پروفایل اشتراکی islamport

عماه صفر الموسوعة الشاملة - مقاتل الطالبيين | الموسوعة الشاملة - المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام | الموسوعة الشاملة - شرح ديوان المتنبي | الموسوعة الشاملة - شرح ديوان الحماسة | الموسوعة الشاملة - مجمع الأمثال | الموسوعة الشاملة - الطبقات الكبرى لابن سعد | الموسوعة الشاملة - جمـهرة اللغة | الموسوعة الشاملة - جمـهرة اللغة | الموسوعة الشاملة - لسان العرب | الموسوعة الشاملة - جمـهرة اللغة |

عماه صفر

الموسوعة الشاملة - مقاتل الطالبيين

الموسوعة الشاملة - مقاتل الطالبيين

صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

 


الكتاب : عماه صفر مقاتل الطالبيين
المؤلف : أبو الفرج الأصبهاني
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

خطبة الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
أخبرنا السيد الشريف أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الرحمن الحسني رضي الله عنـه وأرضاه قرأته عليه قال: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد الطبري، عماه صفر وعبد الله بن الحسين بن محمد الفارسي قراءة عليهما قالا: أخبرنا أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد الأصبهاني قال: بحمد الله والثناء عليه يفتتح كل كلام، ويبتدأ كل مقال كفاء لآلائه، وشكرا لجميل بلائه.
ونشـهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شـهادة من آمن بربوبيته، واعترف بوحدانيته، وأن محمدا عبده ورسوله المبعوث برسالته، والداعي إلى طاعته، والموضح الحق ببرهانـه، والمبين أعلام الهدى ببيانـه، عليه وعلى آله وأطايب أرومته، والمصطفين من عترته أفضل سلام الله وتحيته، وبركاته ورحمته.
وبالله نستعين على ما أردناه، وقصدناه إليه ونحوناه، من أمر الدنيا والآخرة، والعاجلة والآجلة.
وبه عز وتعالى نعوذ من كل عمل لا يرتضيه، فيردى، وسعي لا يشكره فيكدى، إذعانا بالتقصير والعجز، وتبرؤا من الحول والطول إلا بقدرته ومشيئته، وتوفيقه وهدايته. عماه صفر وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
وصلى الله على نبيه محمد صلى الله عليه سيد الأولين والآخرين، وخاتم النبيين والمرسلين أولا وآخرا، وبادئا وتاليا، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين، وسلم كثيرا.
ونحن ذاكرون في كتابنا هذا إن شاء الله وأيد منـه بعون وإرشاد جملا من أخبار من قتل من ولد أبي طالب منذ عهد ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الوقت الذي ابتدأنا فيه هذا الكتاب، وهو في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وثلثمائة للهجرة ومن احتيل في قتله منـهم بسم وكان سبب وفاته، ومن خاف السلطان وهرب منـه فمات في تواريه، ومن ظفر بـه فحبس حتى هلك في محبسه، على السياقة لتواريخ مقاتل من قتل منـهم، ووفاة من توفي بهذه الأحوال، لا على قدر مراتبهم في الفضل والتقدم. عماه صفر ومقتصرون في ذكر أخبارهم على من كان محمود الطريقة، سديد المذهب، لا من كان بخلاف ذلك، أو عدل عن سبيل أهله ومذاهب أسلافه، أو كان خروجه على سبيل عيث وإفساد. وعلى أنا لا ننتفي من أن يكون الشيء من أخبار المتأخرين منـهم فاتنا ولم يقع إلينا، لتفرقهم في أقاصي المشرق والمغرب، وحلولهم في نائي الأطراف وشاسع المحال التي يتعذر علينا استعلام أخبارهم فيها، ومعرفة قصصهم لاستيطانـهم إياها سيما مع قصور زماننا هذا وأهله، وخلوه من مدون الخبر، أو ناقل الأثر، كما كان المتقدمون قبلهم يدونون ويصنفون وينظمون ويرصفون.
ومن اعترف بالتقصير خلا من التأنيب.
وجاعلون ما نؤلفه في هذا الكتاب ونأتي به، على أقرب ما يمكننا من الاختصار ونقدر عليه من الاقتصار، وجامعون فيه ما لا يستغنى عن ذكره من أخبارهم وسيرهم ومقاتلهم وقصصهم؛ إذ كان استيعاب ذلك وجمعه من طرقه ووجوهه يطول جدا ويكثر ويثقل على جامعه وسامعه، والاختصار لمثل هذا أخف على الحامل والناقل.
والله المسؤول حسن التوفيق والمعونة على ما أرضاه من قول، وأزلف لديه من عمل. وهو حسبنا ونعم الوكيل.
جعفر بن أبي طالب
فأول قتيل منـهم في الإسلام جعفر بن أبي طالب عليه السلام. واسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب، وهو شيبة بن هاشم وهو عمرو بن عبد مناف.
ويكنى أبا عبد الله فيما يزعم أهله.
وروى عن أبي هريرة قال: كان جعفر بن أبي طالب يكنى أبا المساكين.
حدثني بذلك محمد بن أحمد بن المؤمل الصيرفي قال: حدثنا فضل بن الحسن المصري قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عبد الرازق عن معمر عن أبي ذئب عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة.
وكان جعفر بن أبي طالب الثالث من ولد أبيه، وكان طالب أكبرهم سنا، ويليه عقيل، ويلي عقيلا جعفر، ويلي جعفرا علي. وكل واحد منـهم أكبر من صاحبه بعشر سنين، وعلي أصغرهم سنا.
حدثني بذلك أحمد بن محمد، بن سعيد الهمداني، قال:حدثنا يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب قال: حدثنا الحسن بن محمد قال حدثنا ابن أبي اليسرى عن هشام بن محمد الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس.
وأمـهم جميعا فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، وأمـها فاطمة، وتعرف بحبى بنت هرم بن رواحة، بن حجر بن عبد معيص بن عامر بن لؤي.

(1/1)

وأمـها حدية بنت وهب بن ثعلبة بن وائلة بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر.
وأمـها فاطمة بنت عبيد بن منقذ بن عمرو بن معيص بن عامر بن لؤي.
وأمـها سلمى بنت عامر بن ربيعة بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر.
وأمـها عاتكة بنت أبي همـهمة. واسم أبي همـهمة عمرو بن عبد العزى بن عامر بن عميرة بن أبي وديعة بن الحارث بن فهر.
وأمـها تماضر بنت أبي عمرو بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي.
وأمـها حبيبة، وهي أمة الله بنت عبد يا ليل بن سالم بن مالك بن حطيط بن جشم بن قسي وهو ثقيف.
وأمـها فلانة بنت مخزوم بن أسامة بن صبح بن وائلة بن نصر بن صعصعة بن ثعلبة بن كنانة بن عمرو بن قين بن عمرو بن قيس بن عيلان بن مضر.
وأمـها ريطة بنت يسار بن مالك بن حطيط بن جشم بن ثقيف.
وأمـها كليبة بنت قصية بن سعد بن بكر بن هوازن.
وأمـها حبى بنت الحارث بن النابغة بن عميرة بن عوف بن نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن.
وفاطمة بنت أسدي، بن هاشم، أول هاشمية تزوجت هاشميا وولدت له، وأدركت النبي " ص " ، فأسلمت وحسن إسلامـها، وأوصت إليه حين حضرتها الوفاة فقبل وصيتها، وصلى عليها ونزل في لحدها واضطجع معها فيه، وأحسن الثناء عليها.
حدثني العباس بن علي بن العباس النسائي قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن أيوب، قال حدثنا الحسن بن بشر، قال " 4 " حدثنا سعدان بن الوليد بياع السابري، عن عطاء، عن ابن عباس قال: لما ماتت فاطمة أم علي بن أبي طالب ألبسها رسول الله " ص " قميصه واضطجع معها في قبرها، فقال له أصحابه: يا رسول الله ما رأيناك صنعت بأحد ما صنعت بهذه المرأة. فقال: " إنـه لم يكن أحد بعد أبي طالب أبر بي منـها. إني إنما ألبستها قميصي لتكسى من حلل الجنة، واضطجعت معها في قبرها ليهون عليها " .
حدثني علي بن العباس المقانعي قال: حدثنا عبيد بن الهيثم، قال: حدثنا القاسم بن نصر، عن عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة عن الزبير بن سعد الهاشمي، عن أبيه، عن علي قال: أمرني رسول الله " ص " فغسلت أمي فاطمة بنت أسد.
حدثني محمد بن الحسين الخثعمي قال: حدثنا عباد بن يعقوب قال: أخبرنا عمرو بن ثابت، عن عبد الله بن يسار، عن جعفر بن محمد قال: كانت فاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب حادية عشرة، يعني في السابقة إلى الإسلام، وكانت بدرية.
حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن العلوي " عن حسين بن حسين اللؤلئي " قال حدثنا السري بن سهل الجند نسابوري قال حدثنا محمد بن عمرو ربيح عن جرير بن عبد الحميد عن مغيرة عن إبراهيم، عن الحسن البصري، عن الزبير بن العوام، قال: سمعت النبي " ص " يدعوا النساء إلى البيعة حين أ نزلت هذه الآية " يأيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك " ، وكانت فاطمة بنت أسد أول امرأة بايعت رسول الله " ص " .
حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن، قال: حدثنا بكر بن عبد الوهاب، قال: حدثنا عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه، عن جده: أن رسول الله " ص " دفن فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي بن أبي طالب بالروحاء مقابل أبي قطيفة.
ذكر مقتل جعفر بن أبي طالب
والسبب فيه وبعض أخباره قرأت " ذلك " على محمد بن جرير الطبري في كتاب المغازي فأقر به.
قلت حدثكم محمد بن حميد الرازي قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق، قال: وقرئ بحضرتي على أحمد بن محمد بن الجعد الوشاء. قيل حدثكم إسحاق المسيبي. قال حدثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شـهاب الزهري في خبر جعفر بن أبي طالب ورجوعه من بلاد الحبشة مع من رجع إلى النبي " ص " من المـهاجرين إليها بأحاديث دخل بعضها في بعض، وذكرت معانيها مفصلة برواية نقلتها في أماكنـها ومواضعها.
حدثني محمد بن إبراهيم بن أبان السراج، قال: حدثنا بشار بن موسى الخفاف، قال: حدثنا أبو عوانة، عن الأجلح، عن الشعبي - و اللفظ له.
قال: لما فتح النبي " ص " خيبر قدم جعفر بن أبي طالب رضوان الله عليه من الحبشة فالتزمـه رسول الله " ص " وجعل يقبل بين عينيه ويقول: " ما أدري بأيهما أنا أشد فرحا بقدوم جعفر أم بفتح خيبر " .
قال ابن إسحاق وابن شـهاب الزهري: لما قدم جعفر من أرض الحبش بعث رسول الله " ص " بعثه إلى مؤتة.

(1/2)

قال ابن إسحاق خاصة عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير: أنـه بعث ذلك البعث في جمادي لسنة ثمان من الهجرة، واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله، بن رواحة على الناس.
أخبرنا محمد بن جرير " قراءة عليه " قال: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر، أنـه حدث عن زيد بن أرقم قال: مضى الناس، حتى إذا كانوا بتخوم البقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب، فانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة، فالتقى الناس عندها وتعبأ المسلمون، فجعلوا على ميمنتهم رجلا من عذرة يقال له قطبة بن قتادة، وعلى ميسرتهم رجلا من الأنصار يقال له: عبادة بن مالك. ثم التقو فاقتتلوا فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله " ص " حتى شاط في رماح القوم. ثم أخذها جعفر بن أبي طالب فقاتل بها حتى " إذا ألحمـه القتال " اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها، ثم قاتل القوم حتى قتل. فكان جعفر أول رجل من المسلمين عقر في الإسلام.
أخبرنا محمد بن جرير، قال حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة وأبو ثميلة، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه " عباد " ، قال حدثني أبي الذي أرضعني، وكان أحد بني مرة بن عوف، وكان في تلك ا لغزوة غزوة مؤتة، قال: والله لكأني أنظر إلى جعفر حين أقتحم عن فرس له شقراء فعقرها. ثم قاتل القوم حتى قتل.
حدثنا أحمد بن عمر بن موسى بن زنجويه قال: حدثني إبراهيم بن الوليد بن سلمة القرشي، قال حدثني أبي، قال: حدثنا عبد الملك بن عقبة، عن أبي يونس، عن عبد الرحمن بن سميرة، قال: بعثني خالد بن الوليد بشيرا إلى رسول الله يوم مؤتة، فلما دخلت المسجد قال لي رسول الله " ص " " 6 " : على رسلك يا عبد الرحمن أخذ اللواء زيد بن حارثة فقاتل زيد فقتل، فرحم الله زيدا ثم أخذ ا للواء جعفر بن أبي طالب فقاتل جعفر فقتل فرحم الله جعفرا. ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فقاتل عبد الله بن رواحة فقتل، فرحم الله عبد الله.
قال فبكى أصحاب رسول الله " ص " وهم حوله فقال: ما يبكيكم؟ فقالوا: ما لنا لا نبكي وقد ذهب خيارنا وأشرافنا وأهل ا لفضل منا. فقال: لا تبكوا؛ فإنما مثل أمتي كمثل حديقة قام عليها صاحبها فأصلح رواكيها وهيأ مساكبها، وحلق سعفها، فأطعمت عاما فوجا، ثم عاما فوجا، ثم عاما فوحا، فلعل آخرها طعما أن يكون أجودها قنوانا، وأطولها شمراخا. والذي بعثني بالحق ليجدان ابن مريم في أمتي خلفا من حواريه.
قال أبو الفرج: وفيما قال لي علي بن الحسين بن علي بن حمزة بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب " اروه عني " ، وأخرج إلي كتاب محمد بن علي بن حمزة فكتبته عنـه. قال علي بن عبد الله بن جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب: قتل جعفر وهو ابن ثلاث أو أربع وثلاثين سنة. وهذا عندي شبيه بالوهم؛ لأنـه قتل في سنة ثمان من الهجرة، وبين ذلك الوقت وبين مبعث رسول الله " ص " إحدى وعشرون سنة، وهو أسن من أخيه أمير المؤمنين علي عليه السلام بعشر سنين، وكان لعلي حين أسلم سنون مختلفة في عددها فالمكثر يقول كانت خمس عشرة، والمقلل يقول سبع سنين. وكان إسلامـه في السنة التي بعث فيها رسول الله " ص " لا خلاف في ذلك. وعلى أي الروايات قيس أمره علم أنـه كان عند مقتله قد تجاوز هذا المقدار من السنين.
قال أبو إسحاق في حديثه الذي تقدم ذكره، وقد حدثنا بـه أحمد بن محمد بن سعيد قال: حدثنا يحيى بن الحسن قال: حدثني إبراهيم بن علي بن عبيد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق قال: قال كعب بن مالك يرثي حعفر بن أبي طالب:
هدت العيون ودمع عينك يهمل ... سحا كما وكف الضباب المخضل
وكأنما بين الجوانح والحشا ... مما تأوبني شـهاب مدخل
وجدا على النفر الذين تتابعوا ... يوما بمؤتة أسندوا لم ينقلوا
صلى الإله عليهم من فتية ... وسقى عظامـهم الغمام المسبل
صبروا بمؤتة للإله نفوسهم ... عند ال حفيظة أن ينكلوا

(1/3)

إذ يهتدون بجعفر ولوائه ... قدام أولهم ونعم الأول
حتى تفرقت الصفوف وجعفر ... حيث التقى وعث الصفوف مجدل
فتغير القمر المنير لفقده ... والشمس قد كسفت وكادت تأفل
" قوم بهم نصر الإله عباده ... وعليهم نزل الكتاب المنزل
ويهديهم رضى الإله لخلقه ... وبحدهم نصر النبي المرسل
بيض الوجوه ترى بطون أكفهم ... تندى إذا اعتذر الزمان الممحل
حدثنا حامد بن محمد البلخي، قال: حدثنا عبد الله بن عمر القواريري قال: حدثنا محبوب - يعني ابن الحسن - قال: حدثنا خالد الحذاء، عن عكرمة، عن أبي هريرة قال: ما ركب أحد المطايا ولا ركب الكور، ولا انتعل، ولا احتذى النعال أحد بعد رسول الله " ص " أفضل من جعفر بن أبي طالب.
حدثني أبو عبيد الصيرفي، قال: حدثنا الفضل بن الحسن قال:حدثنا إسحاق بن سليمان الخراز، قال: حدثنا وكيع بن الجراح، عن فضيل بن مرزوق، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله " ص " : " خير الناس حمزة، وجعفر وعلي عليهم السلام " .
حدثني أبو عبيد، قال: حدثنا الفضل، قال: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر المدني، عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: رأيت جعفرا ملكا يطير في الجنة مع الملائكة بجناحين.
حدثني أحمد بن محمد، قال: حدثني يحيى بن الحسن، قال: حدثنا سلمة بن شبيب، قال: حدثنا وهب بن وهب، قال: حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: خلق الناس من أشجار شتى، وخلقت أنا وجعفر من طينة واحدة.
حدثنا محمد بن الحسين الأشناني، قال: حدثنا محمد بن عبيد المحاربي، قال حدثنا علي بن غراب، عن جعفر بن محمد عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لجعفر: أنت أشبهت خلقي وخلقي.
حدثني محمد بن الحسين " الأشناني " قال: حدثنا جعفر بن محمد الرماني، قال: حدثنا محمد بن جبلة، قال: حدثنا محمد بن بكر، قال: حدثنا أبو الجارود، قال: حدثني عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر عن أبيه عن جده، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول: الناس " 8 " من شجر شتى وأنا وجعفر من شجرة واحدة.
محمد بن جعفر
ومحمد بن جعفر بن أبي طالب لاتعرف كنيته.
وأمـه أسماء بنت عميس بن معد بن الحارث بن تيم بن كعب بن مالك بن قحافة بن عامر بن ربيعة بن عامر بن سعد بن مالك بن بشير بن وهب الله بن شـهران بن عفرس بن خلف بن أفتل وهو خثعم.
وأمـها هند بنت عوف بن الحارث وهو حماطة، بن ربيعة بن ذي جليل بن جرش واسمـه منبه بن أسلم بن زيد بن الغوث بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل الغوث بن قطن بن غريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن حمير وهو العرنجج بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
وهند هذه التي هي أم أسماء بنت عميس التي قيل فيها: الجرشية أكرم الناس أحماء. جرش من اليمن.
وابنتها أسماء بنت عميس تزوجها جعفر بن أبي طالب، ثم أبو بكر، ثم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.وابنتها الأخرى ميمونة أم المؤمنين زوجة النبي صلى الله عليه وسلم .
وابنتها الأخرى لبابة أم الفضل، أخت ميمونة، أم ولد العباس بن عبد المطلب.
وابنتها الأخرى سلمى بنت عميس أم ولد حمزة بن عبد المطلب.
وأحماء هذه الجرشية: رسول الله " ص " ، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، والحمزة، والعباس، وحعفر، وأبو بكر، ومن أحمائها أيضا الوليد بن المغيرة المخزومي فأم خالد بن الوليد: أم الفضل الكبرى بنت الحارث أخت أسماء لأمـها.
وهي أم جميع ولد جعفر بن أبي طالب.
وتزوجت الجرشية الحارث بن الجون بن بجير بن الهرم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر، فولدت منـه ميمونة زوجة النبي " ص " ، وأم الفضل أختها تزوجها العباس فولدت له عبد الله، وعبيد الله، والفضل ومعبدا وقثم.
وذكرها الحسن، بن زيد، بن الحسن، بن علي فقال:

(1/4)

كانت الجرشية أكرم الناس أحماء، ذكر رسول الله " ص " وعليا، وحمزة، وجعفر، والعباس، ولم يذكر أبا بكر، وكان في مجلسه جماعة من ولده فرأى ذلك قد شق عليهم فقال: وأبو بكر بعد سكوت طويل.
ولما قتل عنـها جعفر تزوجها أبو بكر فولدت له محمدا. ثم توفى فخلف عليها علي بن أبي طالب فولدت له يحيى بن علي، وتوفي في حياة أبيه، ولا عقب له.
أخبرني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن، قال: حدثني أبو يونس محمد بن أحمد، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثني عبد الرحمن بن المغيرة عن أبيه عن الضحاك بن عثمان، قال: خرج عبيد الله بن عمر بن الخطاب في كتيبة يقال لها الخضراء، وكان بإزائه محمد بن جعفر بن أبي طالب معه راية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب التي تسمى الجموح، وكانا في عشرة آلاف. فاقتتلوا قتالا شديدا.
قال: فلقد ألقى الله عز وجل عليهم الصبر، ورفع عنـهم النصر، فصاح عبيد الله حتى متى هذا الحذر؟ أبرز حتى أناجزك، فبرز له محمد، فتطاعنا حتى انكسرت رماحهما، ثم تضاربا حتى انكسر سيف محمد، ونشب سيف عبيد الله بن عمر في الدرقة، فتعانقا وعض كل واحد منـهما أنف صاحبه فوقعا عن فرسيهما، وحمل أصحابهما عليهما فقتل بعضهم بعضا، حتى صار عليهما مثل التل العظيم من القتلى.
وغلب علي عليه السلام على المعركة فأزال أهل الشام عنـهما، ووقف عليهما فقال اكشفوا " هؤلاء القتلى عن ابن أخي فجعلوا يجرون القتلى عنـهما حتى كشفوهما " فإذا هما متعانقان، فقال علي عليه السلام: أما والله لعن غير حب تعانقتما.
قال أبو الفرج: هذه رواية الضحاك بن عثمان. وما أعلم أحدا من أهل السيرة ذكر أن محمد بن جعفر قتيل عبيد الله بن عمر، ولا سمعت لمحمد في كتاب أحد منـهم ذكر مقتل.
وقد حدثني أحمد بن عيسى بن أبي موسى العجلي بخبر مقتل عبيد الله بن عمر في كتاب صفين، قال: حدثنا الحسين بن نصر بن مزاحم " المنقري " ، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عمر بن سعيد البصري، عن أبي مخنف لوط، بين يحيى الأزدي عن جعفر، بن القاسم عن زيد بن علقمة عن زيد بن بدر، قال: خرج عبيد الله بن عمر في كتيبته الرقطاء، وهي الخضرية وكانوا أربعة آلاف عليهم ثياب خضر، إذ مر الحسن بن علي عليهما السلام فإذا هو برجل متوسد قتيل قد ركز رمحه " 9 " في عينـه وربط فرسه برجله فقال الحسن عليه السلام: انظروا من هذا؟ فإذا الرجل من همدان، وإذا القتيل عبيد الله قد قتله وبات عليه حتى أصبح، ثم سلبه ثم اختلفوا في قاتله فقالت همدان: قتله هانئ بن الخطاب، وقالت حضرموت: قتله مالك بن عمرو التبعي، وقالت بكر بن وائل قتله رجل من تيم الله بن ثعلبة يقال له مالك بن الصحصح من أهل البصرة، وأخذ سيفه ذا الوشاح فبعث معاوية " إليه " حين بويع له وهو بالبصرة فأخذ منـه السيف.
وكذلك روى عن جماعة من أهل السيرة في مقتل عبيد الله " بن عمر " أو شبيه به، والله أعلم أي ذلك كان.
علي بن أبي طالب
وأمير المؤمنين علين بن أبي طالب ويكنى أبا الحسن وأبا الحسين.
وروى عنـه عليه السلام أنـه قال: كان الحسن في حياة رسول الله " ص " يدعوني أبا الحسين. وكان الحسين يدعوني أبا الحسن ويدعوان رسول الله " ص " أباهما، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعواني بأبيهما.
وكانت فاطمة بنت أسد أمـه رحمة الله عليها لما ولدته سمته حيدرة، فغير أبو طالب اسمـه وسماه عليا.
وقيل إن ذلك اسم كانت قريش تسميه به.
والقول الأول أصح. ويدل عليه خبره يوم خيبر وقد برز إليه مرحب اليهودي وهو يقول:
قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب
إذا الحروب أقبلت تلهب
فبرز إليه علي عليه السلام وهو يقول:
أنا الذي سمتني أمي حيدرة ... كليث غاب في العرين قسوره
أكيلكم بالصاع كيل السندره
حدثني محمد بن الحسين، قال حدثنا عباد " بن يعقوب " قال حدثنا موسى بن عمير القرشي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده: وذكر سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله " ص " كناه أبا تراب وكانت من أحب ما يكنى بـه إليه. وكانت بنو أمية دعت سهلا إلى أن يسبه على المنبر.
حدثني علي بن إسحاق بن عيسى المخزومي، قال حدثنا محمد بن بكار بن الريان، قال حدثنا أبو معشر عن أبي حازم عن سهل بن سعد، قال:

(1/5)

كان بين علي وفاطمة شيء فجاء رسول الله " ص " " 10 " يلتمس عليا فلم يجده، فقال لفاطمة: أين هو؟ قالت: كان بيني وبينـه شيء فخرج من عندي وهو غضبان، فالتمسه رسول الله " ص " فوجده في المسجد راقدا وقد زال رداؤه عنـه وأصابه التراب، فأيقظه رسول الله " ص " وجعل يمسح التراب عن ظهره وقال له: اجلس فإنما أنت أبو تراب. وكنا نمدح عليا إذا قلنا له أبو تراب.
فحدثني علي بن إسحاق، قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال حدثنا خالد بن مخلد، قال حدثنا سلمان بن بلال، قال حدثني أبو حازم بن دينار، قال سمعت سهل بن سعد الساعدي يقول: إن كان لأحب أسماء علي إليه أبو تراب، وإن كان ليفرح أن يدعى بها، وما سماه بذلك إلا رسول الله " ص " .
وكان رسول الله " ص " أخذ عليا من أبيه وهو صغير في سنة أصابت قريشا وقحط نالهم، وأخذ حمزة حعفرا، وأخذ العباس طالبا ليكفوا أباهم مؤنتهم ويخففوا عنـه ثقلهم، وأخذ هو عقيلا لميله كان إليه فقال رسول الله " ص " : اخترت من اختار الله لي عليكم عليا.
حدثني بذلك أحمد بن الجعد الوشاء قال حدثنا عبد الرحمن بن صالح، قال حدثنا علي بن عابس عن هرون بن سعد عن زيد بن علي.
وكانت سنـه يوم أسلم إحدى عشرة سنة على أصح ما ورد من الأخبار في إسلامـه، وقد قيل ثلاث عشر سنة، وقيل سبع سنين. والثابت إحدى عشرة، لأن رسول الله " ص " بعث وهذه سنوه فأقام معه بمكة ثلاث عشرة، وبالمدينة عشرا. وعاش بعد رسول الله " ص " ثلاثين سنة تنقص شـهورا. وقال في خطبته التي حدثني بها العباس بن علي النسائي وغيره، قالوا حدثنا محمد بن حسان الأزرق قال حدثنا شبابة بن سوار قال حدثنا قيس بن الربيع عن عمرو بن قيس الملائي عن أبي صادق: إنـه عليه السلام خطب الناس وقد بلغه خبر غارة الغامدي على الأنبار فقال في خطبته: لقد قالت قريش إن ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب، ويحهم وهل فيهم أشد مراسا لها مني ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟. والله لقد دخلت فيها وأنا ابن عشرين سنة، وأنا الآن قد نيفت على الستين، ولكن لا رأي لمن لا يطاع.
وكان عليه السلام أسمر مربوعا وهو إلى القصر أقرب عظيم البطن دقيق الأصابع غليظ الذراعين، حمش الساقين، في عينيه لين، عظيم اللحية " 11 " ، أصلع ناتئ الجبهة.
قال أبو الفرج: وصفته هذه وردت بها الروايات متفرقة فجمعتها، وأتم ما ورد فيها من الأخبار حديث حدثني بـه أحمد بن الجعد وعبد الله بن محمد البغوي قالا: حدثنا سويد بن سعيد، قال حدثنا داود بن عبد الجبار عن أبي إسحاق، قال: أدخلني أبي المسجد يوم الجمعة فرفعني فرأيت عليا يخطب على المنبر شيخا أصلع ناتئ الجبهة عريض ما بين المنكبين له لحية قد ملأت صدره في عينـه اطر غشاش، قال داود يعني لينا في العين. قال فقلت لأبي: من هذا يا أبه؟ فقال هذا علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله " ص " وأخو رسول الله ووصي رسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله ورضوانـه وسلامـه عليه.
قال أبو الفرج: وقد أتينا على صدر من أخباره فيه مقنع. وفضائله عليه السلام أكثر من أن تحصى، والقليل منـها لا موقع له في مثل هذا الكتاب، والإكثار يخرجنا عما شرطناه من الاختصار، وإنما ننبه على من خمل عند بعض الناس ذكره أو لم يشع فيهم فضله. فأمير المؤمنين عليه السلام بإجماع المخالف والممالي، والمضاد والموالي، على ما لا يمكن غمطه ولا ينساغ ستره من فضائله المشـهورة في العامة لا المكتوبة عند الخاصة تغني عن تفضيله بقول والاستشـهاد عليه برواية.
؟؟؟؟؟؟؟؟ثم نعود إلى ذكر خبر مقتله
والسبب فيه حدثني بـه أحمد بن عيسى العجلي العطار قال حدثني الحسين بن نصر بن مزاحم قال حدثنا زيد بن المعذل النمري قال حدثنا يحيى بن سعيد الجزار عن أبي مخنف عن سليمان بن أبي راشد.

(1/6)

" عن عبد الرحمن بن عبيد الله عن جماعة " . من الرواة قد ثبت ما رووه في مواضعة وحدثني أيضا بمقتله عليه السلام محمد بن الحسين الأشناني قال حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال حدثنا عثمان بن عبد الرحمن الحراني قال حدثنا إسماعيل بن راشد ودخل حديثه في حديث من قدمت ذكره، وحدثنا ببعضه أحمد بن محمد بن دلان الخيشي وأحمد بن الجعد الوشاء ومحمد بن جرير الطبري وجماعة غيرهم قالوا حدثنا أبو هشام الرفاعي قال حدثنا أبو أسامة قال حدثنا أبو حباب قال حدثنا أبو عون الثقفي عن أبي عبد الرحمن السلمي حديثا ذكر فيه مقتله فأتيت بأشياء منـه في مواضعها من سياقة الأحاديث، وأكثر اللفظ في ذلك لأبي مخنف، إلا ما عسى أن يقع فيه خلاف فأبينـه قال: اجتمع بمكة نفر من الخوارج فتذاكروا أمر المسلمين فعابوهم وعابوا أعمالهم عليهم " 12 " وذكروا أهل النـهروان وترحموا عليهم وقال بعضهم لبعض فلو أنا شرينا أنفسنا لله فأتينا أئمة الضلال وطلبنا غرتهم فأرحنا منـهم العباد والبلاد وثأرنا بإخواننا الشـهداء بالنـهروان، فتعاقدوا على ذلك عند انقضاء الحج، فقال عبد الرحمن بن ملحم لعنـه الله أنا أكفيكم عليا، وقال أحد الآخرين: أنا أكفيكم معاوية، وقال الثالث: أنا أكفيكم عمرو بن العاص، فتعاقدوا وتواثقوا على الوفاء ألا ينكل واحد منـهم عن صاحبه الذي يتوجه إليه ولا عن قتله واتعدوا لشـهر رمضان في الليلة التي قتل فيها ابن ملحم عليا عليه السلام.
قال أبو مخنف قال أبو زهير العبسي: الرجلان الآخران، البرك بن عبد الله التميمي وهو صاحب معاوية، والآخر عمرو بن بكر التميمي وهو صاحب عمرو بن العاص.
فأما صاحب معاوية فإنـه قصده فلما وقعت عينـه عليه ضربه فوقعت ضربته في إليته، وأخذ، فجاء الطبيب إليه فنظر إلى الضربة، فقال اسماعيل بن راشد في حديثه: فقال: إن السيف مسموم فاختر إما أن أحمي لك حديدة فأجعلها في الضربة فتبرأ وإما أن أسقيك دواء فتبرأ وينقطع نسلك. قال أما النار فلا أطيقها، وأما النسل ففي يزيد وعبد الله ما يقر عيني وحسبي بهما، فسقاه الدواء، فعوفي وعالج جرحه حتى التأم ولم يولد له بعد ذلك.
قال وقال له البرك بن عبد الله إن لك عندي بشارة، قال: وما هي؟ فأخبره بخبر صاحبيه، وقال له: إن عليا يقتل في هذه الليلة فاحبسني عندك فإن قتل فأنت ولي ما تراه في أمري، وإن لم يقتل أعطيتك العهود والمواثيق أن أمضي فأقتله ثم أعود إليك فأضع يدي في يدك حتى تحكم في بما تراه، فحبسه عنده، فلما أتاه أن عليا قد قتل خلى سبيله.
وقال غيره من الرواة بل قتله من وقته.
قال وأما صاحب عمرو بن العاص فإنـه وافاه في تلك الليلة وقد وجد علة فأخذ دواء واستحلف رجلا يصلي بالناس يقال له خارجة بن أبي حبيبة أحد بني عامر بن لؤي، فخرج للصلاة وشد عليه عمرو بن بكر فضربه بسيفه فأثبته، وأخذ الرجل فأتى بـه عمرو العاص فقتله، ودخل من غد إلى خارجة وهو يجود بنفسه ققال له: أما والله أبا عبد الله ما أراد غيرك، قال عمرو: ولكن الله أراد خارجة.
رجع الحديث إلى خبر ابن ملجم لعنـه الله. فحدثني محمد بن الحسين الأشناني وغيره قالوا حدثنا علي بن المنذر الطريقي قال حدثنا ابن فضيل قال حدثنا فطر " 13 " عن أبي الطفيل قال: جمع أمير المؤمنين علي الناس للبيعة فجاء عبد الرحمن بن ملجم فرده مرتين أو ثلاثا ثم بايعه، فقال له علي: ما يحبس أشقاها؟ فوالذي نفسي بيده لتخضبن هذه من هذه، ثم قال:
أشدد حيازيمك للمو ... ت فإن الموت لاقيك
ولا تجزع من المو ... ت إذا حل بواديك
قال: وروى غيره أن عليا أعطى الناس فلما بلغ إلى ابن ملجم قال:
أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد
أخبرنا الحسن بن علي الوشا في كتابه إلي قال حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين قال حدثنا فطر عن أبي الطفيل بنحو من هذا الحديث.

(1/7)

حدثني أحمد بن عيسى العجلي قال حدثنا الحسين بن نصر بن مزاحم قال حدثنا زيد بن المعذل عن يحيى بن شعيب عن أبي مخنف عن أبي زهير العبسي قال: كان ابن ملجم من مراد وعداده في كندة فأقبل حتى قدم الكوفة فلقي بها أصحابه وكتمـهم أمره وطوى عنـهم ما تعاقد هو وأصحابه عليه بمكة من قتل أمراء المسلمين مخافة أن ينشر منـه شيء وأنـه زار رجلا من أصحابه ذات يوم من تيم الرباب فصادف عنده قطام بنت الأخضر بن شجنة من تيم الرباب، وكان علي قتل أباها وأخاها بالنـهروان، وكانت من أجمل نساء أهل زمانـها، فلما رآها ابن ملجم لعنـه الله شغف بها واشتد إعجابه، فخبر خبرها فخطبها فقالت له: ما الذي تسمى لي من الصداق فقال لها؟ احتكمي ما بدا لك. فقالت:أنا محتكمة عليك ثلاثة آلاف درهم ووصيفا وخادما وقتل علي بن أبي طالب، فقال لها: لك جميع ما سألت، فأما قتل علي فأنى لي بذلك؟ فقالت: تلتمس غرته فإن أنت قتلته شفيت نفسي وهنأك العيش معي، وإن قتلت فما عند الله خير لك من الدنيا، قال لها: أما والله أقدمني هذا المصر وقد كنت هاربا منـه لا آمن مع أهله إلا ما سألتني من قتل علي، فلك ما سألت، قالت له: فأنا طالبة لك بعض من يساعدك على ذلك ويقويك ثم بعثت إلى وردان بن مجالد من تيم الرباب فخبرته الخبر وسألته معونة ابن ملجم لعنـه الله، فتحمل ذلك لها، وخرج ابن ملجم فأتى رجلا من أشجع يقال له شبيب بن بجرة فقال له: يا شبيب، هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ قال: وما هو قال تساعدني على قتل علي بن أبي طالب، وكان شبيب على رأي الخوارج، فقال له: يا بن ملجم هبلتك الهبول. لقد جئت شيئا إدا، وكيف تقدر على ذلك؟ قال له ابن ملجم: نكمن له في المسجد الأعظم فإذا خرج لصلاة الفجر فتكنا بـه فقتلناه، فإذا نحن قتلناه شفينا وأدركنا ثأرنا، فلم يزل بـه حتى أجابه، فأقبل معه حتى دخل على قطام وهي معتكفة في المسجد الأعظم قد ضربت عليها قبة، فقالا لها: قد اجتمع رأينا على قتل هذا الرجل " 14 " .
قالت لهما: فإذا أردتما ذلك فألقياني في هذا الموضع. فانصرفا من عندها فلبثا أياما. ثم أتياها ليلة الجمعة لتسع عشرة خلت من شـهر رمضان سنة أربعين. هكذا في حديث أبي مخنف، وفي حديث أبي عبد الرحمن السلمي أنـها كانت ليلة سبع عشرة خلت من شـهر رمضان، وهو أصح. فقال لها ابن ملجم: هذه الليلة التي واعدت فيها صاحبي وواعدني أن يقتل كل واحد منا صاحبه الذي يتوجه إليه. فدعت لهم بحرير فعصبت بـه صدورهم، وتقلدوا سيفهم، ومضوا فجلسوا مما يلي السدة التي كان يخرج منـها أمير المؤمنين إلى الصلاة.
حدثني أحمد بن عيسى، قال: حدثنا الحسين بن نصر، قال: حدثنا زيد بن المعذل، عن يحيى بن شعيب، عن أبي مخنف، عن الأسود والأجلح أن ابن ملجم أتى إلى الأشعث بن قيس - لعنـهما الله - في الليلة التي أراد فيها بعلي ما أراد، والأشعث في بعض نواحي المسجد. فسمع حجر بن عدي الأشعث يقول لابن ملجم - لعنـه الله - النجاء النجاء لحاجتك فقد فضحك الصبح فقال له حجر: قتلته يا أعور. وخرج مبادرا إلى علي وأسرج دابته وسبقه ابن ملجم - لعنـه الله - فضرب عليا. وأقبل حجر والناس يقولون: قتل أمير المؤمنين.
قال أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد الأصفهاني: وللأشعث بن قيس في انحرافه عن أمير المؤمنين - عليه السلام - أخبار يطول شرحها منـها ما حدثنيه محمد بن الحسين الأشناني قال: حدثنا إسما عيل بن موسى بن بنت السدي قال: حدثنا علي بن مسهر، عن الأجلح عن موسى بن أبي النعمان قال: جاء الأشعث إلى علي يستأذن عليه فرده قنبر، فأدمى الأشعث أنفه. فخرج علي وهو يقول: مالي ولك يا أشعث، أما والله لو بعبد ثقيف تمرست لاقشعرت شعيراتك، قيل: يا أمير المؤمنين ومن غلام ثقيف؟ قال: غلام يليهم لا يبقى أهل بيت من العرب إلا أدخلهم ذلا. قيل: يا أمير المؤمنين: كم يلي؟ وكم يمكث؟ قال: عشرين إن بلغها.
حدثني محمد بن الحسين الأشناني. قال: حدثني إسماعيل بن موسى. قال: حدثني رجل، عن سفيان بن عيينة، عن جعفر بن محمد قال: حدثني امرأة منا قالت: رأيت الأشعث بن قيس دخل على علي - عليه السلام - فأغلظ له علي، فعرض له الأشعث بأن يفتك به. فقال له علي عليه السلام: أبالموت تهددني، فو الله ما أبالي وقعت على الموت، أو وقع الموت علي.

(1/8)

حدثني أبو عبيد محمد بن أحمد بن الؤمل الصيرفي بهذين الحدبثين، عن فضل المصري عن إسماعيل " ابن بنت السدي " .
رجع الحديث إلى مقتل أمير المؤمنين.
قال أبو مخنف: فحدثني أبي عن عبد الله بن محمد الأزدي، قال: إني لأصلي تلك الليلة في المسجد الأعظم مع رجال من أهل المصر كانوا يصلون في ذلك الشـهر من أول الليل إلى آخره إذ نظرت إلى رجال يصلون قريبا من السدة قياما وقعودا، وركوعا وسجودا، ما يسأمون، إذ خرج على صلاة الفجر، فأقبل ينادي: الصلاة الصلاة، فما أدري أنادى أم رأيت بريق السيف؟ وسمعت قائلا يقول: الحكم لله يا علي لا لك ولا لأصحابك، ثم رأيت بريق سيف آخر ثانيا وسمعت عليا يقول: لايفوتنكم الرجل.
وقال إسماعيل بن راشد في حديثه، ووافقه في معناه حديث أبي عبد الرحمن السلمي أن شبيب بن بجرة ضربه فأخطأه ووقعت ضربته في الطاق، وضربه ابن ملجم - لعنـه الله - فأثبت الضربة في وسط رأسه.
وقال عبد الله بن محمد الأزدي في حديثه: وشد الناس عليه من كل ناحية حتى أخذوه.
قال أبو مخنف: فذكرت همدان أن رجلا منـهم يكنى أبا أدماء من مرهبة أخذه، وقال يزيد بن أبي زياد: أخذه المغيرة بن الحرث بن عبد المطلب طرح عليه قطيفة ثم صرعه. وأخذ السيف من يده وجاء به.
وأما شبيب بن بجرة فإنـه خرج هاربا، فأخذه رجل فصرعه؛ وجلس على صدره وأخذ السيف من يده ليقتله، فرأى الناس يقصدون نحوه، فخشي أن يعجلوا عليه ولا يسمعوا منـه، فوثب عن صدره وخلاه، وطرح السيف من يده. ومضى الرجل هاربا حتى دخل منزله. ودخل عليه ابن عم له فرآه يحل الحرير عن صدره، فقال له: ما هذا؟ لعلك قتلت أمير المؤمنين، فأراد أن يقول: لا، فقال: نعم. فمضى ابن فاشتمل على سيفه ثم دخل عليه فضربه حتى قتله.
قال أبو مخنف: فحدثني أبي، عن عبد الله بن محمد الأزدي، قال: ادخل ابن ملجم لعنـه الله على علي، ودخلت عليه فيمن دخل، فسمعت عليا يقول: النفس بالنفس إن أنا مت فاقتلوه كما قتلني، وإن سلمت رأيت فيه رأيي، فقال ابن ملجم - لعنـه الله - والله لقد ابتعته بألف، وسممته بألف، فإن خانني فأبعده الله. قال: ونادته أم كلثوم: يا عدو الله قتلت أمير المؤمنين.
قال: إنما قتلت أباك. قالت يا عدو الله. إني لأرجو أن ألا يكون عليه بأس. قال لها: فأراك إنما تبكين عليا. إذا والله لقد ضربته ضربة لو قسمت بين أهل الأرض لأهلكتهم.
قال وأخرج ابن ملجم - لعنـه الله - وهو يقول: قال إسماعيل بن راشد في حديثه والشعر لابن أبي مياس الفزاري:
ونحن ضربنا يا بنة الخير إذ طغى ... أبا حسن مأمومة فتقطر
هذا البيت لأبي مخنف وحده، وزاد إسماعيل هذين البيتين:
ونحن خلعنا ملكه عن نظامـه ... بضربة سيف إذ علا وتجبرا
ونحن كرام في الصباح أعزة ... إذا المرء بالموت ارتدى وتأزرا
قال أبو مخنف: فحدثني بعض أصحابنا، عن صالح بن ميثم، عن أخيه عمران قال: لقد رأيت الناس حين انصرفوا من صلاة الصبح أتوا بابن مخنف لعنـه الله ينـهشون لحمـه بأسنانـهم كأنـهم سباع وهم يقولون له: يا عدو الله، ماذا فعلت؟ أهلكت أمة محمد " ص " ، وقتلت خير الناس. وإنـه لصامت ما ينطق.
قال أبو ملجم: وحدثني معروف بن خربوذ عن أبي الطفيل أن صعصعة بن صوحان استأذن على أمير المؤمنين علي وقد أتاه عائدا، فلم يكن له عليه إذن، فقال صعصعة للآذن: قل له يرحمك الله يا أمير المؤمنين حيا وميتا، فو الله لقد كان الله في صدرك عظيما، ولقد كنت بذات الله عليما، فأبلغه الآذن مقالة صعصعة، فقال له علي: قل له وأنت يرحمك الله، فلقد كنت خفيف المؤونة، كثير المعونة.
قال: وقال رجل يذكر أمر قطام وابن ملجم لعنـهما الله وقال محمد بن " الحسين الأشناني " في حديثه عن المسروقي وهو ابن أبي مياس " الفزاري " :
فلم أر مـهرا ساقه ذو سماحة ... كمـهر قطام من فصيح وأعجم
ثلاثة آلاف وعبد وقينة ... وضرب علي بالحسام المصمم
ولا مـهر أغلى من علي وإن علا ... ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم
وأنشدنا حبيب بن نصر المـهلبي، قال: أنشدنا الرياشي أحسبه عن أبي عبيدة لعمران بن حطان - لعنـه الله - يمدح ابن ملجم لعنـه الله وغضب عليهما بقتل أمير المؤمنين عليه السلام:

(1/9)

يا ضربة من كمي ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
أني لأفكر فيه ثم أحسبه ... أو في البرية عند الله ميزانا
كذب. لعنـهما الله وعذبهما.
حدثني أحمد بن عيسى، قال: حدثني الحسن بن نصر، قال: حدثنا زيد بن المعذل، عن يحيى بن شعيب، عن أبي مخنف، قال: حدثني عطية بن الحرث، عن عمر بن تميم وعمرو بن أبي بكار أن عليا لما ضرب جمع له أطباء الكوفة فلم يكن منـهم أحد أعلم بجرحه من أثير بن عمرو بن هانئ السكوني، وكان متطببا صاحب كرسي يعالج الجراحات، وكان من الأربعين غلاما الذين كان خالد بن الوليد أصابهم في عين التمر فسباهم، وإن أثيرا لما نظر إلى جرح أمير المؤمنين - عليه السلام - دعا برئة شاة حارة واستخرج عرقا منـها، فأدخله في الجرح ثم استخرجه فإذا عليه بياض الدماغ فقال له: يا أمير المؤمنين إعهد عهدك فإن عدو الله قد وصلت ضربته إلى أم رأسك. فدعا علي عند ذلك بصحيفة ودواة وكتب وصيته.
بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى بـه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. أوصى بأنـه يشـهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركين، صلوات الله وبركاته عليه.
" إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لاشريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين " .
أوصيك يا حسن وجميع ولدي وأهل بيتي ومن بلغه كتابي هذا بتقوى الله ربنا ولا تموتن وإلا أنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، فإني سمعت رسول الله يقول: إصلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام، وإن المبيدة الحالقة للدين فساد ذات البين. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
انظروا إلى ذوي أرحامكم فصلوهم يهون الله عليكم الحساب. الله الله في الأيتام فلا تغيرن أفواههم بجفوتكم، والله الله في جيرانكم فإنـها وصية رسول الله " ص " ما زال يوصينا بهم ظننا أنـه سيورثهم.
والله الله في القرآن فلا يسبقنكم إلى العمل بـه غيركم، والله الله في الصلاة فإنـها عماد دينكم.
والله الله في بيت ربكم فلا يخلون منكم ما بقيتم، فإنـه إن ترك لم تناظروا وإنـه إن خلا منكم لم تنظروا.
والله الله في صيام شـهر رمضان فإنـه جنة من النار، والله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم والله الله في زكاة أموالكم فإنـها تطفىء غضب ربكم والله الله في أمة نبيكم فلا يظلمن بين أظهركم والله الله في أصحاب نبيكم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى بهم.
والله الله في الفقراء والمساكين فأشركوهم في معايشكم، والله الله فيما ملكت أيمانكم " فإنـها كانت آخر وصية رسول الله " ص " إذ قال: أوصيكم بالضعيفين فيما ملكت أيمانكم " .
ثم قال: الصلاة الصلاة. لا تخافوا في الله لومة لائم فإنـه يكفكم من بغى عليكم وأرادكم بسوء قولوا للناس حسنا كما أمركم الله، ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنـهي عن المنكر، فيولي الأمر عنكم وتدعون فلا يستجاب لكم.
عليكم بالتواضع والتباذل والتبار، وإياكم والتقاطع والتفرق والتدابر: " وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب " حفظكم الله من إهل بيت، وحفظ فيكم نبيه، استودعكم الله خير مستودع وأقرأ عليكم سلام الله ورحمته.
حدثني أحمد بن محمد بن دلان، وأحمد بن الجعد، ومحمد بن جرير الطبري، قالوا: حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثني أبو جناب، قال: حدثني أبو عون الثقفي، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن الحسن بن علي قال: خرجت أنا وأبي نصلي في هذا المسجد، فقال لي: يا بني، إني بت الليلة أوقظ أهلي لأنـها ليلة الجمعة صبيحة يوم بدر لسبع عشرة ليلة خلت من شـهر رمضان فملكتني عيناي، فسنح لي رسول الله " ص " ، فقلت: يا رسول الله، ماذا لقيت من أمتك من الأود واللدد؟ فقال لي: ادع عليهم. فقلت: " اللهم أبدلني بهم من هو خير لي منـهم، وأبدلهم بي من هو شر لهم مني " ، وجاء ابن النباح. فآذنـه بالصلاة فخرج وخرجت خلفه فاعتروه الرجلان فأما أحد فوقعت ضربته في الطاق، وأما الآخر فأثبتها في رأسه.
" قال أبو الفرج الأود العوج، واللد الخصومات " :

(1/10)

حدثني أحمد بن عيسى، قال: حدثنا الحسن بن نصر، قال: حدثنا زيد بن المعذل، عن يحيى بن شعيب، عن أبي مخنف، عن فضيل بن خديج، عن الأسود والكندي والأجلخ قالا: توفي أمير المؤمنين علي - عليه السلام - وهو ابن أربع وستين سنة، سنة أربعين في ليلة الأحد لإحدى وعشرين ليلة مضت من شـهر رمضان، وولي غسله ابنـه الحسن بن علي وعبد الله بن العباس، وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص. وصلى عليه ابنـه الحسن وكبر خمس تكبيرات، ودفن في الرحبة مما يلي أبواب كندة عند صلاة الصبح.
ودعا الحسن بعد دفنـه بابن ملجم - لعنـه الله - فأتى بـه فأمر بضرب عنقه، فقال له: إن رأيت أن تأخذ على العهود أن أرجع إليك حتى أضع يدي في يدك بعد أن أمضي إلى الشام فأنظر ما صنع صاحبي بمعاوية فإن كان قتله وإلا قتلته ثم أعود إليك. تحكم في بحكمك، فقال له الحسن: هيهات. والله لا تشرب الماء البارد أو تلحق روحك بالنار، ثم ضرب عنقه فاستوهبت أم الهيثم بنت الأسود النخعية جيفته منـه فوهبها لها فأحرقتها بالنار.
حدثني أحمد بن سعيد، قال حدثنا يحيى بن الحسن العلوي، قال: حدثنا يعقوب بن زيد، قال: حدثني ابن أبي عمير، عن الحسن بن علي الخلال، عن جده، قال: قلت للحسن بن علي: أين دفنتم أمير المؤمنين؟ قال: خرجنا بـه ليلا من منزله حتى مررنا بـه على مسجد الأشعث، حتى خرجنا بـه إلى الظهر بجنب الغرى.
حدثني محمد بن الحسين الأشناني، قال: حدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: حدثنا عثمان بن عبد الرحمن، قال: حدثنا إسماعيل بن راشد بإسناده، قال: لما أتى عائشة نعى علي أمير المؤمنين - عليه السلام - تمثلت:
فألقت عصاها واستقرت بها النوى ... كما قر عينا بالأياب المسافر
ثم قالت: من قتله؟ فقيل: رجل من مراد، فقالت:
فإن يك نائبا فلقد بغاه ... غلام ليس في فيه التراب
فقالت لها زينب بنت أم سلمة: ألعلي تقولين هذا؟ فقالت: إذا نسيت فذكروني، قال: ثم تمثلت:
ما زال إهداء القصائد بيننا ... باسم الصديق وكثرة الألقاب
حتى تركت كأن قولك فيهم ... في كل مجتمع طنين ذباب
قال: وكان الذي جاءها بنعيه سفيان بن أبي أمية بن عبد شمس بن أبي وقاص هذا أو نحوه. حدثني محمد بن الحسين الأشناني، قال: حدثنا أحمد بن حازم، قال: حدثنا عاصم بن عامر، وعثمان بن أبي شيبة، قالا: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، قال: لما أن جاء عائشة قتل علي عليه السلام سجدت. قال أبو مخنف: وقالت أم الهيثم بنت الأسود النخعية ترثي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - عليه السلام - :
ألا يا عين ويحك فاسعدينا ... ألا تبكي أمير المؤمنينا
رزئنا خير من ركب المطايا ... وخيسها ومن ركب السفينا
ومن لبس النعال ومن حذاها ... ومن قرأ المثاني والمئينا
وكنا قبل مقتله بخير ... نرى مولى رسول الله فينا
يقيم الدين لا يرتاب فيه ... ويقضي بالفرائض مستبينا
ويدعوا للجماعة من عصاه ... وينـهك قطع أيدي السارقينا
وليس بكاتم علما لديه ... ولم يخلق من المتجبرينا
لعمر أبي لقد أصحاب مصر ... على طول الصحابة أوجعونا
وغرونا بأنـهم عكوف ... وليس كذاك فعل العاكفينا
أفي شـهر الصيام فجعتمونا ... بخير الناس طرا أجمعينا
ومن بعد النبي فخير نفس ... أبو حسن وخير الصالحينا
كأن الناس إذ فقدوا عليا ... نعام جال في بلد سنينا
ولو أنا سئلنا المال فيه ... بذلنا المال فيه والبنينا
أشاب ذؤابتي وأطال حزني ... أمامة حين فارقت القرينا
تطوف بها لحاجتها إليه ... فلما استيأست رفعت رنينا
وعبرة أم كلثوم إليها ... تجاوبها وقد رأت اليقينا
فلا تشمت معاوية بن صخر ... فإن بقية الخلفاء فينا
وأجمعنا الإمارة عن تراض ... إلى ابن نبينا وإلى أخينا
ولا نعطي زمام الأمر فينا ... سواه الدهر آخر ما بقينا

(1/11)

وإن سراتنا وذوي حجانا ... تواصو أن نجيب إذا دعينا
بكل مـهند عضب وجرد ... عليهن الكماة مسومينا
أخبرني عمي الحسن بن محمد، قال: أنشدني محمد بن سعد الكناني لبعض بني عبد المطلب يرثي أمير المؤمنين عليه السلام، ولم يعرف اسمـه:
يا قبر سيدنا المجن له ... صلى الإله عليك يا قبر
ما ضر قبرا أنت ساكنـه ... أن لايحل بأرضه القطر
فليندين سماح كفك في الثرى ... وليورقن بجنبك الصخر
والله لو بك لم أجد أحدا ... إلا قتلت، لفاتني الوتر
الحسن بن علي
والحسن بن علي بي أبي طالب - عليهما السلام - ويكنى أبا محمد وأمـه فاطمة بنت رسول الله " ص " ، وكانت فاطمة تكنى أم أبيها، ذكر ذلك قعنب ابن محرز الباهلي، حدثني بـه محمد بن زكريا الصحاف، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن الحسين بن زيد بن علي، عن جعفر بن محمد عن أبيه.
وأمـها خديجة، تكنى أم هند بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي.
وأمـها فاطمة بنت زائدة بن الأصم بن هرم بن رواحة بن حجر بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤي.
وأمـها هالة بنت " عبد " مناف بن الحارث بن منقد بن عمرو بن معيص بن عامر بن لؤي.
وأمـها العرقة، وهي قلابة بنت سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي. وإنما سميت العرقة لطيب عرقها وعطرها، وكانت مبدنة، وكانت إذا عرقت فاحت رائحة الطيب منـها فسميت العرقة.
وأمـها عاتكة بنت عبد العزى بن قصي.
وأمـها الحظيا وهي ريطة الصغرى بنت كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي.
وأمـها مارية ويقال قيلة بنت حذافة بن جمح.
وأمـها ليلى بنت عامر الخيار بن غيسان واسمـه الحرث بن عبد عمرو بن عمرو بن قوي بن ملكان بن أفضى من خزاعة.
وأمـها سلمى بنت سعد بن كعب بن عمرو من خزاعة.
وأمـها ليلى بنت عابس بن الظرب بن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة.
وأمـها سلمى بنت لؤي بن غالب.
وأمـها ليلى بنت محارب بن فهر.
وأمـها عاتكة بنت مخلد بن النضر بن كنانة.
وأمـها الوارثة بنت الحرث بن مالك بن كنانة.
وأمـها مارية بنت سعد بن زيد مناة بن تميم واسمـها أسماء بنت جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن ثعلب بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دغمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار.
وتزوجت خديجة - صلوات الله عليها - قبل رسول الله " ص " رجلين. يقال لأحدهما عتيق بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وولدت له بنتا يقال لها هند. ثم توفي عنـها. فخلف عليها أبو هالة بن النباش بن زرارة بن وقدان بن حبيب بن سلامة بن عدي بن حرزة بن أسيد بن عمرو بن تميم، فولدت له ابنا يقال له هند، وروى عن النبي " ص " ، روى عنـه الحسن بن علي بن أبي طالب حديث صفة رسول الله " ص " المشـهور، وقال فيه: سألت خالي هند بن أبي هالة عن صفة رسول الله " ص " وكان له وصافا.
وتوفيت خديجة - رضي الله عنـها - قبل الهجرة بثلاث سنين، ولها يومئذ خمس وستون سنة. حدثني بذلك الحسن بن علي، قال: حدثنا الحرث بن محمد، قال: حدثنا ابن سعد عن الواقدي. ودفنت بالحجون.
وكان مولد فاطمة - عليها السلام - قبل النبوة وقريش حينئذ تبني الكعبة وكان تزويج علي بن أبي طالب إياها في صفر بعد مقدم رسول الله " ص " المدينة، وبنى بها بعد رجوعه من غزوة بدر، ولها يومئذ ثماني عشرة سنة.
حدثني بذلك الحسن بن علي، قال: حدثنا الحرث، قال: حدثنا ابن سعد عن الواقدي، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن أبي جعفر بن محمد بن علي.
وكان مولد الحسن في سنة ثلاث من الهجرة.
وكانت وفاته - عليه السلام - بعد عشر سنين خلت من إمارة معاوية، وذلك في سنة خمسين من الهجرة.
وكانت وفاة فاطمة - عليها السلام - بعد وفاة النبي " ص " بمدة يختلف في مبلغها؛ فالمكثر يقول: بستة أشـهر. والمقلل يقول: أربعين يوما؛ إلا أن الثابت في ذلك ما روى عن أبي جعفر محمد بن علي أنـها توفيت بعده بثلاثة أشـهر.
حدثني بذلك الحسن بن عبد الله ، قال: حدثنا الحرث، عن ابن سعد، عن الواقدي، عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر محمد بن علي.
وكان في لسان الحسن بن علي ثقل كالفأفأة.

(1/12)

حدثني بـه محمد بن الحسين الأشناني، قال: حدثنا محمد بن اسماعيل الأحمسي، قال: حدثنا مفضل بن صالح عن جابر، قال: كانت في لسان الحسن رتة، فقال سلمان الفارسي. أتته " من " قبل موسى " بن عمران " - عليه السلام - .
ودس معاوية إليه حين أراد أن يعهد إلى يزيد بعده، وإلى سعد بن أبي وقاص سما فماتا منـه في أيام متقاربة.
وكان الذي تولى ذلك من الحسن زوجته " جعدة " بنت الأشعث بن قيس لمال بذله لها معاوية.
وسنذكر الخبر في ذلك.
وقيل: اسمـها سكينة، وقيل: شعثاء، وقيل: عائشة، والصحيح في ذلك جعدة.
بيعته بعد وفاة أمير المؤمنين علي
ذكر الخبر في بيعته بعد وفاة أمير المؤمنين علي " ع " وتسليمـه الأمر إلى معاوية والسبب في وفاته حدثني أحمد بن عيسى العجلي، قال: حدثنا حسين بن نصر، قال: حدثنا زيد ين المعذل، عن يحيى شعيب، عن أبي مخنف، قال: حدثني أشعث بن سوار عن أبي إسحاق " السبيعي " عن سعيد بن رويم، وحدثني علي بن إسحاق المخرمي وأحمد بن الجعد، قالا: حدثنا عبد الله بن عمر شكدانـه، قال: حدثنا وكيع عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن حبشي، وحدثني علي بن إسحاق، قال: حدثنا عبد الله بن عمر، قال: حدثنا عمران بن عيينة عن الأشعث، عن أبي إسحاق موقوفا، وحدثني محمد بن الحسين الخثعمي، قال: حدثنا عباد بن يعقوب، قال: حدثنا عمرو بن ثابت عن أبي إسحاق، عن هبيرة بن بريم، قال: قال عمرو بن ثابت: كنت أختلف إلى أبي إسحاق " السبيعي " سنة أسأله عن خطبة الحسن بن علي، فلا يحدثني بها، فدخلت إليه في يوم شات وهو في الشمس وعليه برنسه كأنـه غول، فقال لي: من أنت؟ فأخبرته، فبكى وقال: كيف أبوك؟ كيف أهلك؟ قلت: صالحون، قال: في أي شيء تردد منذ سنة؟ قلت: في خطبة الحسن بن علي بعد وفاة أبيه.
قال: " حدثني هبيرة بن بريم " ، وحدثني محمد بن محمد الباغندي، ومحمد بن حمدان الصيدلاني، قالا: حدثنا إسماعيل بن محمد العلوي، قال: حدثني عمي علي بن جعفر بن محمد، عن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن زيد بن الحسن، عن أبيه، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، والمعنى قريب، قالوا: خطب الحسن بن علي بعد وفاة أمير المؤمنين علي عليه السلام، فقال: لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون بعمل، ولا يدركه الآخرون بعمل ولقد كان يجاهد مع رسول الله " ص " فيقيه بنفسه، ولقد كان يوجهه برايته فيكتنفه جبرئيل عن يمينـه، وميكائيل عن يساره، فلا يرجع حتى يفتح الله عليه، ولقد توفي في هذه الليلة التي عرج فيها بعيسى بن مريم، ولقد توفي فيها يوشع بن نون وصي موسى، وما خلف صفراء ولا بيصاء إلا سبعمائة درهم بقيت من عطائه أراد أن يبتاع بها خادما لأهله.
ثم خنقته العبرة، فبكى وبكى الناس معه.
ثم قال: أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمد " ص " ، أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن الداعي إلى الله عز وجل بإذنـه، وأنا ابن السراج المنير، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنـهم الرجس وطهرهم تطهيرا، والذين افترض الله مودتهم في كتابه إذ يقول: " ومن يقترف حسنة نزد فيها حسنا " . فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت.
قال أبو مخنف عن رجاله: ثم قام ابن عباس بين يديه، فدعا الناس إلى بيعته، فاستجابوا له، وقالوا: ما أحبه إلينا وأحقه بالخلافة فبايعوه.
ثم نزل عن المنبر.
قال: ودس معاوية رجلا من بني حمير إلى الكوفة، ورجلا من بني القين إلى البصرة يكتبان إليه بالأخبار، فدل على الحميري عند لحام جرير ودل على القيني بالبصرة في بني سليم، فأخذا وقتلا.
وكتب الحسن إلى معاوية: أما بعد، فإنك دسست إلي الرجال كأنك تحب اللقاء، وما أشك في ذلك، فتوقعه إن شاء الله، وقد بلغني أنك شمت بما لا يشمت بـه ذوو الحجى، وإنما مثلك في ذلك كما قال الأول:
وقل للذي يبغي خلاف الذي مضى ... تجهز لأخرى مثلها فكأن قد
وإنا ومن قد مات منا لكالذي ... يروح ويمسي في المبيت ليغتدي
فأجابه معاوية: أما بعد، فقد وصل كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، ولقد علمت بما حدث فلم أفرح ولم أحزن ولم أشمت ولم آس، وإن علي بن أبي طالب كما قال أعشى بني قيس بن ثعلبة:
وأنت الجواد وأنت الذي ... إذا ما القلوب ملأن الصدورا

(1/13)

جدير بطعنة يوم اللقا ... ء تضرب منـها النساء النحورا
وما مزبد من خليج البحا ... ر يعلو الإكام ويعلو الجسورا
بأجود منـه بما عنده ... فيعطي الألوف ويعطى البدورا
قال: وكتب عبد الله بن العباس من البصرة إلى معاوية: أما بعد، فإنك ودسك أخا بني قين إلى البصرة تلتمس من غفلات قريش مثل الذي ظفرت بـه من يمانيتك لكما قال أمية بن الأسكر:
لعمرك إني والخزاعي طارقا ... كنعجة عاد حتفها تتحفر
أثارت عليها شفرة بكراعها ... فظلت بها من آخر الليل تنحر
شمت بقوم من صديقك أهلكوا ... أصابهم يوم من الدهر أصفر
فأجابه معاوية: أما بعد، فإن الحسن بن علي قد كتب إلي بنحو ما كتبت به، وأنبأني بما لم أجز ظنا وسوء رأي، وإنك لم تصب مثلكم ومثلي ولكن مثلنا ما قاله طارق الخزاعي يجيب أمية عن هذا الشعر:
فوالله ما أدري وإني لصادق ... إلى أي من يظنني أتعذر
أعنف أن كانت زبينة أهلكت ... ونال بني لحيان شر فأنفروا
قال أبو الفرج: وكان أول شيء أحدث الحسن أنـه زاد المقاتلة مائة مائة، وقد كان علي فعل ذلك يوم الجمل، والحسن فعله على حال الاستخلاف، فتبعه الخلفاء من بعد ذلك.
وكتب الحسن إلى معاوية مع جندب بن عبد الله الأزدي: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله الحسن أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان، سلام عليك، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإن الله تعالى عز وجل بعث محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، ومنة على المؤمنين، وكافة إلى الناس أجمعين " لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين " فبلغ رسالات الله، وقام على أمر الله حتى توفاه الله غير مقصر ولا وان، حتى أظهر الله بـه الحق، ومحق بـه الشرك، ونصر بـه المؤمنين، وأعز بـه العرب، وشرف بـه قريشا خاصة، فقال تعالى: " وإنـه لذكر لك ولقومك " فلما توفي صلى الله عليه وسلم تنازعت سلطانـه العرب فقالت قريش: نحن قبيلته وأسرته وأولياؤه، ولا يحل لكم أن تنازعونا سلطان محمد في الناس وحقه، فرأت العرب أن القول كما قالت قريش، وأن الحجة لهم في ذلك على من نازعهم أمر محمد صلى الله عليه وسلم فأنعمت لهم العرب وسلمت ذلك، ثم حاججنا نحن قريشا بمثل ما حاجت بـه العرب، فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها، إنـهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالانتصاف والاحتجاج فلما صرنا أهل بيت محمد وأوليائه إلى محاجتهم، وطلب النصف منـهم باعدونا، واستولوا بالاجتماع على ظلمنا ومراغمتنا، والعنت منـهم لنا، فالموعد الله، وهو الولي النصير.
وقد تعجبنا لتوثب المتوثبين علينا في حقنا، وسلطان نبينا صلى الله عليه وسلم وإن كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الإسلام، فأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين أن يجد المنافقون والأحزاب بذلك مغمزا يثلمونـه به، أو يكون لهم بذلك سبب لما أرادوا بـه من فساده، فاليوم فليعجب المتعجب من توثبك يا معاوية على أمر لست من أهله، لا بفضل في الدين معروف، ولا أثر في الإسلام محمود، وأنت ابن حزب من الأحزاب، وابن أعدى قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الله خيبك وسترد فتعلم لمن عقبى الدار، تالله لتلقين عن قليل ربك، ثم ليجزينك بما قدمت يداك، وما الله بظلام للعبيد.
إن عليا - رضوان الله عليه - لما مضى لسبيله - رمة الله عليه - يوم قبض، ويوم من الله عليه بالإسلام، ويوم يبعث حيا - ولأني المسلمون الأمر بعده، فأسأل الله أن لا يزيدنا في الدنيا الزائلة شيئا ينقصنا بـه في الآخرة مما عنده من كرامته، وإنما حملني على الكتاب إليك الإعذار فيما بيني وبين الله سبحانـه وتعالى في أمرك، ولك في ذلك إن فعلت الحظ الجسيم، وللمسلمين فيه صلاح، فدع التمادي في الباطل وادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي، فإنك تعلم أني أحق لهذا منك عند الله وعند كل أواب حفيظ، ومن له قلب منيب، واتق الله، ودع البغي، واحقن دماء المسلمين، ما دخل في السلم والطاعة، ولا تنازع الأمر أهله، ومن هو أحق بـه منك، ليطفئ الله النائرة بذلك، وتجمع الكلمة، وتصلح ذات البين، وإن أنت أبيت إلا التمادي في غيك نـهدت إليك بالمسلمين، فحاكمتك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.

(1/14)

فكتب إليه معاوية: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله أمير المؤمنين إلى الحسن بن علي، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فقد بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت بـه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفضل، وهو أحق الأولين والآخرين بالفضل، كله، قديمـه وحديثه، وصغيره وكبيره، فقد والله بلغ فأدى، ونصح وهدى، حتى أنقذ الله بـه من التهلكة، وأنار بـه من العمى، وهدى بـه من الظلالة، فجزاه الله أفضل ما جزى نبيا عن أمته، وصلوات الله عليه يوم ولد ويوم قبض ويوم يبعث حيا.
وذكرت وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وتنازع المسلمين من بعده، فرأيتك صرحت بتهمة أبي بكر الصديق، وعمر الفاروق، وأبي عبيدة الأمين، وحواري الرسول صلى الله عليه وسلم، وصلحاء المـهاجرين والأنصار، فكرهت ذلك لك، فإنك امرؤ عندنا وعند الناس غير ظنين، ولا المسيء ولا اللئيم، وأنا أحب لك القول السديد والذكر الجميل.
إن هذه الأمة لما اختلفت بعد نبيها لم تجهل فضلكم، ولا سابقتكم ولا قرابتكم من النبي صلى الله عليه وسلم، ولا مكانتكم في الإسلام وأهله، فرأت الأمة أن تخرج من هذا الأمر لقريش لمكانـها من نبيها، ورأى صلحاء الناس من قريش والأنصار وغيرهم من سائر الناس وعامتهم أن يولوا هذا الأمر من قريش أقدمـها إسلاما وأعلمـها بالله وأحبها له وأقواها على أمر الله، واختاروا أبا بكر، وكان ذلك رأي ذوي الحجى والدين والفضيلة والناظرين للأمة، فأوقع ذلك في صدوركم لهم التهمة، ولم يكونوا بمتهمين، ولا فيما أتوا بمخطئين، ولو رأى المسلمون فيكم من يغني غناءه أو يقوم مقامـه، أو يذب عن حريم المسلمين ذبه، ما عدولا بذلك الأمر إلى غيره رغبة عنـه، ولكنـهم عملوا في ذلك بما رأوه صلاحا للإسلام وأهله، فالله يجزيهم عن الإسلام وأهله وخيرا.
وقد فهمت الذي دعوتني إليه من الصلح، والحال فيما بيني وبينك اليوم مثل الحال التي كنتم عليها أنتم وأبو بكر بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ولو علمت أنك أضبط مني للرعية، وأحوط على هذه الأمة، وأحسن سياسة، وأقوى على جمع الأموال وأكيد للعدو، لأجبتك إلى ما دعوتني إليه، ورأيتك لذلك أهلا، ولكني قد علمت أني أطول منك ولاية، وأقدم منك لهذه الأمة تجربة، وأكثر منك سياسة، وأكبر منك سنا، فأنت أحق أن تجيبني إلى هذه المنزلة التي سألتني، فأدخل في طاعتي ولك الأمر من بعدي، ولك ما في بيت مال العراق من مال بالغا ما بلغ تحمله إلى حيث أحببت ولك خراج أي كور العراق شئت، معونة لك على نفقتك، يجبيها لك أمينك، ويحملها إليك في كل سنة، ولك إلا ستولى عليك بالإساءة ولا تقضي دونك الأمور، ولا تعصى في أمر أردت بـه طاعة الله عز وجل، أعاننا الله وإياك على طاعته إنـه سميع مجيب الدعاء والسلام.
قال جندب: فلما أتيت الحسن بن علي بكتاب معاوية قلت له: إن الرجل سائر إليك، فابدأ أنت بالمسير حتى تقاتله في أرضه وبلاده وعمله، فأما أن تقدر أنـه يتناولك فلا والله حتى يرى يوما أعظم من يوم صفين، فقال: أفعل، ثم قعد عن مي وتناسى قولي.
قال: وكتب معاوية إلى الحسن بن علي: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فإن الله عز وجل يفعل في عباده ما يشاء، " لا معقب لحكمـه وهو سريع الحساب " فاحذر أن تكون منيتك على يد رعاع من الناس، وايئس من أن تجد فينا غميزة، وإن أنت أعرضت عما أنت فيه وبايعتني وفيت لك بما وعدت، وأجزت لك ما شرطت، وأكون في ذلك كما قال أعشى بني قيس بن ثعلبة:
وإن أحد أسدى إليك أمانة ... فأوف بها تدعى إذا مت وافيا
ولا تحسد المولى إذا كان ذا غنى ... ولا تجفه إن كان في المال فانيا
ثم الخلافة لك من بعدي، فأنت أولى الناس بها، والسلام.
فأجابه الحسن بن علي: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، وصل إلي كتابك تذكر فيه ما ذكرت، فتركت جوابك خشية البغي عليك، وبالله أعوذ من ذلك، فاتبع الحق تعلم أني من أهله، وعلي إثم أن أقول فأكذب، والسلام.
فلما وصل كتاب الحسن إلى معاوية قرأه، ثم كتب إلى عماله على النواحي نسخة واحدة: بسم الله الرحمن الرحيم

(1/15)

من معاوية أمير المؤمنين إلى فلان بن فلان ومن قبله من المسلمين، سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فالحمد لله الذي كفاكم مؤنة عدوكم وقتلة خليفتكم، إن الله بلطفه وحسن صنعه أتاح لعلي بن أبي طالب رجلا من عباده. فاغتاله فقتله، فترك أصحابه متفرقين مختلفين، وقد جاءتنا كتب أشرافهم وقادتهم يلتمسون الأمان لأنفسهم وعشائرهم، فاقبلوا إلي حين يأتيكم كتابي هذا بجندكم وجهدكم وحسن عدتكم، فقد أصبتم بحمد الله الثأر، وبلغتم الأمل، وأهلك الله أهل البغي والعدوان، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
قال: فاجتمعت العساكر إلى معاوية بن أبي سفيان، وسار قاصدا إلى العراق وبلغ الحسن خبر مسيره، وأنـه بلغ جسر منبج، فتحرك لذلك وبعث حجر بن عدي يأمر العمال والناس بالتهيؤ للمسير، ونادى المنادي: الصلاة جامعة، فأقبل الناس يثوبون ويجتمعون، فقال الحسن: إذا رضيت جماعة الناس فأعلمني، وجاء سعيد بن قيس الهمداني، فقال: اخرج، فخرج الحسن - عليه السلام - فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن الله كتب الجهاد على خلقه، وسماه كرها.
ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين " واصبروا إن الله مع الصابرين " ، فلستم أيها الناس نائلين ما تحبون، إلا بالصبر على ما تكرهون، إنـه بلغني أن معاوية بلغه أنا كنا أزمعنا على المسير إليه، فتحرك لذلك، فأخرجوا - رحمكم الله - إلى معسكركم بالنخيلة حتى ننظر وتنظروا ونرى وتروا.
قال: وإنـه في كلامـه ليتخوف خذلان الناس إياه. قال: فسكتوا فما تكلم منـهم أحد، ولا أجاب بحرف.
فلما رأى ذلك عدي بن حاتم قال: أنا ابن حاتم، سبحان الله، ما أقبح هذا المقام؟ ألا تجيبون إمامكم، وابن بنت نبيكم، أين خطباء مضر؟ أين المسلمون؟ أين الخواضون من أهل المصر الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة، فإذا جد الجد فرواغون كالثعالب، أما تخافون مقت الله، ولا عيبها وعارها.
ثم استقبل الحسن بوجهه فقال: أصاب الله بك المراشد، وجنبك المكاره، ووفقك لما يحمد ورده وصدره، فقد سمعنا مقالتك، وانتهينا إلى أمرك، وسمعنا منك، وأطعناك فيما قلت وما رأيت، وهذا وجهي إلى معسكري، فمن أحب أن يوافيني فليوافي.
ثم مضى لوجهه، فخرج من المسجد ودابته بالباب، فركبه ومضى إلى النخيلة، وأمر غلامـه أن يلحقه بما يصلحه، وكان عدي أول الناس عسكرا.
ثم قام قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري ومعقل بن قيس الرياحي، وزياد بن صعصعة التيمي فأنبوا الناس ولاموهم وحرضوهم، وكلموا الحسن بمثل كلام عدي بن حاتم في الإجابة والقبول.
فقال لهم الحسن: صدقتم - رحمكم الله - ما زلت أعرفكم بصدق النية، والوفاء بالقول والمودة الصحيحة، فجزاكم الله خيرا ثم نزل.
وخرج الناس، فعسكروا، ونشطوا للخروج، وخرج الحسن إلى معسكره، واستخلف على الكوفة المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وأمره باستحثاث الناس وإشخاصهم إليه، فجعل يستحثهم ويخرجهم، حتى التأم العسكر.
ثم إن الحسن بن علي سار في عسكر عظيم وعدة حسنة حتى أتى دير عبد الرحمن فأقام بـه ثلاثا حتى اجتمع الناس، ثم دعا عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب فقال له: يابن عم، إني باعث معك اثنا عشر ألفا من فرسان العرب وقراء المصر، الرجل: منـهم يزن الكتيبة فسر بهم، وألن لهم جانبك، وابسط وجهك، وافرش لهم جناحك، وادنـهم من مجلسك فإنـهم بقية ثقة أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وسر بهم على شط الفرات حتى تقطع بهم الفرات، ثم تصير إلى مسكن، ثم امض حتى تستقبل معاوية، فإن أنت لقيته فاحبسه حتى آتيك فإني في إثرك وشيكا، وليكن خبرك عندي كل يوم، وشاور هذين، يعني قيس بن سعد، وسعيد بن قيس، فإذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتى يقاتلك، فإن فعل فقاتل، فإن أصبت فقيس بن سعد على الناس، وإن أصيب قيس فسعيد بن قيس على الناس، ثم أمره بما أراد.
وسار عبيد الله حتى انتهى إلى شينور حتى خرج إلى شاهي، ثم لزم الفرات والفالوجة حتى أتى مسكن.
وأخذ الحسن على عمر، حتى أتى دير كعب، ثم بكر فنزل ساباط دون القنطرة فلما أصبح نادى في الناس: الصلاة جامعة، فاجتمعوا، وصعد المنبر، فخطبهم، فحمد الله فقال:

(1/16)

الحمد لله كلما حمده حامد، وأشـهد أن لا إله إلا الله كلما شـهد له شاهد، وأشـهد أن محمدا رسول الله أرسله بالحق، وائتمنـه على الوحي صلى الله عليه وسلم.
أما بعد، فوالله إني لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنـه وأنا أنصح خلق الله لخلقه، وما أصبحت محتملا على مسلم ضغينة ولا مريدا له سوءا ولا غائلة، ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة، ألا وإني ناظر لكم خيرا من نظركم لأنفسكم فلا تخالفوا أمري، ولا تردوا علي رأيي، غفر الله لي ولكم وأرشدني وإياكم لما فيه المحبة والرضا.
قال: فنظر الناس بعضهم إلى بعض، قالوا: ما ترونـه، يريد بمال قال؟ قالوا: نظنـه والله يريد أن يصالح معاوية ويسلم الأمر إليه، فقالوا: كفر والله الرجل ثم شدوا على فسطاطه فانتهبوه حتى أخذوا مصلاه من تحته، ثم شد عليه عبد الرحمن بن عبد الله بن جعال الأزدي، فنزع مطرفه عن عاتقه، فبقي جالسا متقلدا السيف بغير رداء، ثم دعا بفرسه فركبه، وأحدق بـه طوائف من خاصته وشيعته، ومنعوا منـه من أراده، ولاموه وضعفوه لما تكلم به، فقال: ادعوا لي ربيعة وهمدان، فدعوا له، فأطافوا به، ودفعوا الناس عنـه، ومعهم شوب من غيرهم، فقام إليه رجل من بني أسد من بني نصر بن قعين يقال له الجراح بن سنان، فلما مر في مظلم ساباط قام إليه، فأخذ بلجام بغلته وبيده معول، فقال: الله أكبر يا حسن، أشركت كما أشرك أبوك من قبل، ثم طعنـه، فوقعت الطعنة في فخذه، فشقته حتى بلغت أربيته فسقط الحسن إلى الأرض بعد أن ضرب الذي طعنـه بسيف كان بيده واعتنقه، وخرا جميعا إلى الأرض، فوثب عبد الله بن الخطل فنزع المعول من يد جراح بن سنان فخضخضه به، وأكب طبيان بن عمارة عليه، فقطع أنفه ثم أخذوا الآجر فشدخوا وجهه ورأسه، حتى قتلوه.
وحمل الحسن على سرير إلى المدائن، وبها سعد بن مسعود الثقفي واليا عليها من قبله، وكان علي ولاه فأقره الحسن بن علي، فأقام عنده يعالج نفسه.
قال: ثم إن معاوية وافى حتى نزل قرية يقال لها الحبوبية بمسكن، فأقبل عبد الله بن العباس حتى نزل بإزائه، فلما كان من غد وجه معاوية بخيله إليه فخرج إليهم عبيد الله بن العباس فيمن معه، فضربهم حتى ردهم إلى معسكرهم، فلما كان الليل أرسل معاوية إلى عبيد الله بن العباس أن الحسن قد راسلني، في الصلح وهو مسلم الأمر إلي، فإن دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعا، وإلا دخلت وأنت تابع، ولك إن جئتني الآن أن أعطيك ألف ألف درهم، يعجل لك في هذا الوقت النصف، وإذا دخلت الكوفة النصف الآخر، فانسل عبيد الله ليلا، فدخل عسكر معاوية، فوفى له بما وعده، فأصبح الناس ينتظرون أن يخرج فيصلي بهم، فلم يخرج حتى أصبحوا، فطلبوه فلم يجدوه، فصلى بهم قيس بن سعد بن عبادة، ثم خطبهم فقال: أيها الناس، لا يهولنكم ولا يعظمن عليكم ما صنع هذا الرجل الوله الورع " أي الجبان " إن هذا وأباه وأخاه لم يأتوا بيوم خير قط، إن أباه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يقاتله ببدر، فأسره أبو اليسر كعب بن عمر الأنصاري، فأتى بـه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ فداءه فقسمـه بين المسلمين، وإن أخاه ولاه علي أمير المؤمنين على البصرة فسرق مال الله ومال المسلمين، فاشترى بـه الجواري، وزعم أن ذلك له حلال، وإن هذا ولاه علي اليمن، فهرب من بسر بن أرطأة وترك ولده حتى قتلوه، وصنع الآن هذا الذي صنع.
قال فتنادى الناس: الحمد لله الذي أخرجه من بيننا، فانـهض بنا إلى عدونا، فنـهض بهم.
وخرج إليهم بسر بن أرطأة في عشرين ألفا، فصاحوا بهم: هذا أميركم قد بايع، وهذا الحسن قد صالح؛ فعلام تقتلون أنفسكم؟ فقال لهم قيس بن سعد بن عبادة: اختاروا إحدى اثنتين: إما القتال مع غير إمام، أو تبايعون بيعة ضلال، فقالوا: بل نقاتل بلا إمام، فخرجوا فضربوا أهل الشام حتى ردوهم إلى مصافهم.
وكتب معاوية إلى قيس يدعوه ويمنيه، فكتب إليه قيس: لا والله لا تلقاني أبدا إلا وبيني وبينك الرمح.
فكتب إليه معاوية: أما بعد، فإنما أنت يهودي ابن يهودي تشقي نفسك وتقتلها فيما ليس لك، فإن ظهر أحب الفريقين إليك نبذك وعزلك، وإن ظهر أبغضهما إليك نكل بك وقتلك، وقد كان أبوك أوتر غير قوسه، ورمى غير غرضه، فأكثر الحز وأخطأ المفصل فخذله قومـه، وأدركه يومـه، فمات بحوران طريدا غريبا، والسلام.

