جموع سلامة أو مالا نظير له في الواحد لما جاز جمعه. تقول: مررت برجال ظراف آباؤهم، لم يجز.
وقوله (يمنيننا) يصف لطافتهن في مواعيدهن، وتقريبهن أمر الوصال بينـه وبينـهن، وأنـها لا تزال تمنى وتضمن من حسن الإجابة ما يصير للقلوب بـه بريق ونضارة، كبريق الخزامى إذا بفي ليلته يطل بالجود، والرفيف كثرة الماء في النبات ونضارتها. ومعنى (حتر ترف) إلى أن ترف.
وقال أبو صخر الهذلي
أما والذي أبكي وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر
لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى ... أليفين منـها لا يروعهما الذعر

(1/377)

 




[الموسوعة الشاملة - شرح ديوان الحماسة عبدل باسط]

نویسنده و منبع | تاریخ انتشار: Wed, 01 Aug 2018 11:44:00 +0000