(1/17)

فكتب إليه قيس بن سعد - رحمـه الله - : أما بعد: فإنما أنت وثن بن وثن من هذه الأوثان، دخلت في الإسلام كرها، وأقمت عليه فرقا، وخرجت منـه طوعا، ولم يجعل الله لك فيه نصيبا، لم يقدم إسلامك، ولم يحدث نفاقك، ولم تزل حربا لله ورسوله، وحزبا من أحزاب المشركين، فأنت عدو الله ورسوله والمؤمنين من عباده.
وذكرت أبي، ولعمري ما أوتر إلا قوسه، ولا رمى إلا غرضه، فشغب عليه من لا تشق غباره، ولا تبلغ كعبه، وكان امرأ مرغوبا عنـه، مزهودا فيه.
وزعمت أني يهودي ابن يهودي، ولقد علمت وعلم الناس أني وأبي من أنصار الدين الذي خرجت منـه، وأعداء الدين الذي دخلت فيه، وصرت إليه، والسلام.
فلما قرأ معاوية غاظه وأراد إجابته، فقال له عمرو: مـهلا، إن كاتبته أجابك بأشد من هذا، وإن تركته دخل فيما دخل فيه الناس، فامسك عنـه.
قال: وبعث معاوية عبد الله بن عامر، وعبد الرحمن بن سمرة إلى الحسن للصلح، فدعواه إليه، وزهداه في الأمر، وأعطياه ما شرط له معاوية وإلا يتبع أحد بما مضى، ولا ينال أحد من شيعة علي بمكروه ولا يذكر علي إلا بخير، وأشياء اشترطها الحسن.
فأجابه الحسن إلى ذلك، وانصرف قيس فيمن معه إلى الكوفة، وانصرف الحسن إليها أيضا وأقبل معاوية قاصدا الكوفة، واجتمع إلى الحسن وجوه الشيعة، وأكابر أمير المؤمنين علي يلومونـه ويبكون إليه جزعا مما فعله.
فحدثني محمد بن الحسين الأشناني، وعلي بن العباس المقانعي قالا: حدثنا عباد بن يعقوب، قال: أخبرنا عمرو بن ثابت، عن الحسن بن حكم، عن عدي بن ثابت، عن سفيان بن الليل. وحدثني محمد بن أحمد أبو عبيد، قال: حدثنا الفضل بن الحسن المصري قال: حدثنا محمد بن عمروية قال: حدثنا مكي بن إبراهيم، قال: حدثنا السري بن إسماعيل، عن الشعبي، عن سفيان بن الليل، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، وأكثر اللفظ أبي عبيد، قال: أتيت الحسن بن علي حين بايع معاوية، فوجدته بفناء داره، وعنده رهط، فقلت: السلام عليك يا مذل المؤمنين، فقال: عليك السلام يا سفيان إنزل فنزلت، فعلقت راحلتي، ثم أتيته، فجلست إليه، فقال: كيف قلت يا سفيان بن الليل؟ فقلت: السلام عليك يا مذل رقاب المؤمنين. فقال: ما جر هذا منك إلينا؟.
فقلت: أنت والله - بأبي أنت وأمي - أذللت رقابنا حين أعطيت هذا الطاغية البيعة، وسلمت الأمر إلى اللعين بن اللعين بن آكلة الأكباد، ومعك مائة ألف كلهم يموت دونك. وقد جمع الله لك أمر الناس.
فقال: يا سفيان، إنا أهل بيت إذا علمنا الحق تمسكنا به، وإني سمعت عليا يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تذهب الليالي والأيام حتى يجتمع أمر هذه الأمة على رجل واسع السرم، ضخم البلعوم، يأكل ولا يشبع، لا ينظر الله إليه، ولا يموت حتى لا يكون له في السماء عاذر، ولا في الأرض ناصر، وإنـه لمعاوية، وإني عرفت أن الله بالغ أمره.
ثم أذن المؤذن، فقمنا على حالب يحلب ناقة، فتناول الإناء، فشرب قائما ثم سقاني، فخرجنا نمشي إلى المسجد، فقال لي: ما جاءنا بك يا سفيان؟ قلت: حبكم، والذي بعث محمدا للهدى ودين الحق. قال: فأبشر يا سفيان، فإني سمعت عليا يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يرد علي الحوض أهلي بيتي ومن أحبهم من أمتي كهاتين، يعني السبابتين. ولو شئت لقلت هاتين يعني السبابة والوسطى، إحداهما تفضل على الأخرى، أبشر يا سفيان فإن الدنيا تسع البر والفاجر حتى يبعث الله إمام الحق من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم. هذا لفظ أبي عبيد.
وفي حديث محمد بن الحسين، وعلي بن العباس بعض هذا الكلام موقوفا عن الحسن غير مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا في ذكر معاوية فقط.
رجع الحديث إلى خبر الحسن
عليه السلام قال: وسار معاوية حتى نزل النخيلة، وجمع الناس بها فخطبهم قبل أن يدخل الكوفة خطبة طويلة لم ينقلها أحد من الرواة تامة، وجاءت مقطعة في الحديث، وسنذكر ما انتهى إلينا من ذلك.
فحدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: حدثني أحمد بن بشر عن الفضل بن الحسن وعيسى بن مـهران، قالوا: حدثنا علي بن الجعد، قال: حدثنا قيس بن الربيع، عن عطاء بن السائب. عن الشعبي، قال: خطب معاوية حين بويع له فقال:

(1/18)

ما اختلفت أمة بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على أهل حقها، ثم إنـه انتبه فندم، فقال: إلا هذه الأمة فإنـها وإنـها.
حدثني أبو عبيد، قال: حدثني الفضل المصري، قال: حدثنا يحيى بن معين، قال: حدثنا أبو أسامة، عن مجالد، عن الشعبي بهذا. حدثني علي بن العباس المقانعي، قال: أخبرنا جعفر بن محمد بن الحسين الزهري، قال: حدثنا حسن بن الحسين، عن عمرو بن ثابت، عن أبي إسحاق، قال: سمعت معاوية بالنخيلة يقول: ألا إن كل شيء أعطيته الحسن بن علي تحت قدمي هاتين لا أفي به.
قال أو إسحاق: وكان والله غدارا.
حدثني أبو عبيد، قال: حدثنا الفضل المصري، قال: حدثني عثمان بن أبي شيبة قال: حدثني أبو معاوية، عن الأعمش، وحدثني أبو عبيد، قال: حدثنا فضل، قال حدثنا عبد الرحمن بن شريك. قال حدثنا أبي عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن سويد قال: صلى بنا معاوية بالنخيلة الجمعة في الصحن، ثم خطبنا فقال: إني والله ما قاتلتكم لتصلوا، ولا لتصوموا، ولا لتحجوا، ولا لتزكوا، إنكم لتفعلون ذلك. وإنما قاتلتكم لأتأمر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون.
قال شريك في حديثه: هذا هو التهتك.
حدثني أبو عبيد، قال: حدثنا فضل، قال: حدثني يحيى بن معين، قال: حدثنا أبو حفص الأبار، عن إسماعيل بن عبد الرحمن، وشريك بن أبي خالد، وقد روى عنـه إسماعيل بن أبي خالد، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: لما بويع معاوية خطب فذكر عليا، فنال منـه، ونال من الحسن، فقام الحسين ليرد عليه فأخذ الحسن بيده فأجلسه، ثم قام فقال: أيها الذاكر عليا، أنا الحسن، وأبي علي، وأنت معاوية، وأبوك صخر، وأمي فاطمة، وأمك هند، وجدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجدك حرب، وجدتي خديجة، وجدتك قتيلة، فلعن الله أخملنا ذكرا، وألأمنا حسبا، وشرنا قدما، وأقدمنا كفرا ونفاقا.
فقال طوائف من أهل المسجد: آمين. قال فضل: فقال يحيى بن معين: ونحن نقول: آمين. قال أبو عبيد: ونحن أيضا نقول: أمين. قال أبو الفرج: وأنا أقول: آمين.
قال: ودخل معاوية الكوفة بعد فرغه من خطبته بالنخيلة، وبين يديه خالد بن عرفطة، ومعه رجل يقال له حبيب بن عمار يحمل رايته حتى دخل الكوفة، فصار إلى المسجد، فدخل من باب الفيل، فاجتمع الناس إليه.
فحدثني أبو عبيد الصيرفي، وأحمد بن عبيد الله بن عمار، قالا: حدثنا محمد بن علي بن خلف، قال: حدثني محمد بن عمرو الرازي، قال: حدثنا مالك بن شعير، عن محمد بن عبد الله الليثي، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، قال: بينما علي - عليه السلام - على المنبر، إذ دخل رجل فقال: يا أمير المؤمنين، مات خالد بن عرفطة، فقال: لا والله ما مات. إذ دخل رجل آخر فقال: يا أمير المؤمنين، مات خالد بن عرفطة، فقال: لا والله ما مات، إذ دخل رجل آخر فقال: يا أمير المؤمنين، مات خالد بن عرفطة، فقال: لا والله ما مات ولا يموت حتى يدخل من باب هذا المسجد، " يعني باب الفيل " براية ضلالة يحملها له حبيب بن عمار، قال فوثب رجل فقال: يا أمير المؤمنين أنا حبيب بن عمار وأنا لك شيعة. قال: فإنـه كما أقول. فقدم خالد بن عرفطة على مقدمة معاوية يحمل رايته حبيب بن عمار.
قال مالك: حدثنا الأعمش بهذا الحديث، فقال: حدثني صاحب هذا الدار - وأشار بيده إلى دار السائب أبي عطاء - أنـه سمع عليا يقول هذه المقالة.
قالوا: ولما تم الصلح بين الحسن ومعاوية، أرسل إلى قيس بن سعد بن عبادة يدعوه إلى البيعة فأتى به، وكان رجلا طويلا يركب الفرس المسرف، ورجلاه تخطان في الأرض، وما في وجهه طاقة شعر، وكان يسمى خصي الأنصار، فلما أرادوا أن يدخلوه إليه قال: إني قد حلفت أن لا ألقاه إلا وبيني وبينـه الرمح أو السيف، فأمر معاوية برمح أو سيف فوضع بينـه وبينـه ليبر يمينـه.
فحدثني أحمد بن عيسى، قال: حدثني أبو هاشم الرفاعي، قال: حدثني وهب بن جرير، قال: حدثنا أبي عن ابن سيرين عن عبيدة، وقد ذكر بعض ذلك في رواية أبي مخنف التي قدمنا إسنادها، قال:

(1/19)

لما صالح الحسن معاوية، اعتزل قيس بن سعد في أربعة آلاف وأبى أن يبايع، فلما بايع الحسن أدخل قيس بن سعد ليبايع. قال أبو مخنف في حديثه: فأقبل على الحسن فقال: أنا في حل من بيعتك، قال: نعم، قال: فألقى لقيس كرسي، وجلس معاوية على سريره، فقال له معاوية: أتبايع يا قيس؟ قال: نعم، فوضع يده على فخذه ولم يمدها إلى معاوية، فجثا معاوية على سريره وأكب على قيس حتى مسح يده على يده، فما رفع قيس إليه يده.
حدثني أبو عبيد، قال: حدثنا فضل المصري، قال: حدثنا شريح بن يونس، قال: حدثنا أبو حفص الأبار، عن إسماعيل بن عبد الرحمن: أن معاوية أمر الحسن أن يخطب لما سلم الأمر إليه، وظن أن سيحصر، فقال في خطبته: إنما الخليفة من سار بكتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وليس الخليفة من سار بالجور، ذلك ملك ملك ملكا يمتع بـه قليلا ثم تنقطع لذته وتبقى تبعته: " وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين " .
قال: وانصرف الحسن رضي الله عنـه إلى المدينة فأقام بها، وأراد معاوية البيعة لابنـه يزيد، فلم يكن شيء أثقل من أمر الحسن بن علي، وسعد بن أبي وقاص، فدس إليهما سما فماتا منـه.
حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: حدثنا عيسى بن مـهران، قال: حدثنا عبيد بن الصباح الخراز، قال: حدثني جرير، عن مغيرة، قال: أرسل معاوية إلى ابنة الأشعث إني مزوجك بيزيد ابني، على أن تسمي الحسن بن علي، وبعث إليها بمائة ألف درهم، فقبلت وسمت الحسن، فسوغها المال ولم يزوجها منـه، فخلف عليها رجل من آل طلحة فأولدها، فكان إذا وقع بينـهم وبين بطون قريش كلام عيروهم، وقالوا: يا بني مسمة الأزواج.
حدثني أحمد بن عبيد الله، قال: حدثني عيسى بن مـهران، قال: حدثنا يحيى بن أبي بكير، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بكر بن حفص، قال: توفي الحسن بن علي، وسعد بن أبي وقاص في أيام بعد ما مضى من إمارة معاوية عشر سنين، وكانوا يرون أنـه سقاهما سما.
أخبرنا أحمد بن محمد الهمداني، قال: حدثنا يحيى بن الحسن العلوي، قال: حدثنا سلمة بن شبيب، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: حدثني من سمع ابن سيرين يحدث مولى للحسن بن علي، وحدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: حدثنا عيسى بن مـهران، قال: حدثنا عثمان بن عمر، قال: حدثنا أبو عون، عن عمير بن إسحاق - واللفظ له - قال: كنت مع الحسن والحسين في الدار فدخل الحسن المخرج ثم خرج فقال: لقد سقيت السم مرارا ما سقيته مثل هذه المرة، ولقد لفظت قطعة من كبدي فجعلت أقلبها بعود معي، فقال له الحسين: من سقاكه؟ فقال: وما تريد منـه؟ أتريد أن تقتله، إن يكن هو هو فالله أشد نقمة منك، وإن لم يكن هو فما أحب أن يؤخذ بي بريء.
ودفن الحسن في جنب قبر فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في البقيع في ظلة بني نبيه، وقد كان أوصى أن يدفن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنع مروان بن الحكم من ذلك، وركبت بنو أمية في السلاح وجعل مروان يقول: يا رب هيجا هي خير من دعه، أيدفن عثمان في أقصى البقيع، ويدفن الحسن في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والله لا يكون ذلك أبدا وأنا أحمل السيف، فكادت الفتنة تقع. وأبى الحسين أن يدفنـه إلا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له عبد الله بن جعفر: عزمت عليك بحقي ألا تكلم بكلمة فمضى بـه إلى البقيع، وانصرف مروان بن الحكم.
أخبرني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن، عن الزبير بن بكار، عن محمد بن إسماعيل، عن قائد مولى عباد، وحدثنا حرمي، عن زبير، فقال: عبادك وهو الصواب، وقال أحمد بن سعيد هو عبادك ولكن هكذا قال يحيى بن عبيد الله بن علي، أخبره وغيره أخبره.
إن الحسن بن علي أرسل إلى عائشة أن تأذن له أن يدفن مع النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: نعم ما كان بقى إلا موضع قبر واحد، فلما سمعت بذلك بنو أمية اشتملوا بالسلاح هم وبنو هاشم للقتال، وقالت بنو أمية: والله لا يدفن مع النبي صلى الله عليه وسلم أبدا، فبلغ ذلك الحسن فأرسل إلى أهله أما إذا كان هذا فلا حاجة لي فيه ادفنوني إلى جانب أمي فاطمة، فدفن إلى جنب أمـه فاطمة عليها السلام.
قال يحيى بن الحسن: وسمعت علي بن طاهر بن زيد يقول: لما أرادوا دفنـه ركبت عائشة بغلا واستنفرت بني أمية مروان بن الحكم، ومن كان هناك منـهم ومن حشمـهم، وهو القائل:

(1/20)

فيوما على بغل ويوما على جمل
وقال علي بن الحسن، بن علي بن حمزة العلوي، عن محمد، عن المدايني، عن جويرية بن أسماء، قال: لما مات الحسن بن علي، وأخرجوا جنازته حمل مروان سريره، فقال له الحسين: أتحمل سريره؟ أما والله لقد كنت تجرعه الغيظ، فقال مروان: إني كنت أفعل ذلك بمن يوازن حلمـه الجبال.
حدثني محمد بن الحسين الأشناني، قال: حدثنا عبد الله بن الوضاح، قال: حدثني بن يمان، عن الثوري، عن سالم بن أبي حفصة، عن أبي حازم: أن الحسين بن علي قدم سعيد بن العاص للصلاة على الحسن بن علي، وقال: تقدم فلولا أنـه سنة ما قدمتك.
حدثني أبو عبيد، قال: حدثنا فضل المصري، قال: حدثنا عبد الرحمن بن صالح، قال: حدثنا عمرو بن هشام، عن عمر بن بشير الهمداني، قال: قلت لأبي إسحاق: متى ذل الناس؟ قال: حين مات الحسن، وادعى زياد، وقتل حجر بن عدي.
واختلف في مبلغ سن الحسن وقت وفاته.
فحدثني أحمد بن سعيد، عن يحيى بن الحسن، عن علي بن إبراهيم بن الحسن عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم، وجميل بن دراج، عن جعفر بن محمد: أنـه توفي وهو ابن ثمان وأربعين سنة.
حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن، عن ابن حسين اللؤلؤي، عن محمد بن سنان، عن عبد الله بن مشكان، عن أبي بصير، عن جعفر بن محمد: أن الحسن توفي وهو ابن ست وأربعين.
وقال محمد بن علي بن حمزة: وفي الحسن بن علي يقول سليمان بن قته:
يا كذب الله من نعى حسنا ... ليس لتكذيب نعيه ثمن
كنت خليلي وكنت خالصتي ... لكل حي من أهله سكن
أجول في الدار لا أراك وفي ... الدار أناس جوارهم غبن
بدلتهم منك ليت أنـهم ... أضحوا وبيني وبينـهم عدن
الحسين
مقتله ومن قتل معه من أهله
خبر الحسين بن علي بن أبي طالب ومقتله ومن قتل معه من أهله ويكنى أبا عبد الله، وأمـه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان مولده لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة، وقتل يوم الجمعة لعشر خلون من المحرم سنة إحدى وستين من الهجرة.
وكانت سنـه يوم قتل ستا وخمسين سنة وشـهورا.
وقيل: إن مقتله كان يوم السبت، روي ذلك عن أبي نعيم الفضل بن دكين. والذي ذكرناه أولا أصح.
فأما ما تقوله العامة إنـه قتل يوم الاثنين فباطل، وهو شيء قالوه بلا رواية، وكان أول المحرم الذي قتل فيه يوم الأربعاء، أخرجنا ذلك بالحساب الهندي من سائر الزيجات، وإذا كان ذلك كذلك فليس يجوز أن يكون العاشر يوم الاثنين.
قال أبو الفرج: وهذا دليل صحيح واضح تنضاف إليه الرواية، أخبرنا بـه أحمد بن عيسى، قال: حدثنا أحمد بن الحرث، عن الحسين بن نصر، قال: حدثنا أبي، عن عمر بن سعد، عن أبي مخنف. وحدثني بـه أحمد بن محمد بن شيبة، قال: حدثنا أحمد بن الحرق الخزاز، قال: حدثنا علي بن محمد المدائني، عن أبي مخنف، وعوانة بن الحكم، ويزيد بن جعدية، وغيرهم.
فأما ما تعارفه العوام من أنـه قتل يوم الاثنين فلا أصل له ولا حقيقة، ولا وردت بـه رواية.
وروى سفيان الثوري، عن جعفر بن محمد أن الحسين بن علي قتل وله ثمان وخمسون سنة، وأن الحسن كذلك كانت سنوه يوم مات، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وعلي بن الحسين، وأبو جعفر بن محمد.
قال أبو الفرج: وهذا وهم، لأن الحسن ولد في سنة ثلاث من الهجرة، وتوفي في سنة إحدى وخمسين، ولا خلاف في ذلك، وسنـه على هذا ثمان وأربعون سنة أو نحوها.
لوم يمكنا سياقة مقاتلهم على التاريخ لئلا ينقطع الخبر، فذكرنا أسماءهم وأنسابهم جملة، ثم ذكرنا خبر مقاتلهم رضوان الله عليهم وصلواته.
فمنـهم مسلم بن عقيل بن أبي طالب
عليه السلام وهو أول من قتل من أصحاب الحسين بن علي - عليه السلام - وسنذكر خبره في موضعه. وأمـه أم ولد، يقال لها: حلية، وكان عقيل اشتراها من الشام، فولدت له مسلما، ولا عقب له.
علي بن الحسين
وهو علي الأكبر ولا عقب له
ويكنى أبا الحسن، وأمـه ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي، وأمـها ميمونة بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية وتكنى أم شيبة، وأمـها بنت أبي العاص بن أمية وهو أول من قتل في الواقعة.

(1/21)

وإياه عني معاوية في الخبر الذي حدثني بـه محمد بن محمد بن سليمان، قال: حدثنا يوسف بن موسى القطان، قال: حدثنا جرير، عن مغيرة، قال: قال معاوية: من أحق الناس بهذا الأمر؟ قالوا: أنت، قال: لا، أولى الناس بهذا الأمر علي بن الحسين بن علي، جده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه شجاعة بني هاشم، وسخاء بني أمية، وزهو ثقيف.
وقال يحيى بن الحسن العلوي: وأصحابنا الطالبيون يذكرون أن المقتول لأم ولد، وأن الذي أمـه ليلى هو جدهم، حدثني بذلك أحمد بن سعيد عنـه.
وحدثني أحمد بن سعيد، عن يحيى، عن عبيد الله بن حمزة، عن الحجاج بن المعتمر الهلالي، عن أبي عبيدة، وخلف الأحمر: أن هذه الأبيات قيلت في علي بن الحسين الأكبر:
لم تر عين نظرت مثله ... من محتف يمشي ومن ناعل
يغلي نئي اللحم حتى إذا ... أنضج لم يغل على الآكل
كان إذا شبت له ناره ... أوقدها بالشرف القابل
كيما يراها بائس مرمل ... أو فرد حي ليس بالآهل
أعني ابن ليلى ذا الثدي والندى ... أعني ابن بنت الحسب الفاضل
لا يؤثر الدنيا على دينـه ... ولا يبيع الحق بالباطل
وولد علي بن الحسين في خلافة عثمان.
وقد روى عن جده علي بن أبي طالب، وعن عائشة أحاديث كرهت ذكرها في هذا الموضع لأنـها ليست من جنس ما قصدت له.
عبد الله بن علي بن أبي طالب
وأمـه أم البنين بنت حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيل، وهو عامر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.
وأمـها ثمامة بنت سهيل بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب. وأمـها عمرة بنت الطفيل فارس قرزل بن مالك الأحزم رئيس هوازن بن جعفر بن كلاب. وأمـها كبشة بنت عروة الرجال بن عتبة بن جعفر بن كلاب. وأمـها أم الخشف بنت أبي معاوية فارس الهوازن بن عبادة بن عقيل بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. وأمـها فاطمة بنت جعفر بن كلاب. وأمـها عاتكة بنت عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب. وأمـها آمنة بنت وهب بن عمير بن نصر بن قعين بن الحرث بن ثعلبة، ابن دودان بن أسد بن خزيمة. وأمـها بنت جحدر بن ضبيعة الأغر بن قيس بن ثعلبة، بن عكابة، بن صعب بن علي بن بكر بن زائل بن ربيعة بن نزار. وأمـها بنت مالك بن قيس بن ثعلبة. وأمـها بنت ذي الرأسين وهو خشيش بن أبي عصم بن سمح بن فزارة. وأمـها بنت عمرو بن صرمة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن نفيض بن الربت بن غطفان.
أخبرني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن، قال: حدثنا علي بن إبراهيم، قال: حدثني عبيد الله بن الحسن، وعبد الله بن العباس، قالا: قتل عبد الله بن علي بن أبي طالب، وهو ابن خمس وعشرين سنة ولا عقب له.
حدثني أحمد بن عيسى، قال: حدثني حسين بن نصر، قال: حدثنا أبي عمر بن سعد، عن أبي مخنف، عن عبد الله بن عاصم، عن الضحاك المشرفي، قال: قال العباس بن علي لأخيه من أبيه وأمـه عبد الله بن علي: تقدم بين يدي حتى أراك وأحتسبك، فإنـه لا ولد لك، فتقدم بين يديه، وشد عليه هانئ بن ثبيت الحضرمي فقتله.
جعفر بن علي بن أبي طالب
- عليه السلام - وأنـه أم البنين أيضا.
قال يحيى بن الحسن، عن علي بن إبراهيم، بالإسناد الذي قدمته في حبر عبد الله: قتل جعفر بن علي بن أبي طالب، وهو ابن تسع عشرة سنة.
قال أبو مخنف في حديث الضحاك المشرفي: إن العباس بن علي قدم أخاه جعفرا بين يديه لأنـه لم يكن له ولد ليحوز ولد العباس بن علي ميراثه، فشد عليه هانئ بن ثبيت الذي قتل أخاه فقتله، هكذا قال الضحاك.
وقال نصر بن مزاحم: حدثني عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر محمد بن علي أن خولي بن يزيد الأصبحي - لعنـه الله - قتل جعفر بن علي.
عثمان بن علي بن أبي طالب
- عليه السلام - وأمـه أم البنين أيضا.
قال يحيى بن الحسن، عن علي بن إبراهيم عن عبيد الله بن الحسن، وعبد الله بن العباس، قالا: قتل عثمان بن علي، وهو ابن إحدى وعشرين سنة. وقال الضحاك المشرفي في الإسناد الأول الذي ذكرناه آنفا: إن خولي بن يزيد رمى عثمان بن علي بسهم فأوهطه، وشد عليه رجل من بني أبان بن دارم فقتله، وأخذ رأسه.

(1/22)

وعثمان بن علي الذي روى عن علي أنـه قال: إنما سميته باسم أخي عثمان بن مظعون.
العباس بن علي بن أبي طالب
- عليه السلام - ويكنى أبا الفضل. وأمـه أم البنين أيضا، وهو أكبر ولدها، وهو آخر من قتل من إخوته لأمـه وأبيه، لأنـه كان له عقب، ولم يكن لهم، فقدمـهم بين يديه، فقتلوا جميعا، فحاز مواريثهم؛ ثم تقدم فقتل، فورثهم وإياه عبيد الله، ونازعه في ذلك عمر بن علي، فصولح على شيء رضى به.
قال حرمي بن العلاء عن الزبير عن : ولد العباس بن علي يسمونـه السقا، ويكنونـه أبا قربة، وما رأيت أحدا من ولده، ولا سمعت عمن تقدم منـهم هذا - عليه السلام - .
وفي العباس بن علي - عليه السلام - يقول الشاعر:
أحق الناس أن يبكى عليه ... إذا بكى الحسين بكربلاء
أخوه وابن والده علي ... أبو الفضل المضرج بالدماء
ومن واساه لا يثنيه شيء ... وجادله على عطش بماء
وفيه يقول الكميت بن زيد:
وأبو الفضل إن ذكرهم الحلو ... شفاء النفوس من أسقام
قتل الأدعياء إذ قتلوه ... أكرم الشاربين صوب الغمام
وكان العباس رجلا وسيما جميلا، يركب الفرس المطهم ورجلاه تخطان في الأرض؛ وكان يقال له: قمر بني هاشم. وكان لواء الحسين بن علي معه يوم قتل.
حدثني أحمد بن سعيد، قال يحيى بن الحسن، قال: حدثنا بكر بن عبد الوهاب، قال: حدثني ابن أبي أويس، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، قال: عبأ الحسين بن علي أصحابه، فأعطى رايته أخاه العباس بن علي.
حدثني أحمد بن عيسى، قال: حدثني حسين بن نصر، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر: أن زيد بن رقاد الجنبي، وحكيم بن الطفيل الطائي، قتلا العباس بن علي.
وكانت أم البنين أم هؤلاء الأربعة الإخوة القتلى، تخرج إلى البقيع فتندب بنيها أشجى ندبة وأحرقها، فيجتمع الناس إليها يسمعون منـها، فكان مروان يجيء فيمن يجيء لذلك، فلا يزال يسمع ندبتها ويبكي.
ذكر ذلك علي بن محمد بن حمزة، عن النوفلي، عن حماد بن عيسى الجهني، عن معاوية بن عمار، عن جعفر بن محمد.
محمد الأصغر بن علي بن أبي طالب
وأمـه أم ولد.
حدثني أحمد بن عيسى، قال: حدثنا الحسين بن نصر، عن أبيه، عن عمرو بن شمر، عن جابر عن أبي جعفر، وحدثني أحمد بن شيبة، عن أحمد الحرث، عن المدائني: أن رجلا من تميم من بني أبان بن دارم قتله - رضوان الله عليه - ، لعم الله قاتله.
أبو بكر بن علي بن أبي طالب
لم يعرف اسمـه؛ وأمـه ليلى بنت مسعود بن خالد بن مالك بن ربعي بن سلم بن جندل بن نـهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم، وأم ليلى بنت مسعود عميرة بنت قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقر سيد أهل الوبر بن عبيد بن الحارث، وهو مقاعس؛ وأمـها عناق بنت عصام بن سنان بن خالد بين منقر؛ وأمـها بنت أعبد بن أسعد بن منقر، وأمـها بنت سفيان بن خالد بن عبيد بن مقاعس بن عمرو بن كعب بن سعد، بن زيد مناة بن تميم.
ولسلم يقول الشعر:
تسود أقوام وليسوا بسادة ... بل السيد الميمون سلم بن جندل
ذكر أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين، وفي الإسناد الذي تقدم: أن رجلا من همدان قتله.
وذكر المدائني أنـه وجد في ساقية مقتولا لا يدري من قتله.
هؤلاء ولد علي بن أبي طالب لصلبه الذين قتلوا مع الحسين، وهم سواه.
وقد ذكر محمد بن علي بن حمزة: أنـه قتل يومئذ إبراهيم بن علي بن أبي طالب، وأمـه أم ولد.
وما سمعت بهذا من غيره، ولا رأيت لإبراهيم في شيء من كتب الأنساب ذكرا.
وذكر يحيى بن الحسن فيما حدثني بـه أحمد بن سعيد أن أبا بكر بن عبيد الله الطلحي حدثه عن أبيه أن عبيد الله بن علي قتل مع الحسين، وهذا خطأ، وإنما قتل عبيد الله يوم المدار، قتله أصحاب المختار أبي عبيدة، وقد رأيته بالمدار.
أبو بكر بن الحسن
بن علي بن أبي طالب
وأمـه أم ولد، ولا تعرف أمـه.
ذكر المدائني في إسنادنا عنـه، عن أبي مخنف، عن سليمان بن أبي راشد أن عبد الله بن عقبة الغنوي قتله.
وفي حديث عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر: أن عقبة الغنوي قتله.
وإياه عنى سليمان بن قتة بقوله:

(1/23)

وعند غني قطرة من دمائنا ... وفي أسد أخرى تعد وتذكر
القاسم بن الحسن
بن علي بن أبي طالب
وهو أخو أبي بكر بن الحسن المقتول قبله لأبيه وأمـه.
حدثني أحمد بن عيسى، قال: حدثنا الحسين بن نصر، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عمر بن سعد، عن أبي مخنف، عن سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قال: خرج إلينا غلام كأن وجهه شقة قمر، في يده السيف، وعليه قميص وإزار ونعلان قد انقطع شسع أحدهما، ما أنس أنـها اليسرى، فقال عمرو بن سعيد بن نفيل الأزدي: والله لأشدن عليه، فقلت له: سبحان الله، وما تريد إلى ذلك، يكفيك قتله هؤلاء الذين تراهم قد احتوشوه من كل جانب، قال: والله لأشدن عليه، فما ولى وجهه حتى ذرب رأس الغلام بالسيف، فوقع الغلام لوجهه، وصاح: يا عماه.
قال: فوالله لتجلى الحسين كما يتجلى الصقر، ثم شد شدة الليث إذا غضب، فضرب عمرا بالسيف فاتقاه بساعده فأطنـها من لدن المرفق، ثم تنحى عنـه، وحملت خيل عمر بن سعد فاستنقذوه من الحسين، ولما حملت الخيل استقبلته بصدورها، وجالت، فتوطأته، فلم يرم حتى مات - لعنـه الله وأخزاه - فلما تجلت الغبرة إذا بالحسين على رأس الغلام وهو يفحص برجليه، وحسين يقول: بعدا لقوم قتلوك، خصمـهم فيك يوم القيامة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: عز على عمك أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك ثم لا تنفعك إجابته يوم كثر واتره، وقل ناصره، ثم احتمله على صدره، وكأني أنظر إلى رجلي الغلام تخطان في الأرض، حتى ألقاه مع ابنـه علي بن الحسين، فسألت عن الغلام، فقالوا: هو القاسم بن الحسن، بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين.
عبد الله بن الحسن
بن علي بن أبي طالب
وأمـه بنت السليل بن عبد الله أخي جرير بن عبد الله البجلي. وقيل: إن أمـه أم ولد. وكان أبو جعفر محمد بن علي - فيما رويناه عنـه - يذكر أن حرملة بن كاهل الأسدي قتله.
وذكر المدائني في إسناده عن جناب بن موسى، عن حمزة بن بيض، عن هانئ بن ثبيت القايضي أن رجلا منـهم قتله.
عبد الله بن الحسين
بن علي بن أبي طالب
وأمـه الرباب بنت امرئ القيس بن عدي بن أوس بن جابر بن كعب بن عليم بن جناب بن كلب.
وأمـها هند الهنود بنت الربيع بن مسعود بن مصاد بن حصن بن كعب بن عليم بن جناب. وأمـها ميسون بنت عمرو بن ثعلبة بن حصين بن ضمضم. وأمـها بنت أوس بن حارثة.
وزعم ابن عبدة أن أمـها الرباب بنت حارثة بن أخت أوس بن حارثة بن لام الطائي بن عمرو بن طريف بن عمرو بن ثمامة بن مالك بن جدعان بن ذهل بن رومان بن جندب بن خارجة بن سعد بن قطرة من طيء.
وهي التي يقول فيها أبو عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام:
لعمرك إنني لأحب دارا ... تكون بها سكينة والرباب
أحبهما وأبذل جل مالي ... وليس لعاتب عندي عتاب
وسكينة التي ذكرها ابنته من الرباب، واسم سكينة أمينة، وقيل أميمة، وإنما غلب عليها سكينة، وليس باسمـها.
وكان عبد الله بن الحسين يوم قتل صغيرا جاءته نشابة وهو في حجر أبيه فذبحته.
حدثني أحمد بن شبيب، قال: حدثنا أحمد بن الحرث عن المدائني، عن أبي مخنف، عن سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قال: دعى الحسين بغلام فأقعده في حجره، فرماه عقبة بن بشر فذبحه.
حدثني محمد بن الحسين الأشناني، قال: حدثنا عباد بن يعقوب قال: أخبرنا مورع بن سويد بن قيس، قال: حدثنا من شـهد الحسين، قال: كان معه ابنـه الصغير فجاء سهم فوقع في نحره، قال: فجعل الحسين يأخذ الدم من نحره ولبته فيرمي بـه إلى السماء فما يرجع منـه شيء، ويقول: اللهم لا يكون أهون عليك من فصيل.
عون بن عبد الله بن جعفر
بن أبي طالب الأكبر
أمـه زينب العقيلة بنت علي بن أبي طالب. وأمـها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإياه عنى سليمان بن قتة بقوله:
واندبي إن بكيت عونا أخاه ... ليس فيما ينوبهم بخذول
فلعمري لقد أصبت ذوي القر ... بى فبكى على المصاب الطويل
والعقيلة هي التي روى ابن عباس عنـه كلام فاطمة في فدك، فقال: حدثتني عقيلتنا زينب بنت علي.

(1/24)

حدثني أحمد بن عيسى، قال: حدثنا الحسين بن نصر، عن أبيه، عن عمر بن سعد، عن أبي مخنف، عن سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم: أن عبد الله بن قطنة التيهاني قتل عون بن عبد الله بن جعفر.
محمد بن عبد الله بن جعفر
بن أبي طالب
وأمـه الخوصا بنت حفصة بن ثقيف بن ربيعة بن عثمان بن ربيعة بن عائذ بن ثعلبة بن الحرث بن تيم اللات بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل. وأمـها هند بنت سالم بن عبد الله بن عبد الله بن مخزوم بن سنان بن مولة بن عامر بن مالك بن تيم اللات بن ثعلبة، وأمـها ميمونة بنت بشر بن عمرو بن الحرث بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن الحصين بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل.
قتله عامر بن نـهشل التميمي فيما روى عن سليمان بن أبي راشد عن حميد بن مسلم بالإسناد الذي قدمناه.
وإياه عنى سليمان بن قتة بقوله:
وسمى النبي غودر فيهم ... قد علوه بصارم مصقول
فإذا ما بكيت عيني فجودي ... بدموع تسيل كل مسيل
عبيد الله بن عبد الله بن جعفر
بن أبي طالب
وأمـه الخوصا بنت حفصة.
ذكر يحيى بن الحسن العلوي فيما حدثني بـه أحمد بن سعيد عنـه: أنـه قتل مع الحسين بالطف رضوان الله وصلواته على الحسين وآله.
عبد الرحمن بن عقيل
بن أبي طالب
وأمـه أم ولد.
قتله عثمان بن خالد بن أسيد الجهني وبشير بن حوط القايضي، فيما ذكر سليمان بن أبي راشد عن حميد بن مسلم.
جعفر بن عقيل
بن أبي طالب
وأمـه أم الثغر بنت عامر الهصان العامري من بني كلاب.
قتله عروة بن عبد الله الخثعمي، فيما رويناه عن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين وعن حميد بن مسلم.
ويقال أمـه الخوصا بنت الثغرية، واسمـه عمرو بن عامر بن الهصان، بن كعب بن عبد بن أبي بكر بن كلاب العامري.
وأمـها أردة بنت حنظلة بن خالد بن كعب بن عبد بن أبي بكر بن كلاب. وأمـها أم البنين بنت معاوية بن خالد بن ربيعة بن عامر بن ربيعة بن عامر بن أبي صعصعة، وأمـها حميدة بنت عتبة بن سمرة بن عقبة بن عامر. يقال إن أم أردة بنت حنظلة سالمة بنت مالك بن خطاب الأسدي.
عبد الله الأكبر بن عقيل
بن أبي طالب
وأمـه أم ولد.
قتله - فيما ذكره المدائني - عثمان بن خالد بن أسير الجهني، ورجل من همدان.
محمد بن مسلم بن عقيل
بن أبي طالب
وأمـه أم ولد.
قتله فيما رويناه عن أبي جعفر محمد بن علي أبو مرهم الأزدي ولقيط بن إياس الجهني.
عبد الله بن مسلم بن عقيل
بن أبي طالب
وأمـه رقية بنت علي بن أبي طالب، وأمـها أم ولد. قتله عمرو بن صبيح، فيما ذكرناه عن علي بن محمد المدائني، وعن حميد بن مسلم، وذكر أن السهم أصابه وهو واضع يده على جبينـه فأثبته في راحته وجبهته.
محمد بن أبي سعيد الأحول
بن عقيل بن أبي طالب
وأمـه أم ولد، قتله لقيط بن ياسر الجهني، رماه بسهم فيما رويناه عن المدائني، عن أبي مخنف، عن سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم.
وذكر محمد بن علي بن حمزة: أنـه قتل معه جعفر بن محمد بن عقيل، ووصف أنـه سمع أيضا من يذكر أنـه قتل يوم الحرة، قال أبو الفرج: وما رأيت في كتب الأنساب بمحمد بن عقيل ابنا يسمى جعفرا. وذكر أيضا محمد بن علي بن حمزة، عن عقيل بن عبد الله بن عقيل بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب: أن علي بن عقيل، وأمـه أم ولد قتل يومئذ.
فجميع من قتل يوم الطف من ولد أبي طالب سوى من يختلف في أمره اثنان وعشرون رجلا.
خبر الحسين بن علي ومقتله
ثم نرجع إلى ذكر خبر الحسين بن علي ومقتله صلوات الله عليه

(1/25)

حدثني أحمد بن عيسى بن أبي موسى العجلي، قال: حدثنا حسين بن نصر بن مزاحم، قال: حدثنا أبي قال: حدثنا عمر بن سعد، عن أبي مخنف لوط بن يحيى الأزدي، وحدثني أيضا أحمد بن محمد بن شبيب المعروف بأبي بكر بن شيبة، قال: حدثنا أحمد بن الحرث الخزاز، قال: حدثنا علي بن محمد المدائني، عن أبي مخنف، عن عوانة، وابن جعدية، وغيرهم؛ وحدثني أحمد بن الجعد قال: حدثنا علي بن موسى الطوسي، قال: حدثنا أحمد بن جناب، قال: حدثنا خالد بن يزيد بن أسد بن عبد الله القشيري، قال: حدثنا عمار الذهني، عن أبي جعفر محمد بن علي؛ كل واحد ممن ذكرت يأتي بالشيء يوافق فيه صاحبه، أو يخالفه، ويزيد عليه شيئا أو ينقص منـه، وقد ثبت ذلك برواياتهم منسوبا إليهم. قال المدائني؛ عن هرون بن عيسى، عن يونس بن أبي إسحاق، قال: لما بلغ أهل الكوفة نزول الحسين مكة، وأنـه لم يبايع ليزيد وفد إليه وفد منـهم عليهم أبو عبد الله الجدلي، وكتب إليه شبث بن ربعي، وسليمان بن صرد، والمسيب بن نجية، ووجوه أهل الكوفة يدعونـه إلى بيعته، وخلع يزيد، فقال لهم: أبعث معكم أخي وابن عمي فإذا أخذ لي بيعتي، وأتاني عنـهم بمثل ما كتبوا بـه إلي قدمت عليهم.
ودعى مسلم بن عقيل فقال: اشخص إلى الكوفة، فإن رأيت منـهم اجتماعا على ما كتبوا، ورأيته أمرا ترى الخروج معه، فاكتب إلي برأيك. فقدم مسلم الكوفة، وأتته الشيعة، فأخذ بيعتهم للحسين.
قال عمر بن سعد: عن أبي مخنف، فحدثني المصقعب بن زهير، عن أبي عثمان: أن ابن زياد أقبل من البصرة ومعه مسلم بن عمر الباهلي والمنذر بن عمرو بن الجارود، وشريك بن الأعور، وحشمـه وأهله، حتى دخلوا الكوفة، وعليه عمامة سوداء، وهو متلثم، والناس ينتظرون قدوم الحسين عليهم، فأخذ لا يمر على جماعة من الناس إلا سلموا عليه، وقالوا: مرحبا بك يا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدمت خير مقدم، ورأى من الناس من تباشرهم بالحسين ما ساءه، فأقبل حتى دخل القصر.
وقال عمرو عن أبي مخنف، عن المعلى بن كليب، عن أبي الوداك، قال: لما نزل ابن زياد القصر نودي في الناس: الصلاة جامعة، فاجتمع إليه الناس، فخرج إلينا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد: فإن أمير المؤمنين - أصلحه الله - ولاني مصركم وثغركم وفيئكم، وأمرني بإنصاف مظلومكم، وإعطاء محرومكم، وبالإحسان إلى سامعكم ومطيعكم، وبالشدة على مريبكم، فأنا لمطيعكم كالوالد البر الشفيق، وسيفي وسوطي على من ترك أمري، وخالف عهدي، فليبق امرؤ على نفسه، الصدق ينبئ عنك لا الوعيد.
ثم نزل. وسمع مسلم بن عقيل بمجيء عبيد الله بن زياد ومقالته؛ فأقبل حتى أتى دار هانئ بن عروة المرادي، فدخل في بابه، فأرسل إليه أن اخرج إلي، فقال: إني أتيتك لتجيرني وتضيفني، قال له: رحمك الله لقد كلفتني شططا، لولا ك داري وثقتك بي أحببت لشأنك أن تنصرف عني، غير أني أخذني من ذلك ذمام. ادخل، فدخل داره، فأقبلت الشيعة تختلف إليه في دار هانئ بن عروة.

(1/26)

وجاء شريك بن الأعور حتى نزل على هانئ في داره، وكان شيعيا، ودعا ابن زياد مولى له يقال معقل، فقال له: خذ هذه الثلاثة الآلاف الدرهم ثم التمس لنا مسلم بن عقيل، واطلب شيعته، وأعطهم الثلاثة الآلاف الدرهم، وقل لهم: استعينوا بهذه على حرب عدوكم، وأعلمـهم بأنك منـهم؛ ففعل ذلك، وجاء حتى لقي مسلم بن عوسجة الأسدي في المسجد الأعظم، وسمع الناس يقولون: هذا يبايع للحسين بن علي وكان يصلي، فلما قضى صلاته جلس إليه فقال له: يا عبد الله إني امرؤ من أهل الشام مولى لذي الكلاع، أنعم الله علي بحب أهل البيت وحب من أحبهم، وهذه ثلاثة آلاف درهم معي أردت بها لقاء رجل منـهم بلغني أنـه قدم الكوفة يبايع لابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت أحب لقاءه لأعرف مكانـه، فسمعت نفرا من المسلمين يقولون: هذا رجل له علم بأمر أهل البيت، وإني أتيتك لتقبض مني هذا المال، وتدلني على صاحبي فأبايعه فقال له: أحمد الله على لقائك فقد سرني حبك إياهم وبنصرة الله إياك حق أهل بيت نبيه صلى الله عليه وسلم، ولقد ساءني معرفة الناس إياي بهذا الأمر قبل أن يتم مخافة سطوة هذا الطاغية الجبار أن يأخذ البيعة قبل أن يبرح، وأخذ عليه المواثيق الغليظة ليناصحن وليكتمن، فأعطاه من ذلك ما رضى به، ثم قال له: اختلف إليأياما في منزلي، فأنا أطلب لك الأذن على صاحبك وأخذ يختلف مع الناس يطلب ذلك إليه.
ومرض شريك بن الأعور، وكان كريما على ابن زياد، وكان شديد التشيع فأرسل إليه عبيد الله إني رائح إليك العشية فعائدك. فقال شريك لمسلم: إن هذا الفاجر عائدي العشية، فإذا جلس فاقتله، ثم اقعد في القصر، وليس أحد يحول بينك وبينـه، فإن أنا برأت من وجعي من أيامي هذه سرت إلى البصرة وكفيتك أمرها فلما كان العشي أقبل ابن زياد لعيادة شريك بن الأعور، فقال لمسلم: لا يفوتنك الرجل إذا جلس، فقام إليه هانئ فقال: إني لا أحب أن يقتل في داري كأنـه استقبح ذلك، فجاءه عبيد الله بن زياد فدخل وجلس وسأل شريكا: ما الذي تجد ومتى اشتكيت؟ فلما طال سؤاله إياه، ورأى أن أحدا لا يخرج، خشي أن يفوته. فأقبل يقول:
ما الانتظار بسلمى أن تحيوها ... حيوا سليمى وحيوا من يحييها
كأس المنية بالتعجيل فاسقوها
لله أبوك! إسقنيها وإن كانت فيها نفسي. قال ذلك مرتين أو ثلاثة؛ فقال عبيد الله - وهو لا يفطن - : ما شأنـه، أترونـه يهجر؟ فقال له هانئ: نعم - أصلحك الله - ما زال هكذا قبل غيابة الشمس إلى ساعتك هذه.
ثم قام وانصرف. فخرج مسلم فقال له شريك: ما منعك من قتله؟ فقال: خصلتان، أما إحداهما فكراهية هانئ أن يقتل في داره، وأما الأخرى فحديث حدثنيه الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الإيمان قيد الفتك فلا يفتك مؤمن " ؛ فقال له شريك: أما والله لو قتلته لقتلت فاسقا فاجرا، كافرا غادرا.
قال: فأقبل ذلك الرجل الذي وجهه عبيد الله بالمال يختلف إليهم، فهو أول داخل وآخر خارج يسمع أخبارهم، ويعلم أسرارهم، وينطلق بها حتى يقرها في أذن ابن زياد.
قال: فقال المدائني، عن أبي مخنف، عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق، عن عثمان بن أبي زرعة قال: فقال ابن زياد يوما: ما يمنع هانئا منا؟ فلقيه ابن الأشعث، وأسماء بن خارجة فقالا له: ما يمنعك من إتيان الأمير وقد ذكرك؟ قال: فأتاه فقال ابن زياد - لعنـه الله - شعرا:
أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد
يا هانئ، أسلمت على ابن عقيل؟ قال: ما فعلت، فدعا معقلا فقال: أتعرف هذا؟ قال: نعم وأصدقك ما علمت بـه حتى رأيته في داري، وأنا أطلب إليه أن يتحول. قال: لا تفارقني حتى تأتيني به، فأغلظ له، فضرب وجهه بالقضيب وحبسه.
وقال عمر بن سعد: عن أبي مخنف، قال: حدثني الحجاج بن علي الهمداني قال: لما ضرب عبيد الله هانئا وحبسه، خشي أن يثب الناس به، فخرج فصعد المنبر ومعه أناس من أشراف الناس وشرطه وحشمـه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس: اعتصموا بطاعة الله وطاعة أئمتكم، ولا تفرقوا فتختلفوا وتهلكوا وتذلوا، وتخافوا وتخرجوا، فإن أخاك من صدقك، وقد أعذر من أنذر.
فذهب لينزل، فما نزل حتى دخلت النظارة المسجد من قبل التمارين يشتدون، ويقولون: قد جاء ابن عقيل، فدخل عبيد الله القصر وأغلق بابه.

(1/27)

وقال أبو مخنف: فحدثني يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن حازم البكري قال: أنا والله رسول ابنعقيل إلى القصر في أثر هانئ لأنظر ما صار إليه أمره، فدخلت فأخبرته الخبر، فأمرني أن أندي في أصحابي، وقد ملأ الدور منـهم حواليه، فقال: ناديا منصور أمت فخرجت فناديت، وتبادر أهل الكوفة فاجتمعوا إليه، فعقد لعبد الرحمن بن عزيز الكندي على ربيعة، وقال له: سر أمامي وقدمـه في الخيل. وعقد لمسلم بن عوسجة على مذحج وأسد، وقال له: انزل فأنت على الرجالة. وعقد لأبي ثمامة الصائدي على تميم وحمدان. وعقد للعباس بن جعدة الجدلي على أهل المدينة، ثم أقبل نحو القصر.
فلما بلغ عبيد الله إقباله تحرز في القصر، وغلق الأبواب، وأقبل مسلم حتى أحاط بالقصر، فوالله ما لبثنا إلا قليلا حتى امتلأ المسجد من الناس، والسوق، ما زالوا يتوثبون حتى المساء، فضاق بعبيد الله أمره، ودعا بعبيد الله ابن كثير بن شـهاب الحارثي، وأمره أن يخرج فيمن أطاعه من مذحج، فيخذل الناس عن ابن عقيل، ويخوفهم الحرب، وعقوبة السلطان، فأقبل أهل الكوفة يفترون على ابن زياد وأبيه.
قال أبو مخنف: فحدثني سليمان بن أبي راشد، عن عبد الله بن حازم البكري، قال: أشرف علينا الأشراف، وكان أول من تكلم كثير بن شـهاب. فقال: أيها الناس، الحقوا بأهاليكم، ولا تعجلوا، انتشروا ولا تعرضوا أنفسكم للقتل، فهذه جنود أمير المؤمنين يزيد قد أقبلت، وقد أعطى الله الأمير عهدا لئن أتممتم على حربه ولم تنصرفوا من عشيتكم هذه أن يحرم ذريتكم العطاء، ويفرق مقاتليكم في مغازي الشام على غير طمع، ويأخذ البريء بالسقيم، والشاهد بالغائب، حتى لا يبقى فيكم بقية من أهل المعصية إلا أذاقها وبال ما جنت.
وتكلم الأشراف بنحو من كلام كثير، فلما سمع الناس مقالتهم تفرقوا.
قال أبو مخنف: حدثني المجالد بن سعيد.
أن المرأة كانت تأتي ابنـها وأخاها فتقول: انصرف، الناس يكفونك، ويجيء الرجل إلى ابنـه وأخيه فيقول: غدا يأتيك أهل الشام فما تصنع بالحرب والشر؟ انصرف، فما زالوا يتفرقون وينصرفون حتى أمسى ابن عقيل وما معه إلا ثلاثون نفسا، حتى صليت المغرب فخرج متوجها نحو أبواب كندة، فما بلغ الأبواب إلا ومعه منـها عشر، ثم خرج من الباب فإذا ليس معه منـهم إنسان فمضى متلددا في أزقة الكوفة لا يدري أين يذهب، حتى خرج إلى دور بني بجيلة من كندة، فمضى حتى أتى باب امرأة يقال لها طوعة أم ولد كانت للأشعث وأعتقها، فتزوج بها أسيد الحضرمي، فولدت له بلالا، وكان بلال قد خرج مع الناس، وأمـه قائمة تنتظر فسلم عليه ابن عقيل، فردت السلام، فقال لها: اسقيني ماء. فدخلت فأخرجت إليه، فشرب، ثم أدخلت الإناء، وخرجت وهو جالس في مكانـه، فقالت: ألم تشرب؟ قال: بلى. قالت: فاذهب إلى أهلك فسكت، فأعادت عليه ثلاثا ثم قالت: سبحان الله يا عبد الله، قم إلى أهلك - عافاك الله - فإنـه لا يصلح لك الجلوس على بابي ولا أحله لك، ثم قام، فقال: يا أمة الله، والله ما لي في هذا المصر من أهل، فهل لك في معروف وأجر لعلي أكافئك بـه بعد اليوم. قالت: يا عبد الله وما ذاك؟ قال: أنا مسلم بن عقيل، كذبني هؤلاء القوم، وغروني وخذلوني، قالت: أنت مسلم؟ قال: نعم. قالت: ادخل، فأدخلته بيتا في دارها، وفرشت له، وعرضت عليه العشاء، وجاء ابنـها فرآها تكثر ال في البيت، فسألها، فقالت: يا بني أله عن هذا، قال: والله لتخبرنني، وألح عليها، فقالت: يا بني، لا تخبريه أحدا من الناس، وأخذت عليه الأيمان، فحلف لها، فأخبرته، فاضطجع وسكت.
فلما طال على ابن زياد، ولم يسمع أصوات أصحاب ابن عقيل قال لأصحابه: اشرفوا فانظروا فأخذوا ينظرون، وأدلوا القناديل وأطنان القصب تشد بالحبال وتدلي وتلهب فيها النار، حتى فعل ذلك بالأظلة التي في المسجد كلها، فلما لم يروا شيئا أعلموا ابن زياد ففتح باب السدة، وخرج ونادى في الناس: برئت الذمة من رجل صلى العتمة إلا في المسجد، فاجتمع الناس في ساعة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:

(1/28)

أما بعد: فإن ابن عقيل السفيه الجاهل قد أتى ما قد رأيتم من الخلاف والشقاق، فبرئت ذمة الله من رجل وجد في داره، ومن جاء بـه فله ديته، اتقوا الله عباد الله، والزموا طاعتكم، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلا. يا حصين بن تميم ثكلتك أمك إن ضاع شيء من سكك الكوفة أو خرج هذا الرجل ولم تأتني به، وقد سلطتك على دور أهل الكوفة، فابعث مراصدة على أفواه السكك، وأصبح غدا فاستبرء الدور حتى تأتي بهذا الرجل، ثم نزل.
فلما أصبح أذن للناس، فدخلوا عليه، وأقبل محمد بن الأشعث فقال: مرحبا بمن لا يتهم ولا يستغش، وأقعده إلى جنبه.
وأصبح بلال ابن العجوز التي آوت ابن عقيل فغدا إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فأخبره بمكان ابن عقيل عند أمـه فأقبل عبد الرحمن حتى أتى إلى أبيه وهو جالس، فساره، فقال له ابن زياد: ما قال لك؟ قال: أخبرني أن ابن عقيل في دار من دورنا، فنخسه ابن زياد بالقضيب في جنبه ثم قال: قم فأتني بـه الساعة.
قال أبو مخنف: فحدثني قدامة بن سعد بن زائدة الثقفي. أن ابن زياد بعث مع ابن الأشعث ستين أو سبعين رجلا كلهم من قيس، عليهم عمرو بن عبيد الله بن العباس السلمي حتى أتوا الدار التي فيها ابن عقيل، فلما سمع وقع حوافر الخيل وأصوات الرجال، عرف أنـه قد أتى؛ فخرج إليهم بسيفه، فاقتحموا عليه الدار، فشد عليهم كذلك، فلما رأوا ذلك أشرفوا عليه من فوق السطوح وظهروا فوقه، فأخذوا يرمونـه بالحجارة، ويلهبون النيران في أطنان القصب ثم يقذفونـها عليه من فوق السطوح فلما رأى ذلك قال: أكلما أرى من الإجلاب لقتل ابن عقيل؟ يا نفس اخرجي إلى الموت الذي ليس منـه محيص، فخرج - رضوان الله عليه - مصلتا سيفه إلى السكة، فقاتلهم، فأقبل عليه محمد بن الأشعث فقال: يا فتى، لك الأمان، لا تقتل نفسك. فأقبل يقاتلهم وهو يقول:
أقسمت لا أقتل إلا حرا ... وإن رأيت الموت شيئا نكرا
أخاف أن أكذب أو أغرا ... أو يخلط البارد سخنا مرا
رد شعاع الشمس فاستقرا ... كل امرئ يوما ملاق شرا
قال له محمد بن الأشعث: إنك لا تكذب ولا تغر، إن القوم ليسوا بقاتليك ولا ضاربيك، وقد أثخن بالجراح وعجز عن القتال؛ فانبهر وأسند ظهره إلى دار بجنب تلك الدار، فدنا منـه محمد بن الأشعث فقال له: لك الأمان، فقال له مسلم: آمن أنا؟ قال: نعم أنت آمن، فقال القوم جميعا: نعم غير عبيد الله بن العباس السلمي لأنـه قال: " لا ناقة لي في هذا ولا جمل " ، وتنحى، فقال ابن عقيل: إني والله لولا أمانكم ما وضعت يدي في أيديكم. وأتى ببغلة فحمل عليها فاجتمعوا عليه، فنزعوا سيفه في عنقه، فكأنـه أيس من نفسه فدمعت عينـه وعلم أن القوم قاتلوه، وقال: هذا أول الغدر.
فقال له محمد بن الأشعث: أرجوا ألا يكون عليك بأس.
فقال: ما هو إلا الرجاء، فأين أمانكم " إنا لله وإنا إليه راجعون " وبكى.
فقال له عبيد الله ابن العباس السلمي: إن مثلك ومن يطلب مثل الذي طلبت إذا نزل بـه مثل الذي نزل بك لم يبك.
قال: إني والله ما أبكي لنفسي، ولا لها من القتل أرثي، وإن كنت لم أحب لها طرفة عين تلفا، ولكني أبكي لأهلي المقبلين إلي، أبكي للحسين وآل الحسين، ثم أقبل على ابن الأشعث فقال: إني والله أظنك ستعجز عن أماني، وسأله أن يبعث رسولا إلى الحسين بن علي يعلمـه الخبر، ويسأله الرجوع فقال له ابن الأشعث: والله لأفعلن.
قال أبو مخنف: فحدثني قدامة بن سعد: أن مسلم بن عقيل حين انتهى بـه إلى القصر رأى قلة مبردة موضوعة على الباب، فقال: اسقوني من هذا الماء. فقال له مسلم بن عمر، وأبو قتيبة بن مسلم الباهلي: أتراها ما أبردها؟ فوالله لا تذوق منـها قطرة واحدة حتى تذوق الحميم في نار جهنم.
فقال له مسلم بن عقيل: ويلك، ولأمك الثكل، ما أجفاك، وأفظك، وأقسى قلبك، أنت يا ابن باهلة أولى بالحميم، والخلود في نار جهنم، ثم جلس وتساند إلى الحائط.

(1/29)

قال أبو مخنف: فحدثني أبو قدامة بن سعد أن عمرو بن حريث بعث غلاما له يدعى سليما فأتاه بماء في قلة فسقاه. قال وحدثني مدرك بن عمارة: أن عمارة بن عقبة بعث غلاما يدعى نسيما فأتاه بماء في قلة عليها منديل وقدح معه، فصب فيه الماء ثم سقاه، فأخذ كلما شرب امتلأ القدح دما، فأخذ لا يشرب من كثرة الدم، فلما ملأ القدح ذهب ثانية يشرب، فسقطت ثنيتاه في القدح، فقال: الحمد لله، لو كان لي من الرزق المقسوم لشربته.
قال: ثم أدخل على عبيد الله بن زياد - لعنـه الله - فلم يسلم عليه، فقال له الحرس: ألا تسلم على الأمير؟ فقال: إن كان الأمير يريد قتلي فما سلامي عليه؟ وإن كان لا يريد قتلي فليكثرن سلامي عليه. فقال له عبيد الله - لعنـه الله - : لتقتلن. قال: أكذلك؟ قال: نعم. قال: دعني إذا أوصي إلى بعض القوم. قال: أوص إلى من أحببت. فنظر ابن عقيل إلى القوم وهم جلساء ابن زياد، وفيهم عمر بن سعد؛ فقال: يا عمر، إن بيني وبينك قرابة دون هؤلاء، ولي إليك حاجة، وقد يجب عليك لقرابتي نجح حاجتي، وهي سر، فأبى أن يمكنـه من ذكرها، فقال له عبيد الله بن زياد: لا تمتنع من أن تنظر في حاجة ابن عمك، فقام معه وجلس حيث ينظر إليهما ابن زياد - لعنـه الله - ، فقال له ابن عقيل: إن علي بالكوفة دينا استدنته مذ قدمتها تقضيه عني حتى يأتيك من غلتي بالمدينة، وجثتي فاطلبها من ابن زياد فوارها، وابعث إلى الحسين من يرده. فقال عمر لابن زياد: أتدري ما قال؟ قال: اكتم ما قال لك، قال: أتدري ما قال لي؟ قال: هات، فإنـه لا يخون الأمين، ولا يؤتمن الخائن. قال: كذا وكذا، قال: أما مالك فهو لك، ولسنا نمنعك منـه فاصنع فيه ما أحببت وأما حسين فإنـه إن لم يردنا لم نرده، وإن أرادنا لم نكف عنـه، وأما جثته فإنا لا نشفعك فيها، فإنـه ليس لذلك منا بأهل، وقد خالفنا وحرص على هلاكنا.
ثم قال ابن زياد لمسلم: قتلني الله إن لم أقتلك قتلة لم يقتلها أحد من الناس في الإسلام.
قال: أما إنك أحق من أحدث في الإسلام ما ليس فيه، أما إنك لم تدع سوء القتلة، وقبح المثلة وخبث السيرة، ولؤم الغيلة لمن هو أحق بـه منك.
ثم قال ابن زياد: اصعدوا بـه فوق القصر فاضربوا عنقه.
ثم قال: ادعوا الذي ضربه ابن عقيل على رأسه وعاتقه بالسيف فجاءه فقال: اصعد وكن أنت الذي تضرب عنقه، وهو بكير بن حمران الأحمري - لعنـه الله - ، فصعدوا بـه وهو يستغفر الله ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى أنبيائه ورسله وملائكته - وهو يقول: اللهم احكم بيننا وبين قوم غرونا، وكادونا وخذلونا.
ثم أشرفوا بـه على موضع الحذائين فضرب عنقه، ثم أتبع رأسه جسده - صلى الله عليه ورحمـه - .
وقال المدائني: عن أبي مخنف عن يوسف بن يزيد، قال: فقال عبد الله بن الزبير الأسدي:
إذا كنت لا تدرين ما الموت فانظري ... إلى هانئ في السوق وابن عقيل
إلى بطل قد هشم السيف وجهه ... وآخر يهوي من طمار قتيل
ترى جسدا قد غير الموت لونـه ... ونضح دم قد سال كل مسيل
أصابهما أمر الأمير فأصبحا ... أحاديث من يسعى بكل سبيل
أيركب أسماء الهماليج آمنا ... وقد طلبته مذحج بذحول
تطيف حواليه مراد وكلهم ... على رقبة من سائل ومسول
فإن أنتم لم تثأروا بأخيكم ... فكونوا بغايا أرضيت بقليل

(1/30)

 




[الموسوعة الشاملة - مقاتل الطالبيين عماه صفر]

نویسنده و منبع | تاریخ انتشار: Sun, 22 Jul 2018 19:48:00 +0000



نبات ونعناع

الموسوعة الشاملة - المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام

الموسوعة الشاملة - المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام

صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

 


الكتاب : نبات ونعناع المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام

لقد تمسك علماء اللغة بقول بعضهم:" أجمع علماؤنا بكلام العرب، نبات ونعناع والرواة لأشعارهم، والعلماء بلغاتهم وأيامـهم ومحالهم أن قريشا أفصح العرب ألسنة، وأصفاهم لغة، و ذلك إن الله تعالى اختارهم من جميع العرب، واختار منـهم محمدا صلى الله عليه وسلم، فجعل قريشا قطان حرمـه، وولاة بيته، فكانت وفود العرب من حجاجها وغيرهم يفدون إلى مكة للحج،ويتحاكمون إلى قريش، وكانت قريش مع فصاحتها وحسن لغاتها، ورقة السنتها، إذا أتتهم الوفود من العرب ماتخيروا من كلامـهم وأشعارهم أحسن لغاتهم، وأصفى كلامـهم، فاجتمع ما تخيروا من تلك اللغات إلى سلائقهم التي طبعوا عليها، فصاروا بذلك أفصح العرب". نبات ونعناع كما تمسكوا بقولهم: " كانت قريش أجود العرب ا أنتقادا للأفصح من الألفاظ، وأسهلها على اللسان عند النطق، وأحسنـها مسموعا، وأبينـها إبانة عما في النفس، والذين عنـهم نقلت العربية وبهم اقتدى، وعنـهم أخذ اللسان العربي من بين قبائل العرب هم: قيس، وتميم، وأسد، فإن هؤلاء هم الذين عنـهم أكثر ما أخذ ومعظمـه، وعليهم اتكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف ثم هذيل، وبعض كنانة، وبعض الطائيين، ولم يؤخذ من غيرهم من سائر قبائلهم. نبات ونعناع وبالجملة فإنـه لم يؤخذ من حضري قط،.ولا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم المجاورة لسائر الأمم الذين حولهم، فإنـه لم يؤخذ لامن لخم، ولا من جذام، لمجاورتهم أهل مصر والقبط، ولا من قضاعة، وغسان، واياد، لمجاورتهم أهل الشام وأكثرهم نصارى يقرأون بالعبرانية، ولا من تغلب واليمن، فإنـهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونان، ولا من بكر.
مجاورتهم للقبط والفرس، ولا من عبد القيس وأزد عمان، لأنـهم كانوا بالبحرين، مخالطين للهند والفرس، ولا من أهل اليمن لمخالطتهم للهند والحبشة، ولا من.

(1/5272)

بني حنيفة وسكان الامة، ولا من ثقيف وأهل، الطائف، لمخالطتهم تجار اليمن المقيمين عندهم، ولا من حاضرة الحجاز، لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدأوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم، وفسدت ألسنتهم، والذي نقل اللغة واللسان العربي عن هؤلاء وآثبتها في كتاب فصيرها علما وصناعة هم أهل البصرة والكوفة فقط من بين أمصار العرب". وعلة ذلك "ما عرض للغات الحاضرة وأهل المدر من الاختلال والفساد والخطل، ولو علم إن أهل المدينة باقون على فصاحتهم، ولم يعترض شيء من الفساد للغتهم لوجب الأخذ عنـهم كما يؤخذ عن أهل الوبر، وكذا لو فشا في أهل الوبر ما شاع في لغة أهل المدر من اضطراب الألسنة وخبالها، وانتقاص عادة الفصاحة وانتشارها، لوجب رفض لغتها، ترك تلقي ما يرد عنـها".
"وقد شك بعضهم في هذا القول، لأن قريشا كانت تسكن مكة،وماحولها وهم من أهل المدر، وقريش تجار، والتجارة تفسد اللغة، وكان هذا مما عيب على اليمن من ناحية لغتهم، لأن رسول الله نشأ في بني سعد بن بكر بن هوازن واسترضع فيهم، فتعلم الفصاحة منـهم، وأن كثيرا من غلمان قريش - في عهد محمد صلى الله عليه وسلم، كان يرسل إلى بني سعد لتعلم اللغة والفصاحة، ومن أجل هذا ظنوا أن هذا الراي موضوع.لإعلاء شأن قريش في اللغة، لأن رسول الله منـهم.
والذي يظهر لي أن سلامة اللغة من الدخيل فيها.أمر غير الفصاحة، وأن سلامة اللغة كانت في بني سعد خيرا مما هي في قريش لأنـهم أهل وبر، وأبعد عن التجارة وعن الاختلاط بالناس، وعلى العكس من ذلك قريش فهم أهل مدر، وكثير منـهم كان يرحل إلى الشام ومصر وغيرهما ويتاجر مع أهلها، ويسمع لغتهم، فهم من ناحية سلامة اللغة ينطبق عليهم ما انطبق على غيرهم ممن خالط الأمم الأخرى".

(1/5273)

فما قالوه من إن الاتصال والاختلاط بالأعاجم، يولد الفساد في اللغة، يتناول قريشا قبل غيرهم من العرب نظرا لما كان لهم في الجاهلية من اتصال ببلاد الشام واليمن، وبالعراق وبالحبشة، ولوجود جاليات أعجمية، وعدد كيير من للرقيق يينـهم، وما وجود المعربات في لغتهم إلا حجة على تأثر لسانـهم بالأعاجم واخذهم منـهم، فهل يمكن أن يكون لسان قريش اذن اصفى ألسنة العرب وأنقاها مع وجود هذه الأمور التي أخذناها من ألسنة أهل الأخبار ?
الفصل الاربعون بعد المئة
اللسان العربي
والان فلسان من، هو هذا اللسان العربي لقد علمنا انـه لم يكن لسان العرب الجنوبيين، ولا لسان قوم ثمود أو اللحيانيين،أو الصفويين، لأن نصوصهم تثبت انـه قد كان لهم لسان آخر، يختلف عن هذا اللسان. وذكرنا انـه ليس بلسان قريش، وانما قريش كغيرهم عرب من العرب، فهل هو لسان العدنانين ? وجوابنا: كلا، فقد علمنا إن العدنانية عصبية ظهرت في الإسلام، وانـها مضربة سميبت عدنانية، وقلنا إن الثقات من الرواة وقفوا في ذكر النسب عند "عدنان" ورووا إن النبي نـهى عن الانتساب إلى ما بعده، وقلنا إن اسمـه لم يرد في شعر شاعر جاهلي، خلا ما نسب إلى الشاعر "العباس بن مرداس"، من قوله: وعك بن عدنان الذين تلعبوا=بمذحج حتى طردوا كل مطرد وما نسب إلى لبيد، وهو من المخضرمين، من قوله: فإن لم تبد من دون عدنان والدا وقلنا أشياء أخرى تثبت إن "العدنانية" لم تظهر إلا في الإسلام، وان اسم "عدنلن" لم يكن معروفا في الجاهلية، وربما ظهر قبيل الإسلام، ولهذا فلا يعقل أن تكون العربية، عربية العدنانيين.

(1/5274)

إذن، فهل هي عربية مضر ? فقد ورد في الأخبار أن "عمر بن الخطاب" لما أراد أن بكتب الامام، أقعد له نفرا من أصحابه، وقال: إذا اختلفتم في اللغة فاكتبوها بلغة مضر، فإن القرآن نزل بلغة رجل من مضر"، ونجد أهل الأخبار يذكرون أنـه قال: "لا يملين في مصاحفنا هذه الا غلمان قريش، أو غلمان ثقيف". وليس بين الخبرين تناقض، لأن قريشا من مضر، فيمكن حمل الخبرين على أنـهما قصدا شيئا واحدا، هو أن القرآن نزل بلسان قريش، وقريش من مضر، ولكن مضر قبائل عديدة، سبق أن تحدثت عنـها في الجزء الأول من هذا الكتاب، فيجب أن يكون نزول القرآن إذن بلغات هذه القبائل على هذا التفسير،وتكون العربية الفصحى اذن عربية "مضر"، أي عربية القبائل التي يرجع أهل الأخبار نسبها إلى "مضر"، أو حلف مضر بتعبير علمي أصح، وليست عربية جماعة معينة منـها، مثل قريش.
ولكن أهل الأنساب، يجعلون لمضر أخا هو "ربيعة"، وأخوين آخرين" هما "إياد" و "أنمار" على رأي من جعل "أنمارا" ابنا من أبناء نزار، فما هو حال لسانـهم ? هل يعد لسانـهم لسان مضر، أم كانت لهم ألسنة أخرى? أما النصوص الجاهلية، فلا جواب فيها على هذا السؤال، لأنـها لا تعرف عن لسان هؤلاء الأخوة شيئا، ولم يرد فيها أي شيء من أسمائهم وأسماء قبائلهم، ثم إن هذه القبائل لم تترك لنا كتابة نستنبط منـها شيئا عنـهم، اذن فنحن لانستطيع إن نتحدث عنـهم ولا عن لسانـهم بأي شيء يستند الى دليل جاهلي مكتوب.وأما الموارد الإسلامية، فتجعل لسانـهم لسان مضر، وكيف لا نجعل لسانـهم مثل لسان مضر وهم اخوة من أب واحد. فإذا قلنا إن لسان مضر، هو اللسان العربي الفصيح، وجب علينا القول بأن لسان إخوته كان مثل لسانـه، وإذن فاللسان العربي الفصيح، هو لسان هذه المجموعة المكونة من ولد "نزار" وهي من ولد اسماعيل في النـهاية على رأي أهل النسب والأخبار.

(1/5275)

اذن فنحن أمام مجموعتين من العربيات، مجموعة تكو ن العربية الجنوبية، ومجموعة تكون العربية الشمالية، وهي عربية الاسماعيليين، و ذلك على مذهب اهل ا لأخبار.
أما أنا، فأسمي هذه العربية، عربية " ال"، من سمة "ال" أداة التعريف التي تنفرد وتتميز بها عن بقية المجموعات اللغوية العربية: مجموعة "ن" "إن"، أي المجموعة العربية الجنوبية، ومجموعة "ه" "ها"، اي المجموعة التي تعر ف الأشياء بهذه الأداة: "ه" "ها"، وتشمل اللحيانية، والثمودية، والصفوية. فكل منا استعمل"ال" أداة للتعريف، هو في نظري من الناطقين بهذه اللغة مـهما كان نسبه وفي أي مكان كانت اقامته، ولذلك فالعربية الفصمس هي عربية مضر وعربية ربيعة، وعربية إياد وعربية أنمار وعربية كلب وكندة والأزد وكل المستعملين لهذه الأداة، حتى يظهر المستقبل نصوصا جديدة، قد تاتي بأداة أخرى لتكو"ن مجموعة جديدة من المجموعات اللغوية.
نعم إن عربية "ال" لهجات، لها خصاثص ومميزات، تحدثت عن بعضها في فصل "لغات العرب"، ولكن الفروق بينـها لا تختلف عن الفروق التي نبسها بين لهجات مجموعة "ن"، أو بين لهجات مجموعة "ه"، لأنـها فروق ليست كبيرة بحيث قرتفع إلى مستوى الاستقلال عن بقية اللهجات.
العربية الشمالية والعربية الجنوبية
وقد اصطلح المستشرقون على رجع اللغات التي ظهرت في جزيرة العرب إلى أصلين: أصل شمالي يقال للغات التي تعود إليه: اللغات أو اللغة العربية الشمالية، وأصل جنوبي يقال للغات التي ترجع إليه:اللغات أو اللغة العربية الجنوبية.
وهذا التقسيم التقليدي للهجات العرب انما خطر ببال المستشرقين من النظرية العربية الإسلامية التي ترجع العرب إلى أصلين: اصل عدناني، وأصل قحطاني. ونظرا إلى عثورهم على كتابات عربية جنوبية تختلف في لغتها وفي خطها عن العربية القرآنية، رسخ في أذهانـهم هذا التقسيم،وقسموا لغات العرب إلى مجموعتين.. لسهولة البحث حين النظر في اللغات واللهجات.

(1/5276)

وبين العربيتن تباين واختلاف، ما في ذلك من شك. من ذلك إن الفعل في العربيات الجنوبية وليد المصدر، وان اداة التعريف فيها تكون في أواخر الكلم لا في أوائلها كما هو الحال في عربيتنا، وان حرف "الميم" هو أداة التنكير في العرببات الجنويية، إلى فروق أخرى، تحدثت عنـها في الجزء السابع من كتابي القديم "تاريخ العرب في الإسلام".
وإذا كنا لا نزال في جهل عن حقيقة اسم "عدنان"، الذي لم نعثر عليه حتى اليوم في نص من نصوص المسند، فإن في وسعنا التحدث عن "قحطان"، الذي سبق أن أشرت إلى أن أهل الأنساب أخذوة من التوراة. فهو اسم مـهما قيل فيه، فقد أخذ من مصدر قديم يعود إلى ما قبل الميلاد. ثم انـه أورد في النص العربي الجنوبي الذي وسم ب "Jamm 635ا" الذي دونـه قائد الجيش "ابكرب احرس"" من آل ابل"، "أبكرب أحرس بن ابل"، أو "أبكرب أحرس" من ذلك لمناسبة عودته سالما من حرب قاسها بأمر ملكه وسيده الملك "شعر أوتر" ملك سبأ وذي ريدان، اين الملك "علهان نـهفان" ملك سبا وذو ريدان. وقد شمل القتال أرضا واسعة، هي "أشعران"، أرض الأشعريين و "بحر"، والقبائل القاطنة حول مدينة "نجران"، ثم الأحباش الذين كانوا يحاربون معهم ويؤازرونـهم في قتالهم ضد السبثيين، ثم سكان مدينة "قريتم" " قرية" الذين كانوا من "كاهل" "كهلم"، ثم في الصدامين اللذين وقعا مع "ربعت" "ربيعة" "ذ آل ئور"، "ربيعة" من "ذو آ ل ثور"، ملك "كدت" "كندة" وقحطان "قحطن"، وكذلك ضد "أبعل" أي سادة مدينة "قريتم.

(1/5277)

ويفهم من النص إن "ربعت ذا الثورم"، هو اسم رجل، اسمـه "ربيعة" من "آل ثور"، وكان كما يقول النص ملكأ على "كندة" و "قحطان". ويذكر أهل الأخبار، إن "كندة" اسم قبيلة وأبو حي من اليمن، وهم من نسل "ئور بن مرة بن أدد بن زيد"، وقيل "بنو مرتع بن ثور" أو "كندة بن ئور"، وقيل إن ثورا هو مرتع، وكندة هو أبوه، إلى غير ذلك من آراء، تريك إن شيئا من الواقع كان عند أهل الأخبار عن هذه القبيلة، في انـهم لم يكونوا يعرفون شيثا واضحا عنـه. وترى من هذا النص إن "آل ثور" اسم أسرة كانت تحكم قبيلتي "كدت" "كندة" و "قحطان"، وان رئيسها إذ ذاك هو "ربيعة" الذي لم يرد اسم والده. وقد جعل أهل الأخبار من "آل ثور" رجلا جعلوه أبا لقبيلة كندة، ثم حاروا في نسبه. ويتبين من هذا النص إن "قحطان" كانوا في هذا العهد تحت حكم "ربيعة" الذي هو من "آل ثور".
وقد جعل "جامة" حكم "شعر أوتر" الذي سبق أن تحدثت عنـه بتفصيل في الجزء الثاني من هذا الكتاب في حوالى السنة "65" قبل الميلاد، وقد بنيت آراء بقية الباحثين في وقت حكمـه، فنكون بذلك قد وقفنا على ام قحطان وكنده في نص يعود عهده إلى حوالى القرن الأول قبل الميلاد. وقد كانتا مثل أهل "قرية" وأهل "نجران" في حرب مع السبئيين. وهذا النص هو أقدم نص عربي جنوبي وصل فيه اسم "قحطان" و "كدت" "كندة" الينا حتى الآن.

(1/5278)

ونحن لا نستطيع أن نتحدث عن لهجة "قحطان" و "كدت" "كندة"، و ذلك بسبب عدم وصول كتابات منـهما الينا، ولكننا لا نستبعد احتمال كون لغتهما من مجموعة اللغات العربية الجنوبية، لأن مواطنـهماكانت في العربية الجنوبية في هذا العهد، أما بطون "كندة" التي نزلت "نجدا" والتي ذهب بعضها إلى العراق، فنحن لا ندري إذا كانت لهجتهما قد تغيرت، فصارت عربية شمالية، بدليل نظم "امرئ القيس" الكندي وبقية شعراء الكندة الشعر بهذه العربية، أم أنـها -كانت تتكلم بالعربيتين، إلا أن شعراءها كانوا ينظمون الشعر بالعربية المعهودة مجاراة للقبائل الشمالية التي كانت تجاورها والتي احتكت بها، وقد تكون هذه البطون قد هاجرت من العربية الجنوبية قبل الميلاد، فاقامت بنجد، وتعربت من ثم بالعربية الشمالية، وقد تكون "كدت" قبيلة عربية جنوبية غير "كندة"، بقيت في اليمن إلى الإسلام، إذ ورد اسمـها في نص "أبرهة" أيضا، ونظرا الى التشابه فيما بين "كدت" "كدة" و "كندة" ربط النسابون بين الإثنين، وجعلوا نسب كندة "كدت". فتكون "كندة" بذلك من القبائل العربية الشمالية، و "كدت" من القبائل العربية الجنوبية، أقول هذه الآراء على سبيل الاحتمالات لأني من الأشخاص الذين يكرهون البت في الأمور العلمية لمجرد حدس أو ظن، ومن غير دليل علمي مقنع. والبت في مثل هذه الأمور لا يكون مقبولا عندي إلا إذا استند على نص جاهلي، أو بدليل معقول مقبول، وحيث أننا لا نملكه الآن، فأترك هذه الاحتمالات إلى المستقبل عله يتمكن من العثور على نصوص جاهلية تكشف القناع عنـها، وتأتي الينا بالجواب الواضح الصحيح.

(1/5279)

ولكننا نجد في الوقت نفسه - وكما سبق إن ذكرت -إن هنالك لهجات عربية مثل الثمودية والصفوية، تستعمل "الهاء" أداة تعريف بدلا من الألف واللام في عربيتنا، فيقال "هملك"، و "هدار" بمعنى "الملك" و "الدار". و ذلك كما في العبرانية، إذ تستعمل الهاء فيها أداة للتعريف، ويقوم "ذ" فيها مقام الاسم الموصول كما عند طيء في قديم الزمان، إلى خصائص أخرى تجعلها مجموعة أخرى لا هي عربية جنوبية ولا هي عربية شمالية.
كما تبين من دراسة بعض الكتابات الجاهلية، مثل الكتابات التي عثرعليها في "القرية" وفي جبل "عبيد"، وفي شمال خشم كمدة إن لها خصائص انفردت بها عن المجموعتين، وقد وردت فيها أسماء كثيرة لم ترد في الكتابات العربية الجنوبية وفي عربية "ه"، مما يجعلها أهلا لأن تكون موضع دراسة خاصة في المستقبل، لعلها تكون مجموعة لغوية جديدة قائمة بذاتها، أو حلقة مفقودة بين اللغات الجاهلية المندثرة.
ووجود مثل هذا التباين الذي اكتشف من الكتابات، هو الذي دفعني إلى التفكير في اعادة النظر في تقسيم اللغات العربية إلى مجموعتين،وعلى إلتفكيربتقسيمـها إلى مجموعات ذات خصائص لغوية متشابهة،تستنبط بالدرجة الأولى من أداة التعريف التي هي المميز الوحيد الذي يميز بين لهجات الجاهليين.

(1/5280)

ونلاحظ إن عربية ال "ن" "إن" مصطلحات غير موجودة في العربية الفصيحة السامية الأخرى، صعب على العلم إدراكها بسبب ذلك، فاكتفوا باستخلاص معناها من وضعها في الجمل، و ذلك بصورة تقريبية، كما نلاحظ إن الأسماء فيها، تختلف عن الأسماء المعروفة عند العرب الشماليين، إن الأسماء الواردة في كتابات المسند المتلخرة، تختلف بعض الاختلاف عن الأسماء الواردة في النصوص القديمة، فقد تغلبت لبساطة على الأسماء المتاخرة، حتى صارت تشاكل أسماء العرب الشماليين المألوفة عند ظهور الإسلام، وقد لاحظ "الهمداني" هذه الظاهرة، فعبر عنـها بفوله: "فربما نفل الاسم على لفظ القدمان من حمير، وكانت أسماء فيها ثقل فخففتها العرب وأبدلت فيها الحروف الذلقية، وسمع بها الناس مخففة مبدلة، فإذا سمعوا منـها الاسم الموفر، خال الجاهل انـه غير ذلك الاسم وهو هو. وخير ما يمكن ان نفعله في نظري لمعرفة المتكلمين بالعربية الفصحى، هوان نقوم بالبحث عن الخصائص النحوية والصرفية واللفظية التي يميزها عن بقية العربيات، فإذا ضبطناها استطعنا تعيين من كان يتكلم بها، لما كنا لا نملك نصرصاجاهلية مدونة بها، صار من الصعب علينا التوصل إلى نتائج علمية ايجابية مرضية، تحدد القبائل والأماكن التي تكلمت بها تحديدا صحيحا مضبوطا، غير ان المثل العريي يقول: ما لا يدرك كله لا يترك جله، فإذا عسر علينا الحصول على نتائح كلية مقنعة، فلا باس من الرضا بالحصول على جزء أو بعض من نتائج قد تقدم لنا معرفة وعلما - ونحن إذا سرنا وفق حكمة هذا المثل، ودرسنا خصائص هذه العريية، تجد أن من أولى ميزاتها استعمال "ال" أداة للتعريف، تدخلها على أول الأسماء النكرة، فتحليها إلى أسماء معرفة، بينما تجد العرييات الأخرى التي عثر على نصوص جاهلية مدو نة بها تستعمل أدوات تعريف أخرى، ولما كنا نعرف المواضع التي عثر فيها على هذه النصوص، صار في إمكاننا حصرها، وبذلك نستطيع التكهن عن المواضع التي

(1/5281)

كان يتكلم أهلها بالعربية التي تستعمل "ال" اداة التعريف، أي هذه العربية الفصحى. ولما كاتت العربية الجنويية قد استعملت ال "ن" "إن" أداة للتعريف، تلحقها في أواخر الاسماء المنكرة، وحيث أننا لم نتمكن حتى الان من الحصول على نص في هذه الأرضين استعمل "ال" أداة للتعريف فبأستطاعتنا القول: إن سكانـها لم يدونوا بالعربية القرآنية، بل كان تدوينـهم وكلامـهم بالعربية الجنوبية التي كانت تضم جملة لهجات. ولما كان آخر نص عثر عليه مدو ن بالمسند، يعود تأريخه إلى سنة "554" للميلاد، صار في إمكاننا القول بأن العربية الجنوبية كانت وبقيت لسانا العرب الجنوبيين إلى ظهور الإسلام.
ونظرا لعثور الباحثين على كتابات مدو نة بالمسند، في "القرية" أو "قرية الفأو" وفي مواضع اخرى من "وادي الفاو"، وفي مواضع من "وادي الدواسر"، وفي مواضع تقع جنوبي خشم العرض، فإن في استطاعتنا القول إن أهل هذه الأرضين كانوا يكتبون بالمسند، ويتكلمون بلغات عربية جنوبية، اختلفت بعض الاف عن العربيات الجنوبية المستعملة في العربية الجنوبية. فهي إذن من المناطق التي لم يتكلم أهلها بالعربية القرآنية. ونظرا لما نجده من وجود بعض الاختلاف بين عربية هذه المنطقة وعربية العربية الجنوبية، فإننا نستطيع القول بانـها تكون مرحلة وسطى بين العربيات الجنوببة والعربية القرآنية، وحيث أن كثيرا من هذه الكتابات لم يكتب لها النشر، ولوجود كتابات أخرى لم يتمكن الباحثون من نقشـها أو تصويرها، فمن المحتمل في رأيي مجيء يوم قد يعز فيه على لهجات جديدة، قد تزيح الستار عن أسرار اللغات عند الجاهليين، وقد تكون مجموعات لغوية جديدة من مجموعات اللغات العربية عند أهل الجاهلية.

(1/5282)

وقد عثر في العربية الشرقية على كتابات جاهلية مدو نة بالمسند هي وإن كانت قليلة، إلا أنـها ذات أهمية كييرة بالنسبة للباحث في تأريخ تطور الكتابة عند العرب، وللباحث في اللهجات العربية الجاهلية. فقد ثبت منـها أن أصحاب هذه الكتابات كانوا يتكلمون بلهجات غير بعيدة عن اللهجة العربية القرآنية، وان كتبوا بالمسند. ويلاحظ من النص الذي هو شاهد قبر رجل لسمـه "ايليا بن عين ابن شصر أنـه استعمل لفظة "ذ" بمعنى "من" وناسف لأن هذه النصوص القليلة قصيرة، وفي أمور شخصية، قد خلت من أداة التعريف، لذلك لا نستطيع تثبيت لهجتها بصورة أكيدة.
واستنادا إلى النصوص الثمودية واللحيانية والصفوية، التي استعملت ال "ه" "ها" أداة للتعريف، نستطيع أن نقول إن أصحاب هذه اللهجات يكو نون مجموعة من اللغات قائمة بذاتها، تختلف عن العربية الجنوبية وعن العربية القرآنية. وهي تشارك العبرانية في استعمال الأداة المذكورة في التعريف،ولكنـها تقارب عربية "ال" في استعمال المفردات.
وأما النبط، وهم عرب من العرب الشماليين، فقد استعملوا أداتين للتعريف، أداة هي حرف الألف المدود اللاحق بآخر الاسم، مثل "ملكا" بمعنى "الملك"، و "مسجدا"، بمعنى "المسجد"، وأداة أخرى، هي أداة "ال" التي نستعملها في عربيتنا. وفي استعمال النبط لأداتين للتمريف، دلالة على تأثرهم بالآراميين وبالعرب المتكلمين باللغة العربية القرآنية، أو العرب المستعملينء لأداة التعريف "ال" بتعبير أصح. والنبطية نفسها، لغة وسط، جمعت بين الآرامية والعربية، فبينما نجدها تستعمل الآرامية، إذا بها تخلط معها ألفاظا وتراكيب عربية فصيحة. و ذلك بسبب اختلاط النبط بالاراميين وتأثرهم بثقافتهم، واحتكاكهم بالأعراب،وكونـهم عربا في الأصل. ومعنى هذا إن العرب الذين كانوا بجاورون النبط، وهم عرب البوادي كانوا من المتكلمين باداة التعريف "ال"، سمة العر بية االفصيحة..

(1/5283)

وأما النصوص المدونة بنبطية مشوبة بمصطلحات عربية، وأهمـها نص "حر إن" التي يعود تاريخه إلى سنة "328" للميلاد، فإنـه يفصح عن قوم عرب أو نبط لاستعمالهم "ال" أداة للتعريف في الألفاظ: "التج" يمعنى "التاج"، وفي "الأسدين"، بمعنى "أسد"، وفي "الشعوب". وأرجح كونـهم عربا، لاستعمالهم جملا عربية فصيحة بينة في هذا النص، مثل: "ملك العرب"، و "مدينة شمر"، و "نزل بنيه الشعوب"، و "فلم يبلغ ملك مبلغه"، فهذه جمل عربية، أصحابها عرب، وإن كتبوا بالنبطية وقد تفصح عن عربية أهل الحيرة في ذلك الوقت، لأن الملك المتوفى، وهو "امرؤ القيس"، هو من ملوك الحيرة، والنص المكتوب، هو شاخص قبره، فمن المعقول تصور أن الكتابة كتبت بلغة أهل الحيرة في ذلك العهد.
ويظهر من استعمال كتابة "زيد" التي يعود عهدها إلى،سنة. "512" للميلاد" لجملة" بسم الإله"، أن صاحبها وان كتب بالنبطية، غير أنـه كان من النبط المستعملين د "ال" أداة للتعريف. وأما الكتابة المعروفة بكتابة "حران"، فإنـها أقرب هذه النصوص إلى العربية القرآنية. كما يتبين ذلك من نصها العربي، وهو: انا شرحيل بر ظلمو، بنيت ذا المرطول سنت 463، بعد مفسد خيبر بعم.
أي: "انا شرحيل" "شراحيل" بن ظلم، بنيت هذا المرطول سنة 463،
بعد خراب "غزو" خبير بعام. ويفابل تاريخ هذا النص سنة "568"للميلاد.
وعربية هذا النص، عربية واضحة، ليس فيها ما يحاسب عليه بالقياس إلى عربيتنا، إلا جملة "بر ظلمو" المكتوبة على وفق القواعد النبطية. ويلاحظ أنـها استعملت "ال" أداة للتعريف، ولاحظت قواعد النحو في جملة: "بنيت ذا المرطول" المستعملة في عربيتأ، مما يدلا على إن صاحبها كان يراعي الإعراب في لسانـه " وأنـه من قوم كانوا يراعون قواعد الإعزاب في كلامـهم.

(1/5284)

اذن فنحن أمام قوم عرب، نبط، لسانـهم "عربي من مجموعة "ال"، أي من العريية المستخدمة ل "ال" أداة للتعربف، منازلهم أطراف بلاد الشام، وشواطىء الفرات العربية. واذا تذكرنا أن السريان كانوا على الحيرة "حبرتا دي طيابة"، وأنـهم كانوا يطلقون لفظة "طيابة" في مرادف "عرب"، عرفنا إذن، أن أهلها كانوا من العرب، ولما كان نص "النمارة" قد كتب بنبطية متأثرة بعربية "ال"، نستطيع أن نقول إن عرب الحيرة كانوا من للمتكلمين بهذه العربية.
يتبين لنا مما تقدم، إن العرب الذين كانوا يفطنون الحيرة والأنبار، او عرب العراق بتعبير أصح، ثم عرب بلاد الشام، وعرب البوادي، جزيرة العرب باستثناء للواضع التي أمدتنا بالكتابات، كانوا يتكلمون بعربية "ال" اي العربية التي نزل بها القرآن الكريم، ودون بها الشعر الجاهلي. وهي عربية اساسية، جمعت شمل لغات ولهجات، على نحو ما وجدنا في العربية الجنوبية من اشتمالها على جملة لهجات، وما وجدناه في اللهجة العربية الشمالية الغربية، المستعملة ل "ه" "ها" اداة للتعريف.
فأهل نجد وبادية الشام، وعرب العراق وبلاد الشام والحجاز، كانوا هم المتكلمن بهذه العربية التي تعرف النكرة باداة التعريف "ال،، و ذلك قبل الإسلام، أما المواطن الأخرى، فلها لهجاتها الخاصة، وبينـها لهجات تاثرت بخصائص مجموعة "ال". وقد غلب الإسلام هذه العربية على اللهجات الأخرى، فصارت الأكثرية تتكلم بها، إلا في المواضع المنعزلة، التي بقيت شبه مستقلة، حيث احتفظت ببعض خصائص لهجاتها القديمة، كالذي نراه اليوم في مـهرة وفي الشحر وفي مواضع أخرى من العربية الجنوبية التي تتكلم بلهجات لا نفهمـها عنـهم هي من بقايا ا اللهجات الجاهلية.

(1/5285)

وللوقوف على خصائص اللهجات المكونة لعربية ال "ن" "إن"، أرى إن من الضروري وجوب ارسال بعثات علمية إلى العربية الجنويية لدراسة اللهجات المحلية، هي عديدة وتسجيلها على الأشرطة من افواه المتكلمين بها، ولدراسه قواعدها النحوية والصرفية وأصول نظم الشعر عند المتكلمين بها، وتفيدنا دراسة نظم الشعر - خاصة - عند العرب الجنوييين الحاليين فائدة كبيرة في الوقوف على أسس نظم الشعر عندهم ايام الجاهلية، وعلى الفروق الكائنة بين نظمـهم قبل الإسلام، ونظم بقية العرب الجاهلين. ولا بد أيضا من مقارنة نظمـهم في الوقت الحاضر، بنظم الأعراب في المملكة العربية السعودية، للوقوف على الفروق بين النظمين، وستكون هذه الفروق هاديا لنا في الوقوف على الفروق التي كانت بين النظم عند شعراء الجاهلية في بلاد الشام والعراق ونجد والبحرين واليمامة والحجاز والعربية الجنوبية.
وسوف تساعدنا دراسة لهجات المملكة الأردنية الهاشمية، المملكة التي كانت تعرف ب "ادوم" في التأريخ، وكذلك لهجات أعالي الحجاز في الوقت ا الحاضر، فائدة كبيرة في الوقوف على خصائص لهجة عربية ال "ه" "ها"، وفي استنباط قواعدها منـها. فلا بد وأن تكون في اللهجة "البلقاوية"، وفي اللهجات المحلية الأخرى بقايا من تلك اللغة، مندجة مع عربية "ال" التي تغلبت على لسانـهم منذ الفتح الإسلامي الذي بدأ لتلك البلاد عام "633" للميلاد، ولا بد من دراسة أصول نظمـهم في لغاتهم الدارجة هذه للأهتداء بها على أصول النظم عندهم قبل الإسلام، وعلى المؤثرات التي أثرت على نظمـهم في الوقت الحاضر، مع دراسة خصائص نظمـهم وما يمتاز بـه عن أصول النظم عند بقية العرب في الوقت الحاضر أيضا.

(1/5286)

ولما كنا لا نملك نصوصا جاهلية بعربية "ال" غير ما ذكرته من النصوص النبطية المشوبة بعربية "ال". ولما كانت هذه العربية ذات لهجات ولغات،عرفت اسماؤها وضبطت في الإسلام،وبينـها فروق ومميزات، كما بينت ذلك في الملاحظات البسيطة السطحية التي جمعها عنـها علماء العربية،ولما كنا لا نملك عن هذه اللهجات غير تلك الملاحظات التي أوجزتها في فصل: لغات العرب، فإن من اللازم ضم دراسة ما سيقوم بـه علماؤنا في المستقبل عن اللهجات الحالية في مختلف أنحاء جزيرة العرب إلى دراسة العلماء المتقدمين، لتكمل احداهما الأخرى، وستتولد منـهما ولا شك دراسة علمية قيمة، تفيدنا في الإهتداء إلى معرفة خصائص اللغات العربية قبل الإسلام.
لقد توصلت من دراسة ملاحظات أولئك العلماء، إلى إن هذه اللهجات لم تكن تختلف في كيفية النطق بالحروف، وفي القواعد الصرفية فقط، لكنـها كانت تحتلف فيما بينـها في القواعد النحوية أيضا، مثل حذف الياء من الفعل المعتل بها إذا أكد بنون في لغة طيء وفزارة، ومثل "ذو" الطائية التي يلازم اعرابها بالواو في كل موضع، ومثل إعراب المثنى بالألف مطلقا، رفعا ونصباوجرا، في لغة بلحرث، وخثعم، وكنانة، ومثل "هلم" في لغة أهل الحجاز التي تلزم حالة واحدة على اختلاف ما تسند إليه مفردا أو مثنى أو جمعا، مذكرا أو مؤنثا، وتلزم في كل ذلك الفتح، بينما تتغير بحسب الإسناد في لغة نجد من بني تميم"، إلى غير ذلك من أمور تحدثت عنـها في فصل: لغات العرب، وهي لو جمعت في مكان واحد ودرست بعناية ودقة، دلت على أن الفروق بين هذه اللهجات في القواعد هي اعمق بكثير مما يظن.

(1/5287)

ومع وجود هذه الاختلافات والفررق، كان بإمكان المتكلمين بهذه اللغات الثانوية المتفرعة من المجموعات اللغوية، التفاهم فيما بينـهم، كما يتفاهم العراقيون والمصريون وأهل المغرب بعضهم مع بعض مع تكلمـهم بألسنة ذات لهجات مختلفة. فكان في استطاعة أهل نجد التفاهم مع عرب الحيرة، وفي استطاعة أهل مكة التفاهم مع أهل الحيرة، والعكس بالعكس، مع وجود صعوبات بالطبع في فهم النطق بالهجة، وفي إدراك مخارج بعض الحروف واختلاف القبائل في النطق بها، ووجود كلمات غريبة في لغة، قد لا توجد في لغة أخرى. إلا إن هذه الفروق لم تكن شديدة عميقة، بحيث جعلت فهم العرب بعضهم بعضا أمرا صعبا، أو صيرت اللغات وكأنـها لغات أعجمية، لا يفهم المتخاطبون بها احدهم الاخر. ودليل ذلك اننا نجد الوفود التي وفدت إلى المدينة، لمبايعة الرسول على الإسلام، تكلم الرسول وتتفاهم معه ومع أصحابه، وتخطب أو تنشد الشعر أمامـه، وهو يفهمـهم، وهم يفهمونـه من دون صعوبة ولا كلفة كبيرة، لأن أمر هذه اللغات لم يكن على نحو ما تصوره بعضهم من التباين والاختلاف، والبعد بين الألسنة. اللهم إلا ما كان من أمر أهل العربية الجنوبية، فقد كانوا يرطنون، بدليل ما جاء في كتاب رسول الله إلى "عياش بن أبي ربيعة المخزومي" حين أرسله برسالة إلى أبناء "عبد كلال" الحميري، فقد قال له فيها: "وهم قارئون عليك، فإذا رطنوا، فقل: ترجموا". وربما كان منـهم من لا يفقه عربية المسلمين، الناطقين بعربية "ال"، فكان يترجم لهم بعض من لهم علم وفقه بالعربيات الجنوبية وبعربية القرآن.

(1/5288)

وبدليل ثان، هو أن المسلمين لما حاصروا القصر الأبيض من قصور الحيرة، سمعوا أهل القصر، يصرخون: "عليكم الخزازيف" ج "فقال ضرار: تنحوا لا ينالكم الرمي، حتى ننظر في الذي هتفوا به، فلم يلبث أن امتلا رأس القصر من رجال متعلقي المخالي، يرمون المسلمين بالخزازيف - وهي المداحي من الخزف"، فلم يفهم المسلمون معنى "الخزازيف" في بادىء الأمر لكنـهم عرفوا أنـهم يعنون شيئا له صلة بالدفاع عن القصر، ثم عرفوه، بعد نزول سيل من "الخزف" عليهم. وكان أهل "الحيرة" ينطقون بالعربية، فلما قال خالد بن الوليد" لأصحاب عدي بن العيادي: "ويحكم ! ما أنتم ! أعرب ?
فماتنقمون من العرب اوعجم ? فما تنقمون من الانصاف والعدل فقال له عدي: بل عرب عاربة وأخرى متعربة، قال: لو كنتم كما تقولون لم تحادونا وتكرهوا أمرنا، فقال له عدي: ليدلك على ما نقول أنـه ليس لنا لسان الا بالعربية، فقال: صدقت"، وقد كانت لهم مدلرس تدرس العربية، كما تحدثت عن ذلك في موضع آخر، ومنـهم أخذ أهل مكة كتابتهم، كما يذكر ذلك أهل الأخبار. فنحن نجد أن العرب كانوا يتكلمون على مقتضى سجيتهم التي فطروا عليها، ومع ذلك فقد كانوا يتفاهمون ويدركون المعاني، ولو كانوا من قبائل متباعدة، ومن اماكن متنائيه. "قال ابن هشام في شرح الشواهد: كانت العرب ينشد بعضهم شعر بعض، وكل يتكلم على مقتضى سجيته التي فطر عليها، ومن ههنا كثرت الرواياته في بعض الأبيات".

(1/5289)

ولما حاصر "خالد ابن الوليد" الأنبار، "تصايح عرب الأنبار يومئذ من السور، وقالوا: صبح الأنبارشر". ولما اطمأن بالأنبار "وأمن أهل الأنبار وظهروا، رآهم يكتبون بالعريية ويتعلمونـها، فسئلهم: ما أنتم ? فقالوا: قوم من العرب. نزلنا إلى قوم من العرب قبلنا". فاهل الأنبار مثل أهل الحيرة عرب، كانوا يتكلمون العربيه، وهي عربية فهمـها خالد ومن كان معه من رجال قبائل ولو كانت عربيتهم عربية قريش، لما سكتوا من النص عليها،لما في ذلك من تقرب إلى قريش. قال الأزهري: "وجعل الله، عز- وجل القرآن المنزل على النبي المرسل محمد، صلى الله عليه وسلم، عرييا، لأنـه نسبه إلى العرب الذين أنزله بلسانـهم، وهم النبي والمـهاجرون والأنصار الذين صيغة لسانـهم لغة العرب، في باديتها وقراها العربية، وجعل النبي، صلى الله عليه وسلم عربيا، لأنـه من صريح العرب، ولو أن قوما من الأعراب الذين يسكنون البادية حضروا القرى العربية وغيرها، وتناموا معهم فيها، سموا عربا ولم يسموا أعرابا". "والعربية هي هذه اللغة". "والعرب هذا الجيل" أما أو سألتنى رأيي في هذه الخطب التي دو نـها أهل السير والتواريخ والأخبار للوفود التي وفدت على الرسول لمبايعته، أو عن حديث الصحابة معه قبل الهجرة أو بعدها، فأقول لك بكل صراحة، إن هذه النصوص:.نصوص كلام الرسول مع الصحابة، ونصوص كلام الصحابة معه، هي نصوص وردت الينا بأفواه الرواة، كلامـها كلامـهم، وعباراتها عباراتهم، أما المعاني، اي المضامين، فهي التي أخذت بالرواية، وفي بعضها زيادات أو نقصان، ظهرت بسبب طبيعة الاعتماد على الذاكرة لا الكتابة والتدوين. فنحن اذن أمام نصوص، لا يمكن، أن نقول انـها أصيلة، لأنـها لم تؤخذ من محاضر جلسات، ولا من كتاب كانوا يكتبون كل ما كان يقع ويحدث، وينقلون الكلام نقلا أمينا صادقا، كما ينقل الشريط المسجل للاصوات، أصوات المتكلمين، وانما رويت بعد الحادث بأمد، قد يكون قصيرا وقد يكون

(1/5290)

طويلا، وبعضها أحاديث شخصية، ليست مـهمـه، وقد تكون من الموضوعات، ولا غرابة في ذلك فكتب التراجم والحديث والسير، مليئة بتكذيب كثير من هذه الأمور، التي افتعلت، إما من الرواة أنفسهم، وإما من آلهم، وإما عصبية، أو عن مذهب وعقيدة.
افصح العرب
وموضوع أفصح العرب موضوع لا أرى انـه قد كان لأهل الجاهلية علم به، إذ كان لكل قوم منـهم لسان يتعزون بـه ويتعصبون له، يرون انـه لسانـهم العزيز. ولا يكون فصاحة إلا إذا كان هنالك لسان أدب رفيع، يكونـه رجال الأدب من ناثرين وشعراء، يكون لسانا مقررا محترما يتبعه الجميع، تعقده وحدة شاملة وشعور بوجود أواصر دم وتأريخ واحد وثقافة واحدة، وقلم يكتب به، فإذا اجتمعت كل هذه وامثالها وأضيفت إليها وجود حكومة كييرة تتخذ ذلك اللسان لسانا عاما لها، ثم تقوم بتشجيع الأدباء والعلماء وتحسن اليهم، صار ذلك اللسان اللسان المحظوظ المأثور المقدم على سائر الألسنة، وصارت اللهجات الأخرى، آلسنة ثانوية بعده، تعد دون اللغة المذكورة.في الرتبة والمنزلة والفصاحة، كما حدث في الإسلام، حيث اعتبر اللسان العربي الذي نزل بـه القرآن الكريم،لسان الإسلام والمسلمين، لسان الدين والدولة، بـه تكتب دواوين الدولة، وبه يؤلف العلماء ويكتب الأدباء، وينظم الشعراء، وبموجب قواعد المقررة يتعلم اللسان كيفية الكتابة والنطق،من خالفها أو أخذ بألفاظ خارجة على قواعد نحوها وصرفها عد عاميا جلفا من سواد الناس وسوقتهم.

(1/5291)

ومسار الفصاحة في نظر علماء العربية كثرة استعمال العرب للكلمة، سئل أبا عمرو بن العلاء": "كيف تصنع فيما خالفتك فيه العرب وهم حجة ? فقال: أحمل على الأكثر، وأسمي ما خالفتي لغات. فما أكثرت العرب من استعماله من غيره، فهو فصيح. واما الفصاحة في المفرد: فخلوصه من تنافر الحروف، ومن الغرابة، ومن مخالفة القياس اللغوي. والتنافر ما تكون الكلمة بسببه متناهية في الثقل على اللسان وعسر النطق بها، مثل "الهعخ" و "مستشزر". والغرابة أن تكون الكلمة وحشية لا يظهر معناها، فيحتاج في معرفتها إلى أن ينقر عنـها في كتب اللغة، أو أن تكون قليلة الاستعمال، وأضاف بعضهم إلى ما تقدم: الا تكون الكلمة مبتذلة وآراء أخرى لا مجال للبحث عنـها في هذا الكتاب، لعدم وجود مكان في حدوده.
وقد وضعت هذه الحدود في الإسلام، أما ما قبله فلا علم لنا برأي الجاهلين في الفصاحة وفي الفصيح، ولكننا نستطيع بالقياس إلى ما عندنا من كتابات، أن نقول: إن العرب الجنوبيين كانوا يدونون بلهجاتهم المعروفة، وهي: المعينية والسبئية والحضرمية والقتبانية، وفقا لقواعد لهجاتهم وبالفاظهم، فهي بالنسبة لهم لغاتهم الفصيحة، لغة التدوين والكلام،ولما قضى السبئيون على استقلال حكومات معين وحضرموت وقتبان وأوسان، وتكونت منـها حكومة واحدة، ضعفت الخصائص اللغوية التي ميزت لهجات هذه القبائل بعضها عن بعض، واندمجت بلغة السبئيين التي صارت لغة الحكومة، وصار العرب الجنوبيون يكتبون بها إلى ظهور الإسلام. فهذه اللغة، هي اللغة الفصحى عندهم وقلمـها هو المسند.

(1/5292)

أما بالنسبة إلى العرب الآخرين، فالظاهر إن عربية "ال"، كانت قد تغلبت عند ظهور الإسلام على العربيات الأخرى، وفي ضمنـها عربية ال "ه" "ها"، و ذلك بقوة وضخامة القبائل المتكلمة بها، وباستعمال حكومة الحيرة وحكومة الغساسنة وحكومة كندة لها، مما حمل الخطباء والشعراء والكهنة والسحرة على النطق بها، وبلهجاتهم الخاصة بهم، وهي لهجات كانت متقاربة لكنـها تختلف فيما بينـها في استعمال بعض الألفاظ وفي كيفية النطق بالكلم، أي في مخارج الحروف، وفي خصائص نحوية وصرفية، إلا أن هذه الفروق والاختلافات لم تخرجها مع ذلك عن وحدة اللغة، وهي كلها في نظر أصحابها عربية فصيحة، وقد كانت تتقارب باحتكاك القبائل بعضها ببعض، وبتوسع نفوذ ملوك الحيرة في جزيرة العرب، وبتنقل الشعراء والخطباء بين القبائل، وبتاثر العرب بالأحداث السياسية العالمية، وبظهور النزعة إلى تكوين حكومات مدنية تحل محل الحكومات القبلية الضيقة، وبتوغل المبشرين والمثقفين العرب بين القبائل، يدعونـهم إلى النصرانية التي كانت قد جاءت من الحيرة، بنصرانية شرقية عربية، متأثرة بالإرمية، لكنـها اضطرت إلى التعرب بالتدريج، وبقي الحال على هذا المنوال إلى أن ظهرت كلمة الإسلام بلغة "ال"، فصارت بنزول الوحي بها أفصح ألسنة العرب، وصار قلمـها قلم الإسلام المقرر. وبذلك نبذ المسند، وماتت الكتابة بـه منذ ذلك الحين،ومات التراث العربي الجنوبي بموت لسانـه وقلمـه. - وبانتصار الإسلام على الشرك، والإسلام دين ودولة، دعوته إلى "أمة"" المواطنون فيها اخوة، وله لسان، هو اللسان الذي نزل بـه القرآن، صار هذا اللسان أفصح الألسنة منذ ذلك الحين، بل لسان أهل الجنة، وصار من الواجب على المسلمين تثبيت قواعده ودراسته لفهم كتاب الله المنزل به، خدمة لدين الله الذي شرف هذا اللسان باتخاذه لسانا له. ورعاية قلمـه التي ثبت كتاب الله، وقام العلماء بضبط قوإعده وجمع مفرداته، والبحث في كل ما يتعلق باللسان من

(1/5293)

علم. قام بهذه المـهمة علماء المصرين: البصرة والكوفة، وكان لا بد لهم من رسم حدود، ومن وضع قواعد في كيفية تثبيت العربية، وفيمن يصح اخذ هذه القواعد من ألسنتهم، إلى غير ذلك من أمور، اتبعوها في جمع علوم العربية وحين شرع بوضع قواعد العربية، كان الإسلام قد حطم حدود جزيرة العرب، وتخطاها، قد غلب الساسانيين، وأبعد الروم عن بلاد الشام ومصر وما وراءها، وقد جمع العرب بالأعاجم، والعجم بالعرب،وشبك ألسنة الأعاجم بلسان العرب، ولسان العرب بألسنة العجم، واضطر العلماء إلى وضع قواعد فيمن يجب أخذ لسان العرب منـهم من العرب، وفيمن لا يجوز الأخذ منـهم، بسبب اتصالهم بالعجم، وما طرأ على لسان بعضهم من خبث نتيجة لهذا الاتصال. فكانت تعاليمـهم ألا تؤخذ العربية إلا من عرب بقوا بمعزل عن الأعاجم، فلا "يؤخذ عن حضري قط،ولا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم المجاورة لسائر الأمم الذين حولهم، فإنـه لم يؤخذ لا من لخم ولا من جذام، لمجاورتهم أهل الشام، وأكثرهم نصارى يقرأون بالعبرانية، ولا من تغلب واليمن، فإنـهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونان، ولا من بكر لمجاورتهم للقبط والفرس، ولا من عبد القيس وأزد عمان، لأنـهم كانوا بالبحرين مخالطين للهند والفرس، ولا من أهل اليمن لمخالطتهم للهند والحبشة، ولا من بني حنيفة وسكان اليمامة، ولا من ثقيف وأهل الطائف، لمخالطتهم تجار اليمن المقيمن عندهم، ولا من حاضرة الحجاز، لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدآوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم، وفسدت ألسنتهم، والذي نقل اللغة واللسان العربي عن هؤلاء وأثبتها في كتاب فصيرها علما وصناعة هم أهل البصرة والكوفة فقط من بين أمصار العرب وذكر ان قريشا كانوا أفصح العرب ألسنة، وأصفاهم لغة، وأجود العرب انتقادا للافصح من الألفاظ، أما الذين نقل عنـهم اللسان العربي من "قبائل العرب، هم: قيس، وتميم، وأسد، فإن هؤلاء هم الذين عنـهم أكثر ما

(1/5294)

أخذ ومعظمـه، وعليهم اتكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف، ثم هذيل، وبعض كتانة، وبعض الطائيين، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم". وروي أن أفصح العرب عليا هوازن، وسفلى تميم.
وروى "الجاحظ" أن "معاوية" قال يوما: "من أفصح العرب ? فقال قائل: قوم ارتفعوا عن الخلخانية الفرات، وتيامنوا عن عنعنة تميم " وتياسروا عن كسكسة بكر، ليست لهم غمغمة قضاعة ولا طمطمانية حمير. قال: من هم ? قال قريش" وقد تحدث "الجاحظ" عن أثر المحيط في تكوين اللغة، فقال: "وكاختلاف ما بين المكي والمدني، والبدوي " والحضري، والسهلي والجبلي، وكاختلاف ما بين الطائي الجبلي والطائي السهلي، وكما يقال:إن هذيلا أكراد العرب، وكااختلاف ما بين من نزل البطون وبين من نزل الحزون، وبين من نزل النجود وبين من نزل الأغوار. وزعمت أن هؤلاء وان اختلفوا في بعض اللغة، وفارق بعضهم بعضا في بعض الصور، فقد تخالفت عليا تميم، وسفلى قيس، وعجز هوازن وفصحاء الحجاز، في اللغة، وهي في أكثرها على خلاف لغة حمير، وسكان مخاليف اليمن، وكذلك في الشمائل والأخلاق. وكلهم مع ذلك عربي. خالص غير مشوب ولا معلهج ولا مذرع ولا مزلج. ولم يختلفوا اختلاف ما بين بني قحطان وبني عدنان، من قبل ما طبع الله عليه تلك البرية من خصائص الغرائز، وما قسم الله تعالى لأهل كل جيزة من الشكل والصورة ومن الأخلاق واللغة". فرأى "الجاحظ" إن بين العدنانيين والقحطانيين فروقا كبيرة في اللغة، غير إن بين كل مجموعة من هاتين المجموعتين فروقا لغوية، كالذي أورده من أمثلة على الفروق التي تكون بين من ينزل الجبال، أو من ينزل السهول، وبين من ينزل النجود، ومن ينزل الأغوار، ثم الخلافات التي تقع بين بطون القبائل عند تشتتها وتفرقها. ثم تحدث عن لغة عليا تميم، وسفلى قيس، وعجز هوازن، ولغات أهل الحجاز. وهي قبائل تحدث عنـها علماء اللغة.

(1/5295)

وقد ذكر "الرافعي" إن الفصاحة اشتهرت في مضر، حتى عرفت اللغة بالمضرية، ومن أشـهر قبائلها كنانة - ومن بطونـها قريش -ثم تميم، وقيس، وأسد، وهذيل، وضبة، ومزينة". وقال أيضا: "وأفصح القبائل الذين هم مادة اللغة فيما نص عليه الرواة: قيس، وتميم، وأسد، وللعجز من هوازن الذين يقال لهم عليا هوازن، وهم خمس قبائل أو أربع، منـها سعد بن بكر، وجشم بن بكر، ونصر بن معاوية، وثقيف. قال أبو عبيدة: وأحسب أفصح هؤلاء بني سعد بن بكر، و ذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا - أفصح العرب بيد اني من قريش، واني نشأت في بتي سعد بن بكر - وكان مستعرضا فيهم - وهم أيضا الذين يقول فيهم أبو عمرو بن العلاء، أفصح العرب عليا هوازن وسفلى تميم" وتلك القبائل كلها كانت تسكن في بوادي نجد اوالحجاز ونـهامة،وقد بقيت معادن الفصاحة زمنا بعد الإسلام، واليها كان يرحل الرواة، حتى إن الكسائي لما خرج إلى البصرة فلقي الخليل بن أحمد، وجلس في حلقته، قال له رجل من الأعراب: تركت أسدا وتميما وعندهما الفصاحة وجئت إلى البصرة فقال للخليل: من أين أخذت علمك ? قال: من بوادي الحجاز ونجد وتهامة. فخرج اليهم ولم يرجع حتى أنفد خمس عشرة قنينة حبرا في الكتابة عن العرب.
ولم تزل هوازن وتميم وأسد متميزة بخلوص النية وفصاحة اللغة إلى آخر القرن الرابع للهجرة وقد ترك الأخذ عن "حاضرة الحجاز" أي مكة "لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتداوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم، وفسدت ألسنتهم"، فلم يأخذوا منـهم. وقد قرأنا قبل قليل اسماء القبائل التي أدخلها علماء اللغة في القائمة السوداء المقاطعة التي لم يجوزوا الأخذ منـها، و ذلك حين شروعهم بتدوين اللغة أيضا للسبب المذكور وهو اتصالها بالأعاجم، وتاثر ألسنتها بلغات من اتصلت بهم من عجم.

(1/5296)

واللغات في نظر "ابن جني" على اختلافها كلها حجة "ألا ترى أن لغة الحجاز في إعمال ما، ولغة تميم في تركه، كل منـهما بقبله القياس، فليس لك أن ترد إحدى اللغتين بصاحبتها، لأنـها ليست أحق بذلك من الأخرى، لكن غاية مالك في ذلك أن تتخير إحداهما فتقويها على أختها، وتعتقد إن أقوى القياسين أقبل لها، وأشد نسبا بها، فاما رد إحداهما بالأخرى فلا،.
أعود الآن فاكرر ما سبق أن قلته من اننا اليوم في حاجة ماسة، إلى وجوب تسجيل كل ما أورده علماء اللغة عن لغات العرب ولهجاتها، فصيحة كانت تلك اللغة أو رديئة، ولا سيما في الأمور التي شذت فيها هذه اللهجات بعضها عن بعض الشعر أو في النثر، تسجيل كل الأسماء الجاهلية التي عرف بها العرب قبل الإسلام، مع بيان اسماء الرجال الذين تسموا بها وأسماء القبائل التي هم منـها، والمواقع التي كانوا بها، لنتعرف بذلك على أصول هذه القبائل، والأماكن التي جاءت منـها، والأثر الذي تأثرت بـه من القبائل المجاورة لها، فنحن نعرف اليوم، إن أهل العربية الجنوبية، كانت لهم أسماء وردت في المسند لم تكن شائعة بين العرب الشماليين، وقد كانت خاصة بهم، ثم نعرف اليوم إن الأسماء الواردة في النصوص العربية الجنوبية المتاخرة المقاربة للاسلام، اختلفت بعض الاختلاف عن الأسماء القديمة المركبة المضافة، مما يدل على وقوع تغير في الذوق اللغوي عند العرب الجنوبيين قبيل الإسلام، وعلى الميل إلى اختزال الأسماء وتبسيطها، على نحو ما كان عند العرب الشماليين، ومثل هذه الدراسة، تكون ذات قيمة كبيرة في الوقوف على التطورات السياسية والثقافية والاجتماعية التي مرت على جزيرة العرب قبيل ظهور الإسلام. وهذا التغير الذي أشر إليه هو شيء طبيعي، وقع قبل الإسلام، كما وقع في الإسلام، فقد ماتت الأسماء الجاهلية، مثل "امرؤ القيس"، و "معدي كرب"، و "شرحبيل"، و "شرحئيل"، و "عبد عوف"، و "عبد مناة"، و "عبد أسد"، في الإسلام، وحلت محلها أسماء

(1/5297)

إسلامية، وماتت الفاظ جاهلية، بسبب إماتة الإسلام لها، أو إعراضه عن استعمالها، أو بسبب تغير الذوق، فلم تعد تصلح للاستمال، وولدت ألفاظ إسلامية لم تكن معروفة عند الجاهليين، ونشأت معان جديدة لألفاظ جاهلية قديمة لم تكن تعبر عن هذه المعاني قبل الإسلام، كذلك، نحن في حاجة إلى تدوين شعر الشعراء على حسب القبائل التي ينتمي اليها قالة الشعر، لنتمكن بذلك من دراسة خصائص شعر كل قبيلة، وما ورد فيه من لغتها، على أن نـهتم بصورة خاصة، بالأصول الأولى لهذا الشعر، أي بأقدم الروايات التي ورد فيها، ثم ندون إلى جانبها الروايات المختلفة التي ورد فيها على ألسنة علماء الشعر واللغة، والتعديلات - التي أدخلها العلماء عليه، لترى ما فعله العلماء في الشعر الجاهلي،وطبيعة ذلك الشعر بالنسبة إلى اللغات، وخصائص كل شعر.

(1/5298)

ونجد في كتاب "الإكليل" ملاحظات ثمينة تفيدنا كثيرأ في دراسة اللهجات العربية الجنوبية، وقد أخذها من كلام الناس في أيامـه. من ذلك ما ذكره في كتابه "الإكليل" من قوله نقلا عن كلام "أبي نصر": إن "حمير تطرح مثل هذه الألف في كلامـها، فنقول: إذا أردت أن تقول للرجل: اسمع واذهب: سمع وذهب، وغضب في اغضب وشرب في اشرب". وهي لغة لا تزال تستعمل في بعض القبائل اليمانية. ومن ذلك استعماله لفظة "القدمان" في قوله: "وقرأ زبر حمير القديمة ومساندها الدهرية، فربما نقل الاسم على لفظ القدمان من حمير، وتهانت أسماء فيها ثقل فخففتها العرب وأبدلت فيها الحروف الذلقية، وسمع بها الناس مخففة مبدلة. فإذا سمعوا منـها الاسم الموفر، خال الجاهل انـه غير ذلك الإسم، وهو هو". ولفظة "القدمان" من الألفاظ العربية الجنوبية التي ترد بكثرة في كتابات المسند، ترد مع أسماء بعض الأشـهر التي يتكرراسمـها، على نحو قولنا في العربية: "ربيع الأول" و "ربيع الثاني"، و "جمادى الأولى" و "جمادى الاخرة"، فيستعملون "قد من" "قدمان" للأول، أي الأقدم والمتقدم، ويستعملون "اخرن" "اخران" للثاني، أي الاخر والمتأخر، وتعني "قدمان" القدامى والقدماء كذلك.
ونجد في ثنايا كتابه مصطلحات وألفاظا أخرى من هذا القبيل استعملها هو،

(1/5299)

أو هلها عن غيره، أو من الكتب، وهي ترجع إلى اللهجات العربية القديمة، وقد لا تجد لها وجودا في معاجم اللغة. كذلك يجب البحث في كتب "سعيد ابن نشوان" الحميري وفي كتب غيره من المؤلفين من أهل العربية الجنوبية إلى يومنا هذا، لنلتقط ما قد يكون في ثناياها من كلم عربي جنوبي قديم، ومن امثلة وجمل، وأسماء أشـهر وغير ذلك.، إضافة إلى دراسة لهجات الأحياء منـهم، ووجوب الحفر حفرا علميا في مواضع الآثار لاستخراج ما فيها من نفائس مكتوبة أو غير مكتوبة لتعيننا في الوقوف على أصول لغة العرب الجنوبيين قبل الإسلام. ولا بد لنا اليوم من وجوب القيام بمسح لغوي جغرافي، للغات جزيرة العرب ولقبائل العراق وبلاد الشام، لمعرفة ما تبقى عندها من أثر للهجاتها القدبمة. مسح عام لكلامـها الذي تنطق به، ولشعرها الذي تنظمـه في الوقت الحاضر، وللأسماء الغريبة التي تتسمى بها، ومسح مثل هذا سيعين الباحثين كثيرأ في الوقوف على أسرار اللهجات العربية قبل الإسلام.
الفصل الحادي والاربعون بعد المئة
المعربات

(1/5300)

والاختلاط بين الأمم، بمختلف وسائله، ومن ذلك الاتصال التجاري، يؤدي إلى حدوث تفاعل في اللغة، فقد يولد هذا الاحتكاك ألفاظا جديدة يطلقونـها على أشياء لم يكن لأهل تلك اللغة علم بها، وقد يضطر أصحابها إلى استعمال المسميات الأجنبية كما هي، أو بشيء من التبديل والتغيير ليناسب النطق بتلك اللغة. وقد وقع ما أقوله في كل اللغات، ويقع الآن أيضا، وسيقع في المستقبل إلى ما شاء الله، لا استثناء في ذلك، ولا تفاضل، ولا امتياز. فاللغات كلها، ومنـها اللغة العربية في جاهليتها واسلاميتها، تخضع لهذا والقانون وليس الأخذ والعطاء دليلا على وجود نقص في لغة ما، أو وجود ضعف في تفكير المتكلمين بها. فكل اللغات مـهما بلغت من النمو والكمال والسعة، لآ بد لها من أن تأخذ وأن تطور مدلول مفرداتها أو تضع مفردات جديدة لأمور لم تكن معروفة وموجودة عندها. ولا نعرف لغة ما من اللغات الميتة أو الحية، انفردت بنفسها انفرادا تاما، فلم تأخذ شيئا ولم تعط شيئا.
والعربية بجميع لهجاتها وألسنتها مثل اللغات الأخرى، وفي جملتها اللغات السامية أخذت وأعطت، قبل الإسلام وبعد الإسلام، ولا تزال تأخذ وتعطي ما دام أصحاب اللسان العربي باقين في هذا الكون. والأخذ والعطاء ووضع. مفردات جديدة في لغة ما، هما من دلائل، الحيوية ومن أمارات القرة رالتكامل في تلك اللغة. ومن دلائل هذا الأخذ والعطاء، ما حدث في العصور الإسلامية: من أخذ وعطاء بين العربية واللغات الأعجمية، فطعمت العربية الفارسية والتركية والرومية وغيرها بمادة غزيرة من الكلمات، كما أخذت هي حاجتها منـها. ومن دلائله أيضا ما يقع اليوم من وضع المصطلحات لمعاني لا عهد لعربية بها.من قبل كمخترعات تظهر دوما ومعاني علمية ليس للعلماء عهد بها، ولا بد من وضع ما يقابل في العربية، بوضع لفظ عربي، أو تعريب المصطلح وتكييفه وفق النطق العربي إن كان من غير الممكن إخضاعه للمفردات العربية.

(1/5301)

وقد يزعج هذا الرأي فريقا من الناس يذهبون إلى أن العربية لغة نقية صافية لم تتأثر بغيرها من اللغات، فلم تأخذ من اللغات شيئا، ولم يدخل إليها لفظ أجنبي، أو إن ما دخل إليها من دخيل معرب هو قليل، وهم في منطقهم هذا محافظون متزمتون لا يعترفون بنظرية الأخذ والعطاء في اللغات. فإذا قلت لهم إن اللفظة الفلانية لفظة معربة واصلها أعجمي، أجابوك: ولكنـها وردت في القرآن الكريم، ووردت في شعر فلان، وفلان من الشعراء الجاهليبن. واذا قلت لهم: ولكن ها العربية كان قبل الإسلام بزمن، وقبل ذلك الشاعر بزمن طويل، وأن الجاهليين نسوا أصلها واستعملوها استعمال الألفاظ العربية، فحكمـها اذن حكم الألفاظ العربية في أيام ذلك الشاعر، وعند نزول الوحي، أجابوك أيضا: وكيف نؤمن أنـها معربة، أفلا بجوز أن تكون عربية في الأصل، وقد أخذها الأعاجم أنفسهم من العربية، ومن أين لك الدليل على العكس ? واذا ذكرت لهم أن اللفظة الفلانية عبرانية في الأصل أو سريانية أو كلدانية، قالوا:.وكيف تثبت ذلك، وهذه اللغات والعربية كلها من أصل واحد ودوحة واحدة، فلم تحكم بأنـها من أصل سرياني أو عبراني أو كلداني أو غير ذلك، ولا تحكم بانـها عربيه أصيلة، وان وجودها في نلك اللغات، هو بسبب اشتراكها والعربية في الأصل السامي. فهي في العربية أصيلة اذن، وهي في تلك اللغات أصيلة أيضا وقديمة بسبب مشاركتها للعربية في الأصل السامي.

(1/5302)

وقد فات مثل هؤلاء إن القدامى من العلماء لم يفتهم أمر هذه ألمعربات فأشاروا إليها، ومنـهم جمـهور أصحاب كتب التفاسير والحديث والمعجمات، وأن من العلماء من ألف فى هذا الموضوع، فألف أبو منصور المعروف بالجواليقي. كتابا في هذا الباب دعاه: "المعرب من الكلام الأعجمي". ولم ينتقده مع ذلك علماء يومـه، ولا من جاء بعده لإقدامـه على تأليف كتابه هذا، ولم يفل أحد انـه كان جاهلا أو متحاملا على العربية، مسيئا إليها، لأنـه أنكر أصول الألفاظ المذكورة في مؤلفه، فعدها أعجمية معربة مع انـها عربية أصيلة، لا شك في عربيتها ولا شبهة. قال "الجاحظ": "ألا ترى إن اهل المدينة لما نزل فيهم ناس من الفرس في قديم الدهر علقوا بألفاظ من الفاظهم، ولذلك يسمون البطيخ الخربز، ويسمون السميط الرزدق، ويسمون المصوص المزور، ويسقون الشطرنج الاشترنج، في غير ذلك من الأسماء". وتجد في تفسير "الطبري"، وهو من العلماء الثقات المحققين وفي تفاسير غيره من العلماء المدققين إشارات إلى أصول ألفاظ وردت في كتاب الله ذكروا انـها من المعربات،وقد نصوا على أصولها التي أخذت منـها، حسب علمـهم واجتهادهم في ذلك الوقت، لم يجدوا في ذلك. بأسا ولا انتقاصا لحرمة القرآن، أو مسا به، وفي القرآن - كما يذكر العلماء - أكثر من مائة لفظة معربة، نصوا على أصولها حسب علمـهم واجتهادهم واستفسارهم من الأعاجم، وهي كلمات دخل بعضها العربية قبل الإسلام بعهد طويل بل لعدم وجود مثيل لها في لغة العرب،فاخرجتها العرب على أوزان لغتها وأجرتها في فصيحها، فصارت بذلك عربية،وانما وردت في القرآن لأنـها كانت قد تعربت وجرت عند العرب مجرى الفصيح، ولم تكن لديهم ألفاظ غيرها. وفي بعض هذه المعربات ألفاظ لم تكن مالوفة أو معروفة عند الوثنيبن، لأنـها من ألفاظ أهل الديانات، وتظرا لكونـها تعبر عن أمور دينية ضرورية لا مثيل لها في العربية، كان من اللازم تعليم الناس اياها،لذلك وردت في القرآن.

(1/5303)

وقد رجح العلماء أصول المعربات الواردة في القرآن إلى لغات كانت شائعة انذاك ومعروفة للعرب، أخذها العرب منـها باحتكاكهم باهلها، مثل اليونانية، والفارسية، والسريانية، والعبرانية، والحبشية، والهندية، و القبطية، والنبطية، حتى ذهب "أبو ميسرة"، وهو من العلماء التابعين إلى أن "في القرآن كل لسان"، وروى مثله عن "سعيد بن جبير"، و "وهب بن منبه". ولو راجعنا أقوال العلماء في هذه المعربات التي درسوها وتحدثوا عنـها لوجدنا أنـهم قد أخطأوا في تشخيص الكثير منـها، فلم يتمكنوا من الوقوف على أصولها، لعدم معرفة أكثر علماء العربية اللغات الأعجمية. نعم تمكن العارفون منـهم بالفارسية من تشخيص المعربات عن الفارسية، غير أن منـهم من زاد عليها وبالغ فيها، فأدخل في المعرب عن الفارسية ما ليس من الفارسية بشيء. وأدخل ألفاظا عربية أصيلة في طائفة المعربات،مع أنـها عربية جاهلية، وردت في نصوص المسند وفي النصوص الأخرى،وسبب ادم لها ضمن المعربات، هو عدم احاطتهم باللهجات العربية الجنوبية، وباللهجات الجاهلية الأخرى، فتخبطوا في تعيين الأصول، فترى بعض منـهم يرجع معربا إلى أصل عبراني، ونجد آخر يرجعه إلى أصل يوناني، بينما يرجعه ثالث الى أصل حبشي، وقع ذلك بسبب عدم وقوف العلماء على اللغات الأجنبية وكتفائهم بالاستفسار من الأعاجم، ممن لم يكن لهم علم بعلوم اللغات، وإنما كانوا يعرفون الكلام بها، إذ لم يكونوا من أصحاب التضلع والتخصص، كما أن عصبية البعض منـهم للسانـهم دفعهم أحيانا للى الاختراع وصنع الأجوبة الكاذبة، يضاف إلى ذلك عامل الادعاء بالعلم والفهم، مما يحمل صاحبه على الوضع والكذب.

(1/5304)

وبين الباحثين في المعربات الواردة في القرآن جدل في وجود المعرب فيه، منـهم من قال بوجوده، ومنـهم من رد القول بـه ومنعه، فقال: "انما أنزل القرآن بلسان عربي مبين، فمن زعم إن فيه غير العربية، فقد أعظم القول، ومن زعم ان كذا بالنبطية، فقد اكبر القول"، وقالوا: "ما ورد عن ابن عباس وفيه من تفسير الفاظ من القرآن انـها بالفارسية لو الحبشية أو النبطية أو نحو ذلك، انما اتفق فيها توارد اللغات، فتكلمت بها العرب والفرس والحبشة بلفظ واحد"، وبالغ بعضهم في نفي المعربات، حتى قال: "كل هذه الألفاظ عربية صرفة، ولكن لغة العرب متسعة جدا، لا يبعد أن تخفى على الأكابر الجلة، وقد خفي على ابن عباس معنى فاطر وفاتح" والذين ذهبوا إلى وقوعه فيه، يرون بأن الكلمات اليسيرة بغير العربية لانحرجه عن كونـه عربيا. وعلل بعضهم سبب وقوعه في القرآن بقوله: "إن حكمة وقوع هذه الألفاظ في القرآن، انـه حوى علوم الأولين والآخرين، ونبا كل شيء، فلا بد أن تقع فيه الاشارة إلى انواع اللغات والألسن ليتم إحاطته بكل شيء، فاختير له من كل لغة أعذبها واخفها وأكثرها استعمالا للعرب"، وأيضا النبى صلى الله عليه وسلم، مرسل إلى كل أمة، وقد قال تعالى: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومـه، فلا بد وأن يكون في الكتاب المبعوث بـه من لسان كل قوم، وإن كان أصله بلغة قومـه هو". وقال "ابن سلام": " والصواب عندي مذهب فيه تصديق القولين جميعا، و ذلك إن هذه الأحرف أصولها أعجمية كما قال الفقهاء، لكنـها وقعت للعرب، فعربتها بألسنتها وحولتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها، فصارت عربية، ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، فمن قال انـها عربية فهو صادق، ومن قان أعجمية فصادق. ومال إلى هذا القول الجواليقي وابن الجوزي وآخرون".

(1/5305)

وقال "ابن النقيب": " من خصائص القرآن على سائر كتب الله تعالى المنزلة، انـها نزلت بلغة القوم الذين أنزلت عليهم، ولم ينزل فيها شيء بلغة غيرهم، والقرآن احتوى على جميع لغات العرب، وأنزل فيه بلغات غيرهم من الروم والفرس والحبشة شيء كثير،. فهو من الذين يرون إن في القرآن كل لسان.
ولا يقوم جدل المانعين من وقوع المعرب في القرآن، أو القائلين بـه على أساس اختلافهم في وقوع المعرب في العربية، وانما انصب كل اختلافهم على وقوع المعرب في كتاب الله. فالمانعون يقولون - كما رأينا - إن الله يقول: "قرآنا عربيا"و "ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا: لولا فصلت آياته أ أعجمي عربي"، فكل ما فيه هو عربي اذن، والذين يجيزونـه،. يقولون إن هذه الأحرف أصولها أعجمية، لكنـها وقعت للعرب، فعربتها بألسنتها وحو لتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها، فصارت عربية، ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، فمن قال انـها عربية فهو صادق، ومن قال أعجمية صادق. فالخلاف اذن خلاف عقائدي لا صلة له باللغة، وبوقوع المعرب أوعدم وقوعه في العربية.

(1/5306)

وهناك فريق آخر جماعته من المحدثين في الغالب ومن غير العرب، ذهب مذهبا معاكسا لمذهب من ذكرت تماما. تطرف في رأيه تطرفا مسرفا وبالغ في أحكامـه مبالغة منكرة. رجع ألفاظا عربية استعملها، الجاهليون إلى أصول أعجمية،وادعى انـها من الألفاظ المعربة عن السريانية أو اليونانية أو اللاتينية،أو العبرانية أو الفارسية، لمجرد ورودها أو ورود مشابه لها في تلك اللغات، وحجته في ذلك أن الجاهليين أميون أعراب وثنيون، وأن الألفاظ التي رأوا عجمتها هي ألفاظ حضارة لها مدلولات دينية أو سياسية أو اجتماعية أو حرفية أو غير ذلك، ولهذا لا يمكن أن تكون من صميم العربية، بل لا بد أن تكون طارئة عليها دخيلة في الأصل، ثم عربت. وفي هؤلاء المتعصب لجنسيته، مثل إن يكون سريانيا أو يهوديا، هذا رجع تلك الألفاظ إلى لغته لتعصبه لها،والمتأثر بنظرية جهل الجاهليين وعدم وجود أي علم أو ثقافة لديهم، والمتعصب على الإسلام، هذا رجع أكثر الألفاظ الحضارية إلى النصرانية أو اليهودية أو الفارسية، لإثبات أخذ الإسلام منـها،وتعلم الرسول ديانته من تلك الديانات. أما البحث العلمي الخالص، فهو ما كان بعيدا عن كل الميول والاتجاهات والنزعات ودوافع التعصب، قائما على الحقائق والوقائع وفكرة البحث عن الحق للتوصل إليه. فالرأيان في نظري باطلان، بعيدان عن جادة العلم. وواجب الباحث في مثل هذه الأمور أن يتريث اولا"، وألا يبت في قرار إلا إذا كان متأكدا من سلامة السبل التي سار عليها في الوصول إلى قراره، ولا سيما أن العربية والعبرانية والسريانية كلها من هذا الأصل الذي يطلق علماء الأجناس واللغات عليه: الأصل السامي، وتشترك كلها أو أكثرها في كثير من الألفاظ، والحكم بأن هذه اخذت من هذه أو تلك، حكم فج ناقص إذ لم يستند إلى موارد ونصوص مرتبة ترتيبا تاريخيا. ثم إن العربية ليست عربية واحدة؛ فإن هناك ألسنة عربية أخرى، مثل عربيات اليمن، وهي لهجات عربية قديمة

(1/5307)

ذات نصوص يعود تأريخ بعضها الى ما قبل الميلاد، فلا بجوز التعميم بالاستنآد إلى لغة القرآن الكريم وحدها، بل لا بد من تتبع ما جاء في اللغات العربية الأخرى. أضف الى ذلك أن أهل اليمن كانوا أصحاب حضاره وحضارتهم أرقى واعلى درجة من حضارة بعض الساميين. ولذلك يدفعنا الواجب إلى دراسة ما جاء في نصوصهم. من ألفاظ ومسميات وآراء ومقارنتها بما جاء في النصوص الواردة في اللغات. السامية الأخرى، للحصول على رأي علمي في هذه الأمور. ولكننا مع ذلك نحن في وضع لا نتمكن فيه من البت في هذه الأمور، لأن مالدينا من نصوص جاهلية أغلبه من النوع الذي عز عليه على ظاهر الأرض، لأن الظروف لم تمكن العلماء حتى الآن من التنقيب تنقيبا علميا عميقا في باطن مواطن الاثار، لاستخراج المطمور من الكتابات والاثار الأخرى، الغالب أن يكون المطمور ذا أهمية كبيرة، وسيعين المؤرخين في كتابة الأجزاء المفقودة من تاريخ العرب قبل الإسلام. وقد يكون من بين ما يعثر عليه ما هو أقدم من النصوص التي بين أيدينا. وعلى هذه النصوص إن رتبت ترتييا زمنيا يوثق به، يمكن أن يكون اعتمادنا في تئبيت المفردات وفي تعيين زمن استعمالها في العربية وفي كونـها عربية أصيلة أو معربة.

(1/5308)

ان وجود المعربات دليل على اتصاله الجاهليين بغيرهم، واتصال غيرهم بهم، على الروابط الفكرية التي كانت بين العرب وبقية الساميين،ويين العرب والشعوب الأخرى وجمعها وتصنيفها لذلك في مجموعات حسب الموضوعات يعطينا رأيا عن النواحي التي تاثر بها الجاهليون في أمور الحياة. غير إن هذا العمل عمل شاق، ويجب أن يستند إلى معجمات جامعة مرتبة ترتيبا تاريخيا، تذكر الكلمة، ثم تذكر أصلها من اي أصل أتت وفي أي زمن كان ذلك وأول من استعملها أو أقدم نص عربي وردت فيه، وفي اي معنى استخدمت، وهكذا. ولكننا لا نملك، يا للأسف، مثل هذه المعجمات. وكل ما لدينا معجمات قديمة، لم تنتبه لهذه الأمور، لم يميز الجاهلي من الإسلامي، ولا اللفظ الوارد في عربية القرآن الكريم من اللفظ الوارد في اللهجات العربية الأخرى على انـها مرادفات، ترد في عربيتنا على حين انـها مسميات للشيء ذاته في اللغات العربية الأخرى.

(1/5309)

والذين يقولون بعدم وقوع المعرب في كلام العرب، كانـهم يتصورون إن العرب كانوا بمعزل عن العالم وانقطاع عن الناس. ولهذا لم يتأثروا بغيرهم، ولم يؤثروا في غيرهم، وأن عرقهم لذلك بقي صافيا نقيا سليما، لم تدنسه أعراق أعجمية، ولم يمازج دمـهم دم غريب، ولم تدخل لغتهم لفظة غريبة، بل بقيت نقية صافية على ما خلقها الله يوم خلق اللغات. وقد تكون في اللغات الأخرى، كلمات دخيلة، أما العربية فحاشاها من ذلك وهؤلاء لا يدرون انـه قد كانت في سواحل جزيرة العرب قبل الإسلام مستوطنات يونانية، نشات في مواضع عديدة من سواحل البحر الأحمر وسواحل البحر العربي وا الخليج العربي، وقد بقي أصحاب تلك المستوطنات في مستوطناتهم فلم يعودوا إلى ديارهم، ونسوا أصولهم وعاداتهم، وصاروا عربا مثل سائر العرب،يرجعون أنسابهم الى أصول عربية على عرف العرب وألأعراب. وأن منـهم من بقي عرقه الدساس يحن إلى أصله،فقد ذكر المؤلفون اليونان إن بعض القبائل العربية الساكنة على السوآحل، كانوا يرحبون ببعض اليونان، لاعتقادهم انـهم يجمعهم واياهم صلب واحد.
يضاف إلى ذلك الرقيق من الجنسين، وقد كانت بلاد العرب تجلب عددأ كبيرا منـه في كل عام، تشتريه من أسواق العراق ومن أسواق بلاد الشام، وتوكل إليه القيام بأعمال مختلفة، ولا سيما الأعمال التي نحتاج إلى خبرة ومـهارة فنية ودراية. ونحن نعلم أن العربي الصريح يأنف من الاشتغال بالحرف وزراعة الخضر، ولذلك و كل إلى هذا الرقيق أمر القيام بها، فأدخل إلى العربية كثيرا من الألفاظ الخاصة بالزراعة وبالحرف، لم تكن معروفة في العربية، كماسأتحدث عن ذلك فيما..

(1/5310)

يضاف إلى ذلك أيضا، التجارة فقد كان التجار من عرب وغرباء يتعاطونـها في جزيرة العرب وفي خارجها، يصدرون منـها حاصلاتها وما تجمع فيها من سلع مستوردة من سواحل افريقية الشرقية والهند، ويأتون إليها بما تحتاج إليه قبائلها وأهل مدرها وأهل إفريقية من بضائع مصنوعة أو منسوجة من حاصل الانبراطوريتين الساسانية والرومية والأرضين المصاقبة لهماومن الطبيعي أن يؤدي ذهاب التجار العرب إلى اسواق العراق وبلاد الشام، واحتكاكهم بالفرس والروم، إلى الوقوف على أحوالهم والاتصال بهم والأخذ منـهم والتأثر بثقافتهم وحضارتهم واقتباس ما يلائمـهم منـهم ومن الطببعي أن يؤثر التجار الروم والفرس بعض اسلتاثر في نفوس زملائهم العرب في الأماكن التي ولجوها من جزيرة العرب، وأن ينقلوا اليهم شيثا من آراثهم وأفكارهم وتجاربهم في الحياة،وأن يعطوهم شيثا من مصطلحات لغتهم التي لا تعرفها العربية، ومن الأسماء الخاصة بالتجارة وبالبضائع التي يأتون بها إلى جزيرة العرب لبيعها في أسواقها.
وكان للمبشرين شان مـهم في نقل التراث اليوناني والإرمي إلى جزيرة العرب في ايام الجاهلية، وبجهادهم المضني المتواصل وعملهم المتواصل، دخلت النصرانية في أماكن متعددة قاصية من بلاد العرب،حتى نمكنوا من تنصير قبائل وامراء ورؤساء قبائل، بطريقتهم الخاصة في الاقناع والتأثير، وبالتطبيب، وبالتقرب إلى ضعاف الحال من الناس.وقد اتبعوا في التبشير وفي إدارة المؤسسات التبشيرية النظم الإدارية والدينية المتبعة في الكنيسة، فجعلوا "بيث قطرايا"، أي "قطرا" الموضع المعروف اليوم على ساحل ا الخليج، كرسيا ل "مطرابوليطي"، يقيم فيه، ويشرف على إدارة خمسة أساقفة، يقيمون في "ديرين" و "مشمـهيغ" أي "سماهيج" وهجر وبلاد "مازون" و "حطا" المسماة "ييد أردشير"، وهي الخط.

(1/5311)

وفي موضع مثل نجران غلبت النصرانية على أهله،نظمت الكنيسة شؤون المدينة، فتولى رئيسها الديني، وهو بدرجة "أسقف"، الأمور الدينية، وتولى "السيد" أمور الحرب و ادارة المسائل الخارجية المتعلقة بعلاقة نجران بغيرها، وتولى "العاقب" الأمور الداخلية، وهم جميعا يؤلفون معا مجلس المدينة فيديرون معا أمور الناس، وينظرون في كل ما حدث بينـهم من نزاع وخصومات. وهكذا نظمت العلاقات بين كنيسة المدينة وحكهامـها، وانسجم الحكم بين الجماعتين.
وقد أدخل التبشبير ألفاظا يونانية وسريانية ترد في الديانة وفي الحياة اليومية إلى اللغة العربية، ولا سيما المصطلحات الخاصة بتنظيم الكنيسة وبالحياة النصرانية، كما كان لبعض الشعراء الجاهليين يد في إدخال بعض المصطلحات النصرانية إلى العربية، كالذي نجده في شعر "مرىء القيس" والأعشى وعدي بن زيد العبادي وغيرهم من كلمات ترد بكثرة عند النصارى، نتيجة اتصالهم واحتكاكهم بهم، فصارت بذلك تلك الكلمات من المعربات ويضاف إلى من ذكرنا اليهود، ففد كان لهم أثر في الجاهليين، في يهودالعربية الغربية خاصة، أي في الحجاز، في البقعة الممتدة من "يثرب" حتى بلاد الشام، وفي اليمن. فقد سكن اليهود في هذه المواضع، وبنوا لهم مستوطنات فيها، واختلطوا بعربها، واحترفوا الحرف كما ذكرت ذلك في الأجزاء المتقدمة من هذا الكتاب.

(1/5312)

وقد كانت "مدراشات" اليهود في يثرب وفي المستوطنات اليهودية الأخرى تلقن اليهود أحكام دينـهم، وتعلم أطفالهم القراءة والكتابة. وقد قصدها العرب وجلسوا في مما يستمتعون إلى يهود. وقد شاهدها الرسول بعد هجرته إلى المدينة، وحفر جدلا كان قد وقع بين جماعة من يهود، كما حضرها أبو بكر ونفر آخرون من الصحابة. وكان أحبارهم يدرسون فيها ويفتون، كما كانوا يقيمون الصلوات واحتفالات الأعياد في "الكنيس". ومن هؤلاء.اليهود ومن "مدراشاتهم" انتقلت الألفاظ العبرانية إلى العربية فعربت، وفي جملة ذلك لفظة "مدراس"، و "سفر"، و "تور اة"، و "تا بوت"، و "حبر"، و "كاهن" وغير ذلك من مصطلحات لأكثرها صلة بشؤون الدين.
إن الحاجة، هي التي تحمل الناس على الأخذ والعطاء، وبها نفسر اقتباس العرب للمعربات. فأسماء بعض الالات والأدوات والطرق الفنية والأنسجة الدقيقة المصنوعه من الحرير وأسماء المأكولات النفيسة وأسماء النبات التي هي من أصل شمالي وبعض الات وما شابه ذلك، انما دخلت العربية وعربت لأسباب عديدة، أهمـها أن الحياة في جزيرة العرب حياة عادية، تكاد تجري على وتيرة واحدة، فلم تساعد على ظهور الأمور المذكررة، فاضطر الناس بحكم الحاجة إلى أخذها من غيرهم واستيراد أشياء مادية وغير مادية من جيرانـهم، حتى في الأمور الفكرية والروحية، مثل المعربات الدينية فإن خضعت الحاجة، فالنصارى العرب استعملوا معربات من اصل سرياني، لأنـهم اضطروا إلى استعمالها، لأنـها تعابير دينية لا وجود لها عند العرب الوثنيين أولا، ثم هي مصطلحات رسمية كنسية، لم تتساهل الكنيسة في تغيير أسمائها، ولهنا استعملها العرب على النحو المرسوم، كما يستعمل الأعاجم المسلمون المصطلحات العربية، لأنـها مصطلحات اسلامية ليس لها مقابل في لغتهم، أو لأنـها مصطلحات دينية نحب المحافظة على تسميتها وان وجد لها مقابل في لغات الأعأجم.

(1/5313)

واكثر المعربات الجاهلية، هي من أصل يرجع إلى لغة بني ارم أو إلى لغة الفرس، ثم تليها المعربات المأخوذة من لغات أخرى مثل اليونانية والعبرانية واللاتينية والحبشية والقبطية، وكثير من الألفاظ اليونانية إنما دخل إلى العربية عن طريق السريانية، فقد كان السريان قد أدخلوها في لغتهم، لأنـها لم تكن معروفة عندهم، ومن لغتهم هذه تعلمـها الجاهليون.
والمعربات السريانية الأصل، هي في الزراعة في الغالب، وفي التوقيت، ثم في موضوعات دينية وصناعية وتجارية وفي أمور أخرى. أما المعربات عن الفارسية فهي في موضوعات زراعية كذلك وفي أسماء المأكول والملبوس وأمور اجتماعية. وأما المعربات عن العبرانية، ففي أمور خاصة بسكناهم بين العرب وبأمور دينـهم وشؤونـهم. وأما المقتبس عن اليونانية فهو في أمور حرفية، وفي مصطلحات دينية ومصطلحات زراعية ومصطلحات تستعمل في شؤون البحروما شاكل ذلك. وتفسر وجود المعربات السريانية والفارسية بنسبة تزيد على نسبة وجود المعربات الأخرى هو إن المتكلمين بلغة بتي إرم كانوا مزارعين في الغالب، وكانوا على اتصال بالعرب، وقد خالطهم العرب وعاشوا بينـهم، واقتبسوا منـهم، حتى انـهم كتبوا بلسانـهم، ودخل الكثير منـهم في دينـهم، دين النصرانية، ولا سيما قبيل الإسلام. وقد كانت أحوالهم الاجتماعية مشابهة للاحوال الاجتماعية عند العرب، ولا سيما عرب بلاد الشام والعراق. ووضع مثل هذا يؤدي بالطبع إلى الاقتباس والأخذ والعطاء. وأما الفارسية، فقد كان الفرس يحتلون بلاد العراق وكان لهم نفوذ على العربية الشرقية، وقد استولوا على اليمن قبيل الإسلام، ولهم تجارة مع أهل مكة وأماكن أخرى، وبحكم هذه الصلات دخلت في العربية ألفاظ فارسية وصارت في عداد المعربات.

(1/5314)

ونحن إذا تتبعنا صورة توزع المعربات بين العرب، نجد إن توزيعها يختلف باختلاف الأمكنة، فهناك أمكنة تأثرت بالمعربات الفارسية بالدرجة الأولى، وهناك مواضع تأثرت بالمعربات السريانية في الأكثر، وهناك أقاليم تأثرت بالمعربات عن اليونانية أو الحبشية بالدرجة الأولى. ثم نجد ظاهرة أخرى في كيفية توزع المعربات وظهورها، هي ظاهرة الحاجة والظروف السائدة في مكان ما. فيمكننا اذن ارجاع تأثر لهجات العرب الجاهليين بالمؤثرات اللغوية الأعجمية اذن الى عاملين: عامل الاختلاط بالأعاجم عن طريق الجوار أو السكن معهم في موضع واحد، واستخدامـهم لهم ومجيء الأجانب من تجار ومبشرين اليهم، وعامل الحاجة التي كانت تدفع إلى أخذ أشياء غير معروفة في بلاد العرب، فتدخل العربية باسمائها الأعجمية، فإذا انقضى زمن عليها، تدخل في ضمن اللسان العربي وتعرب، حتى ليخيل إلى من لا يعرف أصلها انـها عربية الأصل والنجار.
ولما تقدم نرى إن المعربات عن السريانية والفارسية هي أظهر وأبرز في لهجات عرب العراق من المعربات الأخرى،وان المعربات عن السريانية واليونانية - اللاتينية أبرز وأوضح في لغة عرب بلاد الشام من المعربات المنقولة عن الفارسية أو الحبشية. وان المعربات عن الحبشية واللهجات الافريقية، هي أوضح وأكثر ظهورا في لهجات العرب الجنوبيين من المعربات الأخرى، و ذلك بسبب اختلاط العرب الجنوبيين بأهل الساحل الافريقي الشرقي ووجود جاليات افريقية في العربية الجنوبية وجاليات عربية جنوبية في السواحل الافريقية المقابلة منذ أيام ما قبل الميلاد، فأذى هذا الاختلاط والتجاور إلى الأخذ والعطاء في اللغة. كما نجد المعربات عن الهندية والفارسية والإرمية ظاهرة بارزة على ألسنة أهل ا الخليج " لاتصالهم بالهند وبفارس.وبالعراق.

(1/5315)

وأما مثال ظهور المعربات بسبب الحاجة، فهو مما نجده في لهجة أهل يثرب وما حولها من مؤثرات فارسية وسريانية في الزراعة بصورة خاصة وفي نواح أخرى من نواحي الحياة الاجتماعية، فقد استعل أهل المدينة ألفاظا فارسية في لهجتهم، بسبب حاجتهم وظروفهم. فأرضهم أرض خصبة ذات آبار ومياه، ولما كانوا في حاجة إلى أيدي عاملة لتشغيلها لاستغلال مواردها استعانوا بالرقيق،وكان معظم الرقيق الذي جيء به، من رقيق العراق الذي يرجع إلى أصل فارسي، أو نبطي متأثر بالفارسية، لرخص ثمنـه بالنسبة إن رقيق الروم، ولفطنته ولمـهارته في الحرف بالنسبة لرقيق افريقية، وعن طريق هذا الرقيق دخلت المعربات الفارسية والنبطية المستعملة في الزراعة وفي أمور أخرى عرف بها الفرس والنبط إلى "يثرب". أما أهل مكة، فلم تظهر المعربات الزراعية عندهم، لعدم وجود حاجة لهم إليها، بل استخدموا معربات أخرى في الأمور التي كانوا بحاجة إليها، والتي لم يكن لها وجود عندهم، وقد دخلت اليهم من اماكن مختلفة، كان لهم تعامل معها، ومن الرقيق والتجار الغرباء الذين كانوا يعيشعون بها.

(1/5316)

ولبعض المحدثين بحوث في الدخيل من السريانية على العربية، من جملتها بحث المستشرق "فرنكل" Frankel دعاه "الألفاظ الآرامية الدخيلة على العربية" "Die Aramaischen Fremdworter im arabicchen". وكتابه هذا هو أشـهر كتاب ألفه المستشرقون في هذا الباب. كما إن لآباء للكنيسة الشرقيين مؤلفات وبحوثا في الألفاظ السريانية في العربية، وضعوها بالعربية، نشر بعضها في مجلة المشرق، ونشر بعض آخر في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق، ونشر بعضه في كتب، مثل كتاب: "غرائب اللغة العربية"، تأليف الأب رفائيل نخلة اليسوعي، وفيه باب خاص بالكلمات الدخيلة في العربية الداخلة فيها من الارامية والعبرانية والفارسية واليونانية ومن التركية واللاتينية والايطالية والفرنسية:من لغات أخرى. وفي بعض هذه البحوث تسرع في الأحكام، إذ فيها ألفاظ نسبت إلى أصل سرياني، وهي من الألفاظ الواردة في اللهجات العربية القديمة، وفيها مما يرد في العربية وفي اللغات السامية الأخرى، لأنـه من المشترك الذي يرد في أصول الساميات..وقد رأيت اختيار ألفاظ في الزراعة أو ألفاظ لها علاقة بها، من القائمة التي أوردها "الأب رفائيل نخله اليسوعي"، للالفاظ الآرامية الداخلة في العربية، و ذلك للقوف عليها، ولتكوين فكرة عنـها، وبعض هذه الألفاظ هو في رأيي مما استعمله العرب قبل الإسلام، ووارد في النصوص الجاهلية، فمن الصعب ارجاعه إلى أصل ارامي من غير نص أو دليل منطقي مقبول وبعضه من النوع الوارد في العربية وله أصل عربي، فلا يمكن أن يقال إنـه من أصل آرامي، لمجرد وجود مرادف له أو لفظ مقارب له، وبعض آخر هو من الألفاظ التي ترد في كثير من اللغات السامية فلا يجوز تخصيصه بالسرياني، وارجاع أخذ العرب له من هذا الأصل.

(1/5317)

ومن اللهجات في الزراعة وما يتعلق بها وبالفواكه والحبوب والأزهار وما شاكل ذلك: "آس" وهو من أصل سرياني هو "اسو"، و "أب" بمعنى ثمرة من "أبو"، و "ارف" و "أرفى" من أصل سرياني كذلك بمعنى قسم الأرض وحددها، ومن يمسح الأرض ويحددها. و "أكتار" بمعنى حراث، أي من محرث الأرض من أصل Akoro، و "أنبوب"، من "أبوبو" Aboubo بمعنى قصبة وأنبوب أجوف وما بين عقدتين من القصب، و"اندر" بمعنى بيدر، من "ادرو" Edro و "باسور" بمعنى عنب غير ناضج، و "باكورة" ويراد بها أول الثمر من Bakorto و "بطيخ"، أي البطيخ من Fatiho"بور" صفة للارض من "بورو"Bouro و "بيب"، بمعنى قناة ومجرى الماء إلى الحوض من أصل "بيبو" Bibo، و "بيدر" منBayt-edro و "- تبن" من "تبنو"، و "تخم" بمعنى حد" من أصل "تحومو"thoumo و "ترعة"، بمعنى قناة عميقة من "توعتو" و "توت" من "توتو" toutoا و"ثوم"من toumo و "جبن من أصل goubno والجريب منgribo، و "جرام" بمعنى نواة من أصل garmo، و "الجران" ويراد بـه حجر منقور للماء وغيره من Gourno، و "الحب" بمعنى الجرة الكبيرة من "حبو" Houbo و "حمص" من "حمصو" Hemso و "حندقوق" من Handqouqo، و "خبيص"، بمعنى حلوى مخبوصة، من طحين وسمن وعسل وأصلها "حييصو" Habiso، و "ا لخر د ل" من "حرد لو"Hardlo، و "خس" من "خسو" Haco، و "الخوص" الذي يكون على السعف من "حوصو" Housoا، والخوخ من Houho و "الدبرة" البقعة المزروعة أي الحقل من "دبرو" dabroو "دبس" أي الدبس من debcho و"دبق" من debeq و "درس"، كأن نقول درس الحنطة من drach و "دقلة" أي نخلة من deqlo، و "رب" وهو ما ينثر من عصير الثمار من أصل Raubo و "رحى" من Rahyo و "رمان" من أصل Roumano و "ريحان" من Rihno و"زبن"بمعنى باع الثمرعلى شجره من Zaban نمعنى باع و "زبون" بمعنى مشتري من zobouno و "زفت" من أصل zefto و "زق" من zeqo و "زمارة " قصبة يزمر بها من zamorto و "زيت" من zayto و "زيتون" من

(1/5318)

zaytouno و "سكة" مثل سكة المحراث من sekto
و "سكر" ما يسد بـه النـهر من chakro و "سلاء" أي شوك النخل من salow و "سماق" من أصل sawmoqo، وسنبل الحنطة من seblo و"سنبل" بمعنى نيات طيب الرائحة من sanboul و "شتلة" ما قلع من النبات ليغرس في مكان آخر من أصل chetlo و "شرعوف" نبات وثمر من أصل sourafo و "شالم" و "شولم" و "شيلم" من chaylmo و "صعتر" من setro و "صفصاف" من safsofoو "مطمورة"، وهي حفرة تحفر في الأرض يوسع أسفلها لحفظ الحبوب من matmourto و "عذق" أي عنقود عنب أونخل من "عدق" daq و "عقا ر" خمر ونبات يتداوى به، وقد سمى العرب الخمر دواء من أصل egro، و "عنب" من enbo، و "عنقر" جذر القصب من eqoro. بمعنى جذر و "عود" وهو العود الذي يتبخر بـه من ouda، و "غابة" من أصل obto بمعنى غابة كثيرة الأشجار، وغدير بمعنى نـهر وبركة يتركها السيل من gadiro،و"غرب" نوع من الحور من أصل arbo، و "فجل" من fouglo، وفدان من أصل fando و "فرث"، من ferto" و "الفروج" من farougo، و"الفرخ" من farahto، و "فرع" بمعنى غصن من "فرعو"fero، و "فقح" مثل "فقح النبات" بمعنى أزهر من أصل، "فقح" fqah، و "فقاح النبات" أي زهره من أصل "فقو" fagho، و "فقد"، بمعنى من زبيب أو عسل من "فقودو" fqodo،، و "فل" وهو زهر يشبه الياسمين من "فلو" falo و "قثاء" من qtouto، و "قش" من qecho، و "قصر" وهو ما يبقى في الغربال من النفاية، من أصل "قصرو" qisro أي قشرة الحنطة، و "القطران" وهو سائل زيتي يستخرج من بعض الأشجار من أصل "قطرون" qotron " و "القفيز" وهو مكيال من "قفيزو" qfizo، و "قفص" من "قفسو"qafso، و "قلة" بمعنى جرة كيرة من "قلتو" qoulto، و "قمح" أي حنطة، من "قمحو" qamho، و "كاث" وهو ما ينبت مما انتثر من الزرع المحصود من koto و "كداس"الحب المحصود المجموع من "كديخو" qdicho، و "كر"" بمعنى حمل ستة اوقار حمار، أو ستون قفنزا من "كورو" kouro، و

(1/5319)

"كرب" من أصل "كزب" krab، و "كر ا ث" من karoto، و "كرخ" بمعنى أجرى وحول من "كرخ" krak، و "كرفس" من "كرفسو"،krafso و "كزبرة" من "كوزبرتو" kouzbarto، و "كمثر ى" من "كو متر و" komatro، و "معين" نعت للماء الجاري على وجه الأرض من "مينو" mino، و "نجر" من "نجر"nagar ومنـها النجار، و "نشوق" من "نسكو" nosko و "نطر" بمعنى حرس من "نطر" ntar ومنـها الناطور أي الحارس، و "نطا ر" وهو ما يكون على هيأة رجل ينصب بي الزرع لإخافة الطيور. وإبعاد الحيوانات المضرة بـه من "نوطورو"notoro، و "نيطل" بمعنى دلو من "نطلو" notlo.، ونعناع من mono، و "نورج" سكة المحراث من "نورجو" norgo، و "نير" وهي خشبة معترضة في عنقي ثورين يجران محراثا من "نيرو" niro، و "هرطمان" من qourtomo، وبل ووابل بمعنى المطر الشديد من "يبل"، و "ورد" من "وردو" wardo، و "وسق" بمعنى حمل بغير من "وسقو" wasqo، و "يتوع"، كل نبات له لبن، أي سائل أبيض في داخله يشبه اللبن من"يتوعو"،yatou,o. وقد وردت لفظة "الأب "" في القرآن الكريم: "وفاكهة وأب... متاعا لكم". وقد ذكر إن "عمر" قال: "قد عرفنا الفاكهه فما الأب ? قال: لعمرك يا ابن الخطاب إن هذا لهو التكلف"،قد اختلف المفسرون في المراد منـها، مما يدل على أن اللفطة لم تكن معروفة عندهم معرفة واضحة، وفي كلام عمر: "إن هذا لهو التكلف"، أو قوله: "ما كلفنا أو ما أمرنا بهذا" دلالة على عدم وضوح معناها عنده وعند الناس. وهي بمعنى "ثمرة" في الإرمية Ebo، وقد ذهب العلماء إلى أن "الأب" ما تنبت الأرض للانعام والماشية، فهي في معنى آخر، يخص العشب والكلا وما تنبته الأرض ليعلفه الحيوان في راي غالبية العلماء، في المعنى الوارد لها في السريانية.

(1/5320)

وأما "الأرف"، فبمعنى تقسيم الأرض وتحديدها، ويقال لمن يمسح الأرض يعين حدودها "ارفو"، Arfoفي الارمية، وقد ذكر علماء ا الغة ان الارف الحدود بين الأرضين، أو معالم الحدود بين الأرضين، "وفي حديث عثمان رضي الله عنـه، الارف تقطع الشفعة، وهي المعالم والحدود، هذا كلام أهل الحجاز، وكانوا لا يرون الشفعة للجار".
وأما "الأكار" فيذكر علماء اللغة أنـها من أصل "أكر"، بمعنى "حفر"، والأكار بمعنى الحفار والحراث والزارع. ومن ذلك حديث "أبي جهل: فلو غير اكار قتلتي"، أراد بـه احتقاره وانتقاص". تقابل هذه اللفظة لفظة "اكورو" Akoro في الأرمية التي هي "اكار"، ويين الألفاظ التي ذكرتها ألفاظ لايوجد دليل على انـها معربة من اصل ارمي لأننا نجد إن لها جذرا عربيا، وهي ليست من المسميات التي لم يعرفها العرب حتى نقول انـها استوردت من الخارج، أو ان الحاجة حملت العرب على تعلمـها من الرقيق الذي كان عندهم أو من المبشرين أو التجار الغرباء.

(1/5321)

وأما المعرب عن الفارسية مما في الزراعه، فاكثره من اسماء أثمار او أزهار أو روائح وعطور، مثل أ الخريز" بمعنى البطيخ، من اصل "خربوزة". وفي الحديث عن أنس قال: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يجمع يين الخربز والرطب". وفي حديث عن عائشة: "ياكل البطيخ بالرطب". و "السيسنبر" نوع من الريحان، و "الجل" بمعنى الورد، و "الجلاب" اي ماء الورد. وقد وردت اللفظة في حديث عائشة عن الرسول. و ذلك دليل على إن الفظة كانت معروفة قبل أيام الرسول. ويلاظ إن لفظة "بطيخ" هي من الألفاظ المعربة كذلك، عربت من أصل "فطيخو" بلغة بتي ارم، وقليل منـه ما يخص آلات للزراعة أو الأرض، مثل "بستان" والجمع "بساتين".، وذلك لأن غالبية الذين كانوا يفلحون الأرض ويزرعونـها في العراق وفي بلاد الشام، هم من بني إرم أو من المتكلمين بلغتهم، وباحتكاك العرب بهم تعلموا اسماء الآلات والأدوات وطرق حرث الأرض وزرعها، وأسماء كثير من الزروع ومقاييس الأرض وطرق الاستفادة من الأرض، فدخلت إلى العربية. أما الفرس في العراق، فلم يكونوا يباشرون زراعة الأرض وفلاحتها في العراق،وانما كان "مرازبتهم" وأثرياؤهم يمتلكون الأرضين الواسعة، ويسخرون أهل البلاد في استغلالها لهم، ولهذا لم تترك لغتهم أثرا كبيرا يشبه الأثر "الإرمي" من ناحية الزراعة في العربية.
أما المعربات في الزراعة عن اليونانية، فاقل عددا، إذ لم يكن العرب على اتصال مباشر بالمزارعين اليونان، لهذا لم ياخذا عنـهم كثيرا، والمعروف من المعربات في هذا الباب هو في أسماء نمر نبات او بذور، أو ما يتعلق بحاصل عنب، مثل الخمور، فقد كان أهل الحجاز يستوردون الخمور من بلاد الشام، وقد تعلمـها أهل هذه البلاد من الروم بأسمائها اليونانية. ولما أخذها العرب من بلاد الشام، حرفوا الأسماء بعض التحريف يلائم المنطق العربي.

(1/5322)

من هذه المعربات: "الاسفنط": وهي أجود الخمر المطيب من عصير العنب.، من أصل "افسنتين" Apsinthion، كان الخمر يطيب به. و "خندروس"، ويراد بها نوع حنطة، أو حنطة مجروشة من أصل Khandhros، و"خندريس" ويراد بها خمر معتقة، ونعت لخمر مصنوعة من الكرم اسمـه Kantharios. و "زنجبيل"، وهي من اصل zinguiveri. ومن الألفاظ الواردة في القرآن الكريم. وقد ذكرت في شعر منسوب إلى الأعشى.
و "القرنفل"، من أصل Kariofillon. و "كافور" من Kafoura. وفي السريانية qafouro. و "المسطار"، ويراد بها الخمر التي اعتصرت من أبكار العنب حديثا، وأصلها "مسطس" Mousotos. و "نرجس" من أصل Narkisos.
وبلاد الشام أكثر شـهرة من العراق في الأعناب، وهي مادة صالحة لصنع أنواع متعددة من الخمور. اما اهل العراق، فقد استخرجوا خمرهم من التمر،فلم يعرف لهذا السبب بتنويع الخمور. وقد استغل سكان جزيرة العرب التمور أيضا لاستخراج الخمور منـها، و ذلك في الأماكن التي تكثر فيها النخيل، وتقل أشجار الكروم. ولاتصال الحجاز ببلاد الشام بالقوافل الكبيرة، كانت الخمور من أهم السلع التي تستوردها القوافل من تلك البلاد. - ومن الألفاظ الارامية التي دخلت في العربية،.ولها معان سينية لفظة "ابل" بمعنى تنسك من ebal، و "تابس" بمعنى "حزن" من etebal، و "أبيل" بمعنى راهب من "ابيلو" abilo الإرمي بمعنى ناسك وراهب. وقد جعلها "الجواليقي" فارسية الأصل وهو خطأ منـه. و "الباعوث"، صلاة لثاني عيد الفصح في بعض الطوائف من أصل boouto" بمعنى صلاة وطلب "برخ" بمعنى زياده ونماء من "برختو" bourhto بمعنى بركة وعطية و" البيعة" من "بيعتو" bito. و "الدنح"، ويراد بها عيد الغطاس،

(1/5323)

من اصل "دنحو" و "دير" اي بيت الرهبان، من أصل دار. و "ديراني." نسبة إلى "دير"، من أصل Dayronoyo. و "رباني"، بمعنى عالم بشريعة اليهود، وحاخام أي معلم من أصل "ربونو" Rabono. و "روح القدس" من "روح قدشو" Rouhqoudcho. و "مزمور" من "مزمورو" Mazmouro. و "سلاق" عيد صعود السيد المسيح،من Souloqoأي صعود. و لا "صلاة" من "صلوتو" Salouto. و "قس" "قسيس" من "قشيشو" Qachicho. و "القوس" ويراد بها الصومعة، من أصل Kaucho، بمعنى عزلة.. و "ناقوس" من أصل. noqouch وهناك ألفاظ أخرى لها معان دينية، لم تكن شائعة معروفه الا بين النصارى، لذلك لم أر حاجة إلى الاشارة إليها، ثم إن من الصعب البرهنة على انـها كانت مستعملة عند النصارى الجاهليين،.
وبعض الألفاظ المذكورة معروف، وقد ذكر في الحديث، وهذا مما يدل على شيوعه عند أهل الحجاز عند ظهور الإسلام، وبعضه مما ورد في القرآن الكريم من ايات تعرضت للنصرانية في ذلك العهد. " وباتصال العرب باليهود في الحجاز، دخلت في العربية ألفاظ ومصطلحات دينية، عربت، مثل: "آمين" من أصل "امن"، و"اسرائيل" و "اسرائين" من "يسرائيل" "ي س رال"، و"تابوت" "ت ب ه" بمعنى صندوق خشب و "تلمود" و "توراة" من "تورا" بمعنى تعليم وشريعة، و "جهنم" من "جي هنم"، بمعنى وادي هنم، وهو جنوب أورشليم، أي القدس، وقد كثر فيه قبل الميلاد إحراق الأطفال تضحية لإله العمونيين. و "حبر" من "حبر" "ج ب ر" بمعنى "الرفيق" في الأصل، ثم قصصت بعالم. و "اسرافبل" من "سرافيم" "س ر ف ي م"، ملك من الملائكة الكبار، و "سبت" امم يوم، من "شبث" بمعنى يوم الراحة، واستراح. و "سبط"، قبيلة من قبائل اليهود الاثني عشر، من "شبط"، و "مدراس"، بمعنى معهد تدرس فيه التوراة، من "مدرثس، "مدراش"، اي بحث وشرح نص.

(1/5324)

ولفظة "نبي" "نابى" nabi للستعملة في عربيتنا من الألفاظ الواردة في التوراة، وردت "300" مرة في مواضع مختلفة منـها. وترد في لغة بني إرم ايضا، حيث وردت على هذه الصورة nbiyo. وقد ذكر علماء اللغة انـها من المعربات.
واخذت العربية من العبرانية ألفاظا قليلة ذات صلة بالحرف، مثل "تايوت" بمعنى صندوق من "تبا" teba، ويراد بها معنى صندوق في العبرانية. و "فطيس" من "بطيش" Pattich بمعنى مطرقة كا ا. و "قدوم" من "قردم" "قردوم" qardom بمعنى فاس، و "كرزن" من "كرزن" بمعنى فاس كبيرة"، وقد احترف اليهود الحدادة والصياغة والنجارة في الحجاز، وتكسبوا منـها، ورآهم الجاهليون، وهم يعملون بآلاتهم، فتعلموا منـهم أسماء الآلات المذكورة وغيرها، واستعملوها على النحو المذكور.
ويلاحظ إن الباحثن في المعربات من المستشرقين والشرقيين، رجعوا أصول ألفاظ يهودية إلى السريانة، وهي يهودية في الأصل، وقد أحلها السريانية من العبرانية بواسطة النصرانية، بدليل.ورودها في اليهودية قبل ظهور النصرانية بزمن. أما المجوسية، ديانة الفرس، فلم تترك اثرا يذكر في العربية من ناحية المعربات ذات المعاني الدينية، لقلة اتصالا العرب بها، وعدم اهتمام المجوس بنشر دينـهم، وقلة عددهم في جزبرة العرب. ولهذا كانت أكئر ألألفاظ الدينية التي عرفها الجاهليون، قد دخلت فيهم من اليهودية والنصرانية،بسبب اتصال اليهودية والنصرابية بالجاهليين اتصالا مباشرا، ولفظة "المجوسية" نفسها هي من الألفاظ المعربة، فهي من أصل Magush في الفارسية القديمة، Magh في الفارسية الحديثة، و Maghos في اليونانية، وقد اتتقلت من الإرمية إلى العربية، وفي الحديث: " كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يمجسانـه، أي يعلمانـه دين المجوسية" وذكر أن اللقظة قد وردت في ييت شعر جاهلي هو: أحارأريلك برقاهب وهنا كنار مجوس تستعر استعارا

(1/5325)

يقال إن صدر البيت لامرىء القيس وعجزه للتوأم اليشكري، "قال، أبو عمرو ابن العلاء: كان امرؤ القيس معنا عريضا ينازع كل من قال إنـه شاعر،فنازع التوأم اليشكري، فقال له: إن كنت شاعرا فملط انصاف ما أقول وأجزها، فقال: - نعم، فقال امرؤ القيس: أصاح أريك برقا، هب وهنا
ففال التوأم: كنار مجوس تستعر استعارا
فقال أمرؤ القيس: أرقت له ونام أبو شريح
فقال التوأم: إذا ما قلت قد هدأ استطارا
إلى آخر الشعر. وإذا صح هذا التمليط، تكون هذه اللفظة قد وردت فيه لأول مرة في شعر جاهلي.

(1/5326)

من الألفاظ التي لها صلة بالمجوسية لفظة."موبذ." و "موبذان"، بمعنى الرئيس الديتي للمجوس. من أصل "موبد"، بمعنى كاهن ورجل دين عند الفرس القدماء. وفي باب الماكولات والات وما يتعلق بهما، تجد المعربات عن الفارسية أبرز وأطهر من المعربات الماخوذة من لغة بني ارم، أو من لغة الروم واللغات الأعجمية الأخر. ف "الباذق"، وهو ضرب من الأشربة، من أصل فارسي، هو "باذة" "باده" بمعنى خمر، ئي مسكر. ولفظة "باطية" ويراد بها إناء زجاج لل، من أصل "باديه" أي جرة، و "البالغاء"، بمعنى الاكارع من أصل "بايها" بمعنى أرجل.. و "الجلاب" اي ماء للورد، من أصل "كل آب"، و "كل" بمعنى ورد،و"آب" بمعنى ماء. و"الجوزينج" "الجوزينق" من الحلاوات، وتعمل من الجوز. من أصل "كوزينة". و "الخربز" البطيخ، من أصل "خربوزة" و "ا لخشكنان" و"الخشكار"، اي خبز مصنوع من قشر الحنطة والشعير، من أصل "خشك"، يمغنى يابس وآرد، بمعنى طحين. و "خوان" بمعنى مائدة و "دوق" بمعنى لبن استخرج زبده، من أصل "دوغ"، بمعنى لبن حامض. و "فالوذج" "الفالوذ" "الفالوذة"، نوع من الحلواء، من أصل "فالوده" "بولاد""، ويذكر أهل الأخبار: أن عبدالله بن جدعان كان يطعم العرب هذا الطعام، فمدح. و "القند"، السكر، و "الكعك"، من أصل "كاك". و "اللوزينح" نوع من الحلواء، من أصل "لوزينـه"، و "الأنبار" أهراء الطعام، واحدها "نبر"، و "أنابير" جمع الجمع، من أصل "انباشتن" بمعنى خزن. و "الدرمك"، وهو الدقيق الأبيض، أي لباب الدقيق، و "الجردق"، و "السميذ".
و "السكباج"، وهو لحم يطبخ بخل، من أصل "سركه باحة"، و "السكبينج" دواء. وصمغ شجرة بفارس، و "السكرجة" قصاع يؤكل فيها صغار، و "الز ير باج"، و "الاسفيداج"، و "الطباهج"، و "النفرينج." من ألوان الطبيخ.

(1/5327)

وسبب ذلك إن الفرس كانوا ارفع مستوى من بني إرم في الحياة الأجتماعية" واكثر تقدما في الحياة البيتية منـهم، فتفننوا في الماكل والملبس،وتنوعوا في المطبخ وافتنوا في تنويع الأكل، وأوجدوا لكل طعام اسما، لم تعرفه لغة بني إرم، لأنـهم لم يكونوا يعرفون تلك الأطعمة، وباحتكاك العرب بالفرس وببني ارم الذين اقتبسوا من الفرس بعض تلك الماكولات تعلموا منـهم أنواع الأطعمة، وأخذوا منـهم أسماءها أيضا، ودخلت على بعضها الصنعة، لتحويلها وفق قواعد النطق العريي.
وينطبق ما قلته عن المعربات الفارسية في الأكل والات وما يتعلق بهما، على المعربات من الفارسية في العطور والروائح والطيب وما يتعلق بها،.وعلى بعض العوائد الاجتماعية، ولا سما بين العرب الذين كانوا على انصال مباشر بالفرس. فقد تاثروا بحكم هذا الاتصال بهم، واقتبسوا منـهم بعض عوائدهم، مثل استخراج ماء الورد المسمى "جلاب"، وهو "ماء الورد" للتطيب به. وقد وردت لفظة "الجل"، ومعناها الورد في بيت شعر للأعمثى. وكذلك الجلسان"، وقد ذكر إن "الجلسلن" من "كلشان" "كلشن"، اي ما يخثر من الورد على الحلفرين في العرس، وذكر انـها الورد، أو قبة يعجلون عليها الورد.
و "القمقم"، قنينة لماء الزهر أو نحوه "قمقمة". وتعتي لفظة كوكوميون وهي "قمقم" وعاء من نحاس لتسخين الماء في اليونانية.. ولعل احدى اللغتين قد استعارتها من الأخرى. وقد رجع بعض علماء اللغة اللفظة إلى الرومية، أي اليونانية، وذكر إن اللفظة وردت في بيت شعر لعنترة.
و "مسك". من "مشك". و "نافجة" وعاء المسك، من أصل "نافه" من "ناف" بمعنى سرة.
واستعارت العربية من الفارسية الفاظا من الألبسة والأنسجة والخياطة، و ذلك مثل "ابريسم" وهي من اصل "أبريشم" و "استبرق" من أصل "استبرك"، أي ثوب حرير مطرز بالذهب. وقد ذكر علماء اللغة أنـها من "لستفره" و "استر وه". و "بركان" "بر نكان"، كساء، من "يرنيان".

(1/5328)

و "تخريص" "دخريص" من أصل "تيريز"، وورد أن "البنيقة" معربة كذلك من اصل "بنيك" في معنى "التخريص" و"الدخريص". و "جربان" زيراد بها جيب القميص من أصل "كريبان" و "الجوالق"، من أصل "كوال" "جوال"، ومعناها عدل كبير منسوج من صوف أو شعر.
و "الخسرواني"، وهو الحرير الرقيق الحسن الصنعة، وهو منسوب إلى الأكاسرة أي الملوك. و "الدخدار" وهو الثوب، من أصل "تخت دار". و "الديباج" من أصل "ديوباف" أي نساجة. الجن، و "السبيج"، وهو قميص بلا كمين ولا جيب، من أصل "شبى"، اي ليلى. و"سربال"، من أصل "سر بال". و "سروال"،. و "الشوذر" الملحفة والإزار،، من أصل "جادر". و "الطيلسان" من "طيلسان" "تالسان"، و "الفرند"، الحرير من "برند" و "الكرباس"، ثوب خشن من "كر با س".
وقد عرف الجاهليون ألقاب بعض القادة العسكريين والاداريين في الانبراطوريتين اليونانية والفارسية، فأدخلوها في العربية، لأنـها ألقاب رسمية نعت بها أولئك الموظفون الكبار، وعرفوا بعض الرتب الكنسية كذلك. فما دخل إلى العربية من اليونانية واستعمل عند الجاهلين لفظة "بطريق"، من أصل Patrikios. وقد وردت في بعض الرسائل المنسوبة إلى الغساسنة،ويراد بها درجة قائد في الانبراطورية البيزنطية. ولفظة "أسقف"، وقد ورد في كتب السير: إن وفد نجران حين قدم على الرسول، كان يتألف من رؤساء المدينة أصحاب الحل والعقد، ويلقبون ب "السيد" و "العاقب" و "الأسقف". والسيد عندهم صاحب رحلتهم، والعاقب أميرهم وصاحب مـهم الذي يصدرون عن رأيه، والأسقف حبرهم وإمامـهم وصاحب مدارسهم. ولفظة "أسقف" هذه من أصل يوناني هو Episkopos، وأما "قيصر" التي يراد بها في العربية "انبراطور" الروم، أي ملكهم، فإنـها من أصل لاتيني هو "سيسر" Caesar. وترد في كتب السير في معرض الكلام على الكتب التي أرسلها الرسول إلى الروم والفرس والحبشة وبعض الأمراء.

(1/5329)

ومن المصطلحات المأخوذة من الفارسية في هذا الباب، "الأسوار"، وهو الرامي، وقيل الفارس،وقائد الفرسان، من أصل "أسب سوار"، و "اسب" الحصان، و "سوار" على ظهر أي راكب، ومعناها راكب الحصان أي فارس، وتجمع "أسوار" على "أساورة". وترد في الكتب أحيانا مضافة "أساورة الفرس"، وتجمع على "أساور" و "اساورة" أيضا، وقد وردا جميعا في الشعر. وأما "الأشائب"، و،مفردها "أشابة"، فمعناها الأخلاط من الناس من أصل "آشوب". وذكر انـها عربية خالصة،من "أشب الشيء" بمعنى خلطه. وترد لفظة "أنبار" و "الأنبار"، وتعني أهراء الطعام ويقال للواحد "نبر" أيضا وأما "الأنابير" جمع الجمع. وقد اشتهر موضع "الأنبار" على نـهر الفرات على مقربة من الفلوجة، وكان مأهولا" بالعرب عند ظهور الإسلام، وقد ذكرت في الجزء الأول من هذا الكتاب أن بعض أهل الحجاز ينسب أخذ أهل مكة الكتابة إلى قوم منـهم ذكروا أنـهم تعلموها من أهل الأنبار.
و "الإيوان" في العربية، الرواق. وهو مكان متسع من بيت تحيط بـه ثلاثة حيطان، من اصل "أيوان" eyvan. وأما "الدهقان"، فحاكم اقليم، من "ده" بمعى ضيعة و "خان" بمعنى رئيس قبيلة، و ذلك في الفارسية القديمة. وقد وردت اللفظة في بيت شعر للأعشى وتجمع على "دهاقين". وأما "كسرى"، فملك من ملوك الفرس، وهو "خسرو" Khosrow في الفارسية. ولكن الجاهليين جعلوا اللفظة لقبا لملوك إيران، يقابل "شاه" أي الملك، وصارت عندهم مثل: "قيصر" للروم، وتبع لليمن، والنجاشي للحبشة. واما "المرزبان"، فالرئيس من الفرس، وتفسيرها "حافظ الحد" في مقابل حاكم ووالي ولاية، وتجمع على "المرازبة".

(1/5330)

وأما لفظة "الهربذة" وتجمع على "الهرابذة"، فخادم النار عند المجوس. وقيل: رئيس خدام النار الذين يصلون بالمجوس، وقد تكلمت بها العرب قديما. وقد وردت هذه اللفظة فى بيت شعر لامرىء القيس. وأما "موبذ" و "موبذان" فحاكم المجوس، بمثابة القاضي عند المسلمين، من "موبد" وهو الكاهن ورجل دين عند المجوس.
اما اسماء النقود، فإنـها معربات يرجع أصلها إلى الفارسية أو اليونانية أو اللاتينية. فقد كان الجاهليون يتعاملون مع الفرس والأرضين الخاضعة للانبراطورية الرومية، ولهذا تعاملوا بنقود هاتين الانبراطوريتين. وهي نقود.ضرورية من المعادن. وتعاملوا بها في بلادهم ايضئاكما نتعامل نحن بالنقود الأجنبية، ف "النمي" مثلا، هي فلوس رصاص كانت تتخذ ايام ملك بني المنذر، يتعاملون بها في الحيرة، هي من أصل رومي، أي يوناني، هو noummiyon. وقد وردت في بيت للنابغة: وقارفت وهي لم تجرب وباع لها من الفصافص بالنمي " سفسير
وقد نسب هذا البيت لأوس بن حجر أيضا.
فيظهر من ذلك إن "بني المنذر" كانوا قد أخذوا اللفظة من اليونانية، أي من نقود نحاس ضربها الروم، فضربوها هم في الحيرة، وتعامل بها الناس.وأما "الدينار"، وهو نقد كان معروفا متداولا بين الجاهليين، مستعملا في أسواق مكة وبقية مواضع الحجاز وجزيرة العرب عند ظهور الإسلام. وقد ذكر في القرآن الكريم فإنـه نقد روماني يساوي عشرة دراهم، ويعرف ب denarius في الاتينية.
وأما "الدرهم" فاسم نفد يوناني، يسمى دراخمي نdhrakhmiفي اليونانية، وقد شاع استعماله إذ ذاك.
وقد وردت التسمية في بيت شعر هو: وفي كل أسواق العراق إتاوة وفي كل ما يباع امرؤ مكس درهم
ويفيد هذا البيت أن الحكومة كانت تاخذ إتاوة من الأسواق من التجار والباعة، وأن ما يباع يدقع عنـه مكس، قدره درهم.
ولفظة "مكس"، هي أيضا من الألفاظ المعربة، عربت من أصل "مكسو" Makso في لغة بني إرم.

(1/5331)

و "الدانق" نقد أخذت تسميته " من الفارسية" من "دانك". وقد بقي مستعملا في الإسلام. وقد عرف ا الخليفة. "أبو جعفر المنصور" ب "الدوانيقي" نسبة إلى هذا النقد.
وأما "الفلس" وتجمع على "فلوس"، فإنـه نقد من نحاس، وأصله في اليونانية "فولس" Follis. وقد عبر عنـه بمعنى نقود أيضا، فقيل في العامية "فلوس"، وقصد بها نقود.
ومن المعربات المستعملة في تقويم النقد وفحصه، لفظة "شقل" بمعنى الوزن، أي وزن النقد لمعرفة مقدار معدنـه المؤلف منـه. ولفظة "قسطار"،ومعناها ناقد الدراهم، أي الناقد الماهر العارف بالنقد، من أصل لاتيني هو quaestor. وتظهر هذه المعربات إن أهل الحجاز وفي والعرب الشماليين كانوا قد استعملوا النقد البيزنطي والساساني في أسواقهم وفي تجارتهم، وكانوا عالة على الأعاجم في استعمال النقد. و ذلك مما يدل على إن تعاملهم التجاري مع الانبراطوريتين كان وثيقا. وقد بقيت هذه النقود الأعجمية مستعملة في الإسلام كذلك،وبقيت أسماؤها حية حتى بعد تعريب النقد، ولا يزال اسم الدينار والدرهم والفلس إلى هذا اليو م.
أما العرب الجنوبيون، فكان لهم نقد خاص بهم. تحدثت عنـه في الجزء الثامن من كتابي: تأربخ العرب قبل الإسلام. وقد ذكرت أن بعض العلماء رجع تأريخ أقدم نقد عريي جنوبي عثرعليه سنة "405" قبل الميلاد. ويظهر أن أهل الحجاز لم يتعاملوا بـه كثيرا،بدليل عدم وجود ذكر له في المؤلفات الإسلامية، وفي الأخبار الواردة عن أيام الرسول. وقد ذكرت أن أسماء تلك النقود أسماء عربية جنوبية لا صلة لها باسماء النقود التي تحدثت عنـها، ومن تلك الأسماء: "بلط" ويجمع على "بلطات"، وهو اسم نقد من ذهب. و"خبصت" "خبصة"، نقد من نحاس، و "رضى"، قيل إنـها اسم نقد، وقيل إنـها صفة للنقد. بمعنى رضية وصحيحة غير مزيفة ولا منقوصة، لأن النقد كان على أساس الوزن والنوع في ذلك العهد. وذكرت أيضا بعض الألفاظ التي استعملوها في الصيرفة وفي نقد النقود.

(1/5332)

ومن الألفاظ اللاتينية التي دخلت إلى العربية "لبرجد"، وهو ثوب مزدان بالذهب، وثوب غليظ مخطط من أصل Paragauda. و "برذون" من أصل burdo وBurdonis، و "دينار" من أصل denarius، وهو نقد من المعدن و "سجل" وقد تحدثت عنـها و "سجلاط" من أصل "سجلاطس" Sigillatum ثياب كتان موشاة، وكأن وشيها خاتم وتزدان بصور صغيرة. و "سجنجل"، وتعتي المرآة، أو سبيكة فضة مصقولة، استعملت استعمال المرآة، من أصل Sexaangulus التي تعني "المسدس الزوايا" في اللانينية. قد وردت في بيت لامرىء القيس. و "الصراط"، بمعنى الطريق، من أصل لاتيني هو strata بمعنى طريق كبير مبلط. وقد عرف الرومان ببراعتهم في شق الطرق العسكرية لاستعمالها في التجارة وفي الأغراض العسكرية. و "الصاقور" الفاس لكسر الحجارة، من أصل لاتيني هو Securis. ويظهر أثر الأخذ من اليونانية واللاتينية والفارسية والارمية في المكاييل والموازين كذلك، و ذلك عند عرب الحجاز ونجد والعراق وبلاد الشام. أما عرب الجنوب فقد كانت لهم أسماء للمكاييل والموازين خاصة بهم، اختلفت عن الأسماء المستعملة عند العرب الشماليين المذكورين و ذلك كما نحدثت عنـها في الموضوع الخاص بالمكاييل والموازين عند الجاهليين في الجزء الثامن من كتابي: تأريخ العرب قبل الإسلام. ومن هذه المعربات "المد"، وهو نوع مكيال للحبوب، وهو من أصل لاتيتي هو Modius و "الجريب"، من أصل إرمي هو " جرييو" Gribo. و "الرطل" من أصل يوناني هو Litra، و "الأوقية" من أصل يوناني uncia ounguiya، و "مثقال" من أصل matqolo"، وهو وزن في الإرمية. و "قيراط"، وهو جزء من أربعة وعشرين من أجزاء شيء،أو حبة واحدة من اربعة وعشرين حبة.. وكانـه القدماء يزنون بالحب. واللفظة من أصل يوناني هو Keration. و "قنطار"، وهو مئة رطل، من أصل لاتيني هو Certennarium Pondus. و "الكر"، وهو ستة أوقار حمار، وهو مكيال لأهل العراق، وقد ورد ذكره في الحديث، هو". كرو" Kouro

(1/5333)

في لغة بني إرم. وغير ذلك من أسماء ذكرتها في الجزء الثامن من هذاالكتاب. ولا حاجة بنا إلى اعادة ذكرها.
وأخذت العربية من اللغة "السنسكريتية" بعض الألفاظ الخاصة بالمحاصيل لخاصة بالهند، مثل الفلفل وبعض الأسماء المتعلقة بالتوابل والعقاقير والأطياب والجواهر وقد أشار علماء اللغة إلى ألفاظ شائعة على الألسنة، لكنـها أعجمية الأصل تاتي في نوع المعرب. ذكر "الثعالبي" أمثلة منـها في كتابه "فقه اللغة"، وقال " عنـها انـها: "أسماء فارسيتها منسية وعربيتها محكية مستعملة، هي: الكف.
الساق، الفرش، البز"از، الوزان، الكيال، المساح، البياع، الدلاءل، الصر"ا ف، البقا ل، الجمال، الحمأ ل، القصاب، البيطار، الرائض، الطر"از، الخراط، الخياط، القز از، الأمير، ا الخليفة، الوزير، الحا جب، القاضي، صاحب البريد، صاحب الخبر، السقاء، الساقي، ال، الدخل، الخرج، الحلال، الحرام" إلى غير ذلك من ألفاظ تجدها في كتابه وفي كتب اللغة التي نقلت منـه.
وفي بعض الذي ذكره، ما هو فارسي حقا، أو من مصدر أعجمي آخر، لم يعرفه "الئعالبي"، لأنـه لم يعرف من اللغات الأعجمية غير الفارسيه، فنسب أصل تلك الألفاظ إليها، ولكن البعض الباقي هو عربي، ما في أصله العربي من شك، ولا يمكن أن يكون من المعربات.

(1/5334)

ونجد في المعاجم وفي كتب اللغة كلاما عن هذه المعربات، فقي كتاب "المزهر" وكتب اللغة المعتبرة صفحات نص فيها على الألفاظ المعربة من مختلف اللغات. فلا أرى بي حاجة هنا إلى ذكر تفاصيل اخرى عن الألفاظ المعربة بتفصيل كل ما نص عليه العلماء من المعربات. ولكتي أود أن أيين إن علماء اللغة لم يكونوا على علم باللغات الأعجمية، ونلك لم يتمكنوا من رجع المعربات إلى أصولها الحقيقية، فأخطأوا في ذكر الأصول. ونظرا إلى إن فيهم من كان يتقن الفارسية فقد رجع أصول كثير من الألفاظ إلى أصل فارسي، لأنـه وجد أن الفرس نطقوا بها، ولم يعلموا انـهم أخذوها هم بدورهم من غيرهم، فصارت من لغة الفرس، أو انـهم وجدوا بعض الألفاظ قريبة من أوزان الفارسية للكلمات، فظنوا انـها فارسية، مع انـها من أصل آخر. وفعل بعض منـهم ذلك عصبية منـهم إلى الفارسية لأنـهم من أصل فارسي، فتمحلوا لذلك تكثيرا لسواد المعربات من لغة الفرس وتعصبا لهم.
وفي شعر الأعشى معربات عديدة مقتبسة من الفارسية، قد يكون أخذها من عرب الحيرة وبقية عرب العراق، وقد يكون اخذها من الفرس مباشرة لاتصاله واختلاطه بهم في العراق. واقتبسها إما ليحكي عما شاهده ورآه في العراق،فاستعمل الألفاظ الفارسية الشائعة هناك، وإما أن يكون قد تعمد إدا في شعره ليري الناس أنـه حاذق بثقافة الفرس واقف على حضارتهم ولغتهم، كالذي بفعله بعض من يدرس في بلاد الغرب من استعماله ألفاظا أعجمية في لغته ليلمح للناس بانـه قد تثقف بثقافة الأجانب، وتلك في نظره مبزة يفتخر بها على الناس.

(1/5335)

وقد زعم أن الأعشى رحل إلى بلاد بعيدة، فبلغ عمان وحمص وأورشليم وزار الحبشة وأرض النبط وأرض العجم، وقد ذكز ذلك في بيتين من الشعر. والى زيارته هذه للعراق ولأرض العجم ينسب أهل الأخبار ورود الألفاظ الفارسية في شعره. وفي بعض المعجمات وكتب اللغة مثل لسان العرب والمعرب للجواليقي، أبيات للاعشى يرد فيها وصف لأحوإل الفرس وعرب العراق، وقد استعمل فيها ألفاظا فارسية لها مناسبة وصلة بذلك الوصف. منـها ما يتعلق بالملابس، ومنـها مايتعلق بالأشربة والخمور والأفراح، ومنـها ما يتعلق بالمناسبات مثل الغناء والأعياد. وشاعر آخر نجد في شعره معربات فارسية، هو "عدي بن زيد العبادي". وهو من أهل الحيرة، المقربين إلى ملوكها والى الفرس، الحاذقين بالعربية وبلغة الفرس. وقد كان كاتبا باللغتين، كما كان أبوه بليغا باللسانين، وتولى رئاسة ديوان العرب عند الأكاسرة. وهو نصراني، ولهذا استعمل في شعره ألفاظا نصرانية اقتبست من السريانية، وأشار بحكم نصرانيته إلى عادات نصرانية، كما كان حضريا مترفا غنيا أدخل إلى بيته وسائل الترف والراحة المعروفة في ذلك اليوم، ولهذا فإن لجمع شعره جمعا تاما ونقده وتحليله واستخراج صحيحه من منحوله أهمية كبيرة في اعطاء رأي عن الحياة الفكربة والثقافية لعرب العراق قبيل ا لاسلام.
وبعد، فإن اللغة التي بحثت عن وجود المعربات فيها، هي اللغة العربية التي نزل القرآن بها. أما اللهجات والألسنة العربية الجنوبية، فإن أثر هذه المعربات فيها كان قليلا، ونجد في كتاباتها ألفاظا عربية جنوبية، مكان تلك المعربات. ومعنى هذا بعد نلك اللهجات عن المؤثرات الأعجمية الشمالية. وسبب ذلك رقي المتكلمين بها، وتقدمـهم في الحضارة بالقياس إلى بقية سكان جزيرة العرب والى ابتكارهم أنفسهم لكثير من الأشياء، فكان من الطبيعي إن تكون أسماؤها بلغة الصانعين لها.

(1/5336)

ولدي ملاحظة، هي إن وجود المعربات في العربية الحجازية، يدل دلالة صريحه واضحة، على إن المتكلمين بها كانوا قد تأثروا بالحضارات الشمالية أكثر من تاثرهم باخوانـهم العرب الجنوبيين، وان اتصالهم الفكري كان بالشمال أكثر منـه بالجنوب، ولا يقتر هذا التأثر على المعربات فقط،بل يشمل كل المؤثرات الثقافية الأخرى، كالذي رأيناه في مواضع متعددة من الأجزاه المتقدمة من هذا الكتاب. فكأننا أمام ثقافتين مختلفتين وشعبين متباينين،بالرغم من اتصال حدود الحجاز باليمن، وقرب المسافة بينـهما، حتى اللغة نجد بونا شاسعا بينـها وبين اللغات العربية الجنوبية، وهذا ما حمل بعض العلماء على القول: ما لغة حمير بلغتنا،ولا لسانـهم بلساننا، ففرق بين اللسانين.
أما "أمية بن أبي الصات" فقد وردت في شعره معربات من أصل سرياني في الغالب، يظهر أنـه أخذها من المنابع النصرانية التي قيل إنـه وقف عليها. فقد ذكر أنـه كان قد قرأ كتب أهل الكتاب، ووقف على أخبارهم وعقائدهم، وإن اتصاله بهم أثر في رأيه الذي كونـه لنفسه في الأديان. وأرى أن من اللازم توجيه العناية لدراسة ما تبقى من شعره للوقوف على أصوله، وعلى درجة تأثره بالتيارات الفكرية والآراء الدينية لأهل الكتاب، وعلى الألفاظ المعربة عن السريانية أو غيرها التي ترد في شعر هذا الشاعر، و ذلك بعد التأكد من صحة الشعر. ومن المعربات الواردة في شعر "أمية" لفظة "تلاميذ" جمع تلميذ، و ذلك في هذا الشعر المنسوب إليه: والأرض معقلنا وكانت أمنا فيها مقامتنا وفيها نولد
وكا تلاميذعلى قذفاتها حبسوا قياما فالفرائص ترعد
وفي هذا الشعر: صاغ السماء فلم يخفض مواضعها لم ينتقص علمـه جهل ولاهرم
لا كشفت مرة عتا ولا بليت فيها تلاميذ في أقفائهم دغم

(1/5337)

 




[الموسوعة الشاملة - المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام نبات ونعناع]

نویسنده و منبع | تاریخ انتشار: Wed, 18 Jul 2018 18:20:00 +0000



لات واوان

الموسوعة الشاملة - شرح ديوان المتنبي

الموسوعة الشاملة - شرح ديوان المتنبي

الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : لات واوان شرح ديوان المتنبي
    المؤلف : الواحدي
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

يقول وأرى رب مال وليست له مروة ولم يستكثر منـها كما استكثر من المال حتى اثرى بعد الفقر أي لم يكثر المروة عند كثرة المال وقوله اثرى من العدم هو كما يقال استغنى من الفقر والمروة اصلها الهمز يقال امرءٌ بين المروءة ثم تخفف الهمزة فتلتقي وأوان فتدغم الأولى في الثانية وهذا منقول من قول الطاءي، لات واوان لا يحسبُ الإقلال عدماً بل يرى، أن المقلَّ من المروةِ معدمُ،
سيصحب النصل مني مثل مضربهِ ... لات واوان وينجلي خبري عن صمةِ الصممِ
الصمة الشجاع يقول السيف يصحب مني رجلاً كحده في المضاء ويتبين للناس أني اشجع الشجعان يعني إذا قصد الحرب مضى مضاء السيف وعمل عمل الاشجع والانجلاء الانكشاف
لقد تصبرت حتى لات مصطبرٍ ... لات واوان فالآن أقحم حتى لات مقتحمِ
التاء في لات زائدة ومن الحروف ما يزاد فيه هاء التأنيث نحو ثم وثمت ورب وربت والجر بـه قليل شاذ وقال ابن جنىّ من العرب من يجر بلات وانشد، طلبوا صلحنا ولات أوانٍ، فأجبنا أن ليس حين بقاءِ، والمصطبر بمعنى الإصطبار وكذلك المقتحم بمعنى الاقتحام وهو ال في الشيء ويجوز أن يكونا بمعنى الوقت وبمعنى المكان يقول تكلفت الصبر حتى لم يبق اصطبار فالآن أي أورد نفسي المـهالك واوقعها في الحرب حتى ادرك مرادي فلا يبقى اقتحام
لأتركنَّ وجوه الخيل ساهمةً ... والحربُ أقومُ من ساقٍ على قدمِ
ساهمة متغيرة لما يلحقها من شدائد الحرب يقال سهم وسهم وجهه يسهم ويسهم إذا تغير سهوما يقول لأكلفن الخيل من الحرب ما تسهم له ألوانـها ولأتركن الحرب قائمةً كانتصاب الساق على القدم
والطعن يحرقها والزجرُ يقلقها ... حتى كأن بها ضرباً من اللمم
أي يعمل فيها الطعن عمل النار حتى كأنـه يحرقها ويروي يخرقها والزجر الصياح بها عند اقتحامـها في الحرب أو في الماء كأنـه بذلك الصياح يزجها عن التأخر ويقلقها يحركها واللمم شبه الجنون يريد أنـها تضطرب لما يلحقها من ألم الطعن وخوف الزجر فكأنـها مجنونة إلا لا تستقر ولا تثبت
قد كلمتها العوالي فهي كالحةٌ ... كأنـها الصابُ معصوبٌ على اللجم
التكليم تفعيل من الكلم الذي هو الجرح يقول هي عابسةٌ لما اصابها من جراح الرماح وكان الصاب وهو نبت مر يقال له الصبر قد شد على لجمـها فهي تجد مرارته ويروى معصور من العصر
بكل منصلتٍ ما زال منتظري ... حتى أدلتُ له من دولةِ الخدمِ
يقول لأنكرن الحرب قائمةً بكل رجلٍ ماضٍ في الأمر انتظر خروجي على السلطان حتى أعطيته الدولة من الخدم الذين لا يستحقون الإمارة وعني بها الأنراك الذين تملكوا بالعراق ويقال ادلت له من فلان إذا أعنته عليه حتى جعلت له الدولة
شيخٍ يرى الصلوات الخمس نافلةً ... ويستحلُّ دم الحجاجِ في الحرمِ
شيخ بدل من منصلت يريد أنـه يستعين بمثل هذا ممن لا يعتقد الدين حتى يزيل دولة الخدم
وكلما نطحت تحت العجاج بـه ... أسد الكتائب رامته ولم يرمِ
رامته زالت عنـه ولم يزل هو عنـها واراد رامت عنـه فحذف حرف الجر وأوصل الفعل والأصل استعماله بحرف الجر كما قال الأعشى، أبنا فلا رمتَ من عندنا، فإنا بخيرٍ إذا لم ترمْ، والمعنى أن الأبطال تنـهزم عنـه ولا تنـهزم هو والنطح إنما هو للكباش ولا يستعمل في الأسود ولو قال كلما صدمت أو رميت كان اليق ولكنـه أراد بالنطح القتال
تنسى البلاد بروق البحو بارقتي ... وتكتفي بالدمِ البحاري عن الديمِ
يقول إذا أبرقت سيفي لأعداءي في الحرب فإن ضوءه يزيد على ضوء بروق السحاب حتى ينسى الناس البروق ويكثر مع ذلك سيلان الدم حتى تستغني البلاد عن الديم وهي الأمطار بما اصابه من الدماء
ردي حياض الردى يا نفسُ واتركي ... حياض خوفِ الردى للشآء والنعمِ
وكان ينشده أيضا حوباءُ أي يا حوباءُ وهي النفس يقول ردى المـهالك والحروب واتركي خوف ورود الهلاك للانعام من الإبل والغنم أي إنـها هي التي لا تقاتل عن نفسها ولا تحامي عنـها عن الذل ويذكر النعم والمراد بـه الإبل خاصةً
إن لم أذركِ على الأرماح سائلةً ... فلا دعيتُ ابن أم المجد والكرمِ
يقول لنفسه أن لم اذكر سائلة الدم على الأرماح يعني أن لم احضر الحرب حتى يسيل الدم مني على الأرماح فلا ديعت أخا المجد والكرم

(1/30)

 




[الموسوعة الشاملة - شرح ديوان المتنبي لات واوان]

نویسنده و منبع | تاریخ انتشار: Mon, 23 Jul 2018 05:35:00 +0000



عبدل باسط

الموسوعة الشاملة - شرح ديوان الحماسة

الموسوعة الشاملة - شرح ديوان الحماسة

صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

 


الكتاب : عبدل باسط شرح ديوان الحماسة
المؤلف : المرزوقي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وقوله (ألم تر) تقرير لمن تصوره مخاطبا فيقول: أما علمت أنا لأهل قو بمنزلة النور للأبصار، عبدل باسط فهم بنا يهتدون، وبمعالنا يقتدون، ولمراسمنا يقتفرون، وبسنا رأينا يستضيئون، ولولا ذلك لكانوا يتوقفون في مراشدهم فلا يقضون، ويتحيرون في آرائهم فلا يمضون، كما أن الناس لولا ما يمد بـه النور أبصارهم في رواكد الظلم حتى يتبينوا المرئيات، ويتميزوا أشباح المدركات على حقائقها، لوقفوا حيارى لا يتقدمون ولا يتأخرون.
ومفعول (يبين) محذوف، والضمير من نورها يعود إلى الظلماء لما كان يتعقبها. عبدل باسط وهم يضيفون الشيء إلى الشيء لأدنى تناسب بينـهما.
وقال معن بن أوس
لعمرك ما أدرى وإني لأوجل ... عبدل باسط على أينا تعدو المنية أول
لعمرك مبتدأ، وخبره مضمر، وفيه معنى القسم، وقد تقصى القول فيه. وقوله (إني لأوجل) مما جاء فيه أفعل ولا فعلاء له، كأنـهم استغنوا عن وجلاء بوجلة. ويقال: وجلت أوجل وآجل وجلا، وهو وجل وأوجل. وقلبي من كذا أوجل وأوجر، بمعنى. ويروى: (تعدو المنية) و (تغدو) ومعناهما ظاهر. وأول، بني على الضم، كما فعل ذلك بقبل وبعد، وذاك انـه لما كان أصله أفعل الذي يتم بمن، وأضيف من بعد، وجعل الإضافة فيه بدلا من من، والمضاف إليه من تمامـه ثم حذف المضاف إليه ليعلم المخاطب به، وجعل في نفسه غاية، وكان معرفة كما كان قبل وبعد كذلك وجب أن يبنى كما بنيا. وموضعه نصب على الظرف. ومعنى البيت: وبقائك ما أعلم أينا يكون المقدم في عدو الموت عليه، وانتهاء الأجل إليه، وإني لخائف مترقب. فموضع (على أينا) نصب لأنـه مفعول ما أدرى، والذي لا يدريه هو مقتضى هذا السؤال. وقوله (إني لأوجل) اعتراض.
وأني أخوك الدائم العهد لم أحل ... إن ابزاك خصم أو نبا بك منزل
أحارب من حاربت من ذي عدواة ... وأحبس مالي إن غرمت فأعقل
يقول: إني وديدك الذي يدوم عهده، ويتصل على تقلب الأحوال وتبدل الأبدال، ولا يحول إن تطاول عليك الخصم، أو بطش بك عدو، أو ضاق عنك منزل، فاحتجت إلى التحول عنـه والاستبدال به. وقال الخليل: يقال أبزيت بفلان، إذا بطش بـه وقهرته. وحكى الدريدي: بزاه يبزوه بزوا، إذا قهره. وأنشد:
جارى ومولاي لا يبزي حريمـهما ... وصاحبي من دواء السر مصطحب
ويبزى يكون مستقبل بزى وأبزى جميعا. والله أعلم. ويجوز أن يكون أبزى منقولا بالألف عن بزى يبزى بزى فهو أبزى، وامرأة بزواء؛ وهو الظهر وخروج البطن. ويكون المعنى: إن خفض منك خصم، أو طأطأ من إشرافك عدو، وحملك من الثقل ما يبزى له ظهرك، فلا تطيق الثبات تحته، والنـهوض به.
وقوله (أحارب من حاربت) هو تفسير دوام عهده وثبات وده. والمعنى تجدني ذابا نك واقعا معك، أرصد الشر لأعدائك، وأعهم دونك، وإن أصابك غرم حبست مالي عليك، واحتملت فيه الثقل عنك. وكان الواجب أن يقول: فأعقل عنك، لأنـه يقال عقلته إذا أعطيت دبته، وعقلت عنـه إذا غرمت ما لزمـه في ديته. وقال الخليل: الغرم لزوم نائبة في مال من غير جناية. والمال إذا أطلق يراد بـه الأبل. ويجوز أن يكون معنى فأعقل: أشدها بعقلها بفنائك، لندفعا في غرامتك.
كأنك تشفى منك داء مساءتي ... وسخطى وما في ريثي ما تعجل
قوله (مساءتي) يريد مساءتك إلى، وكذلك (سخطى) يريد سخطك علي، فأضافهما إلى المفعول. ويقال: مساءة ومسائية. والسخط والسخط لغتان، ومثله السقم والسقم، والعدم العدم، وهو نقيض الرضا. ويقال: سخطته وتسخطته، إذا لم ترض به، وإن كان في التفعل فضل تكلف. ومعنى البيت أنك تستمر في إساءتك إلى وسخطك علي، حتى كأن بك داء ذاك شفاؤه، وما تطلبه من عجلتي لا تجده في بطئي، أي ما تقدره يتعجل لك من المكاشفة بيني وبينك، واستثارة الحقد الكامن فيك، لا يحصل لك مني متباطئا أيضا. والمعنى أني أصابرك وأتركك على مداجاتك.
وإن سؤنني يوما صفحت إلى غد ... ليعقب يوما منك آخر مقبل
ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني ... يمينك فانظر أي كف تبدل

(1/346)

قوله (وإن سؤنني يوما) يقال: سوؤت فلانا، وسؤت له وجهه مساءة ومسائية. والمعنى: أني لا أؤاخذك بما يظهر من مساءتك، بل أقابله بصفح جميل عنك، انتظارا لفيئة تظهر منك في مقتبل أمرك، ومراجعة تعفى على قبيحك، فإن لم يتفق منك عقبى حسنة تنسى زلاتك، بل تتابع بين مسببات القطيعة وموجباتها بما تظهره من الجفاء والعقوق فيما يجمعني وإياك، فإنك تقطع أخا هو في مظاهرتك، وانطواؤ على مساعدتك، وال تحت طاعتكفي كل ما يعن ويعرض لك، بمنزلة يدك اليمنى، فانظر من بعد من تعتاض منـه، وعلى من تعول إذا صارمته. وانتصب (أي كف) ب (تبدل). وقوله (ليعقب يوما منك آخر) يجوز أن يكون من قولهم أعقب هذا ذاك، أي صار مكانـه، ويكون المعنى: ليصير مكان يوم من أيامك مذموم يوم آخر منـها مقبل محمود. وهذا حسن. ويجوز أن يكون أعقب غير متعد، بيعقب، ويكون قوله يوما منك ظرفا. والمعنى: ليصير ما يقبل من أمرك يوما ذا عاقبة محمودة. ويجوز أن يكون من أعقب فلان عزا، أي أبدل، ويكون المعنى: ليعقبنا يوما منك محمودا أمر آخر مؤتنف. ورأيت من يرويه: (ليعقب يوما منك آخر) بفتح الياء، ويكون من قولهم عقب فلان فلانا إذا خلفه، وهما عقيبان، وقد اعتقبا ةتعاقبا. ويكون المعنى: ليخلف يوما منك يوم آخر مقبل.
وفي الناس إن رئت حبالك واصل ... وفي الأرض عد دار القلى متحول
إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على شرف الهجران إن كان يعقل
ويركب حد السيف من أن تضيمـه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف مزحل
قوله (وفي الناس إن رثت حبالك واصل) إظهار للزهد في وداده إذالم يستقم معه. ويقال: رث الثوب يرث رثوثا ورثاثة. وقال أبو زيد وأبو عبيدة: رث المتاع وأرث جميعا. وأنشد لعدي:
أرث جديد الوصل من أم معبد
وفي طريقة ما قاله لبيد:
واحب المجامل بالجزيل وصرمـه ... باق إذا ضلعت وزاغ قوامـها
وقول أوس:
وإن قال لي ماذا ترى يستشيرني ... يجدنب ابن عم مخلط الأمر مزيلا
فيقول: إذا رغبت عن مواصلتي، وتقطعت حبال الود بيني وبينك ففي الناس واصل غيرك، وإذا نبا بي جوارك، وضاق عني أرضك وديارك ففي جوانب الأرض سعة ومزحل عنك، سيما والتحول عن دار البغض والنبو لى عادة أعتادها، وسنة أسيرها ولا أعدل عنـها، وأعلم أنك إذا لم تعط أخاك النصفة ولم توفر حقوقه متوخيا المعدلة، ولم يوجب بـه عليك مثل ما توجبه لنفسك عليه، ألفيته هاجرا لك، مشارفا قطيعتك، مستبدلا بك وبمؤاخاتك إن كانت بـه مسكة، أو يمتلكه عقل ومعرفة، ثم لا يبالي أن يركب من الأمور ما يقطعه تقطيع حد السيف ويؤثر تأثيره فيه، مخافة أن يدخل عليه ضيم، أو يلحقه عار واهتضام، متى لم يجد عن ركوبه مبعدا ومعدلا. وكما قال هذا (دار القلى) قال غيره:
دار الهوان لمن رآها داره
وقوله (من أن تضيمـه) معناه بدلا من أن تضيمـه. ويجوز أن يريد بركوب السيف على الحرب والموت. وشفرة السيف: حده. والشفير: حرف كل شيء، منـه.
وكنت إذا ما صاحب رام ظنتي ... وبدل سوءا بالذي كنت أفعل
قلبت له ظهر المجن فلم أدم ... على ذاك إلا ريث ما أمحول
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد ... إليه بوجه آخر الدهر تقبل
يقول واذا رأيت صاحبي يتجنى علي ويتجرم، ويتطلب على ما ينتج ظنـه ويولد تهممة، وطفق يفبح آثاري، ويبدل حسناتي، اتخذته عدوا، وقلبت له ظهر الترس متقيا منـه، ومدفعا له، ولم أدم على تلك الحال المتقدمة معه إلا قدر ما أتحول، وبطء ما أتثقل. فقوله(رام ظنتي) أي رام ارتفاع التهنة علي. وقوله(بالذي كنت أفعل) أي أفعله، فحذف الضمير استطالة لصلة الذي.
وقوله(إذا انصرفت نفسي) يريد أني أمد نفسي التصبر ما أمكن، فاذا أعجزتني الحال العارضة عن الاحتمال انصرفت مالكا عناني، ثم لايثنيني على ما أعرضت (عنـه) شيء أبد الدهر. (وقوله بوجه) الباء تعلق بقوله تقبل أي لم تكد تقبل إليه بوجه من الوجوه، وعلى لون من الالوان.
وقال عمرو بن قمية
يالهف نفسي على الشباب ولم ... أفقد بـه إذ فقدته أمما
إذ أسحب الريط والمروط إلى ... أدنى تجاري وأنفض اللمما

(1/347)

لاتغبط المرء أن يقال له ... أضحى فلان لعمره حكما
إن سره طول عيشـه فلقد ... أضحى على الوجه طول ما سلما
يتحسر على ما فاته من الشباب وحسن أيامـه، ونضارة العيش به، فقال: يا حسرة نفسي على مقتضى الشباب ومتوليه، فإن ما فاتني منـه لم أفارق بـه أمرا قريبا، وشيئا هينا، لكني فقدت بـه صحة بدني، وروعة وجهي، وطيب عيشي، وقوة روحي، حين كنت أجر ريطتي (وهو الإزار الذي ليس بملفق) ومروطي (وهو جمع مرط، وهو ملحفة يؤتزر بها) إلى أقرب الخمارين إلى وأنفض شعر رأسي إعجابا به، واستحسانا له، وطربا يداخلني في جميع أسبابي معه. ثم قال مزريا بالشيب وبما يكتسبه المرء اذا علاه، من إكبار الناس له، وتقديمـهم في المجالس إياه، ومن الرجوع إلى قوله، واستشارتهم فيما يعز من الخطوب رأيه، فقال: لاتغبطن الرجل ولا ترمقن ولاتجعلن محسدا اذا قيل فيه: صار فلان حكما في عشيرته لكثرة تجاربه، وامتداد عمره، ودوام مزاولته للأمور، واتصال لقائه للناس وممارسته لهم وفيهم ، لأنـه إن سره امتداد عمره، وتنفس عيشـه فلقد ظهر في نفسه من ضعف وانحناء، وعلى وجهه من ذبول وسهوم إلى غيرها مما يدل على طول سلامته التي هي الداء الذي لادواء له. ومثل هذا قول الشاعر:
وحسبك داء أن تصح وتسلما
وقول الآخر:
فدعوت ربي بالسلامة جاهدا ... ليصحني فإذا السلامة داء
وقوله (أن يقال له) أراد لايغبط لأن يقال له، ومن أجل أن يقال له. وقوله (أدنى تجاري) إظهار لغلوه في سباء الخمر وسرفه، ثم تبجح بإضافتهم إلى نفسه.
وقال إياس بن القائف
يقيم الرجال الأغنياء بأرضهم ... وترمي النوى بالمفترين المراميا
يفضل الغنى على الفقر و يبعثه على طلبه وارتياده. فقال: ترى الموسرين يتودعون، وتطول إقامتهم في دورهم وأرضهم يمتعون، والفقراء تراهم ترتمي بهم البلدان النائية، وتقذف النوى بهم المقاذف البعيدة، والمـهالك المستصعبة، فلا يهدؤون ولا يقرون. والنوى: وجهة القوم التي ينوونـها. و المرامي: جمع مرمى، وهو المكان لاغير هنا، لأنـه قابل الأغنياء بالمقترين، وأرض الأغنياء بمرامى الفقراء، لأنـهم لاتذوبهم دار أبدا، فمجال تسيارهم لكسبهم وتصرفهم كدور أولئك لهم. ومفعل يكون اسما للحدث، وزمانـه، ومكانـه.
فأكرم أخاك الدهر ما دمتما معا ... كفى بالممات فرقة وتنائيا
إذا زرت أرضا بعد طول اجتنابها ... فقدت صديقي والبلاد كما هيا
يقول: أحسن صحبة أخيك وصاحبك. وتناوله بالإكرام طول الدهر ومدة العمر، فإن المنايا كفتك مفرقة ومبعدة. وقوله(الدهر) انتصب على الظرف، وما دمتما انتصب على أنـه بدل من الدهر. وانتصب (معا) على أنـه خبر ما دمتما. ومعنى ما دمتما معا: مدة بقائكما ودوامكما مجتمعين. وقوله (كفى بالمنايا) موضع بالمنايا رفع على أنـه فاعل كفى. وانتصب (فرقة) على التمييز، أو يكون في موضع الحال، كأنـه قال: كفى بفرقة المنايا فرقة. و التقدير: كفى فرقة بالمنايا من فرقة، أو كفى المنايا مفرقة ومتنائية.
وقوله(إذا زرت أرضا بعد طول اجتنابها) هذا الكلام توجع وتشك من نوائب الدهر. يقول: أرى الإخوان تخترمـهم المنايا فهم يتفاقدون، وبلادهم وأروضهم على ما كانت عليه، فمتى زرت مكانا بعد طول العهد بـه وجدت أصدقائي مفقودين، وأماكنـهم كما كانت. وقد تقدم القول في إعراب (كما هيا) وقول صديقي يراد بـه الكثرة لا الواحد.
وقال ربيعة بن مقروم
وكم من حامل لي ضب ضغن ... بعيد قلبه حلو اللسان
ولو أني أشاء نقمت منـه ... بشغب أو لسان تيحان
كم لفظة وضعت للتكثير، كما أن رب وضع للتقليل، إلا أنـه اسم ورب حرف وله موضعان: الاستفهام، والخبر، وهو من باب الخبر هنا. والضب: الحقد.قال:
فما زالت رقاك تسل ضغني ... وتخرج من مكامنـها ضبابي

(1/348)

وأضافه إلى الضغن لأن الضغن العسر، فكأنـه حقد عسر ولجاج.فيقول: كثير من الرجال يحملون لي الضغائن، ويسرون لي البغضاء، وقد حلا منطقهم لي جريا على سنتهم في المداجاة، وبعد قلبهم مني استمرارا في طريق الشنآن لي والمعاداة، ولو شئت لانتقمت منـه بالفعل أو بالقول، فإني لساني عريض ويدي عالية، يتأتى له مكافأة كل الناس على مقدار فعله، ونقمت منـه بمعنى انتقمت. ونقم ونقم لغتان. و التيحان لا يكسر ياؤه، وقد مضى القول فيه.
ولكني وصلت الحبل منى ... مواصلة بحبل أبى بيان
وضمرة إن ضمرة خير جار ... علقت له بأسباب متان
هجان الحي كالذهب المصفى ... صبيحة ديمة يجنيه جان
قوله (ولكني وصلت الحبل منى) يقول: أبقيت على من يعاديني ولم أعجل مؤاخذته بإساءته وإصراره. وتماديه فيما أكرهه و لجاجه، لأني قد واصلت أبا بيان وعلقت حبلي بحبله؛ وكذلك احتشمت ضمرة لأنـه خير جار، وقد استحكمت بيني وبينـه أواصر حفظها عن القطيعة واجب، ولأن العصم المتينة التي تجمعنا تلزمني الوقوف فيما يكرهانـه، وترك ما لا يؤمنني استيحاشـهما، وهما مع ذلك كرام الحي لا غائلة لهما، ولاشبهة في مصافاتهما وحسن عقيدتهما، فما ودهما إلا كإبريز الذهب، المصفى، وما يظهر من معادن الذهب صبيحة مطرة تكشف عن عروق الذهب، فيجتنيه المجتنون، أي يلتقطه الملتقون. وهذا الذي وصفه يقال إنـها تكثر في نواحي اليمن و اليمامة، وتسمى تلك المعادن معادن اللقط، فإذا مطرت وانكشفت الهبوات والغبار عن وجوه حجارتها يظهر من عروق الذهب في صفائحها مثل ماوصفه أو أحسن.
وقوله (هجان الحي) ارتفع على أنـه خبر مبتدأ محذوف، كأنـه قال: هم هجان الحي. وهجان جمع، وواحده هجان أيضا، لأن فعيلا وفعالا يشتركان في الجمع كثيرا؛ فهجان جاء من هجان واحدا كظراف من ظريف. وقوله (كالذهب) في موضع الحال، وكذلك قوله(يجنيه جان) حال من الذهب المصفى. وقوله (مواصلة) يجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال، أي مواصلا، ويجوز أن يكون موضوعا موضع صلة فيكون مصدرا من غير لفظه، مثل قوله تعالى:(والله أنبتكم من الأرض نباتا): وقوله (يجنيه جان) وضعه موضع يلقطه.
؟؟وقال سلم بن ربيعة
إن شواء ونشوة ... وخبب البازل الأمون
يجشمـها المرء في الهوى ... مسافة الغائط البطين
والبيض يرفلن كالدمى ... في الريط والمذهب المصون
والكثر والخفض آمنا ... وشرع المزهر الحنون
من لذة العيش والفتى ... للدهر والدهر ذو فنون
واليسر كالعسروالغنى ... كالعدم والحي للمنون
هذه المقطوعة خارجة عن البحور التي وضعها الخليل بن أحمد، وأقرب ما يقال فيها أنـها تجيء على السادس من البسيط، وليس هذا موضعا لبسط الكلام فيه.
والنشوة :الخمر والسكر. والخبب والخبب: ضرب من السير. والبازل: التي قد استكمل لها تسع سنين فتناهى قوتها. والأمون: الموثقة الخلق. وخبر إن في قوله (من لذة العيش).
وقوله(يجشمـها المرء) من صفة البازل والمعنى يكلفها صاحبها قطع المسافة البعيدة فيما يهواه. والمسافة مأخوذة من السوف، وهو الشم. وكان الدليل إذا اشتبه عليه الطريق يفعل ذلك. والغائط: المطمئن من الأرض. والبطين: الواسع الغامض.

(1/349)

وقوله(و البيض يرفلن كالدمى) يعنى بـه النساء. ويرفلن: يتبخترن في الريط، وهي الملاءة الواسعة. والمذهب المصون؛ يراد بـه الثياب الفاخرة المطرزة بالذهب. وتعلق في من قوله(في الريط) بيرفلن، وكا الدمى في موضع الحال. و المعنى: والنساء البيض يتبخترن في المصونات من الثياب الكريمات وهن مشبهات للصور.والكثر انعطف على البيض، كما أن البيض انعطف على (وخبب البازل الأمون). و المراد بالكثرة كثرة المال ومساعدة الحال، وضده القل. وقال الخليل: كثر الشيء: أكثره، وكذلك قله أقله. و الخفض: التودع. وانتصب (آمنا) على الحال، وانعطف (وشرع) على الخفض. فيقول: إن لذات الدنيا من مأكول و وملبوس، ومركوب وقد استعمله صاحبه فيما يهواه، وكلفه قطع المسافات فيما تدعوه إليه نفسه، والنساء البيض بالصفة التي ذكرها، والغنى والراحة في الأمن والملاهي، جميع ذلك من لذة العيش. وقوله (وشرع المزهر) أي الأوتار، واحدها شرعة. والمزهر : العود. والحنون: يريد بـه الصبت من الحنين، فكأنـه أشار إلى المزهر منقورا ينقره الملهى. فانظر فإنـه جمع كل ما يلتذ بـه النفس، وجعلها تامة بما قرن بـه من حال الأمن، لأن جميع ذلك إذا عرى من الأمن لم يستعطب ولم يستمرا.
ثم قال: (والفتى للدهر والدهر ذوفنون) الواو واو الحال، وذو فنون أي ضرب. يريد: أن كل ذلك مما يتلذ العائش به، لكن الفتى مـهدف للدهر، والدهر ذو تارات: كما يهب يرتجع، وكما يسلم بعل، وكما يودع يتعب، وكما يصفى يكدر، وبعد ذلك قال:
واليسر كالعسر والغنى ... كالعدم والحي للمنون
يريد أن شيئا من هذه الأحوال لا يدوم إلا ريث ما يسلط عليه القواطع والمغيرات، فاليسار إذا حصل كالإعسار، في أن واحدا منـهما لا يبقي، وغنى النفس كفقرها، ثم انتهاء كل ذلك للحي منا إلى الموت الذي لا غاية وراءه، وليس يتخلص منـه بحيلة تنقذ، أو روية تعمل.
وقال آخر:
وأنت امرؤ إما ائتمنتك خاليا ... فخنت وإما قلت قولا بلا علم
فأنت من الأمر الذي كان بيننا ... بمنزلة بين الخيانة والإثم
يقول: أنت رجل إما وثقت بك في شيء يحتاج إلى أداء الأمانة فيه، وقد خلوت معك وأظهرت السكون إليك فخنتني، وإما أستنيم إلى ناحيتك في الخير فكذبت علي، وخبرت بما لا علم لك به، فأنت مما بيني وبينك واقف في محل بين الخيانة فيما ائتمنت فيه. والإثم فيما رجع إليك في الكشف عنـه. وقوله (ائتمنتك) هو افتعل من الأمانة، ولك أن تخفف الهمزة وتبدل منـها ياء، ولك أن تعوض من الهمزة تاء فتدغمـه في التاء التي بعدها فتقول: اتمنتك.
وخاليا انتصب على الحال، وذو الحال يجوز أن يكون الشاعر. والمعنى: جعلتك موضعا للأمانة وقد خلوت بك لئلا يتجاوزنا السر الذي أودعتك. ويجوز أن يكون حالا للمخاطب، والمعنى منفردا.
ويروى أن رجلا أتى عبيد الله بن زياد فأخبره أن عبدالله بن همام السلولي سبه وأسرف جهارا، لا حشمة تردعه، ولا رقبة تمنعه. فأرسل عبيد الله إلى ان همام واستحضره ليقابله بالرجل، ويتبين من حضورهما صحة الخبر، فأتاه ابن همام، فلما استقر بـه المجلس قال عبيد الله: يا ابن همام، إن هذا يزعم أنك قلت كذا وكذا. فأقبل ابن همام على الرجل وخاطبه بقوله: (أنت امرؤ إما ائتمنتك خاليا) ... البيتين.

(1/350)

فإن قيل: ما موضع (إما ائتمنتك) من الإعراب؟ قلت: هو في موضع الرفع على أن يكون صفة لامرىء. وإما هذه هي التي تعد في حروف العطف، والكلام خير. يريد: أنت رجل لا تخلو مما تصك بـه وجهي من أحد الأمرين اللذين أذكرهما. فهو كما تقول: أنت رجل إما صالح وإما طالح. وقوله (فخنت) انعطف على ائتمنتك، كأنـه قال: أنت رجل إما مؤتمن فخائن، وإما قاتل قولا لا علم لك به. وقوله (وإما) الواو هي العاطفة. وإما كأو في أنـه لأحد الأمرين، إلا أن (أو) يبنى الكلام فيه على اليقين، ثم يعترض ما يخرج بـه عنـه؛ و (إما) يبنى الكلام فيه على عين اليقين. ولهذا الذي قلناه قال حذاق أصحابنا: إنـه ليس من حروف العطف، وكيف يكون منـها وهو يحيء قبل ما يعطف عليه أو مع حرف العطف. تقول: رأيت إما زيدا وإما عمرا. فإما الأولى سابق المعطوف عليه وهو زيد، وإما الثانية معها الواو العاطفة. وقوله (فأنت من الأمر الذي كان بيننا) مبتدأ وخبره (بمنزلة) وبين الخيانة صفة للمنزلة. والمعنى: أنت مما بيننا في موقف يشفي بك إما على الخيانة فيما ائتمنت فيه، وإما على الإثم فيما تستشـهد فيه، فتقول بما لا علم لك به.
وقال شبيب بن البرصاء
قلت لغلاق بعرنان ما ترى ... فما كاد لي عن ظهر واضحة يبدي
عرنان: إسم واد. وقوله (عن ظهر واضحة) يجوز أن يريد عن ظهر خصلة بينة والمراد: لما استشرته وقد حصلنا بعرنان ارتبك فلم يكد يكشف لي عما يصح المراد به، ويمكن الإعتماد عليه. ويجوز أن يريد بالواضحة السن. والمعنى: لم يكد يتهلل أو يكشف عن أسنانـه بـه ضاحكا أو كاشرا. ويكون استعمال الواضحة كما قال طرفة:
كل خليل كنت عاهدته ... لا ترك الله له واضحه
وقوله (تبسم كرها) يدل على الوجه الثاني.
تبسم كرها واستنبت الذي بـه ... من الحزن البادي ومن شدة الوجد
إذا المرء أعراه الصديق بدا له ... بأرض الأعادي بعض ألوانـها الربد
انتصب كرها على أنـه مصدر في موضع الحال. يقول: بسم لي كارها فتبينت الذي بـه من حزن ظهر عليه، ومن وجد استكن في قلبه. ويقال استنبت وتبينت بمعنى واحد. وبسم وابتسم بمعنى واحد، إلا أن في تبسم زيادة معنى التكلف، كأنـه تكلف منـه ما تكلف على كراهية. وقوله (إذا المرء أعراه الصديق) يريد به: إذا الرجل خذله صديقه وقعد عن نصرته، وتركه بالعراء، في أرض الأعداء، بدا له من ألوان الأرض يكون إذا اسودت بعضها. وهذا التفصيل والتبعيض دل على أن اسوداد الأرض يكون من وجوه عدة، وللحالة التي أشار إليها ما يختص بها، ويجب أن يكون شدها . وهذا لأن ما يرد على النفس من المكاره مراتب، فاسوداد الأرض عليه لها حسب مقاديرها في أنفسها.
وقال سالم بن وابصة
أحب الفتى ينفي الفواحش سمعه ... كأن بـه عن كل فاحشة وقرا
سليم دواعي الصدر لا باسط أذى ... ولا مانع خيرا ولا قائل هجرا
يقول: أحب من أخلاق الفتى أن يكون متكرما إذا طرق أذنـه ذكر الفواحش، فلا بعيها ولا يجعلها من نفسه ببال، حتى كأن بـه صمما عن أنواع الفواحش كلها.
وقوله (سليم دواعي الصدر)، ارتفع سليم لأنـه خبر مبتدأ محذوف، كأنـه قال: هو سليم، ويكون ما بعده صفات له. ويريد بالدواعي ما يتعلق بالأغيار منـه لاما يخصه في نفسه. ألا ترى أنـه فسره بقوله (لا باسط أذى ولا مانع خيرأ ولا قائل هجرا) وكل ذلك للغير لا للنفس. ويكشف هذا أنـه إذا بسط أسباب الأذى عاد الضرر منـها لا عليه. وإذا منع خيره كذلك عاد الضرر على المنتفع بـه وعلى هذا إذا قال هجرا. والهجر: الفحش. ويقال: أهجر الرجل، إذا أنى به. وقد كان من فلان هاجرة. على ذلك قوله:
إذا ما شبت نالك هاجراتي
ولك أن تنصب (سليم) بما بعده، فيكون في موضع الحال، وما يتبعه صفات له، وهو لا باسطا أذى ولا مانعا خيرا ولا قائلا هجرا.
إذا ما أتت من صاحب لك زلة ... فكن أنت محتالا لزلته عذرا
غنى النفس مايكفيك من سد حاجة ... فإن زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا
يقول واعظا ومـهدئا: إذا اتفقت من صديق لك زلة، أو وقوف موقف تهمة، فحسن أمره في ذلك واحمله على ضروب مما يبسط عذره فيه، بل كن أنت المحتال لعذره، فلا تحوجه إلى تكلف الأعتذار.

(1/351)

وقوله (غنى النفس ما يكفيك من سد حاجة) يقول: خذ من دنياك ما تسد بـه فقرك، فإن غنى النفس ما يضمن الكفاية، فإن زاد قليلا عاد ذلك بزيادتك فيه الفقر، وذاك أن الدواعي إنما تكثر وتتوسع الأسباب وكثرتها، وما يفضل عن الكفاية يمت كل جزء منـه بماتة صاحبه فلا يكاد يكتفي ببعضه إلا وما عداه يمت بمثل ماتته. وإذا صار الأمر على ذلك فكل منزلة ينتهي إليها طلب الفضل تدعوه إلى مافوقها، فيبقى أبدا متعبا فقيرا. وقوله (فإن زاد، شيئا) انتصب شيئا على المصدر، لأنـه واقع موقع زيادة. وزاد هاهنا بمعنى ازداد، فلا يتعدى. وانتصب فقرا على الحال.
وقال آخر:
وكم من لشيم ود أنى شتمته ... وإن كان شتمي فيه صاب وعلقم
وللكف عن شتم اللئيم تكرما ... أضر له من شتمـه حين يشتم
اللئيم: الذي اجتمع فيه خصال مذمومة في نفسه وأبويه. فيقول: كم من رجل دنى النفس والأصل، يتمنى أن أتخذه نظيرا لي أكابله وزنا بوزن، وأكافيه لفظا بلفظ، وإن كان في هجوى له وشتمي إياه ما يجري مجرى الصاب والعلقم في المرارة. والصاب: شجرة لها لبن فإذا أصاب العين حلبها. والعلقم: الحنظل. وقال الخليل: يقال: علقم الحنظل، إذا اشتدت مرارته. ثم قال: لإمساكي عن مشاتمة اللئام آخذا بالكرم، أصون لعرضي، وأعود عليهم بالضرر من كل ذم وهجو. وانتصب (تكرما) على أنـه مصدر في موضع الحال، أي متكرما، ويجوز أن يكون مفعولا له، أي للتكرم.
وقال عقيل بن علفة
وللدهر أثواب فكن في ثيابه ... كلبسته يوما أجد وأخلقا
وكن أكيس الكيسي إذا كنت فيهم ... وإن كنت في الحمقى فكن أنت أحمقا
ذكر الأثواب مثل، وإنما يريد تلون الدهر بأهله، وتصرفه بأحداثه وتاراته وغيره. واللبسة: اسم حالة اللابس. أي البس ثيابه لبسته مجدا أو مخلقا، وإن أجد أو أخلق، لأن الحال يتضمن معنى الجزاء. والقصد إلى توصية المخاطب بأن يطلب موافقة الناس في دهرهم، ويتخلق بأخلاقهم. والقصد إلى توصية المخاطب بأن يطلب موافقة الناس في دهرهم، ويتخلق بأخلاقهم. ومعنى أجد: جعل ثوبه جديدا. وكذلك أخلق الثوب نفسه فهو مخلق؛ وهذا أشـهر من الأول. وقد قيل في الدعاء للآبس الجديد: (أبل وأجدد) يراد بـه فعل مثله في المستأنف، واتصال عمره. وقد صرح عن المعنى فيما بعده، لأنـه قال: وكن أكيس الكيسى إذا كنت فيهم. والمعنى: تكيس مع الأكياس، بل اجتهد أن تفوقهم في كيسهم وإن ابتليت بحمقى فتحامق معهم. وقوله (كن أنت) أنت توكيد للمضمر في كن. و(أحمقا) يجوز ألا يريد بـه أفعل الذي يتم بمن ويكون المعنى تحامق. ويجوز أن يكون أفعل الذي يتم بمن، وقد حذف منـه من لأنـه خبر فجاز ذلك فيه. ويدل على هذا أنـه قال: كن أكيس الكيسى. وقد قيل: ما أحمقه، لأنـه ليس من الخلق في شيء. ألا ترى أن صاحبه يوبخ على ما يأتيه منـه. فأما قوله (الحمقى) ففعلي جمع فيما يكون بلاء وزمانة. على ذلك الجرحى والمرضى، فشبهت الحماقة به، ثم حمل الكيسى عليه، لأنـهم يحملون النقيض على النقيض كثيرا.
وقال بعض الفراريين
أكنيه حين أناديه لأكرمـه ... ولا ألقبه والسوءة اللقبا
كذاك أدبت حتى صار من خلقي ... إني وجدت ملاك الشيمة الأدبا
يصف حسن عشرته لصاحبه وجليسه، ومؤاخذة نفسه بصيانته وإكرامـه فيقول: إذا خاطبته خاطبته بأحب أسمائه إليه، وهو الكنية، وأعدل عن نبزه ولقبه؛ لأني على هذا أدبت، حتى بـه تطبعت، فصار خلقا ثانيا لي وإن كان أصله تخلقا؛ إني وجدت الأدب ملاك الأخلاق. والملاك: اسم لما يمتلك بـه الشيء، فهو كالرباط والنظام وماأشبهما. وقوله (ولا ألقبه والسوءة اللقبا) ينصب السوءة. فتنصب اللقب من ألقب، وينتصب السوءة على أنـه مفعول معه، فيكون من باب: جاء البرد والطيالة. والتقدير: لا ألقبهاللقب مع السوءة. ويجري هذا المجرى قوله تعالى: فأجمعوا أمركم وشر كاءكم ، لأن المعنى مع شركائكم. ويكون المراد: لا أجمع بين اللقب ومايسوءه من فحش الكلام. فهذا وجه للنصب. ويجوز أن يكون انتصاب السوءة على المعنى، كأنـه قال: ولا آتي السوءة، فعمل فيه معنى لا ألقبه، فيكون على هذا من باب:
ياليت بعلك قد غذا ... متقلدا سيفا ورمحا
و
علفتها تبنا وماء باردا

(1/352)

ويجوز أن يمون السوءة مفعولا به، وقد عمل ماقبل الواو فيه، كما تقول: مازلت وزيدا حتى فعل كذا، أي مازلت بزيد حتى فعل. وتقدير الباب في هذا أكشف من تقدير مع وإن تقارب معنياهما، كأنـه قال: لا ألقبه اللقب بالسوءة. ويقال: سميته كذا وبكذا، ولقبته كذا وبكذا. قال الله تعالى: ولا تنابزوا بالألقاب . وإن رفع فارتفاعه يجوز أن يكون بالإبتداء ويكون الخبر مضمرا، كأنـه قال: والسوءةذاك، يعني إن لقبته فالفحش فيه. ويجوز أن يكون مبتدأ وخبره للقبا، ويكون مصدرا كالجمزى والوكرى وما أشبههما. والمراد: والفحش استعمال اللقب معه، ويكون تفظيعا للأمر لو فعل. ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنـه قال: لا ألقبه اللقب، وهو السودة. وهذا أقرب. والسوءة: الفعلة القبيحة. قال الشاعر:
يالقوم للسوءة السواء
ويسمى الفرج السوءة، لقبحه. وفي القرآن: فبدت لهما سواتهما . ويقال: سوءة لفلان ! دعاء عليه.
وقال رجل من بني قريع
متى ماير الناس الغنى وجاره ... فقير يقولوا عاجز وجليد
وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ... ولكن أحاظ قسمت وجدود
أخرج هذا الكلام مخرج الإنكار لما تعوده الناس في الحكمعلى الأغنياء والفقراء. فيقول: مما يقضى بـه الناس على الغنى وإلأى جنبه فقير، ان يقولوا: هذا من عجزه أتى، وهذا لجلادته أغنى. وهذا خطأ، لأن الغنى والفقر مما قدر الله تعالى وأجرى بـه قسمـه في خلقه، وليس المعتم فيه على احتيالهم، وسعيهم واجتهادهم، لكنـها جدود وحظوظ درجوا عليها، وخلقوا لها، على ماعرف الله تعالى من صالح خلقه.
وجواب (متى ما ير) قوله (يقولوا). وارتفع عاجز على أنـه خبر مبتدأ محذوف، كأنـه: هذان عاجز وجليد.
إذا المرء أعيته المرورءة ناشئا ... فمطلبها كهلا عليه شديد
وكأن رأينا من غنى مذمم ... وصعلوك قوم مات وهو حميد
قوله (إذا المرء أعيته) بعث وتحضيض على النـهوض في طلب المعالي في ابتداء النشء، وحين كان في القوة فضلة، وفي العمر مـهلة، حتى تتلاقى أوائل عمره وأواخرهفي طلب الرياسة، وإقامة المروءة، وأنـه إن ع بما عليهفي ذلك وماطل انتظارا لأحوال تجتمع له ، فاكتهل ولما تساعده تلك الأحوال فإنـه يتعذر عليه طلبها، ويشتد عليه إدراكها. وانتصب (ناشئا) على الحال، والعامل فيته أعيته. ويقال: فتى ناشىء، أي شاب. قال الخليل: ولا يوصف بـه الجارية. والناشئة: أول الوقت، من هذا. وينتصب (كهلا) على الحال أيضا، والعامل فيه مطلبها، لأن المعنى مطلبه لها وهو كهل، فالمصدر مضاف إلى المفعول، أو مطلبه لها إذا كان كهلا، ومثله: هذا تمرا أطيب منـه بسرا.
وقوله (وكائن رأينا) كائن بمعنى كم. وكأنـه أخذ يفضل الفر إذا جرى صاحبه في محمود الطرائق من التجمل، والإكتفاء والتعفف، على الغنى وصاحبه يبطر، ويطفى ويأشر، ثم لا يؤدي حق النعمة عليه، فقال: كم من غنى ساعدته الدنيا والأقدار، ثم أصبح مذمما حين لم يلتزم شروط محمود الغنى، وكم من فقير قوم لما جرى في ميدان العفاف والتجمل، والرضا بماله والتشكر، مات وهو حميد الطريقة، رضى السريرة. والصعلوك: الفقير. ويقال: صعلكته، أي ذهبت بماله كله.
وقال بعضهم:
وأضحت أمور الناس بغشين عالما ... بما يتقى منـها وما يعتمد
جدير بإلا أستكين ولا أرى ... إذا الأمر ولى مدبرا أتبلد
قوله (يغشين عالما) أي يغشين منى عالما، لأن العالم هو هو، فحذف منى. والمعنى : إني باشرت الأمور العظيمة، ولا بست الخطوب الجليلة، فصرت بطول تجربتي، واتصال ممارستي، عالما من أمور الناس إذا وردت أخبارها على بما يتحامى منـها ويحذر، وما يتمنى منـها فيطلب. فلا جرم أني خليق بألا أضرع عند نوائب الدهر ولا أخضع، ولا أرى إذا فاتني أمر أتحسر في إثره وقد ولى، وأضرب بلدة إحدى كفى بالأخرى، ثوجعا وتلهفا، إذا كنت واثقا بأن الأمور يملكها التغير، وأن الفائت يتلافى، فلا يدوم شيء على حال إلا ريث ما يتسلط عليه انتقال.

(1/353)

وقال الدريدي: تبلد الرجل، إذا تحير في أمره فأقبل يضرب بلدة نحره بيده. وبلدة النحر: الثغرة وما حواليها. وقال الخليل: التبلد: نقيض التجلد وهو استكانة وخضوع. وبلد الرجل، إذا انكسر في العمل وضعف.
وقال آخر:
وإنك لا تدري إذا جاء سائل ... أأنت بما تعطيه أم هو أسعد
عسى سائل ذو حاجة إن منعته ... من اليوم سولا أن يكون له غد
وفي كثرة الأيدي لذي الجهل زاجر ... وللحلم أبقى للرجال وأعود
هذه الأبيات تشبه قول الآخر:
وأكرم كريما إن أتاك لحاجة ... لعاقبة إن العضاه تروح
وقوله الأخر:
لا تهين الفقر علك أن ... تركع يوما والدهر قد رفعه
وقوله (أأنت بما تعطيه أم هو أسعد) تقديره أأنت أسعد بما تعطيه أم هو. وأم هذه هي المتصلة المعادلة لألف الاستفهام، فانعطف هو بـه على أنت. وقد يجيء الخبر في مثله مكررا، كقول الشاعر:
بات يقاسي أمره أمبرمـه ... أعصمـه أم السحيل أعصمـه
فيكون التكرار فيه على طريق التأكيد. ويجري (بين) هذا المجرى في نحو قولهم: بين زيد وبين عمرو خلاف، ولو لم يكرر بين لكان الوجه. والشاعر يقول: اذا زارك سائل فتوفر عليه، ولين قولك وجانبك له، فإنك لاتعلم أأنت أسعد بما يناله منك أم هو، واعلم أن المحتاج إليك إن منعته سؤله وطلبته فهو حقيق بأن ينال ما منعته في غده. وقوله (أن يكون له غد) في موضع خبر عسى، والضمير من له يعود إلى السائل، و المعنى: عساه إن منعته سؤله من يوم كان عليه، أن يكون غد ذلك اليوم له، ولهذا قال الله عز وجل: وتلك الأيام نداولها بين الناس ، فغد يرتفع بيكون، وله في موضع الخبر.
وقوله(وفي كثرة الأيدي لذي الجهل زاجر) يريد استبق إخوانك وذويك، واعلم أن في التكاثر بهم مزجرة للجاهل، ولتعاون أيديهم مدفعة لأذى المغلب الخامل. ومع ذلك فالحلم أبقى شأنا وأمرا للرجال، وأرد عليهم وأنفع لهم. وهذه الوصاة اشتملت على أمرين: أحدهما اكتساب مودات الإخوان لكي يكونوا إذا احتيج إليهم عونا. والثاني استعمال الحلم مع الأعداء، والجري معهم على حد لايخرجهم إلى المكاشفة، ولا يحوجهم إلى خرق الهيبة. وقوله (من اليوم سولا) يقال: أعطى فلان سوله، فيهمز ولا يهمز.
وقال آخر:
إياك والأمر الذي إن توسعت ... مداخله ضاقت عليك المصادر
فما حسن أن يعذر المرء نفسه ... وليس له من سائر الناس عاذر
انتصب (والأمر) بفعل مضمر. وإياك ناب عن أحذرك، فكأنـه قال: أحذرك أن تلابس الأمر الذي إن توسعت موالجه ضاقت عليك مخارجه. والمعنى: تأكل كل ما تلابسه، واعرف أواخره وإن اشتبهت، كما تعرف أوائله وإن تبينت، لأنـه يقبح بالمرء أن يكون فيما يقتحمـه عند نفسه معذورا، وعند الناس ملوما.
وقوله (فما حسن أن يعذر المرء نفسه) في إعراب (أن يعذر) وجوه: أحدها أن يرتفع بالابتداء وخبره متقدم عليه، وهو حسن، لأن ما النافية إذا قدم خبره على اسمـه يبطل عمله. ويجوز أن يكون موضعه رفعا بفعله وفعله حسن، ويرتفع حسن بالابتداء، ويستغنى بفاعله عن خبره، وجاز الابتداء بحسن وإن كان نكرة لاعتماده على حرف النفي. والمعنى: ما يحسن عذر المرء نفسه فيما يتولاه وليس له من الناس عاذر. ويجوز أن يرتفع (أن يعذر) بأنـه خبر المبتدأ الذي هو حسن، وهذا أضعف الوجوه. ويروى: (إن توسعت موارده ضاقت عليك المصادر) وقوله (من سائر الناس) أي من باقي الناس، وهو من السؤر. ومن موضع الجميع فقد أخطأ.
وقال العباس بن مرداس
ترى الرجل النحيف فتزدربه ... وفي أثوابه أسد مزير
ويعجبك الطرير فتبتليه ... فيخلف ظنك الرجل الطرير

(1/354)

ينبه بهذا الكلام على أن الرجال ليسوا بجزر يطلب عظمـها وسمنـها، لأن المرء بأصغريه: قلبه ولسانـه. فيقول: ترى الرجل النحيف المـهزول الدقيق، فتستحقره لضؤولته، واذا فتشت عنـه واستشفقت ما وراء ظاهره وجدته أسدا مزيرا. و المزير هو الجلد الخفيف النافذ في الأمور. ويروى: (يزير) وليس بجيد من طريق المعنى، فكأنـه أصله يزئر فنقلت الحركة إلى الزاء وأبدل من الهمزة ياء، كما يقال المراة و الكماة، في المرأة والكمأة. وإنما ضعف من طريق المعنى لأن تشبيهه إياه بالأسد لا فائدة لذكر الزئير معه، إذ لاتدوم حاله على ذلك. ووجهه على ضعفه أن يكون مورد (يزئر) تأكيدا للتشبيه، كما يستعار صفة المشبه بـه للمشبه وإن كان حصوله لو حصل ذما فيه، تأكيدا للتشبيه. على ذلك قوله:
أزل إن قيد وإن قاد نصب
والزلل من صفة الذئب. ومثله قول الآخر:
صكاء ذعبلة إذا استدبرتها
والصكك من صفة النعام.
وقوله (فيعجبك الطرير) فالطرير: الشاب الناعم ذو الكدنة. فيقول: ويتفق في الرجال من يعجبك خلقته، فإذا بلوته وامتحنت أخلاقه وجدته لايصدق ظنك فيه، بل يخلف ويخالف في كل ما تعتمد عليه، أو تكله إليه.
فما عظم الرجال لهم بفخر ... ولكن فخرهم كرم وخير
ضعاف الطير أطولها جسوما ... ولم تطل البزاة ولا الصقور
بغاث الطير أكثرها فراخا ... وأم الصقر مقلات نزور
صرح عن الغرض المقصود فيما تقدم فقال: إنما يحمد من المرء كرمـه وفضله وكثرة محاسنـه وخيره، وكل ذلك يرجع إلى الأخلاق لا إلى الخلق، فلا اعتبار بالعظم، ولا فخر في البسطة إذا حصلت في الجسم خاصة من دون العلم. ثم أخذ يمثل فقال: ترى الطير ضعافها كالكراكي وطيور الماء أطولهاجسوما، وأمدها أعناقا وسوقا، ثم كرائمـها كالبزاة و الصقور، وهي تصيد ما وزنـه يتضاعف على وزنـها. وما طوله وعرضه يتزايد على طولها وعرضها، ثم بغائها وهي صغارها ومصطادها أكثر فراخا وأوسع نسلا، وأم الصقر قليلة الفراخ مقلات لايبقى لها أيضا ما تفرخه. وانتصب (جسوما) و (فراخا) على التمييز. والمقلات: مفعال من القلت، وهو الهلاك. والنزور: القليلة الأولاد، من النزر، وهو القليل.
لقد عظم البعير بغير... فلم يستغن بالعظم البعير
يصرفه الصبي لكل وجه ... ويحبسه على الخسف الجرير
وتضربه الوليدة بالهراوي ... فلا غير لديه ولا نكير
لما ضرب المثل بذوات الأجنحة و الماشية على رجلين، عاد يذكر من ذوات الربع مثل ذلك فقال: ترى البعير مع عظمـه وقوته، وصبره على النـهوض بالأعباء الثقيلة، والأحمال العظيمة، لما لم يصحب عظمـه اللب، وقوته التمييز، لم يستغن بما أعطي من ذلك، بل تراه مسخرا لأن يديره الصبي على وجه من وجوه التذ ليل، ةيحبسه زمامـه على كل خسف وهضم، حتى أن الوليدة تضربه أوجع الضرب، فلا إنكار منـه ولا ذهاب عنـه، ولاتغيير إليه ولا نكير لديه.
وقوله(الهراوي) جمع هراوة، ووزنـه فعائل هرائي، لأن فعيلة وفعالة يشتركان في هذا البناء من التكسير، تقول: صحيفة وصحائف، ورسالة ورسائل، إلا أنـهم فروا من الكسرة وبعدها ياء إلى الفتحة، فصار هراءا، فاجتمع همزة وألفان فكأنـه قد اجتمع ثلاث ألفات أو ثلاث همزات، فأبدلوا من الهمزة واوا فصار هراوى. فإن قيل: هلا أبدلت منـه الياء، كما فعلته في مطايا وما أشبهها؟ قلت: أرادوا أن يظهر في الواو كما ظهر في الواحد ليتميز بنات الياء عن بنات الواو.
فإن أك في شراركم قليلا ... فإني في خياركم كثير
يقول : إن كثرني شراركم وأراذلكم، لوفور عددهم وكوني واحدا فيهم، فإني أكثر خياركم وأغلبهم لقلتهم وكثرتي، وذلك أني أنوب عن جماعة إذا عد الأخابر. ويجوز أن يريد أنـه لاخيار لكم، فأنا وإن كنت واحدا من حيث العدد، كثير إذا طلب الخيار منكم، إذ لم يكن لكم خيار. وقد مضى القول في غير موضع في حذف النون من لم أك وإن أك.
وقال بعضهم:
أعاذل ماعمري وهل لي وقد أتت ... لداتي على خمس وستين من عمري
رأيت أخا الدنيا وإن كان خافضا ... أخا سفر يسرى بـه وهو لايدري
مقيمين في دار نروح ونغتدي ... بلا أهبة الثاوي المقيم ولا السفر

(1/355)

وقوله (ما عمري) استفهام على طريق التحقير والاستقلال، فكأنـه العاذلة كانت عتبت عليه في تبذير وإنفاق، وخوفته العواقب وما تؤدى إليه باتفاق، فأخذ يجيبها ويقول: يا عاذلة، أي شيء عمري، وكيف يدوم بقائي حتى أخوف بالفقر، وهل لي عمر وأقراني يعدون خمسا وستين سنة. ثم أخذ يذم الحريص على الدنيا وأعراضها، ويقص ما تستوي فيه أقدام الخلائق من إرصاد الفناء لها فقال: رأيت صاحب الدنيا وإن كان متودعا مقيما، كامسافر يسار بـه وهو لا يعلم؛ وذلك لأن له أجلا يساق إليه، ومنتهى من العمر يحال عليه، فالأيام تأخذ منـه،وتنقص من عمره، فهو كالمسافر وقد انتوى نية فما يقطعه من المسافة يقربه من مقصده، ويعجل وصوله إلى أمده.
وقوله(مقيمين في دار) انتصب على الحال من قوله (أخا الدنيا)، لأنـه أراد بـه الكثرة، فهو كأسماء الأجناس. وقال: (نروح ونغتدي) لأنـه من إخوان الدنيا، فادخل نفسه فيهم. وقوله (بلا أهبة الثاوي المقيم ولاالسفر) يريد: لانأمل البقاء في هذه الدنيا، ولا نأمن الفناء، فلسنا كالثاوي فنتأهب أهبته، ولا كالمسافر فنعد عدته. واراد بالثاوي المقيم الكثرة لا الواحد. وقد تقدم القول في حقيقة العمر.
وقال بعضهم:
لاتعترض في الأمر تكفى شؤونـه ... ولاتنصحن إلا لمن هو قابله
ولاتخذل المولى إذا ما ملمـه ... ألمت ونازل في الوغى من ينازله
يوصى مخاطبه بأن يعرض عن الأمر الذي لايعنيه، ويترك الاعتراض فيه، والا يتنصح إلا لمن يرجو قبول النصح منـه، وبألا يخذل ابن إذا نزلت بـه نازلة، بل من ينازله، ويناوىء من يناوئه. وهذا على طريقتهم في قولهم: (انص أخاك ظالما أو مظلوما). وأصل الوغى هو الجلبة والصوت. وقوله (في الأمر تكفى شؤونـه) يريد تكفى أسبابه وجوانبه. والضمير من (قابله) لما دل عليه قوله لاتنصحن، وهو النصح.
وقال منظور بن سحيم
ولست بهاج في القرى أهل منزل ... على زادهم أبكى وأبكى البواكيا
فإما كرام موسرون أتيتهم ... فحسبي من ذي عندهم ما كفانيا
وإما كرام معسرون عذرتهم ... وإما لئام فادكرت حيائيا
يصف نفسه بالتعفف عن المطامع الدنية، والمطامع الذميمة، فيقول: لاأهجو بسبب القرى، وهو ما يقدم إلى الضيف، ولا أشكو أهل دار فأبكي على ما يفوتني من زادهم وأبكي غيري معي. وقوله (أبكي وأبكي البواكيا) لا بكاء ثم، وإنما أراد تفظيع التأسف. فيريد: لا آسف لما أرى من الحرمان أسف من يبكي ويبكي غيره تهالكا على مال غيره، وتوجعا لشدة نـهمته.
وقوله (فإما كرام) فصل بين حرف الجزاء والفعل بقوله كرام، فارتفع بفعل مضمر دل عليه الفعل الذي بعده. كأنـه قال: فإما يقصد كرام موسرون أتيتهم. وقوله (فحسبي) في موضع الابتداء، و (ما كفاني) في موضع الخبر، والفاء ما بعده جواب الشرط. وقوله (من ذي عندهم) أراد من عندهم. والعرب تقول: هذا ذو زيد، يريدون: هذا زيد. وهذا من إضافة المسمى إلى الاسم. قال الكميت:
إليكم ذوي آل النبي تطلعت
يريد أصحاب ذا الاسم. وقال الأ عشى:
فكذبوها بما قالت فصبحهم ... ذو آل حسان يزجى الموت والشرعا
أي العسكر الذي يقال له آل حسان.
ويروى : (من ذو عندهم) ويكون ذو بمعنى الذي، وعندهم في صلته، وذو هذه طائية. والمعنى: لايخلو من أقصده وأنزل بـه من وجوه: إما أن يكونوا قوما يرجعون إلى كرم ويسار، فيتوفرون على حسب ما يقتضيه كرمـهم وأكتفى من الذي عندهم لي بما يكفيني، وإما أن يكونوا كراسسما مضيقين أثر الدهر فيهم، فأعذرهم لإضاقتهم، وعلمي بحالهم. فقوله (وإما كرام معسرون) بيانـه: وإما قصد كرام مضيقون عذرتهم في تقصيرهم، وإما أن يكونوا قوما لئاما في أخلاقهم دناءة، وفي أعراقهم نذالة، فتذكرت حيائي وصيانتي لنفسي، فلم أبذل لهم وجهي، ولم أبتذل بتقاضيهم ومطالبتهم جاهي.
وعرضي أبقى ما ادخرت ذخيرة ... وبطني أطويه كطي ردائيا
قوله (أبقى ما ادخرت) ما في موضع الجر، كأنـه قال: عرضي أبقى شيء أدخره ذخيرة، أي اكتسبه ذخيرة. فعلى هذا ينتصب (ذخيرة) على الحال المؤكدة لما قبله. وادخر: افتعل من الذخر لكنـه ابدل من التاء دالا فأدغم الدال فيه، فلك أن تقول ادخر ولك أن تقول اذخر.

(1/356)

وهذا الكلام بيان ما يأخذ بـه نفسه من الصيانة والقناعة، وسلوك طرائق الانقباض عما يشين ولايزين من الانبساط إلى اللئام. فكأنـه قال: أبقي على عرضي، لأنـه أعز الذخائر لي، وأطوي بطني عن المآكل المردية كما أطوي ردائي، إذ كان التزهد قيما يخزي أولي عندي.
وقال سالم بن وابصة
ونيرب من موالي السوء ذي حسد ... يقتات لحمي وما يشفيه من قرم
داويت صدرا طويلا غمره حقدا ... منـه وقلمت أظفارا بلا جلم
النيرب: النميمة والعداوة وقوله (ونيرب) أراد وذي نيرب، والمصدر وما يجري مجراه إذا وصف بـه إما أن يكون على حذف المضاف، وإما أن يجعل الموصوف نفس الحدث لكثرة وقوعه منـه. فيقول رب ذي نيرب حسود من موالي السوء، يغتابني بظهر الغيب، ويأكل لحمي ولا يشفيه ذلك من قرم. والقرم : شـهوة اللحم. والمعنى أنـه لايكفيه ما يتناول مني وإن كان لا يألو جهدا في ثلبي. وجواب رب قوله (داويت) من البيت الثاني. ويقتات: يفتعل من القوت، وهو فعل المطاوعة. ويقال: قاته كذا فاقتاته.
ومعنى (داويت صدرا طويلا غمره) أي صابرته على مداجاته وانطوائه على حقدي، فدفعت شره عن نفسي بطول مداواتي، وفللت حده بترك مكاشفته حتى لم يجد إلى إثارة كامن غمره طريقا، فاحتاج إلى الإمساك عن أذاتي، لدوام تمسكي بمجاملته شاء أو أبى. وقوله حقدا هو اسم الفاعل من حقد، وهولغة في حقد. يقال حقد يحقد فهو حقود، وحقد يحقد فهو حقد.
بالحزم والخير أسديه وألحمـه ... تقوى الإله وما لم يرع من رحمي
فأصبحت قوسه دوني موترة ... يرمي عدوى جهارا غير مكتم
الباء من قوله (بالحزم) تعلق بقلمت او داويت من البيت المتقدم. والخير: الكرم، وقيل: هو الهيئة والطبيعة، يقال: هو كريم الخيم والخير جميعا وقوله (أسديه وألحمـه) خبران لف أحدهما بالآخر. فقوله (تقوى الإله) يرجع إلى أسديه، و (ما لم يرع من رحمي) رجع إلى ألحمـه. والمعنى: داويت صدره أي مكنون صدره، وقلمت ظفره باستعمال الحزم والخير معه، ثم جعلت تقوى الله تعالى سدى ما بيني و بينـه، وألحمته رعاية ما ضيعه من الرحم، فلا جرم أنـه كف من شأو شره وغرب عداوته، وأقبل في الظاهر يعادي من يعاديني، فقوسه الآن موترة دوني يرمي منـها أعدائي بأسهم النصرة. مجاهرة لا مكاتمة.
إن من الحلم ذلا أنت عارفه ... والحلم عن قدرة فضل من الكرم
نبه بهذا الكلام على أن تحلمـه عن أدانيه كان عن قدرة لا عن عجز ونقيصة، ولو شاء لانتقم منـهم. وأنـه لم يكسبه إمساكه عن مجاذبتهم ذلا، ولو كان يفضي بـه الحال إلى ذلك لما فعل، فتحلمـه كرم، وإبقاؤه على ما يجمعه وإياهم من قربي وقرابة تقي و تفضل. وقوله (فضل من الكرم) يريد أنـه نوع من الفضل يعد في خصال الكرم. ومثل هذا قول الآخر:
جهول إذا أزرى التحلم بالفتى ... حليم إذا أزرى بذي الحسب الجهل
وقال بعضهم:
وأعرض عن مطاعم قد أراها ... فأتركها وفي بطني انطواء
فلا وأبيك ما في العيش خير ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
يماثل هذا قول الآخر:
ولقد أبيت على الطوى وأظله ... حتى أنال بـه كريم المطعم
قوله (وأظلله) يريد أظل عليه، فحذف حرف الجر، كما قال:
لولا الأسى لقضاني
أي لقضى علي.
وقال نافع بن سعد الطائي
ألم تعلمي أني إذا النفس أشرفت ... على طمع لم أنس أن أتكرما
ولست بلوام على الأمر بعدما ... يفوت ولكن عل أن أتقدما
يقول: أما علمت من أخلاقي الكف عن كثير من المباغي الجالبة لقالة الناس وتصرفهم في الحكم عليه وله، وأنني إذا أمكنني الفوز بالمطامع القريبة والمآكل الهنيئة، فأشرفت منـها على تحصيلها لم أنس أخذ النفس بالنظر فيها، واستعمال الكرم في ترك ما يجمع على عارا منـها. وقوله (على طمع) أي على مطموع فيه، ومنـه قيل لأرزاق الجند: أطماعهم.

(1/357)

وقوله (ولست بلوام) يقول: إذا فاتني أمر لا أرجع على نفسي بللوم الكثير تحسرا في إثرهم، لكنني حقيق أن أتقدم في تحصيله قبل فواته إن كان مما يهم وقوله (ولكن عل) هو أصل لعل، وهو حرف موضوع للطمع والإشفاق، واسمـه مضمر كأنـه قال ولكن لعلني أن أتقدم. وهويجيء بأن وبغير أن، فإذا كان معه أن أفاد فائدة عسى، وإذا جاء بغير أن كان الفعل أقرب وقوعا، لأن أن للاستقبال، ولعل وإن كان حرفا يعد مع أفعال المقاربة وهي عسى وكاد ولوام بناء المبالغة، وليس بمبنى على لوم لأن المبني عليه هو ملوم.
وقال بعض بني أسد
إني لأستغني فما أبطر الغنى ... وأعرض ميسوري على مبتغى قرضي
وأعسر أحيانا فنشتد عسرتي ... فأدرك ميسور الغنى ومعي عرضي
ومانالها حتى تجلت وأسفرت ... أخو ثقة منى بقرض ولا فرض
يعدد في هذه الأبيات عاداته في حالتي الغنى والفقر، فقال: إني أنال الغنى فلا يكسبني أشرا ولا بطرا، لكني أشكر الواهب وأبقى على حالتي الأول، بل يقربني ما أناله من المتصلين بي، والمضمين إلى بسبب من الأسباب، فأعرض ما يتيسر لي عن طلاب قرضي، وأشرك من يمت إلى في الخير المتاح. وقد يتعقب الإيسار إعسار في الوقت بعد الوقت، فأصبر وإن اشتد عسري، وأسبل على نفسي جناح تحملي وتعففي حتى أدرك ميسور الغنى ونفسي معي، لم أبتذلها ولم أدنسها بتعريض أو تصريح لمفضل أطلب بهما عنده مطمعا، وأجتلب مرغبا. وقوله: (وما نالها) يريد وما نال تلك العسرة أخ لي يوثق بوده لا بعارية ولا بعطية، إلى أن انكشف وفارقت.
وقوله:(أبطر الغنى) معناه أبطر في الغنى حتى أذهب عن سنن الشكر فأتجاوزه وأخلفه ورائي، غمطا للنعمة، أو جهلا بحق الصنيعة. وقال الله تعالى: وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها . وقوله (أعرض ميسوري) وضعه بلفظ المفعول للمصدر، يريد اليسر. ومثله ماله معقول. وضده حمل عليه وهو العسر، فقيل معسور. وإنما قال (ومعي عرضي) لأنـه إذا صانـهعن القبائح ولم يسلط عليه من يتملكه بهبة أو صلة، فكأنـه معه لم يفارقه. ولو أجراه على غير هذا لكان مفارقا له، وداخلا في ملكه غيره.
ولكنـه سيب الإله ورحلتي ... وشدى حيازيم المطية بالغرض
الهاء من قوله (ولكنـه) يعود إلى الميسور الغنى. واستدراك النفي من قوله (ما نالها حتى تجلت) بقوله لكن، يريد: لكن الغنى المتجدد، وهو عطية الله تبارك وتعالى، وتقلبي وارتحالي، وشدى حيازيم المطايا بالغروض. كأنـه ذكر الأسباب التي يسرت له الغنى، وأنـها لم تخرج من تفضل الله تعالى واجتهاده. وقوله (المطية) أراد بها الجنس، لذلك قال (حيازيم) وجمعها. والسبب: العطاء والمعروف، وكثر في الاستعمال حتى سمى الكنوز سيوبا، وقيل لكا تخرجه المعادن سيوب. والغرض والغرضة: البطان، وهو للبعير بمنزلةالحزام للدابة. والمعرض منـه كالمحزم.
وأستنقذ المولى من الأمر بعدما ... يزل كما زل البعير عن الدحض
وأمنحه مالي وودي ونصرتي ... وإن كان محي الضلوع على بغضي
يقول: إني أتعطف على أبناء عمي، فأخلصهم من الشدائد، وآخذ بأضباعهم إذا زلت أقدامـهم، فأقيمـهم بعد أن كانت زلتهم كزلة البعير عن المزلفة. وإنما خص البعير لأن سقطته أفظع وأسرع في المزل. يقال: مكان دحض ومدحضة. ودحضت رجل البعير، إذا زلقت. قال:
وحدت كما حاد البعير عن الدحض
ومنـه: حجتهم داحضة أي لا تثبت. ودحضت الشمس عن كبد السماء: زالت.
وقوله (وأمنحه مالي) يريد: أني بعد استنقاذي إياه أتوفر عليه ببذل المال، وإخلاص الود، وتقريب النصرة، وإن كان منطويا على العداوة والبغضاء.
وقوله (محنى الضلوع) أي معطوفها. ويقال: حنيت الشيء وحنونـه حنيا وحنوا، فهو محني.
وقال حاتم الطائي
وما أنا بالساعي بفضل زمامـها ... لتشرب ماء الحوض قبل الركاب
وما أنا بالطاوي حقيبة رحلها ... لأبعثها خفا وأترك صاحبي

(1/358)

يقول: لا أجتذب إلى نفسي الفضل مع خلطائي وشركائي في الشرب وغيره فلا أتسرع في الورود مستعجلا براحلتي لتشرب ماء الحوض قبل ورورد ركائبهم. ومعنى قوله (بالساعي بفضل زمامـها) السابق بما أعطى راحلتي من زمامـها. وهذا مثل. والركائب: جمع ركوب، وهو إسم يجمع ما يركب، ويقال: ركوبة، فهي كالحلوبة والحمولة، وتقع للواحد والجمع. وقوله (وما أنا بالطاوي حقيبة رحلها)، يقول: وإذا كان لي رفيق في السفر وسعت جنابي له، ولا أتركه يمشي وقد خففت حقيبة رحل ناقتي طلبا للإبقاء عليها، ولكني أردفه أو أركبه. والحقيبة: ما يشد خلف الرحل. قال:
والبر خير حقيبة الرحل
والفعل منـه احتقب واستحقب. واستعير فقيل: احتقب إثما. قال:
فاليوم فاشرب غير مستحقب ... إنما من الله ولا واغل
وقال آخر:
وإني لأنسى عند كل حفيظة ... إذا قيل مولاك، احتمال الضغائن
وإن كان مولي ليس فيما ينوبني ... من الأمر بالكافي ولا بالمعاون
يصف نفسه بأن الحقد ليس من طبعه ولا عادته، فيقول: إني أشفق على موالي حتى إذا اتفق لواحد ما يحتاج منى إلى معونة نسيت سيئته، ولم أحتمل في صدري له ضغنة، فأخذت بيده وأعنته على دهره، وإن كان فيما ينوبني ليس بكاف لي ولا معين، إذ كنت أوجب له بكونـه مولى ما ينسى تباغضه وجفاءه. والحفيظة: الخصلة يحفظ لها الإنسان، أي يغضب. ويقال: (أهل الحفائظ أهل الحفاظ)، لأنـهم يحامون من وراء إخوانـهم. وانتصب (احتمال) بأنسى. والضغائن: جمع الضغينة، وقد مر ذكرها.
وقال آخر:
ومولى جفت عنـه الموالى كأنـه ... من البوس مطلى بـه القار أجرب
رئمت إذا لم ترأم البازل ابنـها ... ولم يك فيها للمبسين محلب
يقول: رب ابن عم زهد أقاربه في الإحسان إليه فاطرحوه وانثنوا عن الفكر فيه والتوفر عليه، نبوا عنـه وعن اصطناعه، فأثر فيه البؤس، وأحلط بجوانبه الشقاء والضر، حتى صار كالبعير الجرب وقد طلى بالقار، هيئة ولونا، وضؤولة وانخزالا، وتباعدا عن الناس وتجافيا، أنا عطفت عليه، وأشركته فيما وهب الله لي في وقت من الزمان لا يؤوي أحد من أهله غيره، لشمول القحط، وغلبة الضر والفقر، حتى أن النوق تؤثر التباعد عن أهلها فلا ترأمـها، وترى الذين يبسون بذوات الألبان عند الحلب، لا يجدون في ضرعها خيرا، وترى الذين يبسون بذوات الألبان عند الحلب، لا يجدون في ضرعها خيرا. ويقال: بس بالناقة وأبس، إذا دعاها للحلب. ومن أمثالهم: (لا أفعل كذا ما أبس عبد بناقة)، أي دعاها للحلب. ويقال: رئمت الناقة رئمانا، إذا عطفت.
وقال عروة بن الورد
دعيني أطوف في البلاد لعلني ... أفيد غنى فيه لذي محمل
أليس عظيما أن تلم ملمة ... وليس علينا في الحقوق معول
يخاطب عاذلة له فيما هم بـه من الترحال في طلب المال، فقال: اتركيني وما اختاره من التجوال، والتنقل في البلدان، طمعا في خير أستفيده، وغنى أستجده، لكي إذا نابنا ذو حق وجد على مالنا محملا وعلينا في التزام واجبه متكلا؛ لأن من جال نال، ومن قرع بابا وجد ولوجا، وأول درج الحرمان الوقوف عند أدنى الهمتين، وآخرها الرضا بأودع العيشين.
وقوله (أليس عظيما) يريد تقريرها على فضاعة الفقر والفاقة، وقباحة إمساك الناس عن تعليق الرجاء بهم والطاعة، فقال: ألا تستعظم أن تنوب الحي نائبة فلا يعولون علينا في الإحتمال عنـهم، ولا يرتجون منا تعطفا عليهم، لا تضاع حالنا، وتأكد اليأس من نيلنا. وقوله (أفيده) بمعنى أستفيد. وأليس يقرر بـه في الواجب الواقع، وأن تلم في موضع الرفع بليس.
وقال آخر:
تناقلت إلا عن يد أستفيدها ... وخلة ذي ود أشد بـه أزرى
هذا في طريقة ما تقدم. والمعنى: أني أتباطأ عن المطالب والمباغى كلها إلا إذا اتفق مصنع عند حر، فإني أتسرع إليه، وأتخفف في تحصيله، مخافة أن يفوز بـه غيري، لأن اعتقاج المنن في أعناق الرجال أعده غنيمة تغتنم، وفائدة تدخر؛ وإلا صداقة أخ وديد أعتمدها في معة شر، ولا شتداد أزر، فإني أجمع يدي عليها، ولا أصبر على المزاحمة فيها. ويقال: شد فلان أزره، إذا شد معقد إزره. ويقال: آزره على امره، إذا ظاهره وعاونـه عليه.
وقال عبدالله بن الزبير

(1/359)

لا أحسب الشر جارا لا يفارقني ... ولا أخر على ما فاتني الودجا
وما نزلت من المكروه منزلة ... إلا وثقت بأن ألقى لها فرجا
يصف حسن ثقته بربه، وجميل ظنـه بتفضله، وأنـه قد جرب وتبصر،وعرف من أعقاب الأمور ما جعله لا يذل لنائبة، ولا يتخشع لنازلة، فلا يظن الشر إذا بلى بـه ضربة لازم لا يخالف، وجار سوء لا يفارقز قال: وإذا فاتني أمر وإن جل لا أهلك أسى في إثره، ولا أقتل نفسي جزعا لفوته، ولا أنزل من مظان الماره منزلة إلا وثقتي بتلى الفرج وتعجله على أقرب مسافة مني. والودجان: عرقان يقطعهما الذابح. ويقال: ودجت الدابة، إذا أصبت ودجها.
وقال مالك بن حزيم
أنبيت والأيام ذات تجارب ... وتبدي لك الأيام ما لست تعلم
بأن ثراء المال ينفع ربه ... ويثنى عليه الحمد وهو مذمم
وأن قليل المال للمرء مفسد ... يحز كما حز القطيع المحرم
يرى درجات المجد لا يستطيعها ... ويقعد وسط القوم لا يتكلم
قوله (والأيام ذات تجارب) اعتراض وقع بين أنبيت ومفعوليه، وهما في قوله (بأن ثراء المال ينفع ربه) لأن أنبيت ونبيت وأخواتها كل واحدة منـها تتعدى إلى ثلاثة مفاعيل. وقوله (وتبدي لك الأيام) اعتراض ثان وإن عطف على ماقبله. والمعنى أن الأيام والليالي تفيد أربابها تجارب بما يحدث فيها من الحوادث، ويتحول من الأحوال، وتعلمـهم بما ينكشف عنـها ويشتملعليها من غوامض الأمور وخفياتها، مالا يخطر لهم ببال، ولا يؤديهإليهم رسم ولا مثال. فيقول: أخبرت والأيام هذه حالها أن كثرة المال، والتوسع في الحال، يرجعان بالنفع على صاحبهما فيصورانـه بصورة المشكور والمحمود، وإن كان عند التحقيق والتحصيل مشكوا مذموما؛ وأن قي قلة المال مفسدة لحال المقل وجاهه ونفسه، حتى يبريه ويقطعه بري السوط الجديد الذي لم يلين بعد، المضروب به، فتراه يبخع نفسه، وبتخشع للاقيه والناظر إليه، ويلزم السكوت في نادي الحي فلا ينبس تماوتا وتصاغرا، إذ كان قد علم من نفسه أنـه لا يستطيع الترقي في مدارج الفضل والإفضال، وانـه تقعد الحال بـه عن النـهوض بما ينـهض بـه أماثل الرجال، فهو يسلم الأمر لهم، ويبرأ من التدبير إليهم إليهم. وقوله (بأن ثراء المال) تعلق بأنبيت بأن الأمر كذا وأن الأمر كذا. والقطيع: السوط. والمحرم: الذي لم يمرن بعد.
وقال محمد بن بشير
لأن أوجى عند العرى بالخلق ... وأجتزي من كثير الزاد بالعلق
خير وأكرم لي من أن أرى مننا ... خوالدا للئام الناس في عنقي
يصف رضاه بيسير الحظ من الدنيا، وعفافه عن كثير ما يستغني عنـه فيتوقى، فيقول: لأن أتبلغ عند التعري باكتساء الخلق، وأكتفي من الزاد الكثير بما يمكن بـه سد الفاقة - أصون لي وأرد على من أرى مننا معقودة في عنقي، مثقلة لظهري، باقية على أعقاب الزمان للئام الناس عندي. والعلق: جمع العلقة، وهي اليسير من الشيء يتبلغ بـه ويعتلقه المحتاج إليه. ويجوز أن يكون من علق يعلق، إذا رعى. ومنـه الحديث: (إن أرواح الشـهداء لتعلق في الجنة) وتكون العلقة كالغرفة والطعمة وما أشبههما. وقوله (لأن أزجي) اللام لام الابتداء، وأن أزجى مبتدأ وخبره قوله (خير و أكرم بي).
إني وإن قصرت عن همتي جدتي ... وكان مالي لايقوى على خلقي
لتارك كل أمر كان يلزمني ... عارا ويشرعني في المنـهل الرنق
نبه على تمام الظلف والعفاف إذا أخذ بـه الإنسان، فيقول: أنا وإن عجزت غنيتي عما توجبه همتي، وكان في حالي قصور عما يدعو إليه خلقي، معرض عن كل أمر إذا نلته رجع منـه على أذكر به، ويوردني مشارع الكدر، فإذا صدرت عنـها لم أتهنأ بشربي منـها.ولك أن تروى: (في منـهل الرنق) فيكون المنـهل مضافا إلى المصدر، ولك أن تروى: (في المنـهل الرنق) بكسر النون فيكون صفة له. والمنـهل: موضع النـهل. والناهل: العطشان، والريان جميعا. والوجد والجدة: مصدر وجدت، في المال. ويقال: شرعت في الماء، إذا خضت. وأشرعني فيه فلان وشرعني أيضا. وفي المثل: (أهون الورد التشريع).
وقال أيضا:
ماذا يكلفك الروحات والدلجا ... البرطورا وطورا تركب اللججا

(1/360)

كم من فتى قصرت في الرزق خطوته ... ألفيته بسهام الرزق قد فلجا
قوله (ماذا) لفظة استفهام، والمعنى الإنكار، ويجوز أن يكون (ما) مع ذا بمنزلة اسم واحد مبتدأ، ويكلفك خبره. ويجوز أن يكون وحده اسما، وذا في موضع الخبر، ويكلفك من صلته؛ كأنـه قال في الأول: أي شيء يكلفك، وفي الثاني: ما الذي يكلفك السير في الليل والنـهار متصلا، لاتفتر تركب البر تارة، والبحر أخرى. و الروحات: جمع الروحة، وهو يريد بـه السير رواحا. والدلج والدلجة: السير بالليل. وقوله (طروا) انتصب على الظرف، والبر انتصب بفعل مضمر دل عليه الفعل الذي بعده. واشتقاق الطور من قولهم: لاأطور به، ومن طوار الدار، وهو ما كان ممتدا معها.
وقوله (كم من فتى) أفاد كم التكثير، والكلام خبر، والمراد: كثير من الفتيان تودعوا في منازلهم، وقصرت خطواتهم للسعي في طلب أرزاقهم، ألفوا قد نالوا ما غلبوا بـه المجد في الطلب، المتعب نفسه في التنقل. ومعنى فلج: غلب. وسهام الرزق، يراد بـه قداح الرزق، كأنـه فاز لما خرج له من عند الإجابة بما غلب بـه مقامره ومزاحمـه. ويجوز أن يري بسهام الرزق ما حظ له من الحظ، وأسهم له وقسم في الرزق.
إن الأمور إذا انسدت مسالكها ... فالصبر يفتق منـها كل ما ارتتجا
لاتيأس وإن طالت مطالبة ... إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا
يقول: استعن بالصبر في كل ما تزاوله وتراوده، فإن الأمور إذا انسدت طرقها، وأعيت الحيل في تحصيلها، فإن الصبر يسهل مدارجها، و يوسع موالجها، ويفتح ما انغلق منـها، ويفتق ما ارتتق من أسبابها، ولا يتسلطن عليك من اليأس ما يفتر عزمك، أو يقصر سعيك، وإن دامت مطالبتك، واتصلت مواظبتك. واعتقد أن الفرج يتلقاك، والنجح بأقرب المنازل منك؛ فإنك إذا فعلت ذلك فزت بكل ما ترومـه، وتعجل لك كل ما تهواه. وقوله(أن ترى) في موضع المفعول من تيأسن. وقوله (فالصبر يفتق) جواب إذا، وخبر إن الأمور في الشرط والجواب. ويقال رتجت الباب وأرتجته، إذا أغلقته، وباب مرتج ومرتوج. والرتاج: الباب نفسه.
أخلق بذي الصبرأن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
أبصر لرجلك قبل الخطو موضعها ... فمن علا زلقا عن غرة زلجا
يقول: إن مدمن الصبر في الأمور، وملازم التثبت و التلوم عند الخطوبحقيق بأن يظفر بطلبته، وبنجاح السعي في مرامـه وبغيته.كما أن من أدام قرع أبواب مداخله، وغمز مفاصل آرابه، حقيق بولوجه ووصوله، ومعرفة متيح ما يرجوه ومريحه.
ثم قال: وإذا سعيت في أمر فاعرف مواطىء قدمك قبل أن تعلوها، ومواقع خطوك قبل أن تعدوها، واقسمـها بين نظرك واختبارك، وتحقيقك وحدسك؛ فإن من ركب مزلقة عن غرة وغفلة، يوشك أن يسقط ليديه وفمـه، وتزل بـه قدمـه إلى قرار هلكته وحينـه. والزلج: السرعة في المشي و السقوط وغيره. وفرس زلوج: سريع السير. وكذلك يقال قدح زلوج. و مزلاج الباب: الخشبة التي يغلق بها.
وقال آخر:
لججنا ولجت هذه في التغضب ... وشد الحجاب بيننا و التنقب
تلوم على مال شفاني مكاني ... إليك فلومي ما بدا لك واغضبي
كان هذا الشاعر اطلع من أحوال أيتام أخيهعلى ماساءهوأنف منـه، ثم دعاه التحنن والإشفاق مما يتداوله الناس في مجالسهم من أحاديث البر والعقوق، وتصرفهم في صرف المقت إلى مستحقه، والحمد إلى مكتسبه، إلى أن أمر عبديه الراعيين بإراحة ما ردا إلى فنائه من مسارح إبله عليهم، فاغتاظت امرأته من ذلك وأنكرت فعله، وخوفته في أثناء ملامـها بالفقر وهجرته، فأخذ يقتص ما كان منـها ومنـه فقال: تمادت امرأتي في الغضب والهجران، واللوم والإحتجاب، وكل ذلك منـها في مالي شفاني موضعه الذي وضعته فيه، ومصرفه الذي صرفته إليه. ثم أقبل عليها مستهينا بها وبفعلها فقال: إليك فلوميما بدلك. والمعنى: اجمعي أمرك واستمريي عتبك وغضبك ما بدا لك، فإن الرشاد فيما آثرته، والصلاح في قران ما اخترته. و(إليك): اسم من أسماء الأفعال هنا، كما يكون عليك، وعندك. ولذلك عطف عليه قوله (فلومي). و(ما بدالك) في موضع الظرف. وقد تقدم القول في أمثاله.
رأيت اليتامى لا تسد فقورهم ... هدايا لهم في كل قعب مشعب

(1/361)

فقلت لعبدينا أريحا عليهم ... سأجعل بيتي مثل آخر معزب
عيالي أحق أن ينالوا خصاصة ... وأن يشربوا رنقا إلى حين مكسبي
يعني باليتامى أولاد أخيها المتوفي. يريد: رأيتهم لا تسد مفاقرهم ولا تقيم مختل أحوالهم، تحف توجه إليهم، وهدايا تحمل نحوهم في قعاب مشعوبة. يشير بذلك إلى ما كانت امرأته تتولاه وتأتيه من برهم وتفقدهم قبل ذلك. وفي قوله: (هدايا لهم في كل قعب مشعب) إزراء بصنيعها، وبالألبان المنقولة إليهم وظروفها. وجمع الفقور لاختلاف وجوهها.
وقوله (فقلت لعبدينا) يعني راعييه اللذين أمرا بسوق الإبل المردود من المراعي إلى فناء أولاد أخيه. وإنما ثنى على عادتهم في تثنية مزاولي أعمالهم، كالبائن والمستعلى في الحلب وما أشبههما. وقوله: (سأجعل بيتي مثل آخر)، يريد مثل بيت آخر وقد عزبت إبله وتباعدت، فإن عيالي ولهم كاسب مثلي أحق بمزاولة الفقر، ورثاثة العيش، والصبر على المشرب الرنق، إلى أن أكسب ما تعود بـه حالهم إلى ما ألفوه من الخطب والسعة، والخفض والدعة. ويقال: أعزب الرجل، إذا عزبت عنـه إبله في المرعى.
ذكرت بهم عظام من لو أتيته ... حريبا لآساني لدى كل مركب
أخوك الذي إن تدعه لملمة ... يجبك وإن تغضب إلى السيف يغضب
يقول: تذكرت بهؤلاء الأولاد أباهم الذي لو أتيته محزونا مسلوبا، ومتعبا بأعباء الفقر مبهورا، لضمني إلى صدره، وشملني تضاعيف بره، وجعلني إسوة نفسه في كل ما أركبه، والمسعف بطلبته عند جميع ما أخطبه، لأن الأخ الكامل الأخوة هو الذي يشد أزرك، ويحمي ظهرك، وإن دعوته لنائبة تنوب أجابك سريعا، وإن أعملت سيفك أعمل سيفه معه حثيثا.
وقال المقنع الكندي
يعاتبني في الدين قومي وإنما ... ديوني في أشياء تكسبهم حمدا
أسد بـه ما قد أخلوا وضيعوا ... ثغور حقوق ما أطاقوا لها سدا
وفي جفنة ما يغلق الباب دونـها ... مكللة لحما مدفقة ثردا
وفي فرس نـهد عتيق جعلته ... حجابا لبيتي ثم أخدمته عبدا
كأن قومـه ينعون عليه سرفه في الإنفاق، وتخرقه في الإفضال، وتجاوزه ما تساعده بـه حاله وتتسع له ذات يده إلى الاستقراض، وبذل الوجه في الأديان، فقال: كثرت لأئتمتهم فيما يركبني من الديون، وإنما هي مصروفة في وجوه مؤنـها علي، وجمالها لهم، وقضاؤها في أنفسهم يلزمني، ومحامدها موفرة عليهم. ثم أخذ يعد فقال: من تلك الوجوه أن ما ينوب من الحقوق فيخلون بها ويضيعونـها عجزا عن الوفاء بواجبها، أنا أسد ثغورها، وأقيم فروصها.
ومنـها: أن لي دار ضيافة قدورها مشبعة موفورة، وجفانـها معددة منصوبة، لا يمنع منـها طالبها ولا يحجب عنـها رائدها، فلحمانـها كلأكاليل على رءوسها، وثرئدها قد نمق تدقيقها.
ومنـها: أن بفنائي فرسا مربوطا قد أعد للمـهمات، على عادة لأمثالي من الأكابر والرؤساء. ولكرمـه وما يتوفر عليه من إكرامي إياه قد صار كالحجاب لباب بيتي، وقد شغلت بخدمته عبدا يتفقده بمرأى مني، لا أهمله ولا أغفل عنـه.
قوله: (مدفقة) أي مملوءة. والأحسن أن يروى معه: (ثردا) بضم الثاء. ويروى (مدفقة ثردا) بفتح الثاء. والمراد مثردة ثردا دقيقا. والنـهد: الجسم المشرف من الخيل.
وإن الذي بيني وبين أبي ... وبين بني عمي لمختلف جدا
فإن يأكلوا لحمي وفرت لحومـهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم ... وإن هم هووا غي هويت لهم رشدا
وإن زجروا طيري بنحس تمر بي ... زجرت لهم طيرا تمر بهم سعدا

(1/362)

ذكر بعد ما عدد معاذيره فيما أنكروه عليه، أن إخوته وأبناء يحسدونـه ويأتمرون العداوة والغواية له، وهو يصابرهم ويجاملهم، ويتغابى معهم، فقال: إن ما بيني وبينـهم في طرفي نقيض، وعلى لون من الخلاف عجيب؛ فإنـهم إن اغتابوني وتطعموا لحمي أمسكت عنـهم، وتركت أعراضهم موفورة، لم يتخونـها مني إذالة ولا ثلب، وأعراقهم محفوظة لم يتحيفها تحامل ولا غض. وإن سعوا في نقض ما أبرمته من مسعاة كريمة، وهدم ما أسسته من خطة مجد علية، جازيتهم باببتناء شرف لهم مستحدث، وإعلاء شأن لهم مستأنف. وإن أهملوا غيبي فلم براعوه بحسن الدفاع عنـه، وإسباغ ثوب المحاماة عليه حفظت أنا غيبهم، وأرصدت الغوائل لمن اغتالهم. وإن أحبوا لي الغواية، والتسكع في الضلالة والبطالة، اخترت لهم المراشد، وهويت في مباغهم المناجح. وإن تمنوا لي المنحسة، وزجروا من بوارح الطير وسوانحها في المشأمة، جعلت عيافتي لهم فيما يمر بي منـها المسعدة والطيرة الحميدة. وقوله: (سعدا) صفة لطيرا.
ولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا
لهم جل مالي إن تتابع لي غنى ... وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا
وإني لعبد الضيف مادام نازلا ... وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا
أثبت لنفسه الرياسة عليهم في هذا البيت. والمعنى أنـه متى استعطفوه عطف عليهم، وإن استقالوه أقالهم وأسرع الفيئة لهم، غير حامل الضغن واللجاج معهم، ولا معتقدا انتهاز الفرص فيهم، لما اكتمن من عوادي الحقد عليهم. وقوله:(وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا) يجري مجرى الالتفات، كأنـه أقبل على مخاطب فقال: إني لا أتجمل بترك مؤاخذتهم، وأطراح الحقد في مساوقتهم، فإن الرئيس يحب ذلك عليه في شروط الرياسة. وقوله: (لهم جل مالي) يريد إن تواصل الغنى لي أشركتهم في معظمـه، من غير امتنان ولا تكدير، وإن تحيف مالي حادث يلم، أو عارض يحدث، لم أنتظر من جهتهم معونة، ولا كلفتهم فيما يخف أو يثقل مؤونة .
وقوله(وإني لعبد الضيف) أراد أن يبين ما عنده للغريب الطارق، والضيف النازل، بعد أن شرح حاله مع مواليه، وخصاله في مرافقة ذويه، فقال: وابلغ في خدمة الضيوف مبالغ العبيد فيها. ثم أكد ما حكاه بقوله (وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا)، فانتصب (غير) على أنـه مستثنى مقدم؛ وذاك لأنـه لما حال بين الموصوف والصفة، وهما شيمة وتشبه، وتقدم على الوصف صار كأنـه تقدم على الموصوف، لأن الصفة والموصوف بمزنلة شيء واحد. وقوله (تشبه العبدا) يريد: تشبه شيم العبد، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامـه.
فليتأمل الناظر في هذا الباب وفي مثل هذه الأبيات، وتصرف قائلها فيها بلا اعتساف لا تكلف، وسلاسة ألفاظها، وصحة معانيها، فهو عفو الطبع، وصفو القرض.
وقال رجل من الفزاريين
إلا يكن عظمي طويلا فإنني ... له بالخصال الصالحات وصول
ولا خير في حسن الجسوم ونبلها ... إذا م تزن حسن الجسوم عقول
إذا كنت في القومالطوال أصبتهم ... بعارفة حتى يقال طويل
يقول: إن لم يكن في طولي امتداد، ولا في خلقي بسطة وكمال، فإني لا أزال أصل نقص جسمي، وأمد قصر قامتي بما أتولاه من الأفعال الكريمة، وأختاره من الخصال الحميدة، حتى أمحو سمة الإزراء عن نفسي. ومن أوتي الفضل في خلقه ونفسه، وعاداته وشيمـه، خير ممن أوتي العظم في خلقه، والبراعة في جسمـه، فلا فضيلة لمن حسن وجهه ونبل منظره، إذا لم يزينـه عقل وافر، ومخبر رائق. ومتى حصلت بين أقوام طوال القامات، قابلت طولهم بطول يدي فبهم، وأنلتهم معروفي حتى عظمت في أعينـهم، وامتلأت من حبهم لي وميلهم إلى قلوبهم، فأنساهم طول باعي بالغطية قصر قامتي بين قاماتهم. وقوله (حتى يقال طويل) ارتفع طويل على أنـه خبر مبتدأ محذوف، كأنـه قال: هو طويل. أي يسلمون له فضيلة الطول عندهم.
وكم رأينا من فروع كثيرة ... تموت إذا لم تحيهن أصول
ولم أر كالمعروف أما مذاقه ... فحلو وأما وجهه فجميل.

(1/363)

هذا مثل ضربه للخصال المجتمعة في الانسان، لا تعد فضائل إلا إذا اقترنت بخصال أخر، وهي كالأصول لها. ومثال ذلك ما قدمـه من ذكر عبالة الخلق إذا عربت من نباهة الخلق، وما شاكلها من صباحة الوجه إذا خلت من صحابة العقل. ثم قال: ولو أر شيئا كإسداء المعروف وبث العطاء والإحسان، فإن من ذاقه استجلاه، ومن رآه استحسنـه وارتضاه. وهذا تأكيد ما ذكر من قوله: (أصبتهم بعارفة حتى يقال طويل).
وقال عبدالله بن معاوية
أرى نفسي تتوق إلى أمور ... ويقصر دون مبلغهن مالي
فنفسي لا تطلوعني ببخل ... ومالي لا يبلغني فعالي
قد مضى له أمثال، ومعناه ظاهر، ويروى:(لا يقوم له فعالي).
وقال مضرس بن ربعي
إنا لنصفح عن مجاهل قومنا ... ونقيم سالفة العدو الأصيد
ومتى نخف يوما فساد عشيرة ... نصلح وإن نر صالحا لا نفسد
يصف صفاء نيتهم لقومـهم، وأنـهم يسلكون معهم طرائق ما يعود على المسود بالصلاح، وعلى السائد باستكمال الرياسة والارتفاع، فقال: إذا جهلوا علينا صفحنا عنـهم، وأبقينا على الحال بيننا وبينـهم، واستفأنا إقامتهم ورجعتهم. كل ذلك لئلا ينفروا فيزداد ما بيننا وبينـهم تفاقما. فأما الأعداء فإنا نكسرهم ونستل عنـهم كبرهم وخنزواتهم، وانلين أعناقهم حتى ينقادوا على ضغن منـهم. والسالفة: صفحة العنق. والصيد: ميل في العنق من الكثير كما ما يكون الصغر في الخد، وكما أن الصاد يستعمل في الناظر.
وقوله: (ومتى نخف يوما فساد عشيرة) يريد: إنا نسعى في إصلاح ذات بينـهم، ولا ندعهم يتدابرون ويتضاغنون؛ لأن عز الرجل بعشيرته. ثم إن رأيناهم على حد مت الصلاح زدنا في قوة نياتهم، وحملناهم على ما يزدادون بـه استقامة واستمرارا.
وإذا نموا صعدا فليس عليهم ... منا الخبال ولا نفوس الحسد
ونعسين فاعلنا على ما نابه ... حتى نيسره لفعل السيد
يقول: وإذا ارتقوا في درجات العز وتبوءوا منازل الفضل، لم نحسدهم، ولم نضيق عليهم طرائق مقاصدهم، فيورثهم ذلك خبلا وفتورا. والساعي منـهم إذا جد في إقامة ما ينوبه من الحقوق أعنا على إتمام ما يشيده، والزيادة فيما يؤيده، حتى نبلغ بـه فعل السيد، علما بأن رفعتهم لنا، وجمالهم جمالنا.
ونجيب داعية الصباح بثائب ... عجل الركوب لدعوة المستنجد
فنفل شوكتها ونفثأ حميها ... حتى تبوخ وحمينا لم يبرد
ونحل في دار الحفاظ بيوتنا ... رتع الجمائل في الدرين الأسود
قوله (ونجيب داعية الصباح)، يريد: وإن استعان بنا من أغير عليه صباحا من ذي محرم أو جار،أو متسبب بإل وقرابة، أجبناه سريعا بجيش سريع الركوب لدعوة المستصرخ، فنكسر شوكة المغيرين، ونخمد نائرتهم ونسكن حماهم حتى تبرد، وحمانا لم تسكن ولم تبرد. وجعل الشوكة كناية عن السلاح والقوة جميعا، وقوله (نفثأ) هو من فثأت القدر، إذا سكنت غليانـها. وقوله (حتى تبوخ) يقال باخت النار إذا طفئت.
ومعنى (ونحل في دار الحفاظ بيوتنا) نصبر في دار المحافظة على الشرف إذا اشتد الزمان،وإذا قصد غيرنا للخصب أو طلب الإنتجاع أقمنا مرتعين في الدرين مالنا، ولانمكن أعدائنا من أرضنا وحمانا. والدرين: اليابس من الكل القديم العهد. وجعله أسود لفساده وطول قدمـه. ويروى(وتحل في دار الحفاظ بيوتنا). وانتصب (رتع الجمائل) على أنـه مصدر في موضع الحال. ومثله قول الآخر:
ونحل في دار الحفاظ بيوتنا ... زمنا ويظعن غيرنا للأمرع
وقال المتوكل الليثي
إني إذا ما الخليل أحدث لي ... صرما ومل الصفاء أو قطعا
لاأحتسي ماءه على رنق ... ولا يراني لبينـه جزعا
يقول: إذا اعوج صديق لي والتوى، وطلب الخلاف علي فأحدث لي نبواوجفاء، وتبرم من مصافاتي فاقبل يتجنى علي، فإني لا أروم منـه العود، ولا أعرض عليه الرجوع، بل أصارحه ولا أتجرع ماء الود بيني وبينـه علىكدر فأحتمل مكروهه، ولا أظهر جزعا لاستحداث فراق من، أو تنكر ينطوي عليه فأخبث له، لأني وصال صروم، أصافي من يصافيني، وأجامل من يجاملني، وأداجي من يداجيني.
أهجر ثم تنقضي غبر ال ... هجران عني ولم أقل قذعا

(1/364)

اخذر وصال اللئيم إن له ... عضها إذا حبل وصله انقطعا
الغبر: البقايا، واحدتها غبرة. ويقال: تغبرت الناقة، إذا احتلبت غبرتها. وغبر الليل: مآخيره.قال:
فيا صبح كمش غبر الليل مصعدا ... ببم ونبه ذا العفاء الموشح
والقذع والقذيعة: الفحش. يقال: قذعته، إذا رميته بالقذع. وأقذع الرجل: أتى بالفحش. وكلام قذع. ويتوسع فيه فيقال للقذر: القذع، حتى يقال: قذع ثوبه بالبول وغيره. يقول: أقطع العلائق بيني وبينـه فأنصرف عنـه هاجرا، وتنقضي مدة الهجران عنا ولم أعتبه ةلا قلت فيه فحشا، ولا ذكرته بزلة كانت منـه.
ثم قال: احذر مواصلة اللئيم ومؤاخاته، لأنـه إذا انقطع حبل وصله، وانصرم ما يجمعك وإياه من وده يتكذب عليك، ويخلق من الإفك فيك ما لم تكتسبه لابيدك ولا لسانك، وهذا كأنـه لما نفى عن نفسه في البيت الأول ما نفى بين في البيت الثاني أنـه لايفعل ذلك، لكونـه من فعل اللئام. والعضه: ذكر القبيح كذبا و زورا. ويقال: عضهته، إذا رميته بالزور. واعضه الرجل أتى بالعضيهة، وهي الإفك. ومن كلامـهم: يا للعضيهة! ويا للأفيكة! وقال بعضهم:
خليلي بين السلسلين لو أنني ... بنعف اللوى أنكرت ما قلتما ليا
ولكنني لم أنس ما قال صاحبي ... نصيبك من ذل إذا كنت خاليا
النعف: ما ناعفك، أي عارضك من الجبل أو المكان المرتفع. واللوى: مسترق الرمل. وجواب لو (أنكرت)، وكأن نعف اللوى كان أرضه ودياره، فيقول: لوكنت في أرضي ومعي عشيرتي وأهلي، ثم سمتماني ما سمتماني لأنكرته ولم أقبله، ولكنني لم أذهب عما وصاني بـه صاحبي من قوله: الزم نصيبك من الذل إذا كنت في دار غربة، ومتباعدا عن نصارك و المشفقين عليك. وانتصب (نصيبك) بإضمار فعل.
وقال قيس بن الخطيم
وما بعض الإقامة في ديار ... يهان بها الفتى إلا بلاء
وبعض خلائق الأقوام داء ... كداء البطن ليس له دواء
يريد المرء أن يعطى مناه ... ويأبى الله إلا ما يشاء
وكل شديدة نزلت بحي ... سيأتي بعد شدتها رخاء
قوله (وما بعض الإقامة) إنما بعضها لأنـه أشار إلى الإقامة التي أوائلها تنزاح معها العلل، ويسهل في اختيارها الانفصال والترحل، وأواخرها تتغير بما يعرض فيها حتى يشق لها التلوم و التلبث.وارتفع (بلاء) لأنـه خبر المبتدأ، وهوبعض الإقامة،(ويهان بها الفتى) في موضع الصفة لقوله في ديار.فيقول: إذا أمكن الارتحال عن دار الهوان، ولاع ولامانع يوجبا الصبر فالإقامة بها بلاء، ويجب على الحر طلب الانفكاك منـه، وروم الخلاص من أذاه.
وقوله (وبعض خلائق الأقوام) يريد أن يعض ما يتخلق بـه الناس يتعذر مفارقته ومداواة إزالته، فهو كالداء الذي يكون بالإنسان وقد استصحبه من بطن أمـه. يريد أن ما اعتاده الإنسان من الأخلاق يصير لإذا أتت الأيام عليه، وقوى الإلف له، كالخلقة أو ما يجري مجراها.
وقوله (يريد المرء أن يعطي مناه) معناه أن الإنسان يتمنى أن يحصل له ما يتعلق بـه ه، ويرتاده هواه وإرادته، ويمنع الله تبارك وتعالى إلا ما يكون بشيئته، ويعرفه من مصالح خليقته.
وقوله (وكل شديدة) يريد أن الشيء لايدوم على حال، فالشدائد إذا نزلت يتعقبها الخير ورخاء العيش وسعته، لأن لكل أمر أمدا يمد له الوقت، فإذا تناهى انقطع.
ولايعطى الحريص غنى لحرص ... وقد ينمي إلى الجود الثراء
غنى النفس ما عمرت غنى ... وفقر النفس ماعمرت شقاء
وليس بنافع ذا البخل مال ... ولا مزر بصاحبه السخاء
وبعض الداء ملتمس شفاه ... وداء النوك ليس له شفاء
قوله (ولا يعطى الحريص) يريد أن حرص الإنسان في طلب الغنى لايجدي عليه نفعا، ولايقرب منـه بعيدا، لأن ميسر اليسر والغنى هو من له الخلق و الأمر، وإليه الإبرام و النقض.
وقوله (وقد ينمي إلى الجود) يريد أن الثروة و الكثر هما ينميان مع الجود. وإنما يقدح بهذا الكلام في البخل و الإمساك، وأن زيادة المال وبقاءه لايحصلان لهما وبهما. وقوله (إلى الجود) إلى بمعنى مع. تقول: هذا إلى ذاك.

(1/365)

وقوله(غنى النفس ما عمرت غنى)، يريد أن غنى النفس خير من كثرة المال؛ لأن من كان راضيا بماله، غنيا عن غيره بما يحصل في يده، تراه باكتفائه اغنى الموسرين، وفقير النفس وإن ساعده المال، وأطاعه القدر يزداد على مر الأيام وزيادة الحال، حرصا ونـهمة وشقاء.
وقوله (وليس بنافع ذا البخل مال)، يريد أن البخيل لاينتفع بماله، لنـه يجمعه ويتركه لغيره، والسخاء لايقصر بصاحبه، بل يرفع منـه، ويكسبه الحمد والأحدوثة الجميلة.
وقوله (وبعض الداء ملتمس شفاه) جعل الداءللجنس فناب عن الجمع فقال: بعضها يعرف شفاؤه فيطلب إزالته، وداء الحمق لاشفاء له، ولامحيد لصاحبه عنـه. وقوله (شفاه) قصر الممدود، وهذا لاخلاف في جوازه على المذهبين.
وقال يزيد بن الحكم
يا بدر و الأمثال يض ... ربها لذي اللب الحكيم
دم للخليل بوده ... ما خير ود لا يدوم
قوله (والأمثال يضربها) اعتراض دخل بين قوله (يا بدر) وبين دم للخليل من البيت الثاني، ونبه بهذا الاعتراض على أن وصيته وصية حكيم، وأن اللبيب العاقل يأخذ بها ويتأدب.
ومعنى قوله (دم للخليل بوده) أي بودك له، فأضافه إلى المفعول، و المصدر كما يضاف إلى الفاعل يضاف إلى المفعول. وقوله (ما خير ود) استفهام على طريق الاستثباب والقصد إلى النفي و المعنى: أن الوداد إذا لم يصف ولم يدم فلا خير فيه. وقوله (لايدوم) صفة لود. تلخيصه: أي شيء خير ود غير دائم.
واعرف لجارك حقه ... والحق يعرفه الكريم
واعلم بأن الضيف يو ... ما سوف يحمد أو يلوم
والناس مبتنيان مح ... مود البناية أو ذميم
يقول: ارعف حق الجوار لمجاورك، فإن الكريم هو الذي يعرف حق مثله. وقوله (والحق يعرفه) الواو واو الحال، وهو واو الابتداء. فإذا رويته بالواو يكون حالا لقوله حقه، كأنـه قال: اعرف حقه معروفا للكرام، وهو معروف للكرام.
وقوله (واعلم بأن الضيف) يقال علمت كذا، وبكذا. وهذه الوصاة بالضيف قد عللها بقوله(سوف يحمد أو يلوم). و المعنى: أحسن إليه وتفقده، عالما بأن نزوله بك يجلب حمدا إن أحسنت إليه، أو لوما إن أسأت إليه أو قصرت في حقه.
وقوله (محمود البناية) أتى بالبناية غير مبنى على مذكر حصل من قبل، ثم ادخل تاء التانيث عليه، فهو كالثناية اسم الحبل، والشقاوة والرعاية والغباوة. ولو كان مبنيا على مذكر لكان (البناءة) لأن الواو و الياء إذا كانا حرفي إعراب بعد ألف زائدة تبدل منـهما الهمزة. على ذلك: الرعاء و الكساء و الرداء و الباب كله.
ومعنى البيت: ان افعال عقلاء الناس لاتخلو من أن تكون مما يستحق بـه حمد او ذم، فهم يبنون مبانيهم، ويؤسسون مكاسبهم على أحد هذين الركنين، وذلك لأن الأفعال تابعة للأغراض، وغرض العاقل إليهما ينقسم، فانظر ماذا تجلب على نفسك بما من فعلك، وتدخره من كسبك.
وارتفع (محمود) على أنـه بدل من (مبتنيان)، أو خبر مبتدأ محذوف، كأنـه قال: هما محمود البنية أو ذميم.
واعلم بني فإنـه ... بالعلم ينتفع العليم
أءن الأمور دقيقها ... مما يهيج له العظيم
والتبل مثل الدين تق ... ضاه وقد يلوى الغريم
والبغي يصرع أهله ... والظلم مرتعه وخيم
قوله (بني) إن ضممته فهو منادى مفرد، وإن كسرته فهو منادى مضاف وقد حذف ياء الإضافة. وإذا كان ياء الإضافة في المنادى يحذف في نحو يا غلام لأن الكسرة تدل عليه، وهو واقع موقع ما يحذف في هذا الباب وهو التنوين وباب النداء باب حذف، لكثرة الاستعمال، فهو في بني أولى بالحذف، لاجتماع الياءات والكسرات. في آخرهاوقوله (فإنـه بالعلم يتنفع العليم) الهاء ضمير الأمر والشأن، والجملة اعتراض بين اعلم ومفعوليه. والمراد باستعمال العلم، وذاك أن من علم طرق الرشاد ثم لم يسلكها كان معرفته بها وبالا عليه.
وقوله (إن الأمور) مفعول واعلم، ودقيقها مبتدأ وما بعده خبره، والجملة خبر إن. ولك أن تكسره فتقول (إن) عل الاستئناف، ويكون واعلم معلقا و المعنى: أن الشر يبدؤه أصغره، كما أن السيل أوله مطر ضعيف. وهذا الكلام بعث على النظر في ابتداءات الأمور وتصور عواقبها.

(1/366)

وقوله (والتبل مثل الدين)، التبل: الذخل، ومعنى يلوي يمطل، ومصدره اللي و الليان. وفي الحديث: (لي الواجد يحل عقوبته). وقد روى (يلوى) و (يلوى) فإذا رويت يلوى بالكسر ، فمعناه يذهب بالحق، يقال: الوى بالشيء إذا ذهب به، و (يلوى) هو بناء ما لم يسم فاعله، لوى إذا مطل. و الغريم: اسم لمن له الدين، وللذي عليه الدين. وأصل الغرامة اللزوم، ولكون كل واحد منـهما ملازما لصاحبه إلى أن ينقضي ما بينـهما أجرى الاسم عليهما. و المعنى أن الوتر و الذحل كالدين على الواتر، فهو بعرض المطالبة بـه كالغريم ثم، قد يقضي وقد يمطل، فلا تكتسبه، لأن العداوات وخيمة الأواخر، سيئة المبادىء.
وقوله (و البغي يصرع أهله) يقول: وإذا كان لك خصم في شيء فلا تستهن به، ولا تستعمل البغي معه، فإن من بغى عليه بعرض النصرة، والباغي بعرض التلف والهلكة، ولاتظلم فإن الظلم ذميم المرتع وبيله، وفظيع المسمع قبيحه. ويقال: ظلمته ظلما بفتح الظاء وهو المصدر، وظلما بضم الظاء و هو الاسم.
ولقد يكون لك الغري ... ب أخا ويقطعك الحميم
والمرء يكرم للغنى ... ويهان للعدم العديم
قد يقتر الحول التق ... ي ويكثر الحمق الأثيم
يملى لذاك ويبتلي ... هذا فأيهما المضيم
قوله (ولقد يكون) معناه أن لوفاء قد يكون في الغريب إذا آخيته، والخيانة تتفق من القريب إذا صافيته، فانظر لنفسك إذا اخترت، ولا تعتمد القربى و القرابة، فإن المواخاة مبنية على الأصول الزكية، والنفوس الوفية، لا على الأنسا و الأسباب.
وقوله (والمرء يكرم) يقول: ادخر المال واسع في جمعه، وإياك و استعمال التبذير فيه، فإن اليسير منـه مع حسن التدبير يتصل بقاؤه، و كرامة المرء متسببة عن غناه، كما أن هوانـه في قران فقره. وقوله (والمرء) ارتفع بالابتداء، وخبره يكرم، وقد عطف على هذه الجملة جملة مخلفة لها من التقارب لما صلح ذلك. ومثله قول الآخر:
أموف بأدراع ابن ظبية أم تذم
على العكس من هذا قول الله تعالى: سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون ، لأن هذا عطف فيه على المبتدأ و الخبر على الفعل و الفاعل.
وقوله (قد يقتر الحول) فالحول: الكثير الحيلة. وصحح بناؤه ولم يقل إخراجا له على أصله، وتنبيها أن ما علل من نظائره كان حكمـه أن يجيء على هذا. ومما جاء على القياس من نظائره: رجل مال وصات وما أشبههما. وكذلك هذا كان يجب أن يقال حال. والمعنى أن الكثير الحيل، الخراج الولاج، وهو سديد في طرائقه، قد يفتقر فيكون مقلا، وأن المائق الناقص في عقله، المكتسب بجهله، المرتكب للأوزار بحرصه، قد يستغنى هو فيكون مكثرا، إذ كانت القسم والحظوظ لا تقف علي كيس المرء وخرقه، ولا على تقاه وفسقه.
وقوله (يملى لذاك) أشار بذاك إلى الحمق الأثيم، وبهذا إلى الحول التقى. وقد طابق بذاك وهذا فيقول: أملي لذاك الجاهل وأرخى له الحبل فنال ما نال، وابتلى هذا الحول التقي حتى شقى وحرم، فأيهما المظلوم. والمعنى أن ذلك من قسمة من عرف مصالح خلقه، وعلم ما يتأدى إليه حال كل واحد منـهم، فاختار الأحكم في التدبير، والأصلح للصغير والكبير.
والمرء يبخل في الحقو ... ق وللكلالةما يسيم
ما بخل من هو للمنو ... ن وريبها غرض رجيم
ويرى القرون أمامـه ... همدوا كما همد الهشيم
يقول: ترى الرجل يسوف بما يلزمـه من أداء الحقوق، فيبخل بإخراجه وأدائه، فيموت عما يجمعه ويبخل به، ويتركه للكلالة. والكلالة هم الوارث وقد خلوا من الوالد والولد. وأصله من تكلله النسب، إذا أحاط به. وقيل هو من الكلال: الإعياء ؛ كأن بعد النسب أكله. وقوله (مايسيم) يجوز أن يكون مصدرا، كأنـه قال: فإسامته لماله للغيرلا لنفسه. ويجوز أن يكون ما بمعنى الذي، وقد حذف الضمير العائد إليه من يسيم، كأنـه قال: وللورثة ما له الذي يسيمـه. والإسامة: إخراج المال إلى المرعى. ويقال أسمت البعير فسام. ومنـه السائمة للمال: الراعية.

(1/367)

وقوله (ما بخل من هو) استفهام على طريق الإنكار. فيقول: ما يغنى بخل من هو للحوادث كالغرض المنصوب للرمي، فإذا علم من نفسه أنـه غير مخلد، بل هو منقول من دار الفناء إلى دار البقاء، فلماذا يمسك ولا ينفق، ويجمع ولا يفرق. هذا وقد رأى الأمم الخالية قبله ماتوا وفنوا فعادوا رميما، كما يهمد النبات فيصير بعد نضارته دريبنا هشيما، وهو اليابس المتشـهم الأسود لطول القدم. والمنون يكون اسما للدهر فيذكر، ويراد بـه المنية فيؤنث. وهو من المن: القطع. فلك أن تروى:(وريبه) (وريبها) جميعا. ومعنى (وريبها) نزولها، قال أبو عبيدة: راب عليه الدهر، أي نزل. وقد يراد بريب الزمان أحدائه وصروفه الرائبة.
وتخرب الدنيا فلا ... بؤس يدوم و لانعيم
كل امرىء ستئيم من ... ه العرس أو منخها يئيم
ما علم ذي ولد أيث ... كله أم الولد اليتيم
يقول: وإذا كانت الدنيا مبنية للفناء لا للبقاء، والخراب لا للعمارة، وكذلك أعراضها مخلوقة للزوال لا للدوام، وقرب الأمد في الاستمتاع بالمعار لا الإملاء، فلماذا يفرح الإنسان بما ينال، ويجزع لما يفوت، وكل بائد غير ثابت، ومستلب غير موفر.
وقوله (كل امرىء)، يقول: إن الأليفين فيها لابد من فقدان أحدهما للآخر، والبعل يموت فتبقى العرس منـه أيما، لتقدم موته، والعرس تموت فيبقى هو منـها أيما لتقدمـها. ويقال: رجل أيم وامرأة أيم. وقد آمت تئيم أيمة. وكذلك ذو الولد لايدري أيموت فيتيم الولد، أم يهلك الولد فيثكل الوالد، فإن سكان الدنيا موعودون آجال منتظرة، مدعوون لأحوال مؤخرة.
وقوله (ما علم ذي ولد) استفهام معناه النفي، و المراد: لايعلم الوالد ما يكون منـه ومن ولده في الإمـهال والاستعجال، أي لايدري أي الأمرين يقع. وقد عطف قوله(أم الولد اليتيم) وهو جملة من ابتداء وخبر على (أيثكله) وهو فعل وفاعل. وجاز ذلك لما قدمته.
والحرب صاحبها الصلي ... ب على تلاتلها العزوم
من لايمل ضراسها ... ولدي الحقيقة لايخيم
واعلم بأن الحرب لا ... يسطيعها المرح السؤوم
والخيل أجودها المنا ... هب عند كبتها الأزوم
الصليب: الصلب ذو الصلابة. والتلاتل: الشدائد، ويقال: تلتله، إذا حركه ، يقول: وصاحب الحرب هو الصبور على شدائدها، القوى العزم في مصارفها، الحامي الشكة على نوائبها، فلا يمل عضاضها، ولايخيم عند حقائقها. ومعنى يخيم: يجبن.
وقوله (من لايمل ضراسها) في موضع الرفع على أن يكون بدلا من قوله الصليب. والضرس: العض، وأصله إصابة الشيء بضرسه.
ثم قال: واعلم أن الحرب لايطيقها الملول النزق، العجول الطرف، لأن مبانيها على الصبر و الثبات، و التدبير السديد، والحذر الشديد، واستعمال الإقدام في وقته، والإحجام لدى موجبه. وقوله (لايسطيعها) يريد لايستطيعها. والماضي منـه اسطاع يستطيع بكسر الهمزة، وأصله استطاع، وقوله (والخيل أجودها) يريد: خير الخيل ما ينتهب الأرض انتهابا في سعيه. وقال الخليل: المناهبة: المباراة في الجري و الحضر. ومعنى (عند كبتها) أي حملتها. وسئل رجل: كيف طعنت قتيلك؟ قال: (طعنته في الكبة، طعنة في السبة فأنفدتها من اللبة). وكل ما جمعته فقد كببته ومن كبة الغزل. والأزم: العض، وكنى بـه عن الاحتماء فقيل:(نعم الدواء الزم)، فكأنـه أراد بالأزم هنا الصبر و الثبات.
وقال منقذ الهلالي
أي عيش عيشي إذا كنت منـه ... بين حل وبين وشك رحيل
كل فج من البلاد كأني ... طالب بعض أهله بذحول
ما أرى الفضل و التكرم إلا ... كفك النفس عن طلاب الفضول
وبلاء حمل الأيادي وأن تس ... مع منا تؤتىبه من منيل
قوله (أي عيش) استفهام مبتدأ. والمعنى الإزراء بـه والذم له. (وإذا) تعلق بما دل عليه عيشي. والمراد؛ إذا كنت من عيشي بين سفر متواصل، ونزول وارتحال متتابع، ولاأنال دعة، ولا أحصل خفضا وراحة، فكأنـه لا عيش لي. وقوله:
كل فج من البلاد كأني ... طالب بعض أهله بذحول
قد سلك مثل هذا المسلك أبو تمام في قوله:
كأن بـه ضغنا على كل جانب ... من الأرض أو شوقا إلى كل جانب

(1/368)

والمعنى: أني لا أقتصر على قصد منتوى، ورمى نفسي في جانب من الأرض مرتمى، ولكني أتنقل في أطراف الأرض وآفاقها، وأضرب في أعراض البسيطة وأعماقها، كأني أطلب بعض أهلها بترة، فهو في الهرب وأنا في الطلب.
وقوله (ما أرى الفضل) ينبه بـه على أن سعيه في إصلاح عيشـه، وترك ما لايعنيه من شأنـه، فقال: ليس الفضل و العفاف، وحبس النفس فيما بينك و بين الناس على التكرم و الكفاف، إلا إذا زممت نفسك عما يتجاوز رم الحال، ووقفت عندما يمكن الاكتفاء بـه من المعاش. فمن البلاء العظيم تحمل النعم عن المفضلين، وسمعك امتنان المنيلين. وهذا دأبى فيما ألتزمـه من التعب، وأحمل عليه نفسي من التجوال في البلاد و التقلب. وارتفع (بلاء) على أنـه خبر مقدم، و المبتدأ حمل الأيادي. وقوله (تؤتى به) من صفة المن.
وقال محمد بن أبي شحاذ
إذا أنت أعطيت الغنى ثم لم تجد ... بفضل الغنى ألفيت مالك حامد
إذا أنت لم تعرك بجنبك بعض ما ... بريب من الأدنى رماك الأباعد
قوله (إذا أنت) جوابه ألقيت، وهو الفعل الواقع فيه، لأن إذا بتضمنـه للجزاء يطلب جوابا ويكون ظرفا له، فيقول: إذا نلت اليسار والغني، ومكنت من أطماع الدنيا فملكتها، ثم لم تتسخ بما يفضل من وجدك ، وجدت لا يثنى عليك حامد، ولا يحفظ غيبك ذائد، وفي الثناء الباقي على الدهر خلف من نفاذ العمر، فإن لم تكتسبه بما تناله لحقك الذم ممن ألحاظهم سهام، وألفاظهم سمام. وقوله (إذا أنت لم تعرك) جوابه رماك الأباعد. وكما بعث في البيت الأول على الإفضال وذم الإمساك مع القدرة، بعث في هذا البيت على مصابرة العشيرة واستبقائهم، وترك مؤاخذتهم بما يتفق من هفواتهم، وتدقيق محاسبتهم علي بدوائهم وزلاتهم. فقال: لا يؤمنك إقبال الدنيا عليك إدبارها عنك، ولا دولة لك من إدالة منك. وأعلم أنك إذا لم تعف عما يريبك من أدانيك، ولم تحتمله في عفوك وحلمك، اجترأ عليك الأباعد فرموك بما لا صبر لك عليه من أذاهم ومكروههم. ويقال: عركت كذا بجنبي، أي احتملته وجعلته مني بظهر. والعرك والدلك بمعنى واحد. وقال:(بعض ما يريب من الأدنى)، إشارة إلى ما يكون فيه على الحلم محمل. لأنـه ليس كل ما يريب يعد التجافي عنـه حسنا.
إذا الحلم لم يغلب لك الجهل لم تزل ... عليك يروق جمة ورواعد
إذ العزم لم يفرج لك الشك لم تزل ... جنيبا كما استتلى الجنيبة قائد
قوله (إذا الحلم) جوابه لم تزل، فيقول: تحلم في كثير مما يعروك ويطرقك، وانظر أن تكون لك الغلبة على جهلك، والتملك لاحتدادك وصولك، فإنك إن لم تستعمل الأناة في مقارضاتك، وتسرعت إلى المكافأة على ما يظهر لك، ولم تضن بمن بلوته فعرفت مذاهبه، وخبرت خلائفه وصار مستمد رأيك ومشتكي حزنك لم تنتفع بغيره، واجتمعت عليك البروق والرواعد ممن تعده لك وعليك. وهذا مثل لأنواع الأذى والمكروه، والتوعد بضروب القول، وفنون الفعل. وقوله (إذا العزم لم يفرج) جوابه لم تزل جنيبا. والمعنى: أنظر لنفسك فيما تشرف عليه طالبا للحزم ثم اعزم، ودع التشكك والتلوم فيما يريك رأيك وإلا بقيت تابعا لغيرك، متوقفا فيما يمسك، كما يستتبع قائد الخيل مجنوبا له. وهذا بعث على اقتحام الأمور، واستعمال الإستبداد فيها بعد النظر والتحزم في الظاهر، وترك التعرج على قول مانع، أو دفع مزاحم، أو مذكر بعاقبة. كما وصى في البيت الذي قبله بالرفق في الأمور التي تكسب العداوات، واستعمال الصبر فيما يجلب الضغائن ويهيج التراث.
وقل غناء عنك مال جمعته ... إذا كان ميراثا وواراك لأحد
تجللت عارا لا يزال يشبه ... سباب الرجال نثرهم و القصائد

(1/369)

المراد بذكر القلة هاهنا النفي، لا إثبات شيء قليل. وانتصب (غناء) على الحال، أي مغنيا عنك. فيقول: لا يعني عنك مال تجمعه إذا ذهبت عنـه وتركته لورثتك، فإن ما تملكه هو ماتنفقه أيام حياتك، وتصرفه فيما يدخر لك أجرا، أو يكسب لك حمدا، فأما إذا سترك من يلحد قبرك، فما تتركه لغيرك لا حظ لك فيه ولا نصيب، بل تكتسي عارا منـه لا يزال يوقد ناره، ويرفع في المحافل ذكره سباب الرجال، من النثر تارة ، ومن النظم أخرى، لأن الباخل مذموم بكل لسان حيا وميتا، وفي كل زمان موجودا ومفقودا، ثم تراه كالجاني على كل من يعرفه، فهم يذمونـه بظهر الغيب، ويقذعونـه في الحضور، فلا يزال مسبوبا ، مأكول اللحم مدحورا.
وقال:
ويلم لذات الشباب معيشة ... مع الكثر يعطاء الفتى المتلف الندى
وقد يعقل القل الفتى دون همـه ... وقد كان لولا القل طلاع أنجد
لفظه (ويل) إذا أضيفت بغير اللام فالوجه فيها النصب، تقول: ويل زيد، والمعنى ألزم الله زيدا ويلا، فإذا أضيفت باللام فقيل: ويل لزيد، فحكمـه أن يرفع فيصير مع ما بعده جملة، ابتدىء بها وهي نكرة لأن معنى الدعاء منـه مفهوم. والمعنى: الويل ثابت لزيد. كأنـه عدد محصلا له، كما يقال: رحيم الله زيدا! فيجعل اللفظ خبرا. وإذا كان حكم ويل هذا وقد ارتفع في قوله (ويلم لذات الشباب) فمن الظاهر أن أصله ويل لأم لذات الشباب، فحذف من أم الهمزة، واللام من ويل، وقد أبقى حركة الهمزة على اللام الجارة، فصار ويلم. وقيل: ويلم، كما قيل: الحمد لله و الحمد لله إتباعا إحدى الحركتين الأخرى، وقصده إلى مدح الشباب وحمد لذاته بين لذات المعاش وقد طع لصاحبه الكثر، وهو كثرة المال، فاجتمع الغنى والشباب له وهو سخي مبذر فيما يكسبه ذكرا جميلا، وصيتا عاليا. ثم قال: وقد يحبس قلة المال صاحبه دون ما يهتم له أو يهتم به. وقد كان لولا إضافته وقلة المال صاحبه دون ما يهتم له أو يهتم به. وقد كان لوللا إضافته وقلة ذات يده طلابا للترقي في درجات الفضل والإفضال، طلاعا على عوالي الرتب في النـهايات. وانتصب (معيشة) على التمييز.
وقالت حرفة بنت النعمان
بينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن منـهم سوقة نتنصف
فأف لدنيا لا يدوم نعيمـها ... تقلب تارات بنا وتصرف
بينا: كله تستعمل في المفاجآت، وهي من ظروف الزمان. وقد يقال بينما؛ كأنـهم أرادوا أن يصلوه بدلا مما كان يضاف إليه من قبل الناس وندبر أمرهم بما نريد، وطاعتنا واجبة، وأحكامنا نافذة، إذا الأمر انقلب فانضعت الأحوال، وتسلطت الأبدال. وصرنا سوقة نخدم الناس. والناص في اللغة: الخادم. والسوقة: من دون الملك. ومعنى (والأمر أمرنا)، أي لا يد فوق أيدينا. والعامل في بينا مادل عليه قولها (إذا نحن منـهم سوقة). وإذا هذه ظرف مكان، وهي للمفاجأة، وقد تقدم القول فيه.
وقوله (فأف) فيه لغات عدة، يفتح ويكسر ويضم،وينون في كل ذلك ويترك التنوين فيه. وهو اسم من أسماء الفعل، وأسماء الفعل أكثر ما تقع في الأمر والنـهي، وفي باب الخبر تقع قليلا، فمنـها أف هذه، وواها، وهيهات وأحرف أخر. ومعنى أف الحقير. كأنـه قال: حقارة لدنيا نعيمـها يزول، وحالها لا يدوم، بل تقلب بأهلها وتتحول، وتتصرف بطلابها وتتبدل. فمن فتح أف فلخفة الفتحة، ومن كسر فلالتقاء الساكنين؛ لأن الكسر فيه أولي، ومن ضم فلإنباع الضمة الضمة. والتنوين فيه أمارة للتنكير، وترك التنوين أمارة للتعريف.
وقال الحكم بن عبدل
أطلب ما يطلب الكريم من ال ... رزق بنفسي وأجمل الطلبا
وأحلب الثرة الصفى ولا ... أجهد أخلاف غبرها حلبا
يقول: مطالبى من الدنيا ومراغبي على حد من استعمال الكرم والتعفف، لايزري بي نظر الناظر إلي، لأني إذا طلبت أجملت، وإذا سدت مفاقري اكتفيت، ثم لاأعول فيما أزاوله إلا على نفسي، متهما سعي غيري، وكل ذلك أبقى على مراعاة العفاف والكفاف.

(1/370)

وقوله: (وأحلب الثرة الصفي) يقول: أعلق طمعي بمن إذا استدر حلبه كان غزيرا، لأني لاأسف للمطامع الدنية، ولا أضع نفسي في المواضع الخسيسة. والثرة: الغزيرة. ويقال: عين ثرثار ، إذا كانت كثيرة الماء. والصفى: الجامع بين محلبين في حلبة. وقوله (ولا أجهد أخلاف غبرها حلبا) انتصب الحلب على أنـه مصدر في موضع الحال. والمعنى: أني لاأطلب الزهيد الحقير القدر، ولا أستدر البكى القليل الدر. والحلب قد يراد بـه المصدر، وقد يراد بـه المحلوب.
إني رأيت الفتى الكريم إذا ... رغبته في صنيعة رغبا
والعبد لايطلب العلاء ولا ... يعطيك شيئا إلا إذا رهبا
مثل الحمار الموقع السوء لا ... يحسن مشيا إلا إذا ضربا
قوله (إني رأيت الفتى الكريم) يقول: إن من تكرم عروقه و تزكو أصوله، إذا دعوته إلى اصطناع صنيعة، وهززته لابتناء مكرمة، أجابك حريصا على استغنامـه. وترى الدنى الخسيس الهمة والنفس لايطلب ارتفاعا ولا يكسب ادخارا، ولا يسمح بشيء إلا عن رهبة، فعل من لايبتغي في مصارفه حمدا، ولايقتني ليومـه وغده خلا، فهو كالحمار السوء، الذي بظهره آثار دبر وقد ذلل في العمل، لايجيب إلا إذا استحث حتى يضرب، بلادة منـه وكسلا. وقوله (لايحسن) موضعه من الإعراب نصب على الحال. وارتفع (مثل) على أنـه خبر مبتدأ مضمر.
وقوله (مثل الحمار الموقع) يجوز أن يراد منـه الذي في ظهره أثر الإكاف أو الدبر، ويجوز أن يراد بـه المذلل، كما يقال: طريق موقع. ويجوز أن يكون من وقعت الحديدة، إذا ضربتها بالميقعة، كأنـه لبلادته يضرب كثيرا.
ولم أجد عروة الخلائق إلا ... الدين لما اعتبرت والحسبا
قد يرزق الخافض المقيم وما ... شد بعنس رحلا ولاقتبا
ويحرم المال ذو المطية والرحل ومن لا يزال مغتربا
قوله (لم أجد) يريد أن مساك الخلائق الشريفة، ووثائق عراها، إنما هي إذا اعتبره المعتبر في الدين وعمارته، وفي الشرف وتحصيله. كأنـه جعل طلب الحسب للدنيا وأسبابها والاعتلاء فيها، وجعل الدين للآخرة وتقديم ما يفوز بـه من رضا الله عز وجل، والثواب الجسيم.
وقوله (قد يرزق الخافض المقيم) سلك فيه مسلك الآخر في قوله:
ماذا يكلفك الروحات والدلجا ... البرطورا وطورا تركب اللججا
البيتين، وقد تقدما.
والخافض: الوداع الذي لم يحدث نفسه بتجوال وارتحال. فيقول: قد ينال الرزق الواسع من لايؤثر على الإقامة في وطنـه شيئا، وقد ترى قاطع الشقة البعيدة، وصاحب الرحل و المطية، الصابر على الغربة، محروما مضيق العيش، مكدود العمر. والرحل: مركب البعير؛ والرحالة نحوه؛ وهوالسرج أيضا. والقتب: إكاف الجمل، كذا ذكره الخليل. وقوله (ذو المطية والرحل)، الرحل: مصدر رحلت البعير، إذا شددت عليه الرحل.
وقال آخر:
يأيها العام الذي قد رابني ... أنت الفداء لذكر عام أولا
أنت الفداء لذكر عام لم يكن ... نحسا ولا بين الأحبة زيلا
يفضل أيامـه الماضية على أيامـه الحاضرة، فقال كالمخاطب لها: أيها العام الذي قد أتى بما يريبني، جعلك الله فداء لعام أول من عامي، تقضى بما سرني. وقوله (عام أولا) مما ألف فيه كثرة الاستعمال، فوصف بصفة لم توصف بـه نظائره، اعتمادا على التعارف. والمراد بهذا أنـه لم يقل شـهر أول ولا حول أول، ول سنـهة أولى، وإنما خص هو بذلك لكثرة الاستعمال، ولأن دلالة الحال وتعارف المتكلمينبه سوغ الحذف والإجراء على ما ألف قيه.
وقوله (أنت الفداء) يريد تكرير الدعاء على التضجر بحاضر وقته وعامـه، والتنبيه على ما رابه منـه. فيقول: جعلك الله فداء لذكر عام لم يعد بمنحسة، ولاحكم بين الأحبة بفرقة. وإنما قال (لذكر عام) لأن العام وقد تقضى لايصح فيه التفدية. والنحس: ضد السعد، وقد وصف بـه الغبرة و الأمر المظلم. وفي القرآن: في أيام نحسات . ويقال: رجل منحس أي محزون.
وقال الفرزدق
إذا ما الدهر جر على أناس ... حوادثه أناخ بآخرينا
فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا

(1/371)

يقول: إذا صروف الدهر أناخت على قوم بإزالة نم، وتكدير عيشـهم، فجرت عليهم أذيال الشر والتغيير، ودرست آثارهم ومحت دولهم، تراها تنتقل إلى آخرين، لأنـها كما تهب ترتجع، وكما تولى تستلب.
ثم قال: قل لمن شمت بنا فيما رأى من أثر الزمان فينا: انتبهوا من رقدتكم واصحوا من شمانتكم، فستلقون كما لقينا، وتمتحنون كما امتحنا؛ لأن حياتنا وجميع ما في أيدينا عوار، والعواري تسترد وإن طالت المـهلة.
وقال الصلتان العبدي
أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الليالي ومر العشى
إذا ليلة هرمت يومـها ... أتى بعد ذلك يوم فتى
نروح ونغدو لحاجاتنا ... وحاجة من عاش لاتنقضي
ذكر في الأبيات ما تدور عليه دوائر الأيام، وصروف الأزمان، وأنـها لاتقف عند غابة، ولا تعرف فيما تجري فيه مقر نـهاية، وأن من عادتها تغيير الأمور، وفي تقضيها وقضاياها تحويل الأحوال، فقال: إن كرور الأيام، ومرور الليالي والأوقات، تراها تجعل الصغير كبيرا، والكبير حقيرا، وتجعل الطفل شابا، والشيخ فانيا، فكلما خلقت جدة يوم جاء بعدها يوم آخر فتى جديد، ونحن فيها ندأب في حاجاتنا، فلا نحن نمل، ولا حاجاتنا تفنى أو تقل، ولا الوقت بنا يقف، ولا واحد منا ينتظر أو يتوقف، إذ كان ذو العيش مآربه متصلة، كما أن أوقاته دائرة متتابعة.
معنى هرمت يومـها: ضعفته مسلما للزوال. ويقال: هو ابن هرمة أبيه، كما يقال: هو ابن عجزة أبيه، لآخر الأولاد، كأنـه من الهرم. والهرمى من الخشب: مالا دخان له، لعتقه وذهاب قوته. والفتى مصدره الفتاء، وضده الذكي. ويقال: فتاء فلان كذكاء فلان وكتذكية فلان.
تموت مع المرء حاجاته ... ويبقى له حاجة ما بقي
إذا قلت يوما لمن قد ترى ... أروني السرى أروك الغنى
يقول: تموت مع المرء حاجاته. يريد أن المرء ما دام حيا فمآربه وشـهواته تتجدد تجدد الأوقات، وأمانيه تتصل ما اتصل عمره، فإذا جاء أجله وتناهى أمده، انتهت مآربه، ووقفت مطالبه.
وقوله (إذا قلت يوما لمن قد ترى) يريد: وإن سألت كل من تقع عينك عليه من المميزين، عن سراة الرجال وكرامـهم، أحالوا على المثرين وإن ضعفت رغباتهم في اكتساب الخير، واستجلاب الحمد. والسرو: سخاء في مروة. ويقال: سرو الرجال يسرو، وهو سري من قوم سراة. وكأن هذا سلك مسلك الآخرحين قال:
وأن ثراء المال ينفع ربه ... ويثني عليه الحمد وهو مذمم
ألم تر لقمان أوصى بنيه ... وأوصيت عمرا ونعم الوصي
بني بدا خب نجوى الرجال ... فكن عند سرك خب النجى
وسرك ما كان عند أمرىء ... وسر الثلاثة غير الخفى
معنى (ألم تر): اعلم. ويريد التنبيه على أن له في وصاته ابنـه اقتداء بالحكماء قبله، فكما ساغ للقمان أن يوصي ابنـه ساغ للصلتان أن يوصي عمرا ولده. والمحمود في قوله (نعم الوصى) محذوف، كأنـه قال: ونعم الوصى هو. وهذا ترغيب منـه لعمرو في الاحتذاء بما يرسم له. وقوله (بني بدا خب نجوى الرجال) فالخب: المكر بكسر الخاء، والخب بفتحها: المكار. ومثله رجل صب. والنجوى: مصدر، وهو يستعمل فيما يتحدث فيه اثنان على طريق الستر والكتمان. فيقول: إذا ناجيت صاحبا لك فكن خبا فيما تودعه من سرك، فإن نجوى الرجال إذا بدا خبها، ومكر أربابها فيها، عادت وبالا وفضيحة. والنجي يقع على الواحد والجمع، وكذلك النجوى. وفي القرآنإذ هم نجوى.
وقوله(وسرك ما كان عند امرىء) ذهب فيه مذهب من قال:
إذا جاوز الاثنين سر فإنـه ... ببث وتكثير الوشاة قمين
وقد قيل في (الاثنين) من هذا البيت أراد بـه الشفتين. وكأن من فسر هذا التفسير يريد: لاتتفش سرك إلى أحد.
آخر باب الأدب، والحمد لله وحده، والصلاة على نبيه محمد وآله بعده.
وقال الصمة بن عبد الله القشيري
حننت إلى ريا ونفسك باعدت ... مزارك من ريا وشعبا كما معا
فما حسن أن تأتي الأمر طائعا ... وتجزع أن داعي الصببابة أسمعا

(1/372)

الحنين: تألم من الشوق وتشك. وريا؛ اسم امرأة. فإن قيل: هلا قيل روى، لأن فعلى إذا جاء اسما من بنات الياء يقلب ياؤه واوا، على هذا الفتوى والشروى والتقوى والبقوى؟ قلت: إنـه سمي بـه منقولا عن الصفة، وفعلى صفة يصح فيه الياء، على هذا قولهم: خزيا وصديا وريا كأنـه تأنيث ريان في الأصل، كما يقال عطشان وعطشى، ثم نقل من باب الصفات إلى بابالتسمية بها فترك على بنائه. وقوله (ونفسك باعدت) الواو واو الحال، وهي للابتداء، ومعنى باعدت بعدت، وهو كمل يقال ضاعفت وضعفت. وفي القرآن: باعد بين أسفارنا، والمزار: اسم مكان الزيارة. والشعب. شعب الحي، يقال: التأم شعبهم، أي اجتمعوا بعد تفرق، وشت شعبهم، إذا افترقوا بعد تجمع. وقوله (وشعبا كما معا) الواو واو الحال أيضا، والعامل في (ونفسك باعدت) حننت، وفي قوله: (وشعبا كما) باعدت. ومعنى قوله: (معا) مجتمعان و مصطحيان، وموضعه خبر المبتدأ.
وقوله (فما حسن أن تأتي الأمر طائعا) في حسن وجوه: يجوز أن يكون مبتدأ، وجاز الابتداء بـه وهو نكرة لاعتماده على حرف النفي، و (أن تأتى) في موضع الفاعل لحسن، واستغنى بفاعله عن خبره، والتقدير: ما يحسن إتيانك الأمر طائعا. وانتصب طائعا على الحال من أن تأتي.ويجوز أن يرتفع حسن على أنـه خبر مقدم، وأن تأتي في موضع المبتدأ. ويجوز أن يرتفع حسن بالابتداء وأن تأتي في موضع الخبر، وهذا أضعف الوجوه لكون المبتدأ نكرة والخبر معرفة.وقوله (وتجزع أن داعي الصبابة) أن مخففة من أن الثقيلة، والمراد: وتجزع من أن داعي الصبابة أسمعك صوته ودعاك. ومعنى البيتين: شكوت شوقك إلى هذه المرأة، وأنت آثرت البعد عنـها بعد أن كان حيا كما مجتمعين، وليس بجميل اختيارك الأمر طائعا غير مكره. وجزعك بعده، لأن داعي الشوق والعائد منـه إليك أسمعك وحرك منك.
قفا ودعا نجدا ومن حل بالحمى ... وقل لنجد عندنا أن يودعا
وليست عشيات الحمى برواجع ... عليك ولكن خل عينيك تدمعا
يخاطب صاحبين له يستوقفهما ويكلفهما توديع نجد معه والناول بالحمى منـه. ثم استأنف فقال ملتفتا: ويقل لنج وساكنـه التوديع من، لأن حقهما أعظم من ذلك، ولكنا لانقدر على غيره. والحمى: موضع فيه ماء وكلأ يمنع منـه الناس. ويقال: أحميت المكان، إذا جعلته حمى. وحكى ابن الأعرابي أنـهم يقولون للمكان وقد أبطل وأبيح ولم يحم: بهرج. وأنشد:
فخيرت بين حمى وبهرج ... ما بين أجراذ إلى وادي الشجى
وقوله (أن يودعا) في موضع الفاعل لقل. ومعنى قوله (وليست عشيات الحمى برواجع) أنك وإن أفرطت في الجزع، فإن أوقات المواصلة بالحمى مع أحبابك لاتكاد تعود، ولكن أدم البكاء لها، مع التوجع في إثرها، تجد فيه راحة. وفي هذا إلمام بقول الآخر:
فنلت له إن البكاء لراحة ... بـه يشتفي من ظن ألا تلاقيا
وقوله (تدمعا) جواب الأمر. ولو قال تدمعان، لكان حالا للعينين.
ولما رأيت البشر أعرض دوننا ... وحالت بنات الشوق يحنن نزعا
بكت عيني اليمنى فلما زجرتها ... عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا
البشر: جبل. وأعرض دوننا: ابدى عرضه. وحالت: تحركت. يقال: استحلت الشخص، إذا نظرت هل يتحرك. ومنـه لاحول ولا قوة إلا بالله! والمعنى: لما تباعدنا عن نجد؛ وحجز بيننا وبينـه البشر، تحركت بنات الشوق نوازع كثيرة الحنين، مظهرة ضعف الصبر. وجواب لما قوله (بكت عيني اليمنى). وأراد ببنات الشوق مسبباته. وهذا كما قال الآخر:
يضم إلى الليل أطفال حبها ... كما ضم أزرار القميص البنائق
فأطفال الحب كبنات الشوق. والنزع، الأشـهر فيه أن يكون جمع نازع بمعنى كاف، فوضعها موضع نوازع، واللفظتان المتواخيتان لكونـهما من أصل واحد يستعار ما إحداهما للأخرى. وإنما قال (بكت عيني اليمنى) لأنـه كان أعور ممتعا بعينـه اليسرى. والعين العوراء لاتدمع. فيقول: بكت عيني الصحيحة؛ فاجتهدت في زجرها عن تعاطي الجهل بعد أن كنت تحلمت وتركت الصبي، فلما تكلفت ذاك لها أقبلت العوراء تدمع معها وتبكي. ونبه بهذا على عصيان النفس والقلب، وقلة ائتمارهما له، وأنـهما إذا زجرا وردا عن مواردهما زادا على المنكر منـهما
تلفت نحو الحي حتى وجدتني ... وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا

(1/373)

وأذكر أيام الحمى ثم أنثني ... على كبدي من خشية أن تصدعا
يقول: أخذت في مسيري من لما أبصرت حال نفسي في تأثير الصبابة فيها، ملتفتا إلى ما خلفته من الحي وأرض نجد، حتى وجدتني وجع الليت - وهو عرق فيها - لطول إصغائي، ودوام التفاتي؛ كل ذلك تحسرا في إثر الفائت من أحبابي وديارها، وتذكرا لطيب أوقاتي معهم فيها. وقد قيل فيه: إن من رموزهم أن من خرج من بلد فالتفت وراءه رجع إلى ذلك البلد. وأنشد فيه أبيات منـها قوله:
عيل صبري بالثعلبية لما ... طال ليلى وملني قرنائي
كلما سارت المطايا بناميلا تنفست والتفت ورائي
قالوا: التفت لكي يقضى له الرجوع، لكونـه عاشقا وانتصب (ليتا) لأنـه تمييز، وهذا من باب ما نقل الفعل عنـه، كأن الأصل: وجع ليتني وأخدعي، فلما شغل الفعل عنـهما بضميره أشبها المفعول فنصبهما. ومثله: تصببت عرقا، وقررت بـه عينا.
وقوله (وأذكر أيام الحمى ثم أنثني) يقول: وأتذكر أوقاتي بالحمى لما كان من أسباب الوصال تساعد، وبين دورنا ودور الأحبة تقارب، وللتراسل إمكان، ومع الحبيب في الوقت بعد الوقت تلاق واجتماع، ثم أنعطف على كبدي وأقبض عليها مخافة تشققها، وخروجها من مواضعها، شوقا إلى أمثالها، وحسرة في إثر منقطعها. وقد ذكر هذه الأبيات أبو عبد الله المفجع رحمـه الله، في حد الغزل من كتابه المعروف بالترجمان، فنذكر بيتين منـها في (باب الصبابة)، وهما:
حننت إلى ريا ونفسك باعدت
و
فما حسن أن تأتي الأمر طائعا
وقال في تفسيرهما:(يقول: الحرب بينك وبين قومك تمنعك من قربها ولقائها). وذكر مع البيتين قول عنترة:
علقتها عرضا وأقتل قومـها ... زعما لعمر أبيك ليس بمزعم
ثم جاء إلى (باب الحنين)، فذكر ما في الأبيات،
وأذكر أيام الحمى
و
وليست عشيات الحمى برواجع
و
بكت عيني اليمنى
الأبيات، وقال في تفسيرها: هذا كان مجرورا لأحبابه وهم منتجعون بجنوب الحمى فنشأت عين - والعين: سحابة تجيء من ناحية القبلة - فنشأت من عين يسار القبلة، فارتاع لذلك، وخشى الفرقة إذا اتصل الغيث، فذلك معنى قوله: بكت عيني اليسرى، كناية عن السحاب. وجهلها: كثرة مطرها. وجعل ارتياعه منـها زجرا لها. ثم نشأت أخرى من عن يمين القبلة، فأيقن حينئذ بالفراق. فذلك معنى قوله: أسبلتا معا. ثم قال معترفا بالبين: خل عينيك تدمعا، يعني السحابتين. وقال جرير:
إن السواري والغوادي غادرت ... للريح منخرقا بها ومجالا).
هذا كلامـه في كتابه، وقد حكيناه على ما أورده لازيادة فيه ولا نقصان. وأظن أنـه تذكر أبيتا غير هذه، ثم تصرف في تفسيرها وذكر هذه الأبيات في أثناء تفسير ما ذكره، ولم يأت بها. وقد أحسنت الظن مستطرفا فعله. والله أعلم.
وقال آخر:
ونبئت ليلى أرسلت بشفاعة ... إلى فهلا نفس ليلى شفيعها
أأكرم من ليلى علي فتبتغي ... بـه الجاه أم كنت امرأ لا أطيعها
نبىء يحتاج إلى ثلاثة مفاعيل، وقد حصلت إلى قوله (أرسلت بشفاعة إلى). وقوله (هلا نفس ليلى) هلا: حرف تحضيض، وهو يطلب الفعل، وقد وقع في البيت بعده جملة من مبتدأ وخبر. وفارق (هلا) هذه أختها (لولا) في قوله:
تعدون عقر النيب أفضل مجدكم ... بنى ضوطري لولا الكمي المقنعا
وذاك لأن تأثير الفعل بالنصب بعد لولا من البيت دل عليه، فأمره في إضمار الفعل بعده قوى. وهذا لم يصلح له أن ينصب النفس بعد هلا، فكان يجيء التقدير: فهلا أرسلت نفسها شفيعها؛ لأن القوافي مرفوعة، فجعل ما بعده مبتدأ لما لم يتأت له ما تأتي لذاك. وقد يفعلون هذا في الحروف المختصة بالأفعال إذا كان في الكلام دلالة على المضمر من الفعل. ألا ترى أن ويطلب الفعل. ثم جاء قوله تعالى: قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق . وعلى ذلك جاء إن الجازمة الدالة على الشرط في وقوع الإسم بعده، وإن كان يطلب الفعل عاملا فيه بالجزم، وذلك نحو: إن زيد أتاني أكرمته. وقول الشاعر:
إن ذو لوثة لانا

(1/374)

وما أشبهه. فإن قيل: هلا جعلت المضمر بعد هلا فعلا رافعا فيرتفع النفس بـه لا بالإبتداء، كما يفعل ذلك في: إن زيد أتاني أكرمته، فيصير هلافي ذلك أجرى في بابه من أن يكون ارتفاعه بالإبتداء؟ قلت: إن قولك إن زيد أتاني أكرمته، ارتفع زيد بفعل هذا الظاهر تفسيره، وأكرمته جواب إن، فساغ فيه مالم يسغ هاهنا، لأنـه ليس هاهنا شيء يكون تفسيرا لذلك الفعل. وإنما جاء بد الفعل المفسر شفيعها، ويكون خبرا، ويكون خبرا لا غير، وإذا كان كذلك لم يمكن حمل هذا عليه.
ومعنى البيت: خبرت أن ليلى أرسلت إلى ذا الشفاعة في بابها، تطلب بـه جاها عندي، مستكفية عن ذكرها في الشعر وعن إتيانـها وما يجري مجراه. ثم قال: هلا جعلت نفسها شفيعا. فقوله (بشفاعة) حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامـه، الفعل الذي يقتضيه هلا دل عليه شفيعها، لو قال: هلا نفسها شفيعها - لكان أقرب في الإستعمال، إلا أنـه قصد إلى التفخيم بتكرير اسمـها.
ثم قال :(أأكرم من ليلى علي)، فأتى بلفظ الاستفهام، والمراد التقريح والإنكار، كأنـه أمكر منـها استعانتها بالغير عليه، وطلب الشفيع فيما أرادت لديه. وقوله (فتبتغي) في موضع النصب على أن يكون جواب الاستفهام بالفاء. وقوله (أم كنت) هي أم المتصلة، كأنـه قال: أي هذين توهمت: طلب إنسان أكرم علي منـها، أم اتهامـها لطاعتي لها. وخبر أكرم علي محذوف، كأنـه قال: أأكرم منـها موجود، أو في الدنيا.
وقال آخر:
أما يستفيق القلب إلا انبرى له ... توهم صيف من سعاد ومربع
أخادع عن أطلالها العين إنـه ... متى تعرف الأطلال عينك تدمع
عهدت بها وحشا عليها براقه ... وهذي وحوش أصبحت لم تبرقع
استفاق وأفاق بمعنى صحا. وانبرى: تعرض. وأراد بالصيف المصيف. وقوله (من سعاد) أراد من دار سعاد وأرضيها. و (أما) هي ما النافية أدخل عليها ألف الاستفهام تقريرا او إنكارا. والمراد: لا يحدث القلب بالسلو والإقامة مما تداخله من علائق حب هذه المرأة، وتشبث بـه فألهاه عن كل شيء، إلا اعترض له تذكر مصيف ومربع من أرضيها بعد التوهم. كأنـه كان يقف على منازلهم فيتوهمـها بآياتها وعلاماتها، ثم يعرفها. وأكثر ما يذكرون التوهم في الديار يعقبونـه بالعرفان دون العلم. وهذا أحد ما نفصل بـه بين العلم والمعرفة، ولهذا وأشباهه ممتنع من أن نصف الله تعالى بأنـه عارف. لذلك، قال زهير:
فلآيا عرفت الدار بعد توهم
أشباهه كثير. وقوله (أخادع عن أطلالها العين) يريد أني إذا وقفت على آثار دارها وجوانب محلها رمت خداع النفس والعين عن تأملها، تفاديا مما يتسلط من الوجد بها، ويتجدد لي من الصبابة نحوها. ولائلا أتذكر بما أتفرس فيها أحوالي قبلها، ولأن العين إذا عرفتها وكفت بالدمع، والنفس إذا تبينتها أشقيت بالوجد.
وقوله (عهدت بها وحشا) هذا تحسر فيما رأى الدار عليه من الإستبدال وحوشا، فقال: عهدت بها نساء مبرقعة - يشير بذلك إلى عفافها وقلة تبرجها - كالوحش كمالا وحسنا، ونفورا عن الريب، وأرى الآن وحوشا تختلف فيها غير مبرقعة. وفي هذه الطريقة قول الآخر:
يعز على أن يرى عوض الدمى ... بحافاته هام وبوم وه
وقوله (عليها براقع) صفة للوحش، وكذلك (أصبحت لم تبرقع).
وقال آخر:
فيا رب إن هلك ولم ترو هامتي ... بلبلى أمت لا قبر أعطش من قبري
وإن أك عن ليلى سلوت فإنما ... تسليت عن يأس ولو ألمن صبر
وإن يك عن ليلى غنى وتجلد ... فرب غنى نفس قريب من الفقر

(1/375)

حذف الياء من (يارب) لوقوعها موقع ما يحدث في باب النداء، البتة، وهو التنوين، ولأن الكسرة تدل عليه، وإن باب النداء باب حذف وإيجاز، لكثرة تردده في الكلام، وقوله (أمت) جواب الشرط. وقوله (لا قبر أعطش من قبري) الجملة في موضع الحال. وقد روى: (ترو) بفتح التاء ويكون الفعل للهامة، (وترو) بضم التاء والفعل لله عز وجل. فيقول متألما من برح الصبابة، وعطش الاشتياق، ومتشكيا إلى الله تعالى: يا رب إن مت ولم أنل شفاء من دائي ، وريا من عطشي إلى هذه المرأة مت ولا قبر لعاشق أشد عطشا من قبري. وإنما قال: لم ترو هامتي، لأنـهم كانوا يزعمون أن عظام الموتى تصير هاما فتطير. والأصلح في هذا المكان أن يكون جعل نفسه مقتتلا لحبها. ومعنى (ترو هامتي) لم تطلب دمي من قاتلي، تبق هامتي أعطش من كل هام. وكانوا يقولون: إنـه يخرج من رأس المقتول هامة فتصيح وتقول: اسقوني اسقوني! إبى أن يدرك ثأره.
إنما آثرت هذا لتوحيده هامة. والرةايتان في ترو وترو معنياهما ظاهران وقوله (وإن أك عن ليلى سلوت) قد تقدم القول في حذف النون من أكن. وجواب الشرط قزله (فإنما) بما بعده والمعنى: إن اك في الظاهر حصل لي سلو عنـها لمن يتأمل حالي، فإنما تكلفت ما ظن مني سلوا لغلبة اليأس منـها على، فأما نفسي فهي كما كانت، ذهابا فيها وولوعا بها. وقوله (سلوت) مـهناه طبت نفسا. وتسليت معناه تكلفت ذلك، والتفعل لا يكون إلا عن تكلف في أكثر الأحوال، وكذلك التفاعل، فأتى بسلوت بناء على ظنـهم واعتقادهم، وتسليت بناء على حاله.
وقوله (وإن يك عن ليلى غنى) يريد: وإن كان ظاهر أمري أني استغنيت عنـها بخلو قلبي من حبها، أو أني أتجلد للوهن العارض في الإشتياق إليها، فرب غني نفس يقرب من الفقر، والمعنى أن باطن أمري بخلاف ظاهره. وإنما يتصور مني غنى يقرب من الفقر إذا حصل وتؤمل. ومن روى (أمر من الفقر) فالمعنى ظاهر والفاء من فرب بما يعده جواب للشرط. وفائدة رب التقليل، كأنـه استقل الحالات التي تشبه حاله، فلذلك أتى برب.
وقال آخر:
يوم ارتحلت برحلي قبل برذعتي ... والعقل متله والقلب مشغول
ثم انصرف إلى نضوى لأبعثه ... إثر الحدوج الغوادي وهو معقول
انتصب (يوم) بإضمار فعل، كأنـه أراد: أذكر يوم هذا الأمر والشأن. وأضاف اليوم إلى الفعل تشيهرا له وتعظما لما اتفق فيه. وذلك أنـه باغته حديث الفراق وما هم بـه المجتمعون معه في النجمة من الارتحال، فلما ورد عليه مالم يحسبه ولم يحدث نفسه بـه تولة وخولط، حتى صار لا يدري ماذا يأتي عندما هم بـه من تشييعهم، والتهيؤ للكون معهم، فقال: أذكر يوم أقبلت أضع الرحل على الناقة قبل البرذعة، وعقلي فاسد وقلبي مشغول بما دهمـه من الحال. وقوله (متله) هو مفتعل من الوله، وأصله مؤتله، فأبدل من الواو تاء كما تقول في اتقى واتجه وما أشبههما، ثم أدغم إحدى التاءين في الأخرى. ويروى: (مختبل) والخبل: الفساد.
وقوله (ثم انصرفت إلى نضوى) تتميم لبيان حاله فيما انعكس عليه من قصده، وفسد من همـه، فقال: ثم رجعت إلى بعيري لأقيمـه في إثر الظغائن الباكرة، وهو مشدود بعقالة لم أحله. وهذا غاية ما يقال في انحلال العقدة، واسترخاء المسكة، وسوء الضبط وانقلاب القلب. ومعنى أبعثه أهيجه. والنضو: البعير المـهزول. والحدوج: مراكب النساء الظاعنة. وانتصب إثر على الظرف.
وقد سلك أبو تمام هذا المسلك فقال:
أصمني سرهم أياهم فرقتهم ... هل كنت تعرف سرا يورث الصمما
نأوا فظلت لوشك البين مقلته ... تندى نجيعا ويندى جسمـه سقما
أظله البين حتى إنـه رجل ... لو مات من شغله بالبين ما علما
وقال جران العود
أيا كبدا كادت عشية غرب ... من الشوق إثر الظاعنين تصدع
عشية ما فيمن أقام بغرب ... مقام ولا فيمن مضى متسرع

(1/376)

يروى (ياكبدا) والمراد يا كبدي على الإضافة، ففر من الكسرة وبعدها ياء إلى الفتحة، فانقلبت ألفا. ويروى (ياكبدا) والمراد بـه كبده وإن نكرها، بدلالة أنـه وصفها بقوله (كادت عشية غرب من الشوق)... البيت. وهذه الصفة لم تحصل إلا لها. والمراد أنـه تألم مما دهمـه من أمر الفراق بعد الاجتماع الحاصل في مواضع الانتجاع، وكأن المجتمعين تحزبوا حزبين، ارتحل أحدهما وصاحبته معهم، وأقام أحدهما بالتهيؤ والاستعداد وهوفيهم، فالمتقدمون ليس فيهم متسرع، لانتظارهم المتخلفين، والمتخلفون لا مقام لهم لاستعجالهم اللحاق بهم. فشكا الحالة الواقعة في أثناء ذلك، وهو مع ذلك يحن ويشتاق. وغرب : موضع. وأضاف المشية إليه تخصيصا. وفصل بين كاد وبين الفعل الذي تناوله بالظرف على ما اتصل به. و (وإثر) انتصب على الظرف من الشوق، و (عشية) من البيت الثاني بدل من العشية الأولى. وكما أضاف الأولى إلى غرب تبيينا أضاف الثانية إلى قوله(ما فيمن أقام بغرب) تبيينا، وهما عشية واحدة وإن اختلف مبينـهما.
وقال الحسين بن مطير
لقد كنت جلدا قبل أن توقد النوى ... على كبدي نارا بطيئا خمودها
وقد كنت أرجو أن تموت صبابتي ... إذا قدمت أيامـها وعهودها
يقول: كنت قوى النفس، ثابت القلب، راجح العقل، صبورا في الشدائد، قبل أن بليت بفراق الأحبة، فلما أوقدت نيته التي انتوها نار الصبابة على كبدي فأبطأ سكونـها ضعفت عن الثبات لها، وظهر عجزي عن تحمل أعبائها، وقد كنت أؤمل إذا أتت الأيام على ما أقاسيه، واستمرت النفس في التألم تارة وفي التصبر أخرى، أن يتنقص ذلك صبابتي، وأن قدم الأيام وانحاء العهود يؤثر في تسكين نائرتها، ويبطل ما تسلط على من أذاها ومكروعها. وقوله (إذا قدمت) ظرف لتوت صبابتي.
فقد جعلت في حبة القلب والحشا ... عهاد الهوى تولى بشوق يعيدها
يريد أن ما كان يرجوه من سكون صبابته قد ازداد، لأنـها صيرت في حبة القلب وأحشائه أمطار الهوى، تجدد وتتبع بولي من الشوق يردها كما كانت، وانتصب (عهاد) على أنـه مفعول أول لجعلت. وتولى بشوق في موضع المفعول الثاني، ويعيدها في موضع الصفة للشوق. ومعنى (تولى) تمطر الولى. والولى المطرة الثانية لأن الأولى منـها تسمى الوسمى. والعهاد: جمع العهد، وهو المطر الذي يجيء ولما تقدمـه عهد باق لم يذهب. وحبة القلب هي العلفة السوداء في جوفه. ويورى (عهاد الهوى - بالرفع - يولى - بالياء - بشوق بعيدها، بالباء)، فيكون معنى جعلت طفقت وأقبلت، ويكون غير متعد، ويرتفع عهاد بجعلت، وبعيدها يقوم مقام فاعل يولى. فيكون المعنى: فقد طفقت أوائل هواها يمطر أبعدها بشوق يجددها.
بسود نوصيها وحمر أكفها ... وصفر تراقيها وبيض خدودها
مخصرة الأوساط زانت عقودها ... بأحسن مما زينتها عقودها
يمنيننا حتى ترف قلوبنا ... رفيف الخزامى بات طل يجودها
الباء من قوله (بسود نواصيها) يجوز أن يتعلق بقوله تموت صبابتي، ويجوز أن يتعلق بجعلت إذا ارتفع عهاد الهوى بـه يريد: جعلت العهاد تفعل هذا بسبب نساء هكذا. وإنما جاز أن يجمع سود وحمر وغيرهما وإن ارتفع ما بعدها بها، لأن هذه الجموع لها نظائر في هذه الأسماء المفردة، ولو كانت جموع سلامة أو مالا نظير له في الواحد لما جاز جمعه. تقول: مررت برجال ظراف آباؤهم، لم يجز.
وقوله (يمنيننا) يصف لطافتهن في مواعيدهن، وتقريبهن أمر الوصال بينـه وبينـهن، وأنـها لا تزال تمنى وتضمن من حسن الإجابة ما يصير للقلوب بـه بريق ونضارة، كبريق الخزامى إذا بفي ليلته يطل بالجود، والرفيف كثرة الماء في النبات ونضارتها. ومعنى (حتر ترف) إلى أن ترف.
وقال أبو صخر الهذلي
أما والذي أبكي وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر
لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى ... أليفين منـها لا يروعهما الذعر

(1/377)

 




[الموسوعة الشاملة - شرح ديوان الحماسة عبدل باسط]

نویسنده و منبع | تاریخ انتشار: Wed, 01 Aug 2018 11:44:00 +0000



ضرب المثل انصاف

الموسوعة الشاملة - مجمع الأمثال

الموسوعة الشاملة - مجمع الأمثال

صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

 


[ مجمع الأمثال - أبو الفضل النيسابوري ]
الكتاب : ضرب المثل انصاف مجمع الأمثال
المؤلف : أبو الفضل أحمد بن محمد الميداني النيسابوري
الناشر : دار المعرفة - بيروت
تحقيق : محمد محيى الدين عبد الحميد
عدد الأجزاء : 2

2853 - قرارة تسفهت قرارة
قال الأصمعى : القرار والقرارة : النقد وهو ضرب من النغم قصار الأرجل قباح الوجوه وهذا مثل قولهم " نزو الفرار استجهل الفرار "
يضرب للرجل يتكلم في القوم بالخطأ فيطا بقونـه على ذلك
وقال المنذرى : فرارة بالفاء قال : وهى البهمة تنفر إلى أمـها فيتبعها الغنم

(2/97)

2854 - القردان حتى الحلم
يضرب لمن يتكلم ولا ينبغى له أن يتكلم لندالته
والحلم : أصغر القردان

(2/97)

2855 - القرنبى في عين أمـها حسنة
هي دويبة مثل الخنفس منقطعة الظهر طويلة القوائم

(2/97)

2856 - قيل للشقى : هلم إلى السعادة فقال : حسبى ما أنا فيه
يضرب لمن قنع بالشر وترك الخير وقبول النصح

(2/97)

2857 - قد يدفع الشر بمثله إذا أعياك غيره
قاله بعض الماضين وهذا مثل قول الفند الزماني : [ ص 98 ]
وبعض الحلم عند الجه ... ضرب المثل انصاف ل للذلة إذعان
وفي الشر نجاة حي ... ضرب المثل انصاف ن لا ينجيك إحسان

(2/97)

2858 - قد قلينا صفيركم
أصله أن رجلا كان يعتاد امرأة فكان يجئ وهى جالسة مع بنيها وزوجها فيصفر لها فتخرج عجزها من وراء البيت وهي تحدث ولدها فيقضى الرجل حاجته وينصرف فعلم ذلك بعض بنيها فغاب عنـها يومـه ثم جاء في ذلك الوقت فصفر ومعه مسمار محمى فلما أن فعلت كعادتها كواها بـه فجاء خلها بعد ذلك فصفر فقالت : قد قلينا صفيركم قال الكميت :
أرجو لكم أن تكونوا في مودتكم ... كلبا كورهاء تقلى كل صفار
لما أجابت صفيرا كان آتيها ... من قابس شيط الوجعاء بالنار

(2/98)

2859 - انقضب قوى من قاوية
الانقضاب : الانقطاع أي انقطع الفرخ من البيضة أي خرج منـها كما يقال : برئت قابية من قوب
يضرب عند انقضاء عند الأمر والفراغ منـه ويقال : انقضبت قابية من قوبها فالقابية : البيضة والقوب : الفرخ قال الكميت يصف النساء وزهدهن في ذوى الشيب :
لهن من المشيب ومن علاه ... من الأمثال قابية وقوب
أي إذا رأين الشيب فارقن صاحبه ولم يعدن إليه
وأما اشتقاق قوى فقال أبو الهيثم : لا يعرف قاو وقوى مصغرا ولا مكبرا بمعنى الفرخ اسما له وقال بعضهم : أصله من قوى الحبل لأنـه إذا انقطعت قوة من قواه لا يمكن اتصالها
قلت : يمكن أن يحمل هذا على قولهم : قويت الدار إذا خلت من أهلها مثل أقوت لغتان مشـهورتان فهى قاوية ومقوية فيقال : قويت البيضة إذا خلت من الفرخ وقوى الفرخ إذا خرج وخلا منـها فالبيضة قاوية : أي خالية والفرخ قاو : آي خال من البيض وقوى : تصغير قاو على مذهب الاسم لأن كل فاعل إذا كان اسم علم فتصغيره على فعيل كما قالوا لصالح إذا كان اسما صليح ولعامر عمير ولخالد خليد طلبا للخفة وإذا كان نعتا صويلح وعويمر وخويلد وقيل : القوى [ ص 99 ] غير موجود في الشعر والكلام إلا في هذا المثل والله أعلم

(2/98)

2860 - قد أفرخ روعه
أي ذهب عنـه خوفه
قال الأزهري : كل من لقيته من أهل اللغة يقوله بفتح الراء إلا ما أخبرني بـه المنذرى عن أبى الهيثم بضم الراء قال : ومعناه خرج الروع من قلبه قال : والروع في الروع كالفرخ في البيضة
( أي والخوف في قلبه كالفرخ في البيضة )
قلت : بعض هذا قد مضى في باب الفاء فإذا قيل " أفرخ روعه وأورعه " جاز أن يكون على مذهب الدعاء وعلى معنى الخبر أيضا فإذا قلت " قد أفرخ " لا يصلح أن يكون للدعاء

(2/99)

2861 - قرب طب
ويروى " قرب طبا " وهو مثل " نعم رجلا " وأصل المثل - فيما يقال - أن رجلا تزوج امرأة فلما هديت إليه وقعد منـها الرجال من النساء قال لها : أبكر أنت أم ثيب ؟ فقالت : قرب طب ويقال أيضا في هذا المعنى : أنت على المجرب أي على التجربة و " على " من صلة الإشراف أي مشرف عليه قريب منـه ومن علمـه

(2/99)

2862 - قد صرحت بحلذان
هو حمى قريب من الطائف لين مستو كالراحة لا خمر ( الخمر - بالتحريك - ما واراك من شجر أو غيره ) فيه يتوارى به
يضرب للأمر الواضح البين الذي لا يخفى على أحد
وقد مر ما ذكر فيه من الخلاف

(2/99)

2863 - قد بين الصبح لذى عينين
بين هنا : بمعنى تبين
يضرب للأمر يظهر كل الظهور

(2/99)

2864 - قد سيل بـه وهو لا يدرى
ويقال أيضا " قد سال بـه السيل " يضرب لمن وقع في شدة

(2/99)

2865 - اقدح بدفلى في مرخ ثم شد بعد أرخ
قال المازنى : أكثر الشجر نارا المرخ ثم العفار ثم الدفلى
قال الأحمر : يقال هذا إذا حملت رجلا فاحشا على رجل فاحش فلم يلبثا أن يقع بينـهما شر
وقال ابن الأعرابى : يضرب للكريم الذي لا يحتاج أن تكده وتلح عليه

(2/99)

2866 - القيد والرتعة
قال المفضل : أول من قال ذلك عمرو [ ص 100 ] ابن الصعق بن خويلد بن نفيل بن عمرو بن كلاب وكانت شاكر من همدان أسروه فأحسنوا إليه وروحوا عنـه وقد كان يوم فارق قومـه نحيفا فهرب من شاكر فبينما هو بقئ من الأرض إذا اصطاد أرنبا فاشتواها فلما بدأ يأكل منـها أقبل ذئب فأقعى غير بعيد فنبذ إليه من شوائه فولى بـه فقال عمرو عند ذلك :
لقد أوعدتنى شاكر فخشيتها ... ومن شعب ذي همدان في الصدر هاجس
ونار بموماة قليل أنيسها ... أتاني عليها أطلس اللون بائس
قبائل شتى ألف الله بينـها ... لها حجف فوق المناكب يابس
نبذت إليه حزة من شوائنا ... فآب وما يخشى على من يجالس
فولى بها جذلان ينفض رأسه ... كما آض بالنـهب المغير المخالس
فلما وصل إلى قومـه قالوا : أي عمرو خرجت من عندنا نحيفا وأنت اليوم بادن فقال : القيد والرتعة فأرسلها مثلا وهذا كقولهم " العز والمنعة " و " النجاة والأمنة "

(2/99)

2867 - قد أنصف القارة من راماها
القارة : قبيلة وهم عضل والديش ابنا الهون بن خزيمة وإنما سموا قارة لاجتماعهم والتفافهم لما أراد الشداخ أن يفرقهم في بنى كنانة فقال شاعرهم :
دعونا قارة لا تنفرونا ... فنجفل مثل إجفال الظليم
وهم رماة الحدق في الجاهلية وهم اليوم في اليمن ويزعمون أن رجلين التقيا أحدهما قارى فقال القرى : إن شئت صارعتك وإن شئت سابقك وإن شئت راميتك فقال الآخر : قد اخترت المراماة فقال القارى : قد أنصفتني وأنشأ يقول :
قد أنصف القارة من راماها ... إنا إذا ما فئة نلقاها
نرد أولاها على أخراها
ثم انتزع له بسهم فشك بـه فؤاده قال أبو عبيد : أصل القارة الأكمة وجمعها قور قال ابن واقد : وإنما قيل " أنصف القارة من راماها " في حرب كانت بين قريش وبين بكر بن عبد مناف بن كنانة قال : وكانت القارة مع قريش وهم قوم رماة فلما التقى الفريقان راماهم الآخرون فقيل : قد أنصفهم هؤلاء إذ ساووهم في العمل الذي هو شأنـهم وصناعتهم وفي بعض الآثار : ألا أخبركم بأعدل الناس ؟ قيل : بلى قال : من أنصف من نفسه وفي بعضها أيضا : أشد الأعمال ثلاثة : [ ص 101 ]
إنصاف الناس من نفسك والمواساة بالمال وذكر الله تعالى كل حال

(2/100)

2868 - قبل الرماء تملأ الكنائن
( الكنائن : جمع كنانة وهى وعاء السهم )
قال رؤبة
قبل الرماء يملأ الجفير
أي تؤخذ أهبة الأمر قبل وقوعه

(2/101)

2869 - قلب له ظهر المجن
يضرب لمن كان لصاحبه على مودة ورعاية ثم حال عن العهد
كتب أمير المؤمنين على كرم الله وجهه إلى بن عباس رضي الله عنـه حين
أخذ من مال البصرة ما أخذ : أني شركتك في أمانتي ولم يكون رجل من أهل أوثق منك في نفسي فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب والعدو قد حرب قلبت لابن عمك ظهر المجن لفراقه مع المفارقين وخذله مع الخاذلين واختطفت ما قدرت عليه من أموال الأمة أختطاف الذئب الأزل رابية المعزى اصح رويدا فكأن قد بلغت المدى وعرضت عليك أعمالك بالمحل الذي ينادى بـه المغتر بالحسرة ويتمنى المضيع التوبة والظالم الرجعة

(2/101)

2870 - قبل الرمى يراش السهم
يضرب في تهيئة الآلة قبل الحاجة إليها وهو مثل قولهم " قبل الرماء تملأ الكنائن "

(2/101)

2871 - قد ركب ردعه
يقال بـه ردع من زعفران أودم أي لطخ وأثر ثم يقال للقتيل : ركب ردعة إذا خر لوجهه على دمـه ويقال : معنى " ركب ردعة : أي دخل عنقه في جوفه من قولهم " ارتدع السهم " إذا رجع نصله في سنخه

(2/101)

2872 - قد ألقى عصاه
إذا استقر من سفر أو غيره قال جرير :
فلما التقى الحيان ألقيت العصا ... ومات الهوى لما أصيبت مقاتله
وحكى أنـه لما بولع لأبي العباس السفاح قام خطيبا فسقط القضيب من يده فتطير من ذلك فقام رجل فأخذ القضيب ومسحه ودفعه إليه وأنشد :
فألقت عصاها واستقرت بها النوى ... كما قر عينا بالأياب المسافر
وقال علي بن الحسن بن أبي الطيب
الباخرزى في ضده :
حمل العصا للمبتلى ... بالشيب عنوان البلى
وصف المسافر أنـه ... ألقى العصا كي ينزلا [ ص 102 ]
فعلى القياس سبيل من ... حمل العصا أن يرحلا

(2/101)

2873 - قشرت له العصا
يضرب في خلوص الود
أي أظهرت له ما كان في نفسي ويقال : أقشر له العصا أي كاشفه وأظهر له العداوة

(2/102)

2874 - قتل ما نفس مخيرها
ما
صلة تخييرها قال عطاء بن مصعب : معناه أنـه كان بين رجلين مال فاقتسما فقال أحدهما لصاحبه : اختر أي القسمين شئت فجعل ينظر إلى هذا القسم مرة وإلى هذا أخرى فيرى كل واحد جيدا فيقوا صاحبه : قتل ما نفسى مخيرها أي قتلت نفسك حين خيرتك
يوضع في الشره والشجع
ويروى " قتل " نفسا مخيرها أي إذا جعلت الحكم إلى من تسأله الحاجة حمل لك على نفسه

(2/102)

2875 - قد علقت دلوك دلو أخرى
أصله أن الرجل يدلى دلوه للاستقاء فيرسل آخر دلوه أيضا فتتعلق بالأولى حتى تمنع صاحبها أن يستقى
يضرب في الحاجة تطلب فيحول دونـها حائل أي قد دخل في أمرك داخل

(2/102)

2876 - قد نـهيتك عن شربة بالوشل
الوشل : الماء القليل أي قد نـهيتك عن سؤال اللئيم

(2/102)

2877 - قل خيسه
قال أبو عمرو : الخس اللبن يقال في الدعاء على الإنسان " قلل الله خيسه " أي لبنـه

(2/102)

2878 - قد قيل ذلك إن حقا وإن كذبا
قالوا : إن أول من قال ذلك النعمان بن المنذر اللخمى للربيع بن زياد العبسي وكان له صديقا ونديما وإن عامرا ملاعب الأسنة وعوف بن
ابن الأحوص وسهيل بن مالك ولبيد بن ربيعة وشماسا الفزاري وقلابة الأسدى قدموا على النعمان وخلفوا لبيدا يرعى إبلهم وكان أحدثهم سنا وجعلوا يغدون إلى النعمان ويرحون فأكرمـهم وأحسن نزلهم غير أن الربيع كان أعظم عنده قدرا فبينما هم ذات يوم عند النعمان إذ رجز بهم الربيع وعابهم وذكرهم بأقبح ما قدر عليه فلما سمع القوم ذلك انصرفوا إلى رحالهم وكل إنسان [ ص 103 ] منـهم مقبل على بثه وروح لبيد الشول فلما رأى أصحابه وما بهم من الكآبة سألهم : مالكم ؟ فكتموه فقال لهم : والله لا أحفظ لكم متاعا ولا أسرح لكم إبلا أو تخبرونى بالذي كنتم فيه وإنما كتموا عنـه لأن أم لبيد امرأة من عبس وكانت يتيمة في حجر الربيع فقالوا : خالك قد غلبنا على الملك وصد بوجهه عنا فقال لبيد : هل فيكم من يكفيني وتدخلونني على النعمان معكم ؟ فواللات والعزى لأدعنـه لا ينظر إليه أبدا فخلفوا في إبلهم قلابة الأسدى وقالوا لبيد : أوعندك خير ؟ قال : سترون قالوا : نبلوك في هذه البقلضة لبقلة بين أيديهم دقيقة الأغصان قليلة الأوراق لاصقة بالأرض تدعى التربة صفها لنا واشتمـها فقال : هذه التربة التي لا تذكى نارا ولا تؤهل دارا ولا تسر جارا عودها ضئيل وفرعها كليل وخيرها قليل شر البقول مرعى وأقصرها فرعا فتعسا لها وجدعا القوابى أخا عبس أرده عنكم بتعس وأدعه من أمره في لبس قالوا : نصبح فنرى رأينا فقال لهم عامر : انظر هذا الغلام فإن رأيتموه نائما فليس أمره بشيء وإنما يتكلم بما جاء على لسانـه ويهذى بما يهجس في خاطره وإن رأيتموه ساهرا فهو صاحبكم فرمقوه فرأوه قد ركب رحلا حتى أصبح فخرج القوم وهو معهم حتى دخلوا على النعمان وهو يتغدى والربيع يأكل معه فقال لبيد : أبيت اللعن أتأذن لي في الكلام ؟ فأذن له فأنشأ يقول :
يارب هيجا هي خير من دعه ... أكل يوم هامتي مقرعه
نحن بنو أم البنين الأربعة ... ونحن خير عامر بن صعصعه
المطعمون الجفنة المدعدعه ... والضاربون الهام تحت الخيضعه
يا واهب الخير الكثير من سعه ... إليك جاوزنا بلادا مسبعه
نخبر عن هذا خبيرا فاسمعه ... مـهلا أبيت اللعن لا تأكل معه
إن استه من برص ملمعه ... وإنـه يدخل فيها إصبعه
يدخلها حتى يوارى أشجعه ... كأنـه يطلب شيئا أطمعه
ويروى " ضيعه " فلما سمع النعمان الشعر أفف ورفع يده من الطعام وقال للربيع : أكذاك أنت ؟ قال : لا واللات لقد كذب ابن الفاعلة قال النعمان : لقد خبث على طعامي فغضب الربيع وقام وهو يقول : [ ص 104 ]
لئن رحلت ركابى إن لي سعة ... ما مثلها سعة عرضا ولا طولا
ولو جمعت بنى لخم بأسرهم ... ما وازنوا ريشة من ريش سمويلا
فابرق بأرضك يانعمان متكئا ... مع النطاسى طورا وابن توفيلا
وقال : لا أبرح أرضك حتى تبعث إلى من يفتشني فتعلم أن الغلام كاذب فأجابه النعمان :
شرد برحلك عنى حيث شئت ولا ... تكثر على ودع عنك الأباطيلا
فقد رميت بداء لست غاسله ... ما جاوز النيل يوما أهل إبليلا
قد قيل ذلك إن حقا وإن كذبا ... فما اعتذارك من شيء إذا قيلا
قوله " بنو أم البنين الأربعة " هم خمسة : مالك بن جعفر ملاعب الأسنة وطفيل بن مالك أبو عامر بن الطفيل وربيعة بن مالك وعبيدة بن مالك ومعاوية بن مالك وهم أشراف بنى عامر فجعلهم أربعة لأجل القافية
و " سمويل " أحد أجداد الربيع وهو في الأصل اسم طائر
وأراد بالنطاسى روميا يقال له سرحون " وابن توفيل " رومى آخر كانا ينادمان النعمان

(2/102)

2879 - قد اتخذ الباطل دغلا
الدغل : أصله الشجر الملتف أي قد اتخذ الباطل مأوى يأوى إليه أي لا يخلوا منـه
يضرب لمن جعل الباطل مطية لنفسه

(2/104)

2880 - قد أحزم لو أعزم
أي إن عزمت الرأي فأمضيته فأنا حازم وإن تركت الصواب وأنا أراه وضيعت العزم لم ينفعنى حزمى كما قال سعد بن ناشب المازنى :
إذا هم ألقى بين عينيه عزمـه ... ونكب عن ذكر العواقب جانبا

(2/104)

2881 - قد بلغ منـه البلغين
أي الداهية قالت عائشة لعلي رضي الله عنـهما يوم الجمل حين أخذت : قد بلغت منا البلغين ويراد بالجمع على هذه الصيغة الدواهى العظام وأصله من البلوغ أي داهية بلغت النـهاية في الشر

(2/104)

2882 - قد ألنا وإيل علينا
الإيالة : السياسة أي قد سسنا وساسنا غيرنا وهذا المثل يروى أن زيادا قاله في خطبته

(2/104)

2883 - قد حمى الوطيس
قال الأصمعي وغيره : الوطيس حجارة [ ص 105 ] مدورة فإذا حميت لم يمكن أحدا أن يطأ عليها
يضرب للأمر إذا اشتد
ويروى أن النبي صلى الله عليه و سلم رفعت له أرض مؤتة فرأى معترك القوم فقال : الآن حمى الوطيس آي أشتد الأمر

(2/104)

2884 - قد تقطع الدوية الناب
الدو والدوية : المفازة والناب : الناقة المسنة
يضرب للشيخ فيه بقية

(2/105)

2885 - اقتلونى ومالكا
أول من قال ذلك عبد الله بن الزبير وذلك أنـه عانق الأشتر النخعى فسقطا عن جواديهما إلى الأرض واسم الأشتر مالك فنادى عبد الله بن الزبير :
اقتلونى ومالكا ... واقتلوا مالكا معي
فضرب مثلا لكل من أراد بصاحبه مكروها وإن ناله منـه ضرر

(2/105)

2886 - قد كان ذلك مرة فاليوم لا
أول من قال ذلك فاطمة بنت مر الخثعمية وكانت قد قرأت الكتب فأقبل عبد المطلب ومعه ابنـه عبد الله يريد أن يزوجه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب فمر على فاطمة وهى بمكة فرأت نور النبوة في وجه عبد الله فقالت له : من أنت يافتى ؟ قال : أنا عبد الله بن عبد المطلب ابن هاشم فقالت : هل لك أن تقع على وأعطيك مائة من الإبل ؟ فقال :
أما الحرام فألممات دونـه ... والحل لا حل فأستبينـه
فكيف بالأمر الذي تنوينـه ... يحمى الكريم عرضه ودينـه
ومضى مع أبيه فزوجه آمنة وظل عندها يومـه وليلته فاشتملت بالنبي صلى الله عليه و سلم ثم انصرف وقد دعته نفسه إلى الإبل فأتاها فلم ير منـها حرصا فقال لها : هل لك فيما قلت لي ؟ فقالت : قد كان ذلك مرة فاليوم لا فأرسلتها مثلا
يضرب في الندم والإنابة بعد الأجترام ثم قالت له : أي شيء صنعت بعدي قال : زوجني أبي آمنة بنت وهب فكنت عندها فقالت : رأيت في وجهك نور النبوة فأردت أن يكون ذلك في فأبى الله تعالى إلا أن يضعه حيث أحب وقالت :
بنى هاشم قد غادرت من أخيكم ... أمينة إذ للباه يعتلجان
كما غادر المصباح بعد خبوه ... فتائل قد ميثت له بدهان [ ص 106 ]
وما كل ما نال الفتى من نصيبه ... بحزم ولا مافاته بتوان
فأجمل إذا طالبت أمرا فإنـه ... سيكفيكه جدان يصطرعان
وقالت في ذلك أيضا :
إنى رأيت مخيلة نشأت ... فتلألأت بخاتم القطر
لله ما زهرية سلبت ... ثوبيك ما استلبت وما تدرى

(2/105)

2887 - قصيرة عن طويلة
قال ابن الأعرابى : القصيرة التمرة والطويلة النخلة
يضرب لاختصار الكلام

(2/106)

2888 - قمقم الله عصبه
يقال في الدعاء على الإنسان قال ابن الأعرابى وغيره : معناه جمع الله
تعالى بعضه إلى بعض وقبض عصبه مأخوذ من القمقام وهو الجيش يجمع من ههنا وههنا حتى يعظم

(2/106)

2889 - القوم طبون
ويروى " ما أطبون " أي ما أبصرهم يقال " رجل طب " أي عالم حاذق و " ما أطبهم " أي ما أحذقهم فأما رواية من روى " ما أطبون " فلا أعلم لها وجها إلا أن يقال : رجل طب وأطب كما يقال : خشن وأخشن ووجل وأوجل ووجر وأوجر و " ما " صلة فيكون كقوله : القوم طبون

(2/106)

2890 - القول ما قالت حذام
أي القول السديد المعتد بـه ما قالته وإلا فالصدق والكذب يستويان في أن كلا منـهما قول
يضرب في التصديق
قال ابن الكلبي : إن المثل للجيم بن صعب والد حنيفة وعجل وكانت حذام امرأته فقال فيها زوجها لجيم :
إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام
ويروى " فأنصتوها " أي أنصتوا لها كما قال الله تعالى ( وإذا كالوهم أو وزنوهم )
أي كالوا لهم أو وزنوا لهم

(2/106)

2891 - قد أسمعت لو ناديت حيا
يضرب لمن يوعظ فلا يقبل ولا يفهم

(2/106)

2892 - قاتل نفس مخيلها
التخييل : التشبيه يقال : فلان يمصي على المخيل أي على غرر من غير يقين و " على ما خيلت " أي على شبهة والتاء للخطة أي يمضي على الخطة التي خيلت له أو إليه
يضرب لمن يطمع فيما لا يكون . [ ص 107 ]
ويروى " قاتل نفس مخيلتها " أي خيلاؤها
يضرب في ذم التكبر

(2/106)

2893 - قبلك ما جاء الخبر
أصله أن رجلا أكل محروتا - وهو أصل الأنجذان - فبات تخرج منـه رياح منتنة فتأذى بـه أهله فلما أصبح أخبرهم أنـه أكل محروتا فقالوا : قبلك ما جاء الخبر أي قبل إخبارك جاء الخبر و " ما " صلة

(2/107)

2894 - قبل حساس الأيسار
يقال : حسست اللحم وحسحسته إذا ألقيته على الجمر والأيسار : أصحاب الجزور في الميسر والواحد يسر
يضرب في تعجيل الأمر
يقال : لأفعلن كذا قبل حساس الأيسار وذلك أنـهم كانوا يستعجلون نصب القدور فيمتلون

(2/107)

2895 - قرن الحرمان بالحياء وقرنت الخيبة بالهيبة
هذا كقولهم " الحياء يمنع الرزق " وكقولهم " الهيبة خيبة "

(2/107)

2896 - قرده حتى أمكنـه
أي خدعه حتى تمكن منـه وأصله نزع القراد من البعير الصعب حتى يتمكن من خطمـه

(2/107)

2897 - قيد الإيمان الفتك
يعني الغيلة وهي القتل مكرا وفجأة وهذا يروى عن النبي صلى الله عليه و سلم

(2/107)

2898 - قد أصبحوا في مخض وطب خائر
أي في باطل

(2/107)

2899 - أقلل طعامك تحمد منامك
أي أن كثرته تورث الآلام المسهرة

(2/107)

2900 - قد أخطأ نوأه
يضرب لمن رجع عن حاجته بالخيبة
والنوء : النـهوض والسقوط وهو واحد أنواء النجوم التي كانت العرب تقول : مطرنا بنوء كذا أي بطلوع النجم أوبسقوطه على اختلاف بين أهل اللغة فيه

(2/107)

2901 - اقشعرت منـه الذوائب
ويقال " الدوائر " وهما لا يقشعران إلا عند اشتداد الخوف والدوائر : جمع دائرة وهي حيث اجتمع الشعر من جنب الفرس وصدره ويقال : قد قف شعره من كذا إذا قام من الفزع
يضرب مثلا للجبان

(2/107)

2902 - أقصته شعوب
هي اسم للمنية معرفة لا تدخلها الألف [ ص 108 ] واللام أي تبعته داهية ثم نجا قال الفراء : يقال قصه الموت وأقصه أي دنا منـه

(2/107)

2903 - أقصر لما أبصر
أي أمسك عن الطلب لما رأى سوء العاقبة

(2/108)

2904 - قيل للشحم : أين تذهب ؟ قال : أقوم المعوج
يعني أن السمن يستر العيوب . يضرب للئيم يستغني فيبجل ويعظم

(2/108)

2905 - قد هلك القيد وأودى المفتاح
يضرب للأمر الذي يفوت فلا يمكن إدراكه لأنـه إذا ذهب القيد لم يجد المفتاح ما يفتحه

(2/108)

2906 - الإنقباض عن الناس مكسبة للعداوة وإفراط الأنس مكسبة لقرناء السوء
قاله أكثم بن صيفي قال أبو عبيد يريد أن الاقتصاد في الأمور أدنى إلى السلامة
يضرب في توسط الأمور بين الغلو والتقصير كما قال الشاعر :
إن كنت منبسطا سميت مسخرة ... أوكنت منقبضا قالوا بـه ثقل
وإن أعشرهم قالوا لهيبتنا ... وإن أجانبهم قالوا بـه ملل

(2/108)

2907 - اقصدى تصيدى
يضرب في الحث على الطلب

(2/108)

2908 - قتل أرضا عالمـها
أصل القتل التذليل يقال : قتلت الخمر إذا مزجتها بالماء قال :
إن التي ناولتني فرددتها ... قتلت قتلت فهاتها لم تقتل ( البيت لحسان بن ثابت ووقع في نسخة " قتلت قتلت فهات من لم تقتلي " وفي أخرى " فهات مالم تقتل " وما آثرناه موافق لما في ديوانـه ولما اشتهرت بـه الرواية . )
ويراد بالمثل أن الرجل العالم بالأرض عند سلوكها يذلل الأرض ويغلبها بعلمـه
يضرب في مدح العلم . ويقال في ضدده :

(2/108)

2909 - قتلت أرض جاهلها
يضرب لمن يباشر أمرا لا علم له بـه . وأما قولهم " قتل فلان فلانا " فهو من القتال وهو الجسم فكأنـه ضربه وأصاب قتاله كما يقال " بطنـه " إذا أصاب بطنـه [ ص 109 ] و " أنفه " إذا ضرب على انفه وكذلك " صدره ورأسه وفخذه " وهذا قياس قال ذو الرمة في أن القتال هو الجسم :
ألم تعلمي يا ميى أنا وبيننا ... مـهاون يدعن الجلس نحلا قتالها
( الجلس - بالفتح - الغليظ من الأرض وجمل جلس وناقة جلس : أي وثيق جسيم )
أي ناحلا جسمـها

(2/108)

2910 - قد ترهيأ القوم
إذا اضطرب عليهم أمرهم أورأيهم قال أبو عبيدة : ترهيأ الرجل في أمره إذا هم بها ثم أمسك وهو يريد أن يفعله وأصل قولهم " ترهيأ الجمل " هو ان يكون أحد العدلين أثقل من الآخر وإذا كان كذلك ظهر اضطرابهما فصار مثلا لفقد الاستقامة

(2/109)

2911 - قد يؤتى على يدي الحريص
يقال " أتى عليه " إذا أهلكه واليد : عبارة عن التصرف لأن أكثر تصرف الإنسان بها كأنـه قيل : أتت المقادير على يديه فمنعته عن المقصود ويجوز أن تكون اليد صلة فيكون قد يؤتى على الحريص أي قد يهلك الحريص
يضرب للرجل يوقع نفسه في الشر حرصا وشرها

(2/109)

2912 - قد كاد يشرق بالريق
يضرب لمن أشرف على الهلكة ثم نجا ومن لا يقدر على الكلام من الرعب

(2/109)

2913 - قد يؤخذ الجار بذنب الجار
مثل إسلامي وهو في شعر الحكمى ( الحكمى : أبو ونواس )

(2/109)

2914 - قول الحق لم يدع لي صديقا
يروى عن أبي ذر رضي الله تعالى عنـه

(2/109)

2915 - قد يمتطى الصعب بعد ما رمح
هذا قريب من قولهم " الضجور قد تحلب العلبة "

(2/109)

2916 - قامة تنمي وعقل يحرى
النماء : الزيادة يقال : نما ينمو وينمي والحرى : النقصان يقال : حرى يحرى قال أبو نخيلة :
ما زال مذ كان على أست الدهر ... ذا حمق ينمي وعقل يحرى
يضرب للذي له منظر من غير مخبر

(2/109)

2917 - قد يدرك المبطئ من حظه
هذا ضد قولهم " آخرها أقلها شربا " [ ص 110 ]

(2/109)

2918 - قرن الظهر للمرء شاغل
أقران الظهر : الذين يجيئون من وراء ظهرك في الحرب

(2/110)

2919 - قد كنت قبلك مقرورة
تزعم العرب أن الضبع رأت نارا من مكان بعيد فقابلتها وأقعت فعل المصطلى وقالت : قد كنت قبلك مقرورة
يضرب لمن يسر بما لا يناله منـه خير

(2/110)

2920 - قد ركب السيل الدرج
أي طريقه المعهود
يضرب للذي يأتي الأمر على عهد ويروى " قد علم السيل الدرج " أي علم وجهه الذي يمر فيه ويمضي

(2/110)

2921 - قد طرقت ببكرها أم طبق
التطريق : أن ينشب الولد في البطن فلا يسهل خروجه والبكر : أول ما يولد وأم طبق : السلحفاة وهي اسم للداهية
يضرب للأمر لا مخلص منـه
ويروى " طرقت " بالتخفيف من قولهم " طرقته " إذا اتيته ليلا يعني أتت الداهية ليلا بأمر لم يعهد مثلثه صعوبة

(2/110)

2922 - قيل للبغل : من أبوك ؟ قال : الفرس خالي
يضرب للمخلط

(2/110)

2923 - قد ءفتني ؟ ؟ سيرتي وأطت
يضرب لمن يشفق ويعطف عليك

(2/110)

2924 - قد فك وفرج
يقال : فك الرجل يفك فكوكا فهو فاك إذا استرخى فكه هرما وكذلك فرج
من قولهم : قوس فارج وفريج إذا بان وترها عن كبدها ويروى فرج وفرج يضرب للشيخ قد استرخى لحياه هرما

(2/110)

2925 - قد وقع بينـهم حرب داحس والغبراء
قال المفضل : داحس فرس قيس بن زهير ابن جذيمة العبسي والغبراء :
فرس حذيفة ابن بدر الفزاري وكان يقال لحذيفة هذا " رب معد " في الجاهلية وكان من حديثهما أن رجلا من بني عبس يقال له قرواش بن هنى كان يباري حمل بن بدر أخا حذيفة في داحس والغبراء فقال حمل : الغبراء أجود وقال قرواش : داحس أجود فتراهنا عليهما عشرا في عشر فأتى قرواش قيس بن زهير فأخبره فقال له قيس : راهن من أحببت وجنبني بني بدر فإنـهم يظلمون لقدرتهم على الناس في أنفسهم وأنا نكد أباء فقال قرواش : إني قد أوجبت الرهان فقال قيس : ويلك ما أردت إلا أشأم أهل [ ص 111 ] بيت والله لتشعلن علينا شرا ثم إن قيسا أتى حمل بن بدر فقال : إني قد أتيتك لأواضعك الرهان عن صاحبي فقال : لا أواضعك أو تجئ بالعشر فإن أخذتها أخذت سبقي وإن تركتها رددت حقا قد عرفته لي وعرفته لنفسي فأحفظ قيسا فقال : هي عشرون قال حمل : هي ثلاثون فتلاجا وتزايدا حتى بلغ بـه قيس مائة ووضع السبق على يدي غلاق أو ابن غلاق أحد بني ثعلبة ابن سعد ثم قال قيس : وأخيرك بين ثلاث فإن بدأت فاخترت فلى منـه خصلتان قال حمل : فابدأ قال قيس : فإن الغاية مائة غلوة وإليك المضمار ومنتهى الميطان - أي حيث يوطن الخيل للسبق - قال : فخر لهم رجل من محارب فقال : وقع البأس بين ابنى بغيض فضمروها أربعين ليلة ثم استقبل الذي ذرع الغاية بينـهما من ذات الإصاد وهي ردهة وسط هضب القليب فانتهى الذرع إلى مكان ليس له اسم فقادوا الفرسين إلى الغاية وقد عطشوهما
وجعلوا السابق الذي يرد ذات الإصاد وهى ملأى من الماء ولم يكن ثم قصبة ولا غيرها ووضع حمل حيسا في دلاء وجعله في شعب من شعاب
هضب القليب على طريق الفرسين فسمى ذلك الشعب " شعب الحيس " لهذا وكمن معه فتيانا فيهم رجل يقال له زهير بن عبد عمرو وأمرهم إن جاء داحس سابقا أن يردوا وجهه عن الغاية وأرسلوهما من منتهى الذرع فلما طلعا قال حمل : سبقتك يا قيس فقال قيس : بعد اطلاع إيناس
فذهبت مثلا ثم أجدا فقال حمل : سبقتك يا قيس فقال : رويدا يعدون الجدد أي يتعدينـه إلى الوعث والخبار فذهب مثلا فلم دنوا وقد برز داحس قال قيس : جرى المذكيات غلاب ويقال " غلاء " كما يتغالى بالنبل فذهبت مثلا فلما دنا من الفتية وثب زهير فلطم وجه داحس فرده عن الغاية ففي ذلك يقول قيس ابن زهير :
كما لاقيت من حمل بن بدر ... وإخوته على ذات الإصاد
هم فخروا على بغير فخر ... وردوا دون غايته جوادى
فقال قيس : يا حذيفة : أعطوني سبقي قال حذيفة خدعتك فقال قيس : ترك الخداع من أجرى من مائة فذهبت مثلا فقال الذي وضعا السبق
على يديه لحذيفة : إن قيسا قد سبق وإنما أردت أن يقال : سبق حذيقة وقد قيل أفأدفع إليه سبقه ؟ قال نعم فدفع إليه الثعلبي السبق ثم إن عركى بن عميرة وابن عم له من فزارة ندما [ ص 112 ] حذيفة وقالا : قد رأى الناس سبق جوادك وليس كل الناس رأى أن جوادهم لطم فدفعك السبق تحقيق لدعواهم فاسلبهم السبق فإنـه أقصر باعا وأكل حدا من أن يردك
قال لهما : ويلكما أراجع فيهما متندما على ما فرط ؟ عجز والله فما زالا
به حتى ندم فنـهى حميصة بن عمرو حذيفة وقال له : إن قيسا لم يسبقك إلى مكرمة بنفسه وإنما سبقت دابة دابة فما في هذا حتى تدعى في العرب
ظلوما ؟ قال : أما إذا تكلمت فلا بد من أخذه ثم بعث حذيفة ابنـه أبا قرفة إلى قيس يطلب السبق فلم يصادفه فقالت له امرأته هر بنت كعب : ما أحب أنك صادفت قيسا فرجع أبو قرفة إلى أبيه فأخبره بما قالت فقال : والله لتعودن إليه ورجع قيس فأخبرته امرأته الخبر فأخذت قيسا زفرات فأقبل متقلبا ولم ينشب أبو قرفة أن رجع إلى قيس فقال : يقول أبي : أعطني سبقي فتناول قيس الرمح فطعنـه فدق صلبه ورجعت فرسه عائرة فاجتمع الناس فاحتملوا دية أبي قرفة مائة عشراء فقبضها حذيفة وسكن الناس فأنزلها على النفرة حتى نتجها ما في بطونـها
ثم إن مالك بن زهير نزل اللقاطة - وهي قريب من الحاجر - وكان نكح من بني فزارة امرأة فأتاها فبنى بها وأخبره حذيفة بمكانـه فعدا عليه فقتله وفي ذلك يقول عنترة :
لله عينا من رأى مثل مالك ... عقيرة قوم أن جرى فرسان
فليتهما لم يجر يا نصف غلوة ... وليتهما لم يرسلا لرهان
فأتت بنو جذيمة حذيفة : فقالت بنو مالك بن زهير لمالك بن حذيفة : ردوا علينا مالنا فأشار سنان ابن أبي حارثة المرى على حذيفة أن لا يرد أولادها معها وأن يرد المائة بأعيانـها فقال حذيفة : أرد الإبل بأعيانـها ولا أرد النسل فأبوا أن يقبلوا ذلك فقال قيس بن زهير :
يود سنان لو يحارب قومنا ... وفي الحرب تفريق الجماعة والأزل
يدب ولا يخفى ليفسد بيننا ... دبيبا كما دبت إلى جحرها النمل
فيا ابني بغيض راجعا السلم تسلما ... ولا تشمتا الأعداء يفترق الشمل
وإن سبيل الحرب وعر مضلة ... وإن سبيل السلم آمنة سهل
قال : والربيع بن زياد يومئذ مجاور بني فزارة عند امرأته وكان مشاحنا لقيس في درعه ذي النور كان الربيع لبسها فقال : ما أجودها أنا أحق بها منك وغلبه [ ص 113 ] عليها فأطرد قيس لبونا لبني زياد فعارض بها عبد الله بن جدعان التيمي بسلاح وفي ذلك يقول قيس بن زهير :
لم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد
ومحبسها لدى القرشي تشرى ... بأفراس وأسياف حداد
فلما قتلوا مالك بن زهير تواحوا بينـهم فقالوا : ما فعل حماركم ؟ قالوا : صدناه قال الربيع : ما هذا الوحى ؟ إن هذا الأمر ما أدرى ما هو قالوا : قتلنا مالك بن زهير قال : بئسما فعلتم بقومكم قبلتم الدية ورضيتم ثم عدوتم على ابن عمكم وصهركم وجاركم فقتلتموه وغدرتم قالوا : لولا أنك جار لقتلناك وكانت خفرة الجار ثلاثا فقالوا : لك ثلاثة أيام فخرج وأتبعوه فلم يدركوه حتى لحق بقومـه وأتاه قيس بن زهير فصالحه ونزل معه ثم دس أمة له يقال لها رعية إلى الربيع تنظر ما يعمل فدخلت بين الكفاء والقصد لتنظر أمحارب هو أم مسالم فأتته امرأته تعرض له وهي على طهر فزجرها ( في نسخة " فدحرها " والمعنى واحد ) وقال لجاريته : اسقيني فلما شرب أنشأ يقول :
منع الرقاد فما أغمض حاري ... جلل من النبأ المـهم السارى
من كان محزونا بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نـهار
يجد النساء حواسرا يندبنـه ... يلطمن أوجههن بالأسحار
أفبعد مقتل مالك بن زهير ... ترجو النساء عواقب الأطهار
فأتت رعية قيسا فأخبرته خبر الربيع فقال : أنت حرة فأعتقها وقال وثقت بأبي منصور وقال قيس :
فإن تك حربكم أمست عوانا ... فإني لم أكن ممن جناها
ولكن ولد سودة أرثوها ... وحشوا نارها لمن اصطلاها
فإني غير خاذلكم . ولكن ... سأسعى الآن إذ بلغت مداها
ثم قاد بني عبس وحلفاؤهم بني عبد الله بن غطفان يوم ذي المريقب إلى بني فزارة ورئيسهم إذ ذاك حذيفة بن بدر فالتقوا فقتل أرطاة أحد بني مخزوم من بني عبس عوف بن بدر وقتل عنترة ضمضما ونفرا ممن لا يعرف اسمـهم وفي ذلك يقول :
ولقد خشيت بأن أموت ولم تكن ... للحرب دائرة على ابني ضمضم
الشاتمى عرضي ولم أشتمـهما ... والناذرين إذا لم القهما دمي [ ص 114 ]
إن يفعلا فلقد تركت أباهما ... جزر السباع وكل نسر قشعم
وقال :
ولقد علمت إذا التقت فرساننا ... بلوى المريقب أن ظنك أحمق
يوم ذي حسى
ثم إن بني ذبيان تجمعوا لما أصاب بنو عبس منـهم أصابوا فغزوا - ورئيسهم حذيفة بن بدر - بني عبس وحلفاءهم بنى عبد الله بن غطفان ورئيسهم الربيع بن زياد فتوافوا بذي حسى وهو [ من ] وادي الهباءة في أعلاه فهزمت بنو عبس واتبعتهم بنو ذبيان حتى لحقوهم بالمغيقة - ويقال : بغيقة - فقال : التفاني أو تقيدونا فأشار قيس على الربيع بن زياد أن يماكرهم وخاف إن قاتلوهم أن لا يقوموا لهم وقال : إنـهم ليسوا في كل حين يتجمعون وحذيفة لا يستنفر أحدا لاقتداره وعلوه ولكن نعطيهم رهائن من أبنائنا فندفع حدهم عنا فإنـهم لن يقتلوا الوالدان ولن يصلوا إلى ذلك منـهم مع الذين نضعهم على يديهم وإن هم قتلوا الصبيان فهو أهون من قتل الآباء وكان رأى الربيع مناجزتهم فقال : يا قيس أتنفخ سحرك ؟ وملأ جمعهم صدرك وقال الربيع :
أقول ولم أملك لقيس نصيحة ... أرى ما يرى والله بالغيب أعلم
أنبقي على ذبيان من بعد مالك ... وقد حش جانبي الحرب نارا تضرم
وقال قيس : يا بني ذبيان خذوا منا رهائن ما تطلبون ونرضاكم إلى أن تنظروا في هذا فقد ادعيتم ما نعلم وما لا نعلم ودعونا حتى نتبين دعواكم ولا تعجلوا إلى الحرب فليس كل كثير غالبا وضعوا الرهائن عند من ترضون بـه ونرضى بـه فقبلوا ذلك وتراضوا أن تكون الرهائن عند سبيع بن عمرو الثعلبي فدفعوا إليه عدة من صبيانـهم وتكاف الناس فمكثوا عند سبيع حتى حضره الموت فقال لابنـه مالك : إن عندك مكرمة لن تبيد إن احتفظت بهؤلاء الأغيلمة وكأني بك لو قد مت أتاك خالك حذيفة - وكانت أم مالك أخت حذيفة - يعصر عينيه ويقول : هلك سيدنا ثم يخدعك عنـهم حتى تدفعهم إليه فيقتلهم ثم لا تشرف بعدها أبدا فإن خفت ذلك فاذهب بهم إلى قومـهم فلما ثقل سبيع جعل حذيفة يبكي ويقول : هلك سيدنا فلما هلك طاف بمالك وعظمـه ثم قال : أنا خالك وأسن منك فادفع إلي هؤلاء الصبيان يكونون عندي إلى أن ننظر في أمرنا فإنـه قبيح أن تملك [ ص 115 ] على شيئا ولم يزل بـه حتى دفعهم إليه فلما صاروا عنده أتى بهم اليعمرية - وهو ماء بواد من بطن نخل - وأحضر أهل الذين قتلوا فجعل يبرز كل غلام منـهم فينصبه غرضا ويقول له : ناد أباك فينادي أباه فلم يزل يرميه حتى يخرقه فإن مات من يومـه ذاك وإلا تركه إلى الغد ثم يفعل بـه مثل ذلك حتى يموت فلما بلغ ذلك بني عبس أتوهم باليعمرية فقتلت بنو عبس من بني ذبيان اثنى عشر رجلا منـهم مالك ويزيد ابنا سبيع وعركى بن عميرة وقال عنترة في قتل عركى :
سائل حذيفة حين أرش بيننا ... حربا ذوائبها بموت تخفق
( في ديوان عنترة " حين أرث بيننا " )
واسأل عميرة حين أجلب خيلها ... رفضا غرين بأي حي تلحق
يوم الهباءة
ثم إنـهم تجمعوا فالتقوا إلى جفر الهباءة في يوم قائظ فاقتتلوا من بكرة حتى انتصف النـهار وحجز الحر بينـهم وكان حذيفة يحرق ركوب الخيل فخذيه وكان ذا خفض فلما تحاجزوا أقبل حذيقة ومن كان معه إلى جفر الهباءة ليتبردوا فيه فقال قيس لأصحابه : إن حذيفة رجل محرق الخيل نازه
وإنـه مستنقع الآن في جفر الهباءة هو وإخوته مانـهضوا فاتبعوهم فنـهضوا وأتوهم ونظر حصن بن حذيفة إلى الخيل - ويقال : عيينة بن حصن - فبعل ( بعل - على مثال فرح - دهش وفرق ) وانحدر في الجفر فقال حمل بن بدر : من أبغض الناس إليكم أن يقف على رؤسكم ؟ قالوا : قيس والربيع قال : فهذا قسي قد جاءكم فلم ينقض كلامـه حتى وقف قيس وأصحابه على شفير الجفر وقيس يقول : لبيكم لبيكم - يعني الصبية - وفي الجفر حذيفة و مالك وحمل بنو بدر فقال حمل : نشدتك الرحم يا قيس فقال قيس : لبيكم لبيكم فعرف حذيفة أن لن يدعهم فنـهر حملا وقال : إياك والمأثور في الكلام وقال حذيفة : بنو مالك بمالك وبنو حمل بذي الصبية ونرد السبق قال قيس : لبيكم لبيكم قال حذيفة لئن قتلتني لا تصطلح غطفان أبدا قال قيس : أبعدك الله قتلك خير لغطفان سيربع على قدره كل سيد ظلوم وجاء قرواش بني هنى من خلف حذيفة فقال له بعض أصحابه : احذر قرواشا - وكان قد رباه فظن أنـه سيشكر ذاك له - قال : خلوا بين قرواش وظهري فنزع له قرواش بمعبلة ( المعبلة : النصل الطويل العريض ) فقصم بها صلبه وابتدره الحارث بن زهير وعمرو بن الأسلع [ ص 116 ] فضرباه بسيفهما حتى ذففا عليه وأخذ الحارث بن زهير سيف حذيفة ذا النون - ويقال : إنـه كان سيف مالك بن زهير أخذه حذيفة يوم قتل مالك - ومثلوا بحذيفة فقطعوا مذاكيره فجعلوها في فمـه وجعلوا لسانـه في استه ورمى جنيدب بن زيد مالك بن بدر بسهم فقتله وكان نذر ليقتلن بابنـه رجلا من بني بدر فأحل بـه نذره وقتل مالك بن الأسلع الحارث بن عوف بن بدر بابنـه
واستصغروا عيينة بن حصن فخلوا سبيله وقتل الربيع بن زياد حمل بن بدر فقال قيس بن زهير يرثيه :
تعلم أن خير الناس طرا ... على جفر الهباءة لا يريم
فلولا ظلمـه مازلت أبكى ... عليه الدهر ما طلع النجوم
ولكن الفتى حمل بن بدر ... بغى والبغي مرتعه وخيم
أظن الحلم دل على قومي ... وقد يستجهل الرجل الحليم
ألاقي من رجال منكرات ... فأنكرها وما أنا بالظلوم
( هذا البيت ساقط من أكثر المراجع وفيه الإقواء . )
ومارست الرجال وما رسوني ... فمعوج على ومستقيم
وقال زبان بن زياد يذكر حذيقة وكان يحسد سؤدده :
وإن قتيلا بالهباءة في استه ... صحيفته إن عاد للظلم ظالم
متى تقرؤها تهدكم من ضلالكم ... وتعرف إذا ما فض عنـها الخواتم
فإن تسألوا عنـها فوارس داحس ... ينبئك عنـها من رواحة عالم
ونعى ذلك عقيل بن علقة على عويف القوافي حين هاجاه فقال :
ويوقد عوف للعشيرة نارها ... فهلا على جفر الهباءة أوقدا
فإن على جفر الهباءة هامة ... تنادي بني بدر وعارا مخلدا
وإن أبا ورد حذيفة مثفر ... بأير على جفر الهباء أسودا
وقالت بنت مالك بن بدر ترثى أباها :
إذا هتفت بالرقمتين ة ... أوالرس فابكي فارس الكتفان
أحل بـه أمس الجنيدب نذره ... وأي قتيل كان في غطفان ؟
يوم الفروق
فلما أصيبت يوم الهباءة استعظمت غطفان قتل حذيفة وكبر ذلك عندها [ ص 117 ]
فتجمعوا وعرفت بنو عبس أن لا مقام لهم بأرض غطفان فخرجت متوجهة نحو اليمامة يطلبون أخوالهم وكانت عبلة بنت الدؤل بن خنيفة أم رواحة فأتوا قتادة بن سلمة فنزلوا اليمامة زمينا فمر قيس ذات يوم مع قتادة فرأى قحفا فضربه برجله وقال : كم من ضيم قد أقررت بـه مخافة هذا المصرع ثم لم تنشل منـه فلما سمعها قتادة كرهها وأوجس منـه فقال : ارتحلوا عنا فارتحلوا حتى نزلوا هجر ببني سعد زيد مناة بن تميم فمكثوا فيهم زمينا ثم إن بني سعد أتوا الجون ملك هجر فقالوا له : هل لك في مـهرة شوهاء وناقة حمراء وفتاة عذراء ؟ قال : نعم قالوا : بنو عبس غارون تغير عليهم مع جندك وتسهم لنا من غنائمـهم فأجابهم وفي بني عبس امرأة من سعد ناكح فيهم فأتاها أهلها ليضموها وأخبروها الخبر فأخبرت بـه زوجها فأتى قيسا فأخبره فاجمعوا على أن يرحلوا الظعائن وما قوى من الأموال من أول الليل ويتركوا النار في الرثة ( الرثة - بالكسر - السقط من المتاع والخلقان . ) فلا يستنكر ظعنـهم عن منزلهم وتقدم الفرسان إلى الفروق فوقفوا دون الظعن وبين الفروق وسوق هجر نصف يوم فإن تبعوها قاتلوهم وشغلوهم حتى تعجل الظعن ففعلت ذلك وأغارت جنود الملك مع بني سعد في وجه الصبح فوجدوا الظعن قد أسرين ليلتهن ووجدوا المنزل خلاء فاتبعوا القوم حتى انتهوا إلى الخيل بالفروق فقاتلوهم حتى خلوا سربهم فمضوا حتى لحقوا بالظعن فساروا ثلاثة أيام ولياليهن حتى قالت بنت قيس لقيس : يا أبت أتسير الأرض فعلم أن قد جهدن فقال : أنيخوا فأناخوا ثم ارتحل وفي ذلك يقول عنترة :
ونحن منعنا بالفروق نساءنا ... نطرف عنـها مشعلات غواشيا
خلفنا لها والخيل تدم نحورها ... نفارقكم حتى تهزوا العواليا
ألم تعلموا أن الأسنة أحرزت ... بقيتنا لو أن للدهر باقيا
ونحفظ عورات النساء ونتقي ... عليهن أن يلقين يوما مخازيا
فلحقوا ببني ضبة وزعموا أن مالك بن بكر بن سعد وعبسا أخوان لأم ويقال لهما : ابنا ضخام فكانوا فيهم زمينا وأغارت ضبة - وكانت تميم تأكلهم قبل أن يترببوا - فاغاروا على بني حنظلة فاستاق رجل من بني عبس امرأة من بني حنظلة في يوم قائظ حتى بهرها ولهثت فقال رجل من بني ضبة : ارفق بها فقال العبسي : [ ص 118 ] إنك بها لرحيم ؟ فقال الضبي : نعم فاهوى العبسي لعجزها بطرف السنان فنادت : يا آل حنظلة فشد الضبي على العبسي فقتله وتنادى الحيان ففارقتهم عبس فمرت تريد الشأم وبلغ بني عامر ارتفاعهم إلى الشأم فخافوا انقطاعهم من قيس فخرجت وفود بني عامر حتى لحقتهم فدعتهم إلى أن ترجعوا ويحالفوهم فقال قيس : يا بني عبس حالفوا قوما في صبابة بني عامر ليس لهم عدد فيبغوا عليكم بعددهم فإن احتجتم أن يقوموا بنصرتكم قامت بنو عامر فخالفوا معاوية بن شكل فمكثوا فيهم ثم إن شاعرا - يقال : إنـه عبد الله ابن همام أحد بنى عبد الله بن غطفان ويقال : إنـه النابغة الذبياني - قال :
جزى الله عبسا عبس آل بغيض ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل
بما انتهكوا من رب عدنان جهرة ... وعوف يناجيهم وذلكم جلل
فأصبحتم والله يفعل ذلكم ... يعزكم مولى مواليكم شكل
فلما بلغ قيسا قال : ماله قاتله الله أفسد علينا حلفنا ؟ فخرجوا حتى أتوا بني جعفر بن كلاب فقالوا : نكره أن تتسامع العرب أنا حالفناكم بعد الذي كان بيننا وبينكم ولكنـهم حلفاء بني كلاب فكانوا فيهم حتى كان يوم جبلة فتهايجوا في شأن ابن الجون قتله رجل من بني عبس بعد ما كان أعتقه عوف بن الأحوص فقال عوف : يا بني جعفر إن بني عبس أدنى عدوكم إليكم إنما يجمعون كراعهم ويحدون سلاحهم ويأسون قروحهم فأطيعوني وشدوا عليهم قبل أن يندملوا وقال :
وإني وقيسا كالمسمن كلبه ... فخدشـه أنيابه وأظافره
فلما بلغ ذلك بنى عبس أتوا ربيعة بن قرط أحد بني أبي بكر بن كلاب فخالفوه فقال في ذلك قيس :
أحاول ما أحاول ثم آوى ... إلى جار كجار أبي دواد
منيع وسط عكرمة بن قيس ... وهوب للطريف وللتلاد
كفاني ما خشيت أبو هلال ... ربيعة فانتهيت عن الأعادى
تظل جياده يسرين حولي ... بذات الرمث كالحدإ العوادي
يوم شعواء
ثم إن بني ذبيان غزوا بني عامر وفيهم بنو عبس في يوم شعواء وفي يوم آخر [ ص 119 ] فأسر طلحة بن سنان قرواش بن هنى فنسبه فكنى عن نفسه فقال : أنا ثور بن عاصم البكائي فخرج بـه إلى أهله فلما انتهى إلى أدنى البيوت عرفته امرأة من أشجع أمـها عبسية كانت تحت رجل من فزارة فقالت لزوجها : إني أرى أبا شريح قال : ومن أبو شريح ؟ قالت : قرواش بن هنى أبو الأضياف مع طلحة بن سنان قال : ومن أين تعرفينـه ؟ قالت : يتمت أنا وهو من أبوينا فربانا حذيفة في أيتام غطفان فخرج زوجها حتى أتى خزيم بن سنان فقال : أخبرتني امرأتي أن أسير طلحة أخيك قرواش بني هنى فأتى خزيم طلحة فأخبره فقال : لا تغرني على أسيرى لتلبسه مني قال خزيم : لم أرد ذلك ولكن امرأة فلان عرفته فاسمع كلامـها فأتوها فقال طلحة : ما علمك أنـه قرواش ؟ قالت : هو هو وبه شامة في موضع كذا فرجعوا إليه ففتشوه فوجدوا الذي ذكرت قال قرواش : من عرفني ؟ قالوا فلانة الأشجعية وأمـها عبسية ؟ قال : رب شر حملته عبسية فذهبت مثلا ودفع إلى حصن فقتله فقال النابغة الذبياني :
صبرا بغيض بن ريث إنـها رحم ... حبتم بها فأناختكم بجعجاج
( حبتم بها : ارتكبتم الحوب وهوا لإثم )
فما أشطت سمي إن هم قتلوا ... بني أسيد بقتلى آل زنباع
كانت قروض رجال يطلبون بها ... بني رواحة كيل الصاع بالصاع
( أقمنا ميل هذه الأبيات عن ديوان النابغة )
سمى : هو ابن مازن بن فزارة . ولم تزل عبس في بني عامر حتى غزا غزي من بني عامر يوم شواحط بني ذبيان فأسر منـهم ناس أحدهم أخو حنبص الضبابي أسره رجل من بني ذبيان فلما نفدت أيام عكاظ استودعه يهوديا خمارا من أهل تيماء فوجده اليهودي يخلفه في أهله فأجب مذاكيره فمات فوثب حنبص على بني عبس فقال : إن غطفان قتل أخي فدوه فقال قيس : إن يدي مع أيديكم على غطفان ومع هذا فإنما وجده اليهودي مع امرأته فقال حنبص : والله لو قتلته الريح لوديتموه فقال قيس لقومـه : دوه وألحقوا بقومكم فالموت في غطفان خير من الحياة في بني عامر وقال :
لحا الله قوما أرثوا الحرب بيننا ... سقونا بها مرا من الماء آجنا
وكايد ذا الخصيين إن كان ظالما ... وإن كنت مظلوما وإن كان شاطنا
فهلا بني ذبيان أمك هابل ... رهنت بفيف الريح إن كنت راهنا [ ص 120 ]
فلما ودت عبس أخا حنبص خرجت حتى نزلت بالحارث بن عوف بن أبي حارثة وهو عند حصن ابن حذيفة جاء بعد ساعة من الليل فقيل : هؤلاء أضيافك ينتظرونك قال : بل أنا ضيفهم فحياهم وهش إلبهم وقال : من القوم ؟ قالوا : إخوتك بنو عبس وذكروا ما قالوا فأقروا بالذنب فقال : نعم وكرامة لكم أكلم حصنا فرجع إليه فقيل لحصن : هذا أبو أسماء قال : ما رده إلا أمر فدخل الحارث فقال : طرقت في حاجة يا أبا قيس قال : أعطيتها قال : بنو عبس وجدت وفودهم في منزلي قال حصن : صالحوا قومكم أما أنا فلا أدى ولا أتدى قد قتلت آبائي وعمومتي عشرين من بني عبس فما أدركت دماءهم ويقال : انطلق الربيع وقيس إلى يزيد بن سنان بن أبي حارثة وكان فارس بني ذبيان فقالا : انعم ظلاما أبا ضمرة قال : نعم ظلامكما فمن أنتما ؟ قالا : الربيع وقيس قال : مرحبا قالا : أردنا أن تأتي أباك فتعيننا عليه لعله يلم الشعث ويرأب الصدع فانطلق معها فقال لأبيه : هذه عبس قد عصبت بك رجاء أن تلائم بين ابنى بغيض قال : مرحبا قد آن للأحلام أن تثوب وللأرحام أن تنقى إني لا أقدر على ذلك إلا بحصن حذيفة وهو سيد حليم فائتوه فأتوا حصنا فقال : من القوم ؟ قالوا : ركبان الموت فعرفهم قال : بل ركبان السلم مرحبا بكم إن تكونوا اختللتم إلى قومكم لقد اختل قومكم إليكم ثم خرج معهم حتى أتوا سنانا فقال له حصن : قم بأمر عشيرتك وارأب بينـهم فإني سأعينك فاجتمعت بنو مرة فكان أول من سعى في الحمالة حرمله بن الأشعر ثم مات فسعى فيها ابنـه هاشم بن حرمله الذي يقول فيه القائل :
أحيا أباه هاشم بن حرمله ... يوم الهباتين ويوم اليعمله
ترى الملوك حوله مغربله ( 1 ) ... يقتل ذا الذنب ومن لا ذنب له
( 1 ) ( في العقد ... ترى الملوك حوله مرعبله ... )
يوم قطن
ولما حمل الحاملات وتراضى أبناء بغيض اجتمعت عبس وذبيان بقطن وهو من الشربة فخرج حصين بن ضمضم يخلى فرسه وهو آخذ بمرسنـها فقال الربيع بن زياد : مالي عهد بحصين بن ضمضم مذ عشرين سنة وإني لأحسبه هذا قم يا بيحان ( 2 ) ( في بعض الأصول " تيحان " وفي بعضها " تيجان " ) فادن منـه وناطقه فإن في لسانـه حبسة فقام يكلمـه فجعل حصين يدنو منـه [ ص 121 ] فلا يكلمـه حتى إذا أمكنـه جال في متن فرسه ثم وجهها نحوه فلحقه قبل أن يأتي القوم فقتله بأبيه ضمضم وكان عنترة قتله وكان حصين آلى أن لا يمس رأسه غسل حتى يقتل بأبيه بيحان فانحازت عبس وحلفاؤها وقالوا : لا نصالحكم ما بل بحر صوفة وقد غدرت بنا بنو مرة وتناهض الحيان ونادى الربيع بن زياد : من يبارز ؟ فقال سنان وكان يومئذ واجدا على ابنـه يزيد : ادعوا لي ابني فأتاه هرم بن سنان فقال : لا فأتاه ابنـه خارجة فقال : لا وكان يزيد يحزم فرسه ويقول : إن أبا ضمرة غير غافل ثم أتاه فبرز للربيع وسفرت بينـهم السفراء فأتى خارجة بن سنان أبا بيجان بابنـه فدفعه إليه وقال : هذا وفاء من ابنك ؟ قال اللهم نعم فكان عنده أياما ثم حمل خارجة لأبي بيجان مائتي بعير فأدي مائة وحط عنـه الإسلام مائة فاصطلحوا وتعاقدوا وفي ذلك يقول خارجة بن سنان :
أعتبت عن آل يربوع قتيلهم ... وكنت أدعى إلى الخيرات أطوارا
أعتبت عنـهم أبا بيجان أرسنـها ... وردا ودهما كمثل النخل أبكارا
وكان الذي ولى الصلح عوف ومعقل ابنا سبيع بن عمرو من بني ثعلبة فقال عوف بن خارجة بن سنان : أما إذ سبقنى هذان الشيخان إلى الحمالة فهلم إلى الظل والطعام والحملان فأطعم وحمل وكان أحد الثلاثة يومئذ فصدروا على الصلح بعد ما امتدت الحرب بينـهم سنين قال المؤرج السدوسي : أربعين سنة
يضرب مثلا للقوم وقعوا في الشر يبقى بينـهم مدة

(2/110)

2926 - قد ونى طرفاه
يضرب للذي ذل وضعف عن أن يتم له أمر . قال ابن السكيت : قال : النجاشي :
وإن فلانا والإمارة كالذي ... ونى طرفاه بعد ما كان أجدعا
قال يعقوب : يعني عليا رضي الله عنـه أي لا يتم له إمارة كما أن الذي جدعت أذناه لا تفيآن ولا تعودان كما كانتا وكان جلده في شرب الخمر في رمضان ثم زاده فقال : ما هذه العلاوة ؟ قال : هذا بجراءتك على الله تعالى في هذا الشـهر ثم هرب إلى معاوية رضي الله عنـه

(2/121)

2927 - قدت سيوره من أديمك
قال أبو الهيثم : إذا كانت السيور مقدودة من أديمين اختلفت فإذا قدت من أديم واحد لم تكد تفاوت
قال الشاعر : [ ص 122 ]
وقدت من أديمـهم سيورى
يضرب للشيئين يستويان في الشبه

(2/121)

2928 - أقر صامت
يضرب للرجل يسأل عن شيء فيسكت يعني أقر من صمت عن الأمر فلم ينكره وهذا كما يقال " سكوتها رضاها "

(2/122)

2929 - القر في بطون الإبل
أي ذهاب القر يريدون أن البرد يذهب عنـهم إذا نتجت الإبل وإنما يتفرجون في الربيع لأن الإبل تنتج فيه ويصيبهم الهزل وسوء الحال في الشتاء

(2/122)

2930 - قريحة يصدى بها المقرح
القريحة : البئر أول ما تحفر ولا تسمى قريحة يظهر ماؤها والمقرح : صاحبها والصدى : العطش
يضرب لمن يتعب في جمع المال ثم لا يخظى بـه

(2/122)

2931 - قرون بدن مالها عقاء
البدن : جمع بدن وهو الوعل المسن . والعقاء : جمع عقوة وهي الطرف المحدد من القرن
يضرب لقوم اجتمعوا في أمر ولا رئيس لهم

(2/122)

2932 - قد ضاق عن شحمته الصفاق
يقال للجلدة التي تضم أقتاب البطن ( الأقتاب جمع قتب - بكسر القاف وسكون التاء - ويقال : جمع قتبة وهي الأمعاء )
الصفاق
يضرب هذا لمن اتسع حاله وكثر ماله فعجز عن ضبطه ولمن يعجز عن كتمان السر أيضا

(2/122)

2933 - قمقامة حكت بجنب البازل
القمقامة : الصغير من القردان والبازل من الإبل : ما دخل في السنة التاسعة وهو أقواها
يضرب للضعيف الذليل يحتك بالقوى العزيز

(2/122)

2934 - أقرف عينا والنجار مذهب
الإقراف : مداناة الهجنة في الفرس وفي الناس أن تكون الأم عربية والأب ليس كذلك ونصب " عينا " على التميز والنجار : الأصل
يضرب لمن طاب أصله وهو في نفسه خبيث القول والفعل . والمذهب : الذي عليه الذهب يعني أن أصله محلى وهو بخلاف ذلك

(2/122)

2935 - قرم معرى الجنب من سداد
القرم : الفحل من الإبل يقتنى للفحلة [ ص 123 ] وذلك لكرمـه يقول هذا قرم سلم جنبه من الدبر لأنـه لم يحمل عليه ولم يرحل فيقرح جنبه وظهره فيحتاج إلى السداد وهو الفتيلة ليسد بها القروح والجمع الأسدة ومنـه قول القلاخ بن حزن :
ليس بجنبي أسدة الدرن
يعني أنـه نقي مـهذب . يضرب للسيد الكريم الطاهر الأخلاق

(2/122)

2936 - الأقوس الأحبى من ورئك
يقال : الأقوس الشديد الصلب والأحبى : الأفعل من حبا يحب حبوا وهذان من صفة الدهر لأنـه يرصد أن يهجم على الإنسان كالحابي يحبو ليثب متى وجد فرصة
قلت : الأقوس المنحني الظهر وذلك لصلابة تكون في صلبه ولو قيل الشديد الصلب لكان ما أشرت إليه ويجوز أن يقال الأقوس مقلوب من الأقسى يعني أن الدهر الأصلب الذي لا يبليه شيء والذي يحبوا ليثب من ورائك : أي أمامك
يضرب لمن يفعل فعلا لا تؤمن بوائقه فهو يحذر بهذه اللفظة كما يقال " الحساب أمامك "

(2/123)

2937 - قد جانب الروض وأهوى للجرل
يقال " أهوى له " أي قصده والجرل : الحجارة وكذلك الجرول ومكان جرل : فيه حجارة
يضرب لمن فارق الخير واختار الشر . وهو كالمثل الآخر " تجنب روضة وأحال يعدو "

(2/123)

2938 - أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم
أراد بذوي الهيئات أصحاب المروأة ويروى " ذوي الهنات " بالنون جمع الهنة وهي الشيء الحقير أي من قلت عثراته أو حقرت فأقيلوها

(2/123)

2939 - استقدمت رحالتك
الرحالة : سرج من جلود ليس فيه خشب كانوا يتخذونـه للركض الشديد واستقدمت : بمعنى تقمت
يضرب للرجل يعجل إلى صاحبه بالشر

(2/123)

2940 - قد تؤذيني النار فكيف أصلى بها
يضرب لكل ما يكره الإنسان أن يراه أو يفعل إليه مثله

(2/123)

2941 - قالت النغلة : لا أكون وحدي
النغل : فساد الأديم وأصله أن الضائنة ينتف صوفها وهي حية فإذا [ ص 124 ]
دبغوا جلدها لم يصلحه الدباغ لأنـه قد نغل ما حواليه
يضرب للرجل فيه خصلة سوء أي لا تنفرد هذه الخصلة بل تقترن بها خصال أخر

(2/123)

2942 - قد بلغ الشظاظ : الوركين الشظاظ عويد يجعل في عروة الجوالق
يضرب فيما جاوز الحد
وهو كقولهم " قد بلغ السيل الزبى " و " جاوز الحزام الطبيين "

(2/124)

2943 - قد أوضعت منذ ساعة
الإيضاع : الإسراع . يضرب لمن يستبطئ قضاء حاجته ولم تبطؤ بعد

(2/124)

2944 - قد تخرج الخمر من الضنين
يضرب للبخيل يستخرج منـه شيء

(2/124)

2945 - قد يمكن المـهر بعد ما رمح
يضرب لمن ذل بعد جماحه

(2/124)

2946 - قصارى المتمني الخيبة
يقال : قصرك أن تفعل كذا وقصارك أن تفعل كذا وقصارك - بضم القاف - أي غايتك
يضرب لمن يتمنى المحال

(2/124)

2947 - قرينك سهمك يخطئ ويصيب
يضرب في الإغضاء على ما يكون من الأخلاء

(2/124)

2948 - أقبح هزيلين الفرس والمرأة
يحكى أن عمرو بن الليث عرض عليه الجند يوما يعطي فيه أرزاقهم فعرض عليه رجل له فرس عجفاء فقال عمرو : هؤلاء يأخذون دراهمي ويسمنون بها أكفال نسائهم فقال الرجل : لو رأى الأمير كفلها لاستسمن كفل دابتي فضحك عمرو وأمر له بصلة وقال : سمن بها مركوبك

(2/124)

2949 - اقلب قلاب
قاله عمر رضي الله عنـه وهذا مثل
يضرب للرجل تكون منـه السقطة فيتداركها بأن يقلبها عن جهتها ويصرفها إلى غير معناها
قال أبو الندى في أمثاله : يقال أحمق من عدى بن جناب وهو أخو زهير : بن عدى بن جناب ( كذا ) وكان زهير وفادا على الملوك ووفد على النعمان ومعه أخوه عدى فقال النعمان : يا زهير إن أمي تشتكي فبم [ ص 125 ] تتداوى نساؤكم ؟ فالتفت عدى فقال : دواؤها الكمرة فقال النعمان لزهير : ما هذه ؟ قال : هب الكمأة أيها الأمير فقال عدى : اقلب قلاب ما هي إلا كمرة الجال
قلت : ووجدت بخط الأزهري هذا المثل مقيدا اقلب قلاب وقال عدى : اطلب لها كمرة حارة فغضب الملك وهم بقتله فقال زهير : إنما أراد أن ينعت لك الكمأة فإنا نسخها ونتداوى بها وقال لأخيه عدى : إنما أردت كذا فنظر عدى إلى زهير فقال : اقلب قلاب فأرسلها مثلا

(2/124)

ما جاء على أفعل من هذا الباب

(2/125)

2950 - أقصف من برقة
البروق : نبت خوار قال جرير :
كأن سيوف التيم عيدان بروق ... إذا نضيت عنـها لحرب جفنوها

(2/125)

2951 - أقود من ظلمة
هي امرأة من هزيل وكانت فاجرة في شبابها حتى عجزت ثم قادت حتى أقعدت ثم التخذت تيسا فكانت تطرقه الناس فسئلت عن ذلك فقالت : إني أرتاح إلى نبيبه على ما بي من الهرم وسئلت : من أنكح الناس ؟ فقالت : الأعمى العفيف فحدث عوانة بهذا الحديث وكان مكفوفا فقال : قاتلها الله من عالمة بأسباب الطروقة
قال الجاحظ : لما قدم أشعب الطماع من المدينة بغداد في أيام المـهدى تلقاه أصحاب الحديث لأنـه كان إذا إسناد فقالوا له : حدثنا فقال : خذوا حدثني سالم بن عبد الله - وكان يبغضني في الله - قال : خصلتان لا تجتمعان في مؤمن وسكت فقالوا : اذكرهما قال : نسى إحداهما سالم ونسيت الآخرى فقالوا : حدثنا عافاك الله بحديث غيره فقال : خذوا سمعت ظلمة - وكانت من عجائزنا - تقول : إذا أنا مت فأحرقوني بالنار ثم اجمعوا رمادي في صرة وأتربوا بـه كتب الأحباب فإنـهم يجتمعون لا محالة وأتوا بـه الخاتنات ليذرون منـه على أجراح الصبيات فإنـهن يلهجن بالزب ما عشن وقال ابن يسار الكواعب يضرب بظلمة المثل :
بليت بورهاء ذنمردة ( 1 ) ... تكاد تقطرها الغلمـه ( 1 ) ( الذنمرة : السحاقة ) [ ص 126 ]
تنم وتعضه جاراتها ... وأقود بالليل من ظلمـه
فمن كل ساع لها ركلة ... ومن كل جار لها لطمـه

(2/125)

2952 - أقوى من نملة
يقال : إنـه ليس شيء من الحيوان يحمل وزنـه حديدا إلا النملة وتجر نواة التمر وهي أضعافها زنة وكذلك الذرة تحمل أضعافها لو وزنت بـه

(2/126)

2953 - أقصر من غب الحمار و " اقصر من ظاهرة الفرس "
ويقال أيضا " أقصر من ظمء الحمار " لأن الحمار لا يصبر عن الماء أكثر من غب لا يربع والفرس لا بد له من أن يسقي كل يوم فالغب بعد الظاهرة والربع بعد الغب والخمس بعده ثم السدس ثم السبع ثم الثمن ثم التسع ثم العشر وجعلت العرب الخمس أشأم الأظماء لأنـهم لا يظمئون في القيظ أكثر منـه والإبل في القيظ لا تقوى على أطول منـه وهو شديد على الإبل

(2/126)

2954 - اقضى من الدرهم
هذا من قول الشاعر
لم ير ذو الحاجة في حاجة ... أقضى من الدرهم في كفه

(2/126)

2955 - أقطع من جلم وأقد من شفرة
هذا أيضا من قول الشاعر :
أقد لنعماك من شفرة ... وأقطع في كفرها من جلم

(2/126)

2956 - أقود من مـهر
وذلك لأن المـهر إذا قيد عارض قائده وسبقه وهذا أفعل من المفعول قال أبو الندى : لأنـه يسابق راجلة ساحبه

(2/126)

2957 - أقود من ظلمة
لأن الظلام يستر كل شيء والعرب تقول : لقيته حين وارى الظلام كل شخص ولقيته حين يقال : أخوك أم الذئب

(2/126)

2958 - أقود من ليل
هذا من قول الشاعر :
لا تلق إلا بليل من توصله ... فالشمس تمامـه والليل قواد

(2/126)

2959 - أقذر من معبأة
هي خرقة الحائض والاعتباء : الاحتشاء يقال : اعتبأت المرأة وأما قولهم " أقفط من البياع " فقد مر ذكره في باب التاء عند قولهم " أتيس من تيوس البياع " [ ص 127 ]

(2/126)

2960 - أقفط من تيس بني حمان
مر ذكره في باب الغين في قولهم " أغلم من تيس بني حمان "

(2/127)

2961 - أقرش من المجبرين
القرش : الجمع والتجارة والنقرش التجمع ومن هذا سميت قريش قريشا زعم أبو عبيدة أنـهم أربعة رجال من قريش وهم أولاد عبد مناف بن قصى أولهم هاشم ثم عبد شمس ثم نوفل ثم المطلب بنو عبد مناف سادوا بعد أبيهم لم يسقط لهم نجم جبر الله تعالى بهم قريشا فسموا المجبرين وذلك أنـهم وفدوا على الملوك بتجارتهم فأخذوا منـهم لقريش العصم أخذلهم هاشم جبلا ( 1 ) ( كذا وأحبسه " حبلا " بالحاء المـهملة أي عهدا . ) من ملوك الشام حتى اختلفوا بذلك السبب إلى أرض الشام وأطراف الروم وأخذلهم عبد شمس جبلا ( 1 ) من النجاشي الأكبر حتى اختلفوا بذلك السبب إلى أرض الحبشة وأخذلهم نوفل بن جبلا ( 1 ) من ملوك الفرس حتى اختلفوا بذلك إلى أرض فارس والعراق وأخذ لهم المطلب جبلا ( 1 ) من ملوك حمير حتى اختلفوا بذلك السبب إلى بلاد اليمن . وأما قولهم :

(2/127)

2962 - أقرى من زاد الركب
فزعم ابن الأعرابي أن هذا المثل من أمثال قريش ضربوه لثلاثة من أجودهم : مسافر بن أبي عمرو ابن أمية وأبي أمية بن المغيرة والأسود بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزى سموا زاد الركب لأنـهم كانوا إذا سافروا مع قوم لم يتزودوا معهم

(2/127)

2963 - أقرى من حاسى الذهب
هذا أيضا من قريش وهو عبد الله بن جدعان التيمي الذي قال فيه أبو الصلت الثقفي :
له داع بمكة مشمعل ... وآخر فوق دارته ينادي
إلى ردح من الشيزى ملاء ... لباب البر يلبك بالشـهاد
وسمى " حاسي الذهب " لأنـه كان يشرب في إناء من الذهب

(2/127)

2964 - أقرى من غيث الضريك
هذا المثل ربعي وغيث الضريك : قتادة بن مسلمة الحنفي والضريك : الفقير

(2/127)

2965 - أقرى من مطاعيم الريح
زعم أبن الأعرابي أنـهم أربعة : أحدهم عم محجن الثقفي ولم يسم الباقين
قال أبو الندى : هم كنانة بن عبد ياليل الثقفي عم أبي محجن ولبيد بن ربيعة وأبوه كانوا إذا هبت الصبا أطعموا الناس [ ص 128 ] وخصوا الصبا لأنـها لا تهب إلا في جدب قالت بنت لبيد :
إذا هبت رياح أبي عقيل ... ذكرنا عند هبتها وليدا
أشم الأنف أبيض عبشميا ... أعان على مروأته لبيدا

(2/127)

2966 - أقرى من آكل الخبز
المثل تميمي وآكل الخبز : عبد الله بن حبيب العنبري أحد بني سمرة سمى آكل الخبز لأنـه كان لا يأكل التمر ولا يرغب في اللبن وكان سيد العنبر في زمانـه وهم إذا فخروا قالوا : منا آكل الخبز ومنا مجير الطير فأما مجير الطير فهو نور بن شحمة العنبري وأما السبب في تلقبيهم عبد الله بن حبيب بآكل الخبز فلأن الخبز نفسه عندهم ممدوح وذكر أبو عبيدة : أن هوذة بن علي الحنفي دخل على كسرى أبرويز فقال له : أي أولادك أحب إليك ؟ قال : الصغير حتى يكبر والغائب حتى يقدم والمريض حتى يبرأ قال : ماغذاؤك ببلدك ؟ قال الخبز فقال كسرى : هذا عقل الخبز لا عقل اللبن والتمر فصار الخبز عندهم ممدوحا كما صار ما يناسبه بعض المناسبة ممدوحا وهو الفالوذ [ ج ] لأنـه أشرف طعام وقع إليهم ولم يطعم الناس الطعام أحد من العرب إلا عبد الله بن جدعان فمدحه أبو الصلت بذلك وما يناسبه كل المناسبة يعني الثريد وهو في أشرافهم عام وغلب عليه هاشم حين هشم الخبز لقومـه فمدح بـه في قول الشاعر :
عمرو العلا هشم الثريد لقومـه ... ورجال مكة مسنتون عجاف
قال حمزة : فهذا المثل مع ما يتلوه حكاه عمرو بن بحر الجاحظ في كتابه الموسوم ب " كتاب أطعمة العرب "

(2/128)

2967 - أقرى من أرماق المقوين
زعم أبو اليقظان أنـهم ثلاثة : كعب وحاتم وهرم

(2/128)

2968 - أقل من واحد و " من أوحد " و " من تبنة في لبنة " و " من لا شيء في العدد " و " في اللفظ من لا "

(2/128)

2969 - أقصر من حبة و " من أنملة " و " من فتر الضب " و " من إبهام الضب "
و " من إبهام الحبارى " و " من إبهام القطاة " و " من زب نملة " [ ص 129 ]

(2/128)

2970 - أقطف من نملة و " من ذرة " و " من فريخ الذر " و " من حلمة " و " من أرنب "

(2/129)

2971 - أقبح أثرا من الحدثان و " من قول بلا فعل " و " من من على نيل " و " من تيه بلا فضل " و " من زوال النعمة " و " من الغول " و " من السحر " و " من خنزير " و " من قرد "

(2/129)

2972 - أقسى من صخرة و " من الحجر "

(2/129)

2973 - أقرب من البعث ويروى " من البغت "

(2/129)

2974 - أقرب من حبل الوريد و " من عصا الأعرج "

(2/129)

2975 - أقطع من البين

(2/129)

2976 - أقصر من اليد إلى الفم

(2/129)

2977 - أقتل من السم

(2/129)

2978 - أقفر من أبراق الغراف و " من برية خساف "
قال أبو الندى : هي برية بين السواجير ويانس بأرض الشام بستة فراسخ قال : وقد سلكها خساف

(2/129)

2979 - أقدم من البذ

(2/129)

2980 - أقبح من جهمة قفرة
الجهمة التي في وجهها كلوح والفقرة : القليلة اللحم

(2/129)

المولدون

(2/129)

قل النادرة ولو على الوالدة
قيدوا العلم بالكتابة
قيدوا نعم الله بالشكر
قبل السحاب أصابني الوكف
قبر العاق خير منـه
قد يخرج من الصدفة غير الدرة
قد يقدم العير من ذعر على الأسد
قد يهزل المـهر الذي هو فاره
قد خلع عذاره وركب رأسه
قد عبر موسى البحر [ ص 130 ]
إذا بلغ غاية الشكر
قد جعل إحدى أذنيه بستانا والأخرى ميدانا
يضرب لمن لا يسمع الوعظ
قد تعود خبز السفرة
يضرب لمن يوصف بالتجارب ومثله " قد نام مع الصوفية " و " نام تحت حصر الجامع " و " ضرب بالحراب وجه المحراب "
قد صار من سقط الجند
يضرب للأمرد إذا التحى
قد جعل إحدى يديه سطحا وملأ الأخرى سلحا
يضرب للمتهلك
قد أفلح الساكت الصموت
قل هو الله أحد شريفة وليست من رجال يس
قطعت القافلة وكانت خيرة
قلة العيال أحد اليسارين
قدر ثم أقطع
قلم برأسين - للمكافئ
قدم خيرك ثم أيرك
قد ضل من كانت العميان تهديه
قد تبلى المليحة بالطلاق
قد يتوفى السيف وهو مغمد
قد يسترث الجفن والسيف قاطع
قلمـه لا يرعف إلا بالشر
قد استقلع العود فاقلعه
القصاب لا تهوله كثرة الغنم
القاص لا يحب القاص
القلوب تجازي القلوب
القلب طليعة الجسد
القلم أحد الكاتبين
القبح حارس المرأة
الإقدام على الكرام مندمة
القينة ينبوع الأحزان
القوم أخياف كقرع الخريف وإبل الصدقة
اقطعها من حيث ركت
أي ضعفت والعامة تقول " رقت "
قد نراك فلست بشيء
يضرب للصلف الذي يزيف على السبك [ ص 131 ]

(2/129)

- الباب الثاني والعشرون فيما أوله كاف

(2/131)

2981 - كان كراعا فصار ذراعا
يضرب للذليل الضعيف صار عزيزا قويا
وهذا المثل يروى عن أبى موسى الأشعري قاله في بعض القبائل ومثله :

(2/131)

2982 - كان عنزا فاستتيس
أي صار تيسا وفي ضدهما :

(2/131)

2983 - كان حمارا فاستأتن
أي صار أتانا وهذا ما لا يكون وإنما أراد بـه أنـه كان قويا فطلب أن يكون ضعيفا أو كان ضعيفا فطلب أن يكون قويا فمعنى " استأتن " طلب أن يكون أتانا

(2/131)

2984 - كان جرحا فبرئ
أصله أن رجلا كان أصيب ببعض أعزته فبكاه ورثاه كثيرا ثم أقلع وصبر فقيل له في ذلك فأجاب بهذا فصار مثلا

(2/131)

2985 - كانت بيضة الديك
يضرب لما يكون مرة واحدة قال بشار :
قد زرتني زورة في الدهر واحدة ... ثنى ولا تجعليها بيضة الديك

(2/131)

2986 - كانت وقرة في حجر
أي كانت المصيبة ثلمة في حجر
يضرب لمن يحتمل المصيبة ولم تؤثر فيه إلا مثل تلك الهزيمة في الصخرة

(2/131)

2987 - كانت لقوة لاقت قبيسا
ويروى " لقوة صادفت قبيسا " اللقوة : السريعة التلقي لماء الفحل والقبيس : السريع الإلقاح قال بعض بني أسد :
حملت ثلاثة فولدت ستا ... فأم لقوة وأب قبيس
وتقدير المثل : كانت الناقة لقوة صادفت فحلا قبيسا
يضرب في سرعة اتفاق الأخوين في المودة قاله أبو عبيد [ ص 132 ]

(2/131)

2988 - كأنما قد سيره الآن
أي كأنما ابتدئ شبابه الساعة . يضرب لمن لا يتغير شبابه من طول مر الزمان وقال :
رأيتك لا تموت ولست تبلى ... كأنك في الحوادث لين طاق

(2/132)

2989 - كأنما أنشط من عقال
الأنشوطة : عقدة يسهل إنحلالها مثل عقدة التكة ونشطت الحبل أنشطه نشطا : عقدته أنشوطة وأنشطته : حللته والعقال : ما يشد بـه وظيف البعير إلى ذراعه
يضرب لمن يتخلص من ورطة فينـهض سريعا

(2/132)

2990 - كل شيء مـهه ما خلا النساء وذكرهن
ويروى " مـهاه ومعناهما اليسير الحقير : أي أن الرجل يحتمل كل شيء حتى يأتي ذكر حرمـه فيمتعض حينئذ فلا يحتمله قال أهل اللغة : المـهاه والمـهه : الجمال والطراوة أي كل شيء جميل ذكره إلا ذكر النساء قلت : يجوز أن يكون المـهاه الأصل والمـهه مقصور منـه مثل الزمان والزمن والسقام والسقم ويجوز على الضد من هذا وهو أن يكون المـهه الأصل ثم زيدت الألف كراهة التضعيف والمـهاه أكثر في الاستعمال من المـهه قال الشاعر :
وليس لعيشنا هذا مـهاه ... وليست دارنا الدنيا بدار
وقال آخر :
كفى حزنا أن لا مـهاه لعيشنا ... ولا عمل يرضى بـه الله صالح
يريد لا جمال ولا طراوة لعيشنا

(2/132)

2991 - كل ذات صدار خالة
الصدار : كالصدرة تلبسها المرأة ومعناه أن الغيور إذا رأى امرأة عدها في جملة خالاته لفرط غيرته وهذا المثل من قول همام بن مرة الشيباني وكان أغار على بني أسد وكانت أمـه منـهم فقالت له النساء : أتفعل هذا بخالاتك ؟ فقال : كل ذات صدار خالة فأرسلها مثلا
قلت : ويجوز أن تكون الخالة بمعنى المختالة يقال " رجل خال " أي مختال يعني أن كل امرأة وجدت صدارا تلبسه اختالت

(2/132)

2992 - كل ضب عنده مرداته
المرداة : الحجر الذي يرمى بـه والضب قليل الهداية فلا يتخذ جحره إلا عند حجر يكون علامة له فمن قصده [ ص 133 ] فالحجر الذي يرمى الضب بـه يكون بالقرب منـه فمعنى المثل لا تأمن الحدثان والغير فإن الآفات معدة مع كل أحد
يضرب لمن يتعرض للهلكة

(2/132)

2993 - كل امرىء سيعود مريبا
أي تصيبه قوارع الدهر فتضعفه . يضرب في تنقل الدهر بأبنائه

(2/133)

2994 - كل ذات بعل ستئيم
هذا من أمثال أكثم بن صيفي قال الشاعر :
أفاطم إني هالك فتبيني ... ولا تجزعي كل النساء تئيم
يقال : آمت المرأة تئيم أيوما أي صارت أيما وقوله " ستئيم " أي ستفارق بعلها فتبقى بلا زواج

(2/133)

2995 - كل شاة برجلها ستناط
النوط : التعليق أي كل جان يؤخذ بجنايته قال الأصمعي : أي لا ينبغي لأحد أن يأخذ بالذنب غير المذنب قال أبو عبيدة : وهذا مثل سائر في الناس

(2/133)

2996 - كل أزب نفور
وذلك أن البعير الأزب - وهو الذي يكثر شعر حاجبيه - يكون نفورا لأن الريح تضربه فينفر
يضرب في عيب الجبان
وإنما قاله زهير بن جذيمة لأخيه أسيد وكان أزب جبانا وكان خالد بن جعفر بن كلاب يطلبه بذحل وكان زهير يوما في إبله يهنؤها ومعه أخوة أسيد فرأى أسيد خالد بن جعفر قد أقبل في أصحابه فاخبر زهيرا بمكانـهم فقال له زهير : كل أزب نفور وإنما قال هذا لأن أسيدا كان أشعر قال زيد الخيل :
فحاد عن الطعان أبو أثال ... كما حاد الأزب عن الظلال
وقال النابغة : أثرت الغيى ثم نزعت عنـه كما حاد الأزب عن الطعان

(2/133)

2997 - كل امرئ سيرى وقعه
أي وقوعه . يضرب في انتظار الخطب بالعدو يقع

(2/133)

2998 - كلام كالعسل وفعل كالأسل
يضرب في اختلاف القول والفعل

(2/133)

2999 - كم غصة سوغت ريقها عنك
يضرب في الشكاية عن العاق من الأولاد والأحباب [ ص 134 ]

(2/133)

3000 - الكى لا ينفع إلا منضجه
يضرب في الحث على إحكام الأمر والمبالغة فيه

(2/134)

3001 - كالعاطف على العاض
يقال " ناقة عاطف " تعطف على ولدها وأصل المثل أن ابن المخاض ربما أتى أمـه يرضعها فلا تمنعه وربما عض على ضرعها فلا تمنعه أيضا
يضرب لمن يواصل من لا يواصله ويحسن لمن يسيء إليه

(2/134)

3002 - كنت تبكي من الأثر العافي فقد لاقيت أخدودا
يضرب لمن يشكو القليل من الشر ثم يقع في الكثير

(2/134)

3003 - كل ذات ذيل تختال
أي كل من كان ذا مال يتبختر ويفتخر بماله

(2/134)

3004 - كل امرئ في شأنـه ساع
أي كل امرئ في إصلاح شأنـه مجد

(2/134)

3005 - كل امرئ في بيته صبي
أي يطرح الحشمة ويستعمل الفكاهة يضرب في حسن المعاشرة
قيل : كان زيد بن ثابت من أفكه الناس في أهله وأدمثهم إذا جلس مع الناس وقال عمر رضي الله عنـه : ينبغي للرجل أن يكون في أهله كالصبي فإذا التمس ما عنده وجد رجلا

(2/134)

3006 - كل فتاة بأبيها معجبة
يضرب في عجب الرجل برهطه وعشيرته وأول من قال ذلك العجفاء بنت علقمة السعدى وذلك أنـها وثلاث نسوة من قومـها خرجن فاتعدن بروضة يتعدثن فيها فوافين بها ليلا في قمر زاهر وليلة طلقة ساكنة وروضة معشبة خصبة فلما جلسن قلن : ما رأينا كالليلة ليلة و لا كهذه
الروضة روضة أطيب ريحا ولا أنضر ثم أفضن في الحديث فقلن : أي النساء أفضل ؟ قالت إحداهن : الخرود الودود الولود قالت الأخرى : خيرهن ذات الغناء وطيب الثناء وشدة الحياء قالت الثالثة : خيرهن السموع الجموع النفوع غير المنوع قالت الرابعة : خيرهن الجامعة لأهلها الوادعة الرافعة لا الواضعة قلن : فأي الرجال أفضل ؟ قالت إحداهن : خيرهم الحظى الرضي غير الحظال ( الحظال : المقتر المحاسب لأهله على ما ينفعه عليهم . )
ولا التبال قالت الثانية : خيرهم السيد الكريم ذو الحسب العميم والمجد القديم قالت الثالثة : خيرهم السخي الوفي [ ص 135 ] الذي لا يغير الحرة ولا يتخذ الضرة قالت الرابعة : وأبيكن إن في أبي لنعتكن كرم الأخلاق والصدق عند التلاق والفلج عند السباق ويحمده أهل الرفاق قالت العجفا عند ذلك : كل فتاة بأبيها معجبة
وفي بعض الروايات أن إحداهن قالت : إن أبي يكرم الجار ويعظم النار وينحر العشار بعد الحوار ويحل الأمور الكبار فقالت الثانية : إن أبي عظيم الخطر منيع الوزر عزيز النفر يحمد منـه الورد والصدر فقالت الثالثة : إن أبي صدوق اللسان كثير الأعوان يروى السنان عند الطعان قالت الرابعة : إن أبي كريم النزال منيف المقال كثير النوال قليل السؤال كريم الفعال ثم تنافرن إلى كاهنة معهن في الحي فقلن لها : اسمعي ما قلنا واحكمي بيننا واعدلي ثم أعدن عليها قولهن فقالت لهن : كل واحدة منكن ماردة على الإحسان جاهدة لصواحباتها حاسدة ولكن اسمعن قولي : خير النساء المبقية على بعلها الصابرة على الضراء مخافة أن ترجع إلى أهلها مطلقة فهي تؤثر حظ زوجها على حظ نفسها فتلك الكريمة الكاملة وخير الرجال الجواد البطل القليل الفشل إذا سأله الرجل ألفاه قليل العلل كثير النفل ثم قالت : كل واحدة منكن بأبيها معجبة

(2/134)

3007 - كل مجر في الخلاء يسر
ويروى " كل مجر بخلاء مجيد "
وأصله أن رجلا كان له فرس يقال له " الأبيلق " وكان يجريه فردا ليس معه أحد وجعل كلما مر بـه طائر أجراه تحته أو رأى إعصارا أجراه تحته فأعجبه ما رأى من سرعته فقال : لو راهنت عليه فنادى قوما فقال : إنى أردت أن أراهن عن فرسي هذا فأيكم يرسل معه ؟ فقال بعض القوم : إن الحلبة غدا فقال : إنى لا أرسله إلا في خطار فراهن عنـه فلما كان الغد أرسله فسبق فعند ذلك قال : كل مجر في الخلا يسر ويقال أيضا : كل مجر بخلاء سابق

(2/135)

3008 - كل فضل من أبي كعب درك
يضرب للرجل يطلب المعروف من الرجل اللئيم الذي لا يبض حجره فينيله قليلا فيشكو ذلك فيقال له هذا أي هو لئيم فقليله كثير

(2/135)

3009 - كل كلب ببابه نباح
يضرب لمن يضرب له " كل مجر في الخلا يسر " . [ ص 136 ]

(2/135)

3010 - كل الصيد في جوف الفرا
قال ابن السكيت : الفرار الحمار الوحشي وجمعه فراء
قالوا : وأصل المثل أن ثلاثة نفر خرجوا متصيدين فاصطاد أحدهم أرنبا والآخر ظبيا والثالث : حمارا فاستبشر صاحب الأرنب وصاحب الظبي بما نالا وتطاولا عليه فقال الثالث : كل الصيد في جوف الفرا أي هذا الذي رزقت وظفرت بـه يشتمل على ما عندكما وذلك أنـه ليس مما يصيده الناس أعظم من الحمار الوحشي
وتألف النبي صلى الله عليه و سلم أبا سفيان بهذا القول حين استأذن على النبي صلى الله عليه و سلم فحجب قليلا ثم أذن له فلما دخل قال : ما كدت تأذن لي حتى تأذن لحجارة الجلهمتين قال أبو عبيد : الصواب الجلهتين وهما جانبا الوادي فقال صلى الله عليه و سلم : يا أبا سفيان أنت كما قيل كل الصيد في جوف الفرا يتألفه على الإسلام وقال أبو العباس : معناه إذا حجبتك قنع كل محجوب . يضرب لمن يفضل على أقرانـه

(2/136)

3011 - كل نجار إبل نجارها
النجار : الأصل وكذلك النجر وهذا من قول رجل كان يغير على الناس
فيطرد إبلهم ثم يأتي بها السوق فيعرضها على البيع فيقول المشترى : من أي إبل هذه ؟ فيقول البائع :
تسألني الباعة أين دارها ... لا تسألوني وسلوا ما نارها
كل نجار إبل نجارها
يعني فيها من كل لون
يضرب لمن له أخلاق متفاوتة ( في القاموس " أي فيه كل من الأخلاق ولا يثبت على رأى " )
والباعة : المشترون ههنا والبيع من الأضداد وقال :
وباع بنيه بعضهم بخسارة ... وبعت لذبيان العلاء بمالكا
فجمع اللغتين في بيت واحد

(2/136)

3012 - كل الحذاء يحتذي الحافي الوقع
يقال : وقع الرجل يوقع وقعا إذا حفي من مره على الحجارة قال الراجز :
ياليت لي نعلين من جلد الضبع ... وشركا من ثفرها لا تنقطع
كل الحذاء يحتذي الحافي الواقع
نصب " كل " بيحتذى . [ ص 137 ]
يضرب عند الحاجة تحمل على التعلق بما يقدر عليه

(2/136)

3013 - كلى طعام سرقو نامى
السرق والسرقة - بكسر الراء الاسم والسرق - بفتح الراء - المصدر يقال : سرق منـه مالا وسرقه مالا
وأصله أن امة كانت لصة جشعة فنحر مواليها جزورا فأطعموها حتى شبعت ثم إن مولاها جعل شحمة في رأس رمحه فسرقتها ثم ملتها فنشت في النار فقال مولاها : ما هذا ؟ فقالت : نضيض علباء ويحسبه مولاي شحمة فقال : كل طعام سرق ونامي
يضرب للحريص يقع في قبيح لجشعه ويضرب للمريب أيضا

(2/137)

3014 - كل شيء أخطأ الأنف جلل
وذلك أن رجلا صرع رجلا فأراد أن يجدع انفه فأخطأه فحدث بـه رجل فقال : كل شيء أخطأ الأنف جلل أي سهل
يضرب في تهوين الأمر وتسهيله

(2/137)

3015 - كل جدة ستبليها عدة
يعني عدة الأيام والليالي وقال الراجز :
لا يلبث المرء اختلاف الأحوال ... من عهد شوال وبعد شوال
يفنينـه مثل فناء السربال

(2/137)

3016 - كلكم ليحتلب صعودا
الصعود من النوق : التي تخدج ( تخدج : تلقي جنينـها قبل تمامـه )
فتعطف على ولد عام أول وقال :
لها لبن الخلية والصعود
وأصل المثل أن غلاما كان له الصعود وكان يلعب مع غلمان ليس لهم صعود فقال مستطيلا عليهم هذا القول

(2/137)

3017 - كبر عمرو عن الطوق
قال المفضل : أول من قال ذلك جذيمة الأبرش وعمرو هذا : ابن أخته وهو عمرو بن عدي بن نصر وكان جذيمة ملك الحيرة وجمع غلمانا من أبناء الملوك يخدمونـه منـهم عدي بن النصر وكان له حظ من الجمال فعشقته رقاش أخت جذيمة فقالت له : إذا سقيت الملك فسكر فاخطبني إليه فسقى عدي جذيمة ليلة وألطف له في الخدمة فأسرعت الخمر فيه فقال له : سلني ما أحببت فقال : أسألك أن تزوجني رقاش أختك قال : ما بها عنك رغبة قد فعلت فعلمت رقاش أنـه سينكر ذلك عند [ ص 138 ] إفاقته فقالت للغلام : أدخل على أهلك الليلة فدخل بها وأصبح وقد لبث ثيابا جددا وتطيب فلما رآه جذيمة قال : يا عدي ما هذا الذي أرى ؟ قال : أنكحتني أختك رقاش البارحة قال : ما فعلت ؟ ثم وضع يده في التراب وجعل يضرب بها وجهه ورأسه ثم أقبل على رقاش فقال :
حدثيني وأنت غير كذوب ... أبحر زنيت أم بهجين ( 1 ) ( حفظي ... حدثيني رقاش لا تكذبيني ... )
أم بعبد وأنت أهل لعبد ... أم بدون وأنت أهل لدون
قالت : بل زوجتني كفؤا كريما من أبناء الملوك فأطرق جذيمة فلما رآه عدي قد فعل ذلك خافه على نفسه فهرب منـه ولحق بقومـه وبلاده فمات هناك وعلقت منـه رقاش فولدت غلاما فسماه جذيمة عمرا وتبناه وأحبه حبا شديدا وكان جذيمة لا يولد له فلما بلغ الغلام ثمان سنين كان يخرج في عدة من خدم الملك يجتنون له الكمأة فكانوا إذا وجدوا كمأة خيارا أكلوها وراحوا بالباقي إلى الملك وكان عمرو لا يأكل مما يجني ويأتي بـه جذيمة فيضعه بين يديه ويقول :
هذا جناي وخياره فيه ... إذ كل جان يده إلى فيه
فذهبت مثلا ثم إنـه خرج يوما وعليه ثياب وحلي فاستطير ففقد زمانا فضرب في الآفاق فلم يوجد وأتى على ذلك ما شاء الله ثم وجده مالك وعقيل ابنا فارج رجلان من بلقين كانا يتوجهان إلى الملك بهدايا وتحف فبينما هما نازلان في بعض أودية السماوة انتهى إليهما عمرو بن عدي وقد عفت أظفاره وشعره فقالا له : من أنت ؟ قال : ابن التنوخية فلهيا عنـه وقالا لجارية معهما : أطعمينا فأطعمتهما فأشار عمرو إلى الجارية أن أطعميني فأطعمته ثم سقتهما فقال عمرو : اسقني فقالت الجارية لا تطعم العبد الكراع فيطمع في الذراع فأرسلتها مثلا ثم إنـهما حملاه إلى جذيمة فعرفه ونظر إلى فتى ما شاء من فتى فضمـه و قبله وقال لهما : حكمتكما فسألاه منادمته فلم يزالا نديميه حتى فرق الموت بينـهم وبعث عمرا إلى أمـه فأدخلته ال وألبسته ثيابه وطوقته طوقا كان له من ذهب فلما رآه جذيمة قال : كبر عمرو عن الطوق فأرسلها مثلا وفي ملك وعقيل يقولوا متمم بن نويرة يرثي أخاه مالك بن نويرة [ ص 139 ]
وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن نتصدعا
وعشنا بخير في الحياة وقبلنا ... أصاب المنايا رهط كسرى وتبعا
فلما تفرقنا كأني ومالك ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
قلت : اللام في " لطول اجتماع " يجوز أن تتعلق بتفرقنا أي تفرقنا لاجتماعنا يشير إلى أن التفرق سببه الاجتماع ويجوز أن تكون اللام بمعنى على
وقال أبو أخراش الهذلى يذكرهما : ألم تعلمي أن قد تفرق قبلنا خليلا صفاء مالك وعقيل قال ابن الكلبي : يضرب المثل بهما للمتواخيين فيقال : هما كندماني جذيمة
قالوا : دامت لهما رتبت المنادمة أربعين سنة

(2/137)

3018 - كالفخارة بحدج ربتها
قال الخليل : الحدج : مركب ليس يرحل ولا هودج تركبه نساء العرب
يضرب لمن يفتخر بما ليس له فيه شيء كما يحكى عن أبي عبيدة أنـه قال : أجريت الخيل للرهان يوما فجاء فرس فسبق فجعل رجل من النظارة يكبر ويثب من الفرح فقيل له : أكان الفرس لك ؟ قال : لا ولكن اللجام لي

(2/139)

3019 - كيف بغلام أعياني أبوه
أي إنك لم تستقم لي فكيف يستقيم لي ابنك وهو دونك ؟ قال الشاعر :
ترجو الوليد وقد أعياك والده ... وما رجاؤك بعد الوالد الولدا

(2/139)

3020 - أكذب النفس إذا حدثتها
أي لا تحدث نفسك بأنك لا تظفر فإن ذلك يثبطك
سئل بشار المرعث : أي بيت قالته العرب أشعر ؟ قال إن تفضيل بيت واحد على الشعر كله لشديد ولكن أحسن لبيد في قوله :
أكذب النفس إذا حدثتها ... إن صدق النفس يزرى بالأمل

(2/139)

3021 - كدمت غير مكدم
الكدم : العض والمكدم : موضع العض
يضرب لمن يطلب شيئا في غير مطلبه

(2/139)

3022 - كطالب القرن جدعت أذنـه
العرب تقول : ذهب النعام يطلب قرنا فجدعت أذنـه ولذلك يقال له " مصلم الأذنين " وفيه يقول الشاعر : [ ص 140 ]
مثل النعامة كانت وهي سائمة ... أذناء حتى زهاها الحبن والجبن
جاءت لتشرى قرنا أو تعوضه ... والدهر فيه رباح البيع والغبن
فقيل أذناك ظلم ثمت اصطلمت ... إلى الصماخ فلا قرن ولا أذن
ويقال : طالب القرن الحمار قال الشاعر :
كمثل حمار كان للقرن طالبا ... فآب بلا أذن وليس له قرن
يضرب في طلب الأمر يؤدى صاحبه إلى تلف النفس

(2/139)

3023 - كفا مطلقة تفت اليرمع
اليرمع : حجارة بيض رخوة ربما يجعل منـها خذاريف الصبيان
يضرب للرجل ينزل بـه الأمر يبهظه فيضج ويجلب فلا ينفعه ذلك

(2/140)

3024 - كيف توقى ظهر ما أنت راكبه
أي تتوقى . يضرب لمن يمتنع من أمر لا بد له منـه
و " ما " عبارة عن الدهر أي كيف تحذر جماح الدهر وأنت منـه في حال الظهر يسر بك عن مورد الحياة إلى منـهل الممات ؟

(2/140)

3025 - كمعلمة أمـها البضاع
يضرب لمن يجئ بالعلم لمن هو أعلم منـه

(2/140)

3026 - كان جوادا فخصي
يضرب للرجل الجلد ينتكث فيضعف ويقال : كان جودا فخصاه الزمان

(2/140)

3027 - كالأشقر إن تقدم نحر وإن تأخر عقر
العرب تتشاءم من الأفراس بالأشقر قالوا : كان لقيط بن زرارة يوم جبلة على فرس أشقر فجعل يقول : أشقر إن تتقدم تنحر وإن تتأخر تعقر وذلك أن العرب تقول : شقر الخيل سراعها وكمتها صلابها فهو يقول لفرسه : يا أشقر إن جريت على طبعك فتقدمت إلى العدو قتلوك وإن أسرعت فتأخرت منـهزما أتوك من ورائك فعقروك فاثبت والزم الوقار وانف عني وعنك العار
وكان حميد الأقرط عند الحجاج فأتى برجلين لصين من جهرم كانا مع ابن الأشعث فأقيما بين يديه فقال لحميد : هل قلت في هذين شيئا ؟ قال : نعم قلت ولم يكن قال شيئا فارتجل هذه القصيدة ارتجالا وأنشدها وهي :
لما رأى العبدان لصا جهرما ... صواعق الحجاج يمطرن الدما
وبلا أحايين وسحاديما ... فأصبحا والحرب تغشى قحما [ ص 141 ]
بموقف الأشقر إن تقدما ... باشر منحوض السنان لهزما
والسيف من ورائه إن أحجما
قلت : الأصل في المثل ما ذكرته من حديث لقيت بن زرارة ثم تداولته العرب وتصرفت فيه كما فعل حميد هذا
يضرب لما يكره من وجهين

(2/140)

3028 - أكرمت فارتبط
ويروى " استكرمت " يقال : أكرمته أي وجدته كريما
يضرب لمن وجد مراده فيقال له : ضن بـه

(2/141)

3029 - كانت عليهم كراغية البكر
ويقال أيضا " كراغية السقب " يعنون رغاء بكر ثمود حين عقر الناقة قدار بن سالف والراغية : الرغاء والتاء في " كانت " تعود إلى الخصلة أوالفعلة
يضرب في التشاؤم بالشيء
قال علقمة بن عبدة لقوم أغير عليهم فاستؤصلوا :
رغا فوقهم سقب السماء فداحض ... بشكته لم يستلب وسليب
يقال " دحض المذبوح " أي ركض برجله يدحض دحضا والشكة : السلاح وقال الجعدى :
رأيت البكر بكر بني ثمود ... وأنت أراك بكر الأشعرينا

(2/141)

3030 - أكرم نجر الناجيات نجره
الناجيات : المسرعات
يضرب مثل للكريم الأصل

(2/141)

3031 - كالمـهدر في العنة
المـهدر : الجمل له هدير والعنة : مثل الحظيرة تجعل من الشجر للإبل وربما يحبس فيها الفحل عن الضراب ويقال لذلك الفحل المعنى وأصله المعنن من العنة فأبدلت إحدى النونين ياء كما قالوا تظنى وتلعى قال الوليد بن عقبة لمعاوية :
قطعت الدهر كالسدم المعنى ... تهدر في دمشق فما تريم
والسدم : الفحل غير الكريم يكره أهله أن يضرب في إبلهم فيقيد ولا يسرح في الإبل رغبة عنـه فهو يصول ويهدر
يضرب للرجل لا ينفذ قوله ولا فعله

(2/141)

3032 - كفضل ابن المخاض على الفصيل
أي الذي بينـهما من الفرق قليل . يضرب للمتقاربين في رجولتهما
قال المؤرج : إن المنتوج يدعى فصيلا إذا شرب الماء وأكل الشجر وهو بعد [ ص 142 ] يرضع فإذا أرسل الفحل في الشول دعيت أمـه مخاضا ودعي ابنـها ابن مخاض

(2/141)

3033 - كفى برغائها مناديا
قال أبو عبيد : هذا مئل مشـهور عند العرب يضرب في قضاء الحاجة قبل سؤلها ويضرب أيضا للرجل تحتاج إلى نصرته أومعونته فلا يحضرك ويعتل بأنـه لم يعلم ويضرب لمن يقف بباب الرجل فيقال : أرسل من يستأذن لك ويقول : كفى بعلمـه بوقوفي ببابه مستأذنا لي أي قد علم بمكاني فلو أراد أذن لي

(2/142)

3034 - كلا زعمت العير لا تقاتل
يضرب للرجل قد كان أمن أن يكون عنده شيء ثم ظهر منـه غير ما ظن بـه

(2/142)

3035 - كالحادي وليس له بعير
يضرب لمن يتشبع بما لا يملك ومثله " عاط بغير أنواط "

(2/142)

3036 - الكلاب على البقر
يضرب عند تحريش بعض القوم على بعض من غير مبالاة يعني لا ضرر عليك فخلهم
ونصب " الكلاب " على معنى أرسل الكلاب . ويقال " الكراب على البقر " هذا من قولك : كربت الأرض إذا قلبتها للزراعة يضرب في تخلية المرء وصناعته

(2/142)

3037 - كالثور يضرب لما عافت البقر
عاف يعاف عيافا إذا كره كانت العرب إذا أوردوا البقر فلم تشرب لكدر الماء أو لأنـه لا عطش بها ضربوا الثور ليقتحم البقر الماء قال نـهشل بن حري :
أتترك دارم وبنو عدي ... وتغرم عامر وهم براء
كذاك الثور يضرب بالهراوى ... إذا ما عافت البقر الظماء
وقال أنس بن مدرك :
إني وقتل سليكا ثم أعقله ... كالثور يضرب لما عافت البقر
يعني أن سليكا كان يستحق القتل فلما قتلته طولبت بدمـه
وقال بعضهم : الثور الطحلب فإذا كره البقر الماء ضرب ذلك الثور ونحي عن وجه الماء فيشرب البقر . يضرب في عقوبة الإنسان بذنب غيره

(2/142)

3038 - كل شاة برجلها معلقة
قال ابن الكلبي : أول من قال ذلك وكيع بن سلمة بن زهير بن إياد وكان ولي [ ص 143 ] أمر البيت بعد جرهم فبنى صرحا بأسفل مكة عند سوق الخياطين اليوم وجعل فيه أمة يقال لها حزورة وبها سميت حزورة مكة وجعل في الصرح سلما فكان يرقاه ويزعم أنـه يناجي الله تعالى وكان ينطق بكثير من الخبر وكان علماء العرب يزعمون أنـه صديق من الصديقين وكان من قوله مرضعة أو فاطمة ووادعة وقاصمة والقطيعة والفجيعة وصلة الرحم وحسن الكلام ومن كلامـه : زعم ربكم ليجزين بالخير ثوابا وبالشر عقابا إن من في الأرض عبيد لمن في السماء هلكت جرهم وربلت إياد ( ربلت إياد : كثرت ونمت وزادت )
وكذلك الصلاح والفساد فلما حضرته الوفاة جمع إيادا فقال له : اسمعوا وصيتي الكلم كلمتان والأمر بعد البيان من رشد فاتبعوه ومن غوى فارفضوه وكل شاة برجلها معلقة فأرسلها مثلا قال : ومات وكيع فنعى على الجبال وفيه يقول بشير بن الحجير الإيادي :
ونحن إياد عباد الإله ... ورهط مناجيه في سلم
ونحن ولاة حجاب العتيق ... زمان النخاع على جرهم
يقال : إن الله سلط على جرهم داء يقال له النخاع فهلك منـهم ثمانون كهلا في ليلة واحدة سوى الشبان وفيهم قال بعض العرب :
هلكت جرهم الكرام فعالا ... وولاة البنية الحجاب
نخعوا ليلة ثمانون كهلا ... وشبابا كفى بهم من شباب

(2/142)

 

، ضرب المثل انصاف




[الموسوعة الشاملة - مجمع الأمثال ضرب المثل انصاف]

نویسنده و منبع | تاریخ انتشار: Sat, 28 Jul 2018 16:28:00 +0000



قبر عمر سعد

الموسوعة الشاملة - الطبقات الكبرى لابن سعد

الموسوعة الشاملة - الطبقات الكبرى لابن سعد

صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

 


الكتاب : قبر عمر سعد الطبقات الكبرى
المؤلف : محمد بن سعد بن منيع أبو عبدالله البصري الزهري
المحقق : إحسان عباس
الناشر : دار صادر - بيروت
الطبعة : 1 - 1968 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : الوراق

[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

أبي علي بن حسين يقول: سعيد بن المسيب أعلم الناس بما تقدمـه من الآثار وأفقههم في رأيه.
أخبرنا محمد بن عمر، قبر عمر سعد حدثني سعيد بن عبد العزيز التنوخي قال: سألت مكحولا من أعلم من لقيت؟ قال: بن المسيب.
أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا جعفر بن برقان، أخبرني ميمون بن مـهران قال: أتيت المدينة فسألت عن أفقه أهلها فدفعت إلى سعيد بن المسيب فسألته.
أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا عمر بن الوليد الشني عن شـهاب بن عباد العصري قال: حججت فأتينا المدينة فسألنا عن أعلم أهلها فقالوا: سعيد بن المسيب.
أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، أخبرنا عمر بن الوليد الشني، حدثني شـهاب بن عباد أن أباه حدثه قال: أتينا المدينة فسألنا عن أفضل أهلها فقالوا: سعيد بن المسيب! فأتيناه فقلنا: إنا سألنا عن أفضل أهل المدينة فقيل لنا سعيد بن المسيب؛ فقال: أنا أخبركم عمن هو أفضل مني مائة ضعف، عمرو بن عمر.
أخبرنا معن بن عيسى، أخبرنا مالك بن أنس أنـه بلغه أن سعيد بن المسيب قال: إن كنت لأسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد.
أخبرنا مطرف بن عبد الله، أخبرنا مالك بن أنس عن يحيى بن سعيد قال: سئل سعيد بن المسيب عن آية من كتاب الله فقال: سعيد لا أقول في القرآن شيئا؛ قال مالك: وبلغني عن القاسم بن محمد مثل ذلك. قبر عمر سعد قال محمد بن سعد: وأخبرت عن مالك بن أنس عن يحيى بن سعيد قال: كان يقال إن بن المسيب راوية عمر.
أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا أبو مروان عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن مكحول قال: لما مات سعيد بن المسيب استوى الناس

(2/381)

ما كان أحد يأنف أن يأتي إلى حلقة سعيد بن المسيب، ولقد رأيت فيها مجاهدا وهو يقول: لا يزال الناس بخير ما بقي بين أظهرهم.
أخبرنا معن بن عيسى عن مالك بن أنس قال: كان عمر بن عبد العزيز يقول: ما كان بالمدينة عالم إلا يأتتيني بعلمـه وأوتى بما عند سعيد بن المسيب.
أخبرنا معن بن عيسى عن مالك بن أنس قال: كان عمر بن عبد العزيز لا يقضي بقضاء حتى يسأل سعيد بن المسيب، فأرسل إليه إنسانا يسأله فدعاه فجاء حتى دخل فقال عمر: أخطأ الرسول! إنما أرسلناه يسألك في مجلسك.
وأخبرت عن عبد الرزاق بن همام عن معمر قال: سمعت الزهري يقول: أدركت من قريش أربعة بحور: سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وأبا سلمة بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة.
أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا هشام بن سعد عن الزهري قال: كنت أجالس عبد الله بن ثعلبة بن صعير العذري أتعلم منـه نسب قومي، فأتاه رجل جاهل يسأله عن المطلقة واحدة ثنتين ثم تزوجها رجل ودخل بها ثم طلقها على كم ترجع إلى زوجها الأول؟ قال: لا أدري، اذهب إلى ذلك الرجل، وأشار له إلى سعيد بن المسيب، قال فقلت في نفسي: هذا أقدم من سعيد بدهر أخبرني أنـه عقل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مج على وجهه، فقمت فاتبعت السائل حتى سأل سعيد بن المسيب فلزمت سعيدا، فكان هو الغالب على علم المدينة والمستفتى هو وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وسليمان بن يسار، وكان من العلماء، وعروة بن الزبير بحر من البحور وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة فمثل ذلك أبو سلمة بن عبد الرحمن وخارجة بن زيد بن ثابت والقاسم وسالم، فصارت الفتوى إلى هؤلاء وصارت من هؤلاء إلى سعيد بن المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن

(2/382)

وسليمان بن يسار والقاسم بن محمد على كف من القاسم عن الفتوى إلا أن لا يجد بدا، وكان رجال من أشباههم وأسن منـهم من أبناء الصحابة وغيرهم ممن أدركت ومن المـهاجرين والأنصار كثير بالمدينة يسألون ولا ينصبون أنفسهم هيئة ما صنع هؤلاء، وكان لسعيد بن المسيب عند الناس قدر كبير عظيم لخصال ورع يابس ونزاهة وكلام بحق عند السلطان وغيرهم ومجانبة السلطان وعلم لا يشاكله علم أحد ورأي بعد صليب ونعم العون الرأي الجيد، وكان ذلك عند سعيد بن المسيب رحمـه الله من رجل فيه عزة لا تكاد تراجع إلا إلى محك، ما استطعت أن أواجهه بمسألة حتى أقول: قال فلان كذا وكذا وقال فلان كذا وكذا، فيجيب حينئذ.
أخبرت عن مالك بن أنس عن الزهري قال: كنت أجالس ثعلبة بن أبي مالك قال: فقال لي يوما تريد هذا؟ قال: قلت نعم؛ قال: عليك بسعيد بن المسيب؛ قال: فجالسته عشر سنين كيوم واحد.
أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا مالك بن أبي الرجال عن سليمان بن عبد الرحمن بن خباب قال: أدركت رجالا من المـهاجرين ورجالا من الأنصار من التابعين يفتون بالبلد، فأما المـهاجرون فسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وأبان بن عثمان بن عفان وعبد الله بن عامر بن ربيعة وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وعروة بن الزبير والقاسم وسالم، ومن الأنصار خارجة بن زيد بن ثابت ومحمود بن لبيد وعمر بن خلدة الزرقي وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وأبو أمامة بن سهل بن حنيف.
أخبرنا أبو عبيد عن بن جريج قال: كان الذين يفتون بالمدينة بعد الصحابة السائب بن يزيد والمسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن حاطب وعبد الله بن عامر بن ربيعة وكانا جميعا في حجر عمر بن الخطاب وأبواهما

(2/383)

بدريان وعبد الرحمن بن كعب بن مالك.
أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: كان السبعة الذي يسألون بالمدينة وينتهى إلى قولهم: سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعروة بن الزبير وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة والقاسم بن محمد وخارجة بن زيد وسليمان بن يسار.
سليمان بن يسار
أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا عبد الله بن يزيد الهذلي: سمعت سليمان بن يسار يقول: سعيد بن المسيب بقية الناس، وسمعت السائل يأتي سعيد بن المسيب فيقول: اذهب إلى سليمان بن يسار فإنـه أعلم من بقي اليوم.
أخبرنا محمد بن عمر، حدثني سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار: سمعت الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب يقول: سليمان بن يسار أفهم عندنا من ابن المسيب.
أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا سعيد بن بشير وخليد بن دعلج عن قتادة قال: قدمت المدينة فسألت من أعلم أهلها بالطلاق؟ فقالوا: سليمان ابن يسار.

(2/384)

أبو بكر بن عبد الرحمن
أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا المسعودي عن جامع بن شداد قال: خرجنا حجاجا فقدمنا مكة فسألت عن أعلم أهل مكة فقيل: عليك بأبي بكر بن عبد الرحمن بن هشام.
عكرمة
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي عن أيوب عن عمرو بن دينار قال: دفع إلي جابر بن زيد مسائل أسأل عنـها عكرمة وجعل يقول: هذا عكرمة مولى ابن عباس، هذا البحر فسلوه؟
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي عن أيوب قال: نبئت عن سعيد بن جبير أنـه قال: لو كف عنـهم عكرمة من حديثه لشدت إليه المطايا.
أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن زيد، أخبرنا أيوب عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس قال: لو أن مولى ابن عباس هذا اتقى الله وكف من حديثه لشدت إليه المطايا.
أخبرنا مسلم بن إبراهيم، أخبرنا سلام بن مسكين قال: كان عكرمة أعلم الناس بالتفسير.
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب قال: قال: عكرمة إني لأخرج إلى السوق فأسمع الرجل يتكلم بالكلمة فينفتح لي خمسون بابا من العلم.
أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا شيبان عن أبي إسحاق قال: جاء عكرمة فحدث وسعيد بن جبير حاضر فعقد ثلاثين وقال أصاب الحديث.

(2/385)

أخبرنا عارم بن الفضل وأحمد بن عبد الله بن يونس قالا: أخبرنا حماد بن زيد عن الزبير بن الخريت عن عكرمة قال: كان ابن عباس يضع في رجلي الكبل ويعلمني القرآن والسنن.
أخبرنا موسى بن إسماعيل، أخبرنا غسان بن مضر أبو مضر عن سعيد بن يزيد قال: كنا عند عكرمة فقال: ما لكم أفلستم، يعني لا أراكم، تسألوني.
عطاء بن أبي رباح
أخبرنا محمد بن الفضيل بن غزوان الضبي، أخبرنا أسلم المنقري وأخبرنا الفضل بن دكين أبو نعيم، أخبرنا بسام الصيرفي جميعا عن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين قال: ما بقي أحد أعلم بمناسك الحج من عطاء بن أبي رباح.
أخبرنا علي بن عبد الله بن جعفر، أخبرنا سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أمية قال: كان عطاء يتكلم فإذا سئل عن المسألة فكأنما يؤيد.
أخبرنا قبيصة بن عقبة، أخبرنا سفيان عن بن جريج قال: كان عطاء إذا حدث بشيء قلت علم أو رأي، فإن كان أثرا قال علم، وإن كان رأيا قال رأي.
أخبرنا قبيصة بن عقبة، أخبرنا سفيان عن أسلم المنقري قال: جاء أعرابي فجعل يقول أين أبو محمد؟ يريد عطاء، فأشاروا إلى سعيد فقال: أين أبو محمد؟ فقال سعيد: ما لنا هاهنا مع عطاء شيء.
أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا سفيان عن سلمة قال: ما رأيت أحدا يريد بهذا العلم وجه الله غير هؤلاء الثلاثة: عطاء وطاووس ومجاهد.

(2/386)

أخبرنا قبيصة بن عقبة، أخبرنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت قال: قال: لي طاوس إذا حدثتك حديثا قد آتيته لك فلا تسأل عنـه أحدا.
عمرة بنت عبد الرحمن وعروة بن الزبير
أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا يحيى بن سعيد عن عبد الله بن دينار قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن انظر ما كان من حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أو سنة ما ضية أو حديث عمرة بنت عبد الرحمن فاكتبه فإني قد خفت دروس العلم وذهاب أهله.
أخبرت عن شعبة عن محمد بن عبد الرحمن قال: قال لي عمر بن عبد العزيز ما بقي أحد أعلم بحديث عائشة منـها، يعني عمرة، قال: وكان عمر يسألها.
وأخبرت عن شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم قال: سمعت القاسم يسأل عمرة.
أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي من بني عامر بن لؤي، حدثني يوسف بن الماجشون: أنـه سمع بن شـهاب يقول: كنت إذا حدثني عروة ثم حدثتني عمرة يصدق عندي حديث عروة، فلما تبحرتهما إذا عروة بحر لا ينزف.
أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن زيد سمعت هشام بن عروة قال: كان أبي يقول أي شيء تعلموا فإنكم اليوم صغار وتوشكون أن تكونوا كبارا، وإنما تعلمنا صغارا وأصبحنا كبارا وصرنا اليوم نساءل.

(2/387)

ابن شـهاب الزهري
أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، حدثني إبراهيم بن سعد عن أبيه قال: ما أرى أحدا جمع بعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم ما جمع ابن شـهاب.
أخبرنا سفيان بن عيينة قال: قال لي أبو بكر الهذلي، وكان قد جالس الحسن وابن سيرين: احفظ لي هذا الحديث لحديث حدث بـه الزهري؛ قال أبو بكر: لم أر مثل هذا قط، يعني الزهري.
أخبرنا مطرف بن عبد الله: سمعت مالك بن أنس يقول: ما أدركت بالمدينة فقيها محدثا غير واحد، فقلت له: من هو؟ فقال: بن شـهاب الزهري.
أخبرت عن عبد الرزاق بن همام، أخبرنا معمر قال: قيل للزهري زعموا أنك لا تحدث عن الموالي؟ فقال: إني لأحدث عنـهم، ولكن إذا وجدت أبناء المـهاجرين والأنصار أتكيء عليهم فما أصنع بغيرهم؟
أخبرت عن عبد الرزاق سمعت عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب قال: لما نشأت فأردت أن أطلب العلم فجعلت آتي أشياخ آل عمر رجلا رجلا فأقول: ما سمعت من سالم؟ فكلما أتيت رجلا منـهم قال: عليك بابن شـهاب فإن بن شـهاب كان يلزمـه! قال: وابن شـهاب بالشام حينئذ، قال: فلزمت نافعا، فجعل الله في ذلك خيرا كثيرا.
وأخبرت عن عبد الرزاق قال: قال أخبرنا معمر، أخبرني صالح بن كيسان قال: اجتمعت أنا والزهري ونحن نطلب العلم فقلنا نكتب السنن، قال: وكتبنا ما جاء عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: ثم قال نكتب ما جاء عن الصحابة فإنـه سنة، قال: قلت إنـه ليس بسنة فلا

(2/388)

نكتبه، قال: فكتب ولم أكتب فأنجح وضيعت، قال: قال يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه قال: إنا ما سبقنا بن شـهاب بشيء من العلم إلا أنا كنا نأتي المجلس فيستنتل ويشد ثوبه عند صدره ويسأل عما يريد وكنا تمنعنا الحداثة.
وأخبرت عن عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري قال: كنا نكره كتاب العلم حتى أكرهنا عليه هؤلاء الأمراء فرأينا أن لا يمنعه أحد من المسلمين.
وأخبرت عن وهيب عن أيوب قال: ما رأيت أحدا أعلم من الزهري.
وأخبرت عن حماد بن زيد عن برد عن مكحول قال: ما أعلم أحدا أعلم بسنة ماضية من الزهري.
وأخبرت عن عبد الرزاق قال: سمعت معمرا قال: كنا نرى أنا قد أكثرنا عن الزهري حتى قتل الوليد فإذا الدفاتر قد حملت على الدواب من خزائنـه، يقول: من علم الزهري.

(2/389)

طبقات البدريين من المـهاجرين
ذكر الطبقة الأولى
وتسمية من أحصينا من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه
وسلم، من المـهاجرين والأنصار وغيرهم ومن كان بعدهم
من أبنائهم وأتباعهم من أهل الفقه والعلم والرواية
للحديث وما انتهى إلينا من أسمائهم وأنسابهم
وكناهم وصفاتهم طبقة طبقة
أخبرنا محمد بن سعد قال: وفيما أخبرنا بـه محمد بن عمر بن واقد الأسلمي عن محمد بن عبد الله عن الزهري عن عروة وعن بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة وعن محمد بن صالح بن دينار عن عاصم بن عمر بن قتادة ويزيد بن رومان وعن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبيه وعن عبد المجيد بن أبي عبس عن أبيه وعن عبد الرحمن بن عبد العزيز عن أبي الحويرث عن محمد بن جبير بن مطعم وعن أفلح بن سعيد القرظي عن سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش وعن غير هؤلاء أيضا ممن لقي من رجال أهل المدينة وغيرهم من أهل العلم، وفيما أخبرنا بـه الحسين بن بهرام عن أبي معشر نجيح المدني، وفيما أخبرنا بـه رؤيم بن يزيد المقرئ عن هارون بن أبي عيسى عن محمد بن

(3/5)

إسحاق، وفيما أخبرنا بـه أحمد بن محمد بن أيوب عن إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق، وفيما أخبرنا بـه إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن موسى بن عقبة وفيما أخبرنا بـه عبد الله بن محمد بن عمارة الأنصاري عن زكريا بن زيد بن سعد الأشـهلي وزكرياء بن يحيى بن أبي الزوائد السعدي وأبي عبيدة بن عبد الله بن محمد بن عمار بن ياسر وإبراهيم بن نوح بن محمد الظفري وعن غيره ممن لقي من أهل العلم والنسب بتسمية من شـهد مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بدرا، والنقباء، وعددهم وتسميتهم وغيرهم ممن صحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وفيما أخبرنا بـه الفضل بن دكين أبو نعيم ومعن بن عيسى الأشجعي القزاز وهشام بن محمد بن السائب بن بشير الكلبي عن أبيه، وغيرهم من أهل العلم والنسب، فكل هؤلاء قد أخبرني في تسمية أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومن كان بعدهم من التابعين من أهل الفقه والرواية للحديث بشيء، فجمعت ذلك كله وبينت من أمكنني تسميته منـهم في موضعه.
الطبقة الأولى على السابقة في الإسلام ممن شـهد بدرا
من المـهاجرين الأولين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، ومن الأنصار الذين تبوأوا الدار والإيمان، ومن حلفائهم جميعا ومواليهم، ومن ضرب له رسول الله، صلى عليه وسلم، بسهمـه وأجره. قبر عمر سعد شـهدها من المـهاجرين من بني هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر، وإلى فهر اجتماع قريش، ابن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان من بني إسماعيل بن إبراهيم، صلى الله عليه وسلم.

(3/6)

محمد رسول الله، صلى الله عليه وسلم
الطيب المبارك سيد المسلمين وإمام المتقين رسول رب العالمين بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، وأمـه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر.
وكان لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، من الولد القاسم، وبه كان يكنى، ولد له قبل أن يبعث، صلى الله عليه وسلم، وعبد الله وهو الطيب وهو الطاهر، سمي بذلك لأنـه ولد في الإسلام، وزينب وأم كلثوم ورقية وفاطمة، وأمـهم كلهم خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وهي أول امرأة تزوجها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وإبراهيم بن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأمـه مارية القبطية، بعث بها إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المقوقس صاحب الإسكندرية.
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب، قال أخبرني أبي عن أبي صالح عن بن عباس قال: كان أكبر ولد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، القاسم، ثم زينب، ثم عبد الله، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، ثم رقية، فمات القاسم، وهو أول ميت من ولده، صلى الله عليه وسلم، بمكة، ثم مات عبد الله فقال العاص بن وائل: لقد انقطع نسله فهو أبتر، فأنزل الله تبارك وتعالى: إن شانئك هو الأبتر، ثم ولدت له مارية بالمدينة إبراهيم في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة فمات وهو بن ثمانية عشر شـهرا.
قالوا: وبدأ وجع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في بيت ميمونة

(3/7)

زوج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر، وتوفي، صلوات الله عليه، يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة خلت من شـهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، ودفن يوم الثلاثاء حين زاغت الشمس، وكان مقامـه بالمدينة بعد الهجرة عشر سنين، وكان مقامـه، صلى الله عليه وسلم، بمكة من قبل ذلك، من حين تنبأ إلى أن هاجر، ثلاث عشرة سنة، وبعث وهو بن أربعين سنة، وولد عام الفيل، وتوفي، صلوات الله عليه، وهو بن ثلاث وستين سنة.
حمزة بن عبد المطلب
أسد الله وأسد رسوله و، رضي الله عنـه، ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، وأمـه هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة، وكان يكنى أبا عمارة. وكان له من الولد يعلى وكان يكنى بـه حمزة أبا يعلى، وعامر درج، وأمـهما بنت الملة بن مالك بن عبادة بن حجر بن فائد بن الحارث بن زيد بن عبيد بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف من الأنصار، من الأوس، وعمارة بن حمزة، وقد كان يكنى بـه أيضا، وأمـه خولة بنت قيس بن قهد الأنصارية من بني ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، وأمامة بنت حمزة وأمـها سلمى بنت عميس أخت أسماء بنت عميس الخثعمية وأمامة التي اختصم فيها علي وجعفر وزيد بن حارثة، وأراد كل واحد منـهم أن تكون عنده فقضى بها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لجعفر من أجل أن خالتها أسماء بنت عميس كانت عنده، وزوجها رسول الله، صلى الله عليه وسلم. سلمة بن أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وقال: هل جزيت سلمة

(3/8)

فهلك قبل أن يجمعها إليه. وقد كان ليعلى بن حمزة أولاد، عمارة والفضل والزبير وعقيل ومحمد، درجوا فلم يبق لحمزة بن عبد المطلب ولد ولا عقب.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال أخبرنا عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، قال سمعت محمد بن كعب القرظي، قال: نال أبو جهل وعدي بن الحمراء وابن الأصداء من النبي، صلى الله عليه وسلم، يوما وشتموه وآذوه، فبلغ ذلك حمزة بن عبد المطلب، فدخل المسجد مغضبا فضرب رأس أبي جهل بالقوس ضربة أوضحت في رأسه، وأسلم حمزة فعز بـه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والمسلمون وذلك بعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، دار أرقم في السنة السادسة من النبوة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال أخبرنا محمد بن صالح عن عمران بن مناح، قال: لما هاجر حمزة بن عبد المطلب إلى المدينة نزل على كلثوم بن الهدم، قال محمد بن صالح، وقال عاصم بن عمر بن قتادة: نزل على سعد بن خيثمة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال أخبرنا عبد الله بن محمد بن عمر قال: آخى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بين حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة، وإليه أوصى حمزة بن عبد المطلب يوم أحد حين حضر القتال.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال حدثني شعيب بن عبادة عن يزيد بن رومان قال: أول لواء عقده رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حين قدم المدينة لحمزة بن عبد المطلب، بعثه سرية في ثلاثين راكبا حتى بلغوا قريبا من سيف البحر، يعترض لعير قريش وهي منحدرة إلى مكة قد جاءت من الشآم وفيها أبو جهل بن هشام في ثلاثمائة راكب، فانصرف ولم يكن بينـهم قتال.

(3/9)

قال محمد بن عمر، وهو الخبر المجمع عليه عندنا، إن أول لواء عقده رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لحمزة بن عبد المطلب.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبيه، قال: كان حمزة معلما يوم بدر بريشة نعامة. قال محمد بن عمر: وحمل حمزة لواء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في غزوة بني قينقاع ولم يكن الرايات يومئذ.
وقتل، رحمـه الله، يوم أحد على رأس اثنين وثلاثين شـهرا من الهجرة وهو يومئذ بن تسع وخمسين سنة، كان أسن من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بأربع سنين، وكان رجلا ليس بالطويل ولا بالقصير، قتله وحشي بن حرب وشق بطنـه، وأخذ كبده فجاء بها إلى هند بنت عتبة بن ربيعة، فمضغتها، ثم لفضتها، ثم جاءت فمثلت بحمزة، وجعلت من ذلك مسكتين ومعضدين وخدمتين حتى قدمت بذلك وبكبده مكة.
وكفن حمزة في بردة، فجعلوا إذا خمروا بها رأسه بدت قدماه، وإذا خمروا بها رجليه تنكشف عن وجهه، فقال: رسول الله، صلى الله عليه وسلم: غطوا وجهه، وجعل على رجليه الحرمل.
قال: أخبرنا وكيع بن الجراح، قال أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه أن حمزة بن عبد المطلب كفن في ثوب.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني عمر بن عثمان الجحشي عن آبائه، قالوا: دفن حمزةبن عبد المطلب وعبد الله بن جحش في قبر واحد، وحمزة خال عبد الله بن جحش.
قال: قال محمد بن عمر: ونزل في قبر حمزة أبو بكر وعمر وعلي والزبير، ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، جالس على حفرته؛ وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: رأيت الملائكة تغسل حمزة لأنـه كان

(3/10)

جنبا ذلك اليوم، وكان حمزة أول من صلى رسول الله عليه ذلك اليوم من الشـهداء، وكبر عليه أربعا، ثم جمع إليه الشـهداء فكلما أتي بشـهيد وضع إلى جنب حمزة فصلى عليه وعلى الشـهيد، حتى صلى عليه سبعين مرة.
وسمع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، البكاء في بني عبد الأشـهل على قتلاهم، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لكن حمزة لا بواكي له فسمع ذلك سعد بن معاذ فرجع إلى نساء بني عبد الأشـهم فساقهن إلى باب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فبكين على حمزة، فسمع ذلك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فدعا لهن وردهن، فلم تبك امرأة من الأنصار بعد ذلك إلى اليوم على ميت إلا بدأت بالبكاء على حمزة ثم بكت على ميتها.
قال: أخبرنا شـهاب بن عباد العبدي، قال أخبرنا عبد الجبار بن ورد عن الزبير عن جابر بن عبد الله، قال: لما أراد معاوية أن يجري عينـه التي بأحد كتبوا إليه: إنا لا نستطيع أن نجريها إلا على قبور الشـهداء، قال فكتب: انبشوهم. قال فرأيتهم يحمل على أعناق الرجال كأنـهم قوم نيام، وأصابت المسحاة طرف رجل حمزة بن عبد المطلب فانبعثت دما.
قال: أخبرنا سفيان بن عيينة وإسماعيل بن إبراهيم الأسدي عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب قال: قال علي لرسول الله، صلى الله عليه وسلم: ألا تتزوج ابنة عمك ابنة حمزة فإنـها، قال سفيان، أجمل، وقال إسماعيل أحسن فتاة في قريش، فقال: يا علي أما علمت أن حمزة أخي من الرضاعة وأن الله حرم من الرضاع ما حرم من النسب؟
قال: أخبرنا عبد الله بن نمير ومحمد بن عبيد، قالا: أخبرنا الأعمش عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي قال: قلت يا رسول الله مالي أراك تتوق في نساء قريش وتدعنا؟ قال: عندك شيء؟ قال قلت: نعم ابنة حمزة، قال: تلك ابنة أخي من الرضاعة.

(3/11)

قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال أخبرنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، عن جابر بن يزيد، عن ابن عباس قال: أريد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على ابنة حمزة فقال: إنـها ابنة أخي من الرضاعة وإنـه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.
قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل، قال أخبرنا حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار أن حمزة بن عبد المطلب سأل النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يريه جبريل في صورته، قال: إنك لا تستطيع أن تراه، قال: بلى، قال: فاقعد مكانك، قال فنزل جبريل على خشبة في الكعبة كان المشركون يضعون ثيابهم عليها إذا طافوا بالبيت فقال: ارفع طرفك فانظر، فنظر فإذا قدماه مثل الزبرجد الأخضر فخر مغشيا عليه.
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى، قال أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن علي قال: قال لي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم بدر: يا علي ناد لي حمزة، وكان أقربهم إلى المشركين.
قال: أخبرنا أبو أسامة حماد بن أسامة وإسحاق بن يوسف الأزرق عن بن عون، عن عمير بن إسحاق، قال: كان حمزة بن عبد المطلب يقاتل بين يدي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم أحد بسيفين، ويقول: أنا أسد الله، وجعل يقبل ويدبر، قال فبينما هو كذلك إذ عثر عثرة فوقع على ظهره، وبصر بـه الأسود، قال أبو أسامة: فزرقه بحربة فقتله، وقال إسحاق بن يوسف: فطعنـه الحبشي بحربة أو رمح فبقره.
قال: أخبرنا هوذة بن خليفة، قال أخبرنا عوف عن محمد، قال: بلغني أن هند بنت عتبة بن بن ربيعة جاءت في الأحزاب يوم أحد وكانت قد نذرت لئن قدرت على حمزة بن عبد المطلب لتأكلن من كبده؛ قال فلما كان حيث أصيب حمزة، ومثلوا بالقتلى وجاؤوا بحزة من كبد حمزة فأخذتها تمضغها لتأكلها فلم تستطع أن تبتلعها، فلفظتها، فبلغ ذلك رسول

(3/12)

الله، صلى الله عليه وسلم، قال: إن الله قد حرم على النار أن تذوق من لحم حمزة شيئا أبدا. ثم قال محمد: وهذه شدائد على هند المسكينة.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم، قال: أخبرنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا عطاء بن السائب عن الشعبي عن بن مسعود قال قال أبو سفيان يوم أحد: قد كانت في القوم مثلة وإن كانت لعن غير ملإ مني ما أمرت ولا نـهيت ولا أحببت ولا كرهت، ساءني ولا سرني، قال ونظروا فإذا حمزة قد بقر بطنـه وأخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطيع هند أن تأكلها، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أكلت منـها شيئا؟ قالوا: لا، قال: ما كان الله ليدخل شيئا من حمزة النار.
قال: أخبرنا خالد بن مخلد، قال حدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز، قال حدثني الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال يوم أحد: من رأى مقتل حمزة؟ فقال رجل: أعزك الله، أنا رأيت مقتله. قال: فانطلق فأرناه. فخرج حتى وقف على حمزة، فرآه قد شق بطنـه، وقد مثل به، فقال: يا رسول الله مثل بـه والله، فكره رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن ينظر إليه، ووقف بين ظهراني القتلى فقال: أنا شـهيد على هؤلاء، لفوهم في دمائهم فإنـه ليس من جريح يجرح في الله إلا جاء جرحه يوم القيامة يدمى، لونـه لون الدم، وريحه ريح المسك، قدموا أكثرهم قرآنا فاجعلوه في اللحد.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي، قال أخبرنا صالح المري، قال أخبرنا سليمان التيمي عن أبي عثمان النـهدي، عن أبي هريرة، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقف على حمزة بن عبد المطلب حيث استشـهد، فنظر إلى منظر لم ينظر إلى شيء قط كان أوجع لقلبه منـه، ونظر إليه قد مثل بـه فقال: رحمة الله عليك، فإنك كنت، ما علمت، وصولا للرحم

(3/13)

فعولا للخيرات، ولو لا حزن من بعدك عليك لسرني أن أتركك حتى يحشرك الله من أرواح شتى، أما والله علي ذلك لأمثلن بسبعين منـهم مكانك! فنزل جبريل، عليه السلام، والنبي، صلى الله عليه وسلم، واقف بخواتيم النحل: وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، إلى آخر الآية، فكفر النبي، صلى الله عليه وسلم، عن يمينـه وأمسك عن الذي أراد، وصبر.
قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال أخبرنا أبو بكر بن عياش عن يزيد، عن مقسم، عن بن عباس، قال: لما قتل حمزة يوم أحد أقبلت صفية تطلبه لا تدري ما صنع، قال فلقيت عليا والزبير، فقال علي للزبير: أذكر لأمك، قال الزبير: لا بل اذكر أنت لعمتك، قالت:: ما فعل حمزة؟ قال فأرياها أنـهما لا يدريان، قال فجاء النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: إني أخاف على عقلها، قال: فوضع يده على صدرها ودعا لها فاسترجعت وبكت، ثم جاء فقام عليه وقد مثل به، فقال: لو لا جزع النساء لتركته حتى يحشر من حواصل الطير وبطون السباع، قال ثم أمر بالقتلى فجعل يصلي عليهم، قال فيضع تسعة وحمزة فيكبر عليهم سبعا ثم يرفعون ويترك حمزة، ثم يجاء بتسعة فيكبر عليهم حتى فرغ منـهم.
قال: أخبرنا روح بن عبادة وعثمان بن عمر وزيد بن الحباب عن أسامة بن زيد، عن الزهري، عن أنس بن مالك، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مر ب حمزة يوم أحد وقد جدع ومثل به، فقال: لو لا أن تجد صفية في نفسها لتركته حتى تأكله العافية، حتى يحشر من بطون الطير والسباع، قال فكفن في نمرة إذا خمر برأسه بدت رجلاه، وإذا مدت على رجليه بدا رأسه، قال وقلت الثياب وكثرت القتلى، فكفن الرجل والرجلان والثلاثة في ثوب واحد، وكان يجمع الثلاثة والاثنين في

(3/14)

قبر ثم يسأل أيهم أكثر قرآنا فيقدمـه في اللحد.
قال: أخبرنا وكيع وعبد الله بن نمير عن هاشم بن عروة عن أبيه: أن حمزة بن عبد المطلب كفن في ثوب واحد.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين، قال أخبرنا شريك عن إبراهيم بن المـهاجر عن إبراهيم، قال: قال خباب: كفن حمزة في بردة، إذا غطي رأسه خرجت رجلاه وإذا غطيت رجلاه خرج رأسه، فغطي رأسه وجعل على رجليه إذخر.
قال: أخبرنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، قال أخبرنا محمد بن صالح عن يزيد بن زيد، عن أبي أسيد الساعدي، قال: أنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على قبر حمزة، فجعلوا يجرون النمرة فتنكشف قدماه ويجرونـها على قدميه فينكشف وجهه، فقال: رسول الله، صلى الله عليه وسلم، اجعلوها على وجهه واجعلوا على قدميه من هذا الشجر، قال فرفع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، رأسه فإذا أصحابه يبكون، فقال: ما يبكيكم؟ قيل: يا رسول الله لا نجد لعمك اليوم ثوبا واحدا يسعه، فقال: إنـه يأتي على الناس زمان يخرجون إلى الأرياف فيصيبون فيها مطعما وملبسا ومركبا، أو قال: مراكب، فيكتبون إلى أهلهم: هلموا إلينا فإنكم بأرض جردية، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد إلا كانت له شفيعا أو شـهيدا يوم القيامة.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي، قال أخبرنا سليمان بن المغيرة، قال أخبرنا هشام بن عروة، قال: أقبلت صفية بنت عبد المطلب ومعها ثوبان تريد أن تكفن أخاها حمزة بن عبد المطلب فيهما، قال فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، للزبير بن العوام وهي أمـه وهو ابنـها: عليك المرأة، قال فاستقبلها ليردها، قالت:: هكذا لا أرض لك ولا أم لك، فانتهت إليه فإذا إلى جنبه رجل من الأنصار صريع فكفن حمزة في أوسع

(3/15)

الثوبين وكفن الأنصاري في الآخر.
قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال حدثني أشعث قال: سئل الحسن أيغسل الشـهداء؟ قال: نعم، قال وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لقد رأيت الملائكة تغسل حمزة.
قال: أخبرنا وكيع والفضل بن دكين عن شريك عن حصين عن أبي مالك: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، صلى على قتلى أحد عشرة عشرة، يصلي على حمزة مع كل عشرة.
قال: أخبرنا محمد بن الفضيل بن غزوان عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، قال: صلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على حمزة فكبر عليه تسعا، ثم جيء بأخرى فكبر عليها سبعا ثم جيء بأخرى فكبر عليها خمسا، حتى فرغ من جميعهم غير أنـه وتر.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم، قال أخبرنا حماد بن سلمة، قال أخبرنا عطاء بن السائب عن الشعبي عن بن مسعود قال: وضع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حمزة فصلى عليه وجيء برجل من الأنصار فوضع إلى جنبه فصلى عليه، فرفع الأنصاري وترك حمزة، ثم جيء بآخر فوضع إلى جنب حمزة فصلى عليه، فرفع الأنصاري وترك حمزة، حتى صلى عليه يومئذ سبعين صلاة.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي، قال أخبرنا همام عن عطاء بن السائب عن الشعبي: أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، صلى على حمزة بن عبد المطلب ثم جيء برجل فوضع فصلى عليهما جميعا، ثم رفع الرجل وجيء بآخر، فما زال يفعل ذلك حتى صلى يومئذ على حمزة سبعين صلاة.
قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال أخبرنا أبو الأحوص، قال أخبرنا سعيد بن مسروق عن أبي الضحى، قال في قول الله جل ثناؤه

(3/16)

ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون، قال: نزلت في قتلى أحد، ونزل فيهم: ويتخذ منكم شـهداء. قال: قتل يومئذ سبعون من المسلمين أربعة من المـهاجرين حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير أخو بني عبد الدار، والشماس بن عثمان المخزومي، وعبد الله بن جحش الأسدي، وسائرهم من الأنصار.
قال: أخبرنا وكيع بن الجراح عن سفيان عن أبي هاشم عن أبي مجلز عن قيس بن عباد قال: سمعت أبا ذر يقسم أنزلت هذه الآيات: هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا، إلى قوله: إن الله يفعل ما يريد، في هؤلاء الرهط الستة يوم بدر: حمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة.
قال: أخبرنا عثمان بن عمر وعبيد الله بن موسى وروح بن عبادة قالوا: أخبرنا أسامة بن زيد عن نافع عن بن عمر قال: لما رجع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من أحد سمع نساء بني عبد الأشـهل يبكين على هلكاهن، فقال: لكن حمزة لا بواكي له، قال فاجتمع نساء الأنصار عنده فبكين على حمزة ورقد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فاستيقظ وهن يبكين فقال: يا ويحهن إنـهن هاهنا حتى الآن، مروهن فليرجعن ولا يبكين على هالك بعد اليوم.
قال: أخبرنا عبد الملك بن عمرو أبو عامر العقدي قال: أخبرنا زهير بن محمد، وأخبرنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب الحارثي قال: أخبرنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي جميعا عن شريك بن أبي نمر عن عطاء بن يسار: أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مر على نساء بني عبد الأشـهل لما فرغ من أحد فسمعهن يبكين على من استشـهد منـهم بأحد، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لكن حمزة لا بواكي له. فسمعها سعد بن معاذ

(3/17)

فذهب إلى نساء بني عبد الأشـهل فأمرهن أن يذهبن إلى باب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيبكين على حمزة، فذهبن فبكين فسمع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بكاءهن، فقال: من هؤلاء؟ فقيل نساء الأنصار، فخرج إليهن فقال: ارجعن، لا بكاء بعد اليوم.
وقال عبد الملك بن عمرو في حديثه عن زهير بن محمد: وقال بارك الله عليكن وعلى أولادكن وعلى أولاد أولادكن، وقال عبد الله بن مسلمة في حديثه عن عبد العزيز بن محمد: رحمكن الله ورحم أولادكن وأولاد أولادكن.
قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال: أخبرنا محمد بن عمرو قال: أخبرنا محمد بن إبراهيم قال: مر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حين انصرف من أحد، وبنو عبد الأشـهل نساؤهم يبكين على قتلاهم، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لكن حمزة لا بواكي له. فبلغ ذلك سعد بن معاذ، فساق نساءه حتى جاء بهن إلى باب المسجد يبكين على حمزة. قالت: عائشة: فخرجنا إليهن نبكي معهن، فنام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ونحن نبكي ثم استيقظ فصلى صلاة العشاء الآخرة، ثم نام ونحن نبكي، ثم استيقظ فسمع الصوت فقال: ألا أراهن ها هنا إلى الآن؟ قولوا لهن فليرجعن، ثم دعا لهن ولأزواجهن ولأولادهن، ثم أصبح فنـهى عن البكاء كأشد ما نـهى عن شيء.
قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك قال: قال أخبرنا محمد بن أبي حميد عن بن المنكدر قال: أقبل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من أحد، فمر على بني عبد الأشـهل، ونساء الأنصار يبكين على هلكاهن يندبنـهم، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لكن حمزة لا بواكي له، قال فدخل رجال من الأنصار على نسائهم فقالوا: حولن بكاءكن وندبكن على حمزة، فقام رسول الله، صلى الله عليه وسلم

(3/18)

فطال قيامـه يستمع، ثم انصرف فقام على المنبر من الغد فنـهى عن النياحة كأشد ما نـهى عن شيء قط، وقال: كل نادبة كاذبة إلا نادبة حمزة.
قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: أخبرنا حكيم بن سلمان قال: سمعت محارب بن دثار يذكر، قال: لما قتل حمزة بن عبد المطلب جعل الناس يبكون على قتلاهم، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: لكن حمزة لا بواكي له، قال فسمعت ذلك الأنصار فأمروا نساؤهم فبكين عليه، فجاءت امرأة واضعة يدها على رأسها ترن، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: فعلت فعل الشيطان حين أهبط إلى الأرض وضع يده على رأسه يرن، وإنـه ليس منا من حلق ولا من خرق ولا من سلق.
قال: أخبرنا عبد الله بن نمير قال: أخبرنا زياد بن المنذر عن أبي جعفر قال: كانت فاطمة تأتي قبر حمزة ترمـه وتصلحه.
علي بن أبي طالب، رضي الله عنـه
واسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب، واسمـه شيبة بن هاشم، واسمـه عمرو بن عبد مناف، واسمـه المغيرة بن قصي، واسمـه زيد ويكنى علي أبا الحسن، وأمـه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي. وكان له من الولد الحسن والحسين وزينب الكبرى وأم كلثوم الكبرى، وأمـهم فاطمة بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومحمد بن علي الأكبر وهو بن الحنفية وأمـه خولة بنت جعفر بن قيس بن مسلمة بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدول بن حنيفة بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، وعبيد الله بن علي قتله المختار بن أبي عبيد بالمذار، وأبو بكر بن علي قتل مع الحسين ولا عقب لهما، وأمـهما ليلى بنت مسعود بن خالد بن ثابت بن ربعي بن سلمى بن جندل بن نـهشل بن دارم بن مالك

(3/19)

ابن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، والعباس الأكبر بن علي وعثمان وجعفر الأكبر وعبد الله قتلوا مع الحسين بن علي ولا بقية لهم، وأمـهم أم البنين بنت حزام بن خالد بن جعفر بن ربيعة بن الوحيد بن عامر بن كعب بن كلاب، ومحمد الأصغر بن علي قتل مع الحسين، وأمـه أم ولد، ويحيى وعون ابنا علي وأمـهما أسماء بنت عميس الخثعمية، وعمر الأكبر بن علي ورقية بنت علي وأمـهما الصهباء، وهي أم حبيب بنت ربيعة بن بجير بن العبد بن علقمة بن الحارث بن عتبة بن سعد بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل، وكانت سبية أصابها خالد بن الوليد حين أغار على بني تغلب بناحية عين التمر، ومحمد الأوسط بن علي وأمـه أمامة بنت أبي العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمـها زينب بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأمـها خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وأم الحسن بنت علي ورملة الكبرى، وأمـهما أم سعيد بنت عروة بن مسعود بن متعب بن مالك الثقفي، وأم هانئ بنت علي، وميمونة، وزينب الصغرى، ورملة الصغرى، وأم كلثوم الصغرى، وفاطمة، وأمامة، وخديجة، وأم الكرام، وأم سلمة، وأم جعفر، وجمانة، ونفيسة، بنات علي وهن لأمـهات أولاد شتى، وابنة لعلي لم تسم لنا، هلكت وهي جارية لم تبرز، وأمـها محياة بنت امرئ القيس بن عدي بن أوس بن جابر بن كعب بن عليم من كلب، وكانت تخرج إلى المسجد وهي جارية فيقال لها: من أخوالك؟ فتقول وه وه تعني كلبا. فجميع ولد علي بن أبي طالب لصلبه أربعة عشر ذكرا وتسع عشرة امرأة، وكان النسل من ولده لخمسة: الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية والعباس بن الكلابية وعمر بن التغلبية. قال محمد بن سعد: لم يصح لنا من ولد علي، رضي الله عنـه، غير هؤلاء.

(3/20)

ذكر إسلام علي وصلاته
قال: أخبرنا وكيع بن الجراح ويزيد بن هارون وعفان بن مسلم عن شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي حمزة مولى الأنصار عن زيد بن أرقم قال: أول من أسلم مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، علي. قال عفان ابن مسلم: أول من صلى.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا إبراهيم بن نافع وإسحاق بن حازم عن أبي نجيح عن مجاهد قال: أول من صلى علي وهو بن عشر سنين.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني عمرو بن عبد الله بن عتبة عن عمارة بن غزية عن محمد بن عبد الرحمن بن زرارة قال: أسلم علي وهو بن تسع سنين.
قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس، حدثني عن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب أن علي بن أبي طالب حين دعاه النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى الإسلام كان بن تسع سنين، قال الحسن بن زيد: ويقال دون تسع سنين، ولم يعبد الأوثان قط لصغره.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون وسليمان أبو داود الطيالسي قالا:: قال أخبرنا شعبة عن سلمة بن كهيل عن حبة العرني قال: سمعت عليا يقول: أنا أول من صلى، قال يزيد: أو أسلم.
قال: أخبرنا يحيى بن حماد البصري قال: قال أخبرنا أبو عوانة عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون عن بن عباس قال: أول من أسلم من الناس بعد خديجة علي. قال محمد بن عمر وأصحابنا مجمعون أن أول أهل القبلة الذي استجاب لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، خديجة بنت خويلد ثم اختلف عندنا في ثلاثة نفر أيهم أسلم أولا، في أبي بكر

(3/21)

وعلي وزيد بن حارثة، وما نجد إسلام علي صحيحا إلا وهو بن إحدى عشرة سنة.
قال: أخبرنا ابن عمر، حدثني عبد الله بن محمد عن أبيه عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي قال: لما خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة في الهجرة أمرني أن أقيم بعده حتى أؤدي ودائع كانت عنده للناس، ولذا كان يسمى الأمين، فأقمت ثلاثا فكنت أظهر، ما تغيبت يوما واحدا، ثم خرجت فجعلت أتبع طريق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى قدمت بني عمرو بن عوف ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، مقيم فنزلت على كلثوم بن الهدم وهنالك منزل رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عاصم بن سويد من بني عمرو بن عوف عن محمد بن عمارة بن خزيمة بن ثابت قال: قدم علي للنصف من شـهر ربيع الأول ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، بقباء لم يرم بعد.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني عبد الله بن محمد بن عمر بن علي عن أبيه قال: لما قدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، آخى بين المـهاجرين بعضهم فبعض، وآخى بين المـهاجرين والأنصار، فلم تكن مؤاخاة إلا قبل بدر، آخى بينـهم على الحق والمؤاساة، فآخى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بينـه وبين علي بن أبي طالب.
قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي عن أبيه أن النبي، صلى الله عليه وسلم، حين آخى بين أصحابه وضع يده على منكب علي ثم قال: أنت أخي ترثني وأرثك؛ فلما نزلت آية الميراث قطعت ذاك.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا موسى بن محمد بن إبراهيم

(3/22)

عن أبيه، قال محمد بن عمر: وأخبرنا عبد الله بن جعفر عن أبي عون وسعد بن إبراهيم، قال محمد بن عمر: وأخبرنا محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة قالوا: آخى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بين علي بن أبي طالب وسهل بن حنيف.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبيه قال: كان علي بن أبي طالب يوم بدر معلما بصوفة بيضاء.
قال: أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء قال: أخبرنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أن علي بن أبي طالب كان صاحب لواء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم بدر وفي كل مشـهد.
ذكر قول رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لعلي بن أبي
طالب: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون
من موسى إلا أنـه لا نبي بعدي؟
قال قال: محمد بن عمر وكان علي ممن ثبت مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم أحد حين انـهزم الناس، وبايعه على الموت، وبعثه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سرية إلى بني سعد بفدك في مائة رجل، وكان معه إحدى رايات المـهاجرين الثلاث يوم فتح مكة، وبعثه سرية إلى الفلس إلى طيء، وبعثه إلى اليمن ولم يتخلف عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في غزوة غزاها إلا غزوة تبوك خلفه في أهله.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا فضل بن مرزوق عن عطية، حدثني أبو سعيد قال: غزا رسول الله، صلى الله عليه وسلم

(3/23)

غزوة تبوك وخلف عليا في أهله، فقال بعض الناس: ما منعه أن يخرج بـه إلا أنـه كره صحبته، فبلغ ذلك عليا فذكره للنبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: أيا بن أبي طالب أما ترضى أن تنزل مني بمنزلة هارون من موسى؟
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا فطر بن خليفة عن عبد الله بن شريك قال: سمعت عبد الله بن رقيم الكناني قال: قدمنا المدينة فلقينا سعد بن مالك فقال: خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى تبوك وخلف عليا، فقال له: يا رسول الله خرجت وخلفتني؟ فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنـه لا نبي بعدي؟
قال: أخبرنا عفان بن مسلم عن حماد بن سلمة قال: أخبرنا علي بن زيد عن سعيد بن المسيب قال: قلت لسعد بن مالك إني أريد أن أسألك عن حديث وأنا أهابك أن أسألك عنـه، قال: لا تفعل يا بن أخي إذا علمت أن عندي علما فسلني عنـه ولا تهبني، فقلت قول رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لعلي حين خلفه بالمدينة في غزوة تبوك، قال قال: أتخلفني في الخالفة في النساء والصبيان؟ فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ فأدبر علي مسرعا كأني أنظر إلى غبار قدميه يسطع، وقد قال حماد: فرجع علي مسرعا.
قال: وأخبرنا روح بن عبادة قال: أخبرنا عون عن ميمون عن البراء بن عازب وزيد بن أرقم قالا:: لما كان عند غزوة جيش العسرة وهي تبوك قال: رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لعلي بن أبي طالب إنـه لا بد من أن أقيم أو تقيم، فخلفه، فلما فصل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، غازيا قال ناس: ما خلف عليا إلا لشيء كرهه منـه. فبلغ ذلك عليا فاتبع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى انتهى إليه، فقال له: ما جاء بك يا علي؟ قال: لا يا رسول الله إلا أني سمعت ناسا يزعمون أنك إنما

(3/24)

خلقتني لشيء كرهته مني، فتضاحك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال: يا علي أما ترضى أن تكون مني كهارون من موسى غير أنك لست بنبي؟ قال: بلى يا رسول الله. قال: فإنـه كذلك.
أخبرنا روح بن عبادة قال: أخبرنا بسطام بن مسلم عن مالك بن دينار قال: قلت لسعيد بن جبير: من كان صاحب راية رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟ قال: إنك لرخو اللبب. فقال لي معبد الجهني: أنا أخبرك، كان يحملها في المسير بن ميسرة العبسي فإذا كان القتال أخذها علي بن أبي طالب، رضي الله عنـه.
ذكر صفة علي بن أبي طالب، عليه السلام
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: رأيت عليا وكان عريض اللحية وقد أخذت ما بين منكبيه، أصلع على رأسه زغيبات.
أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا يونس بن أبي إسحاق عن أبيه أبي إسحاق قال: رأيت عليا فقال لي أبي قم يا عمرو فانظر إلى أمير المؤمنين، فقمت إليه فلم أره يخضب لحيته، ضخم اللحية.
قال: أخبرنا مؤمل بن إسماعيل وقبيصة بن عقبة قالا: أخبرنا سفيان عن أبي إسحاق قال: رأيت عليا أبيض الرأس واللحية.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا شريك عن أبي إسحاق قال: رأيت عليا أصلع أبيض اللحية، رفعني أبي.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا شريك عن جابر عن عامر قال: كان علي يطردنا من الرحبة ونحن صبيان، أبيض الرأس واللحية.

(3/25)

قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا زهير عن أبي إسحاق أنـه صلى مع علي الجمعة حين مالت الشمس، قال فرأيته أبيض اللحية أجلح.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا الثوري وإسرائيل وشيبان وقيس عن أبي إسحاق قال: رأيت عليا أبيض الرأس واللحية.
أخبرنا شـهاب بن عباد العبدي قال: أخبرنا إبراهيم بن حميد عن إسماعيل عن عامر قال: ما رأيت رجلا قط أعرض لحية من علي، قد ملأت ما بين منكبيه، بيضاء.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين وعفان بن مسلم وسليمان بن حرب قالوا: أخبرنا أبو هلال قال: حدثني سوادة بن حنظلة القشيري قال: رأيت عليا أصفر اللحية.
قال: أخبرنا عبد الله بن نمير وأسباط بن محمد عن إسماعيل بن سلمان الأزرق عن أبي عمر البزاز عن محمد بن الحنفية قال: خضب علي بالحناء مرة ثم تركه.
قال: أخبرنا وهب بن جرير بن حازم قال: أخبرنا أبي قال: سمعت أبا رجاء قال: رأيت عليا أصلع، كثير الشعر، كأنما اجتاب إهاب شاة.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: أخبرنا أبو عوانة عن مغيرة عن قدامة بن عتاب قال: كان علي ضخم البطن، ضخم مشاشة المنكب، ضخم عضلة الذراع، دقيق مستدقها، ضخم عضلة الساق، دقيق مستدقها، قال رأيته يخطب في يوم من أيام الشتاء، عليه قميص قهز وإزاران قطريان، معتما بسب كتان مما ينسج في سوادكم.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا رزام بن سعد الضبي قال: سمعت أبي ينعت عليا قال: كان رجلا فوق الربعة، ضخم المنكبين، طويل اللحية، وإن شئت قلت إذا نظرت إليه هو آدم، وإن

(3/26)

تبينته من قريب قلت أن يكون أسمر أدنى من أن يكون آدم.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي قلت: ما كانت صفة علي؟ قال: رجل آدم شديد الأدمة، ثقيل العينين، عظيمـهما، ذو بطن، أصلع، إلى القصر أقرب.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم قال: أخبرنا همام بن يحيى عن محمد بن جحادة قال: حدثني أبو سعيد بياع الكرابيس: أن عليا كان يأتي السوق في الأيام فيسلم عليهم، فإذا رأوه قالوا بوذا شكنب أمذ، قيل له إنـهم يقولون إنك ضخم البطن، فقال: إن أعلاه علم وأسفله طعام.
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن جابر عن عامر قال: رأيت عليا ورأسه ولحيته بيضاوان كأنـهما قطن.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا سلمة بن رجاء التميمي عن مدرك أبي الحجاج قال: رأيت في عيني علي أثر الكحل.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا هشام بن حسان قال: أخبرنا أبو الرضى القيسي قال: ربما رأيت عليا يخطبنا وعليه إزار ورداء مرتديا به، غير ملتحف، وعمامة، فينظر إلى شعر صدره وبطنـه.
ذكر لباس علي، عليه السلام
قال: أخبرنا وكيع عن أبي مكين عن خالد أبي أمية قال: رأيت عليا وقد لحق إزاره بركبتيه.
قال: أخبرنا يعلى بن عبيد وعبد الله بن نمير عن الأجلح عن عبد الله بن أبي الهذيل قال: رأيت عليا عليه قميص رازي إذا مد كمـه بلغ

(3/27)

الظفر فإذا أرخاه، قال يعلى، بلغ نصف ساعده، وقال عبد الله بن نمير: بلغ نصف الذراع.
قال: أخبرنا وكيع بن الجراح عن علي بن صالح عن عطاء أبي محمد قال: رأيت على علي قميصا من هذه الكرابيس غير غسيل.
قال: أخبرنا أنس بن عياض أبو ضمرة الليثي قال: حدثني محمد بن أبي يحيى عن أبي العلاء مولى الأسلميين قال: رأيت عليا يأتزر فوق السرة.
قال: أخبرنا وكيع بن الجراح عن سفيان عن عمرو بن قيس أن عليا رئي عليه إزار مرقوع فقيل له فقال يخشع القلب ويقتدي بـه المؤمن.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا الحر بن جرموز عن أبيه قال: رأيت عليا وهو يخرج من القصر وعليه قطريتان إزار إلى نصف الساق ورداء مشمر قريب منـه ومعه درة له يمشي بها في الأسواق ويأمرهم بتقوى الله وحسن البيع ويقول أوفوا الكيل والميزان، ويقول لا تنفخوا اللحم.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا سعيد بن عبيد عن علي بن ربيعة أنـه رأى على علي بردين قطريين.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا حميد بن عبد الله الأصم قال: سمعت فروخ مولى لبني الأشتر قال رأيت عليا في بني ديوار وأنا غلام فقال: أتعرفني؟ فقلت: نعم أنت أمير المؤمنين، ثم أتي آخر فقال: أتعرفني؟ فقال: لا، فاشترى منـه قميصا زابيا فلبسه فمد كم القميص فإذا هو مع أصابعه فقال له: كفه، فلما كفه قال: الحمد لله الذي كسا علي بن أبي طالب.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا أيوب بن دينار أبو سليمان المكتب قال: حدثني والدي أنـه رأى عليا يمشي في السوق وعليه إزار إلى نصف ساقيه وبردة على ظهره، قال: ورأيت عليه بردين نجرانيين.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا عبد الجبار بن المغيرة

(3/28)

الأزدي حدثتني أم كثيرة: أنـها رأت عليا ومعه مخفقة وعليه رداء سنبلاني وقميص كرابيس وإزار كرابيس إلى نصف ساقيه الإزار والقميص.
قال: أخبرنا خالد بن مخلد قال: أخبرنا سليمان بن بلال قال: حدثني جعفر بن محمد عن أبيه قال: كان علي بن أبي طالب يطوف في السوق بيده درة فأتي بقميص له سنبلاني فلبسه فخرج كماه على يديه فأمر بهما فقطعا حتى استويا بيده ثم أخذ درته فذهب يطوف.
قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس عن سليمان بن بلال عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: ابتاع علي قميصا سنبلانيا بأربعة دراهم فجاء الخياط فمد كم القميص فأمره أن يقطعه مما خلف أصابعه.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا زهير بن معاوية عن جابر عن هرمز قال: رأيت عليا متعصبا بعصابة سوداء ما أدري أي طرفيها أطول الذي قدامـه أو الذي خلفه، يعني عمامة.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا شريك عن جابر عن مولى لجعفر فقال له هرمز قال: رأيت عليا عليه عمامة سوداء قد أرخاها من بين يديه ومن خلفه.
قال: أخبرنا وكيع بن الجراح عن أبي العنبس عمرو بن مروان عن أبيه قال: رأيت على علي عمامة سوداء قد أرخاها من خلفه.
أخبرنا وكيع بن الجراح عن الأعمش عن ثابت بن عبيد عن أبي جعفر الأنصاري قال: رأيت على علي عمامة سوداء يوم قتل عثمان، قال ورأيته جالسا في ظلة النساء وسمعته يومئذ يوم قتل عثمان يقول تبا لكم سائر الدهر!
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا علي بن صالح عن عطاء أبي محمد قال: رأيت عليا خرج من الباب الصغير فصلى ركعتين حين

(3/29)

ارتفعت الشمس وعليه قميص كرابيس كسكري فوق الكعبين وكماه إلى الأصابع وأصل الأصابع غير مغسول.
ذكر قلنسوة علي بن أبي طالب، عليه السلام،
وخاتمـه وتختمـه له وما كان نقشـه
قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة قال: حدثنا عبد السلام بن حرب عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين عن بن عباس عن علي قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إذا كان إزارك واسعا فتوشح به، وإذا كان ضيقا فأتزر به.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا حسن بن صالح عن أبي حيان قال: كانت قلنسوة علي لطيفة.
قال: أخبرنا محمد بن ربيعة الكلابي عن كسيان بن أبي عمر عن يزيد بن الحارث بن بلال الفزاري قال: رأيت على علي قلنسوة بيضاء مصرية.
قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: أخبرنا أبان بن قطن عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه عبد الرحمن بن أبي ليلى: أن علي بن أبي طالب تختم في يساره.
قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس عن سليمان بن بلال عن جعفر بن محمد بن علي عن أبيه: أن عليا تختم في اليسار.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي قال: أخبرنا معتمر عن أبيه عن أبي إسحاق الشيباني قال: قرأت نقش خاتم علي بن أبي طالب في صلح أهل الشام: محمد رسول الله.

(3/30)

قال: أخبرنا الحسن بن موسى الأشيب وعمرو بن خالد المصري قالا: أخبرنا زهير عن جابر الجعفي عن محمد بن علي قال: كان نقش خاتم علي: الله الملك.
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن جابر عن محمد بن علي قال: كان نقش خاتم علي: الله الملك.
أخبرنا مالك بن إسماعيل النـهدي قال: أخبرنا جعفر بن زياد عن الأعمش عن أبي ظبيان قال: خرج علينا علي في إزار أصفر وخميصة سوداء، الخميصة شبه البرنكان.
ذكر قتل عثمان بن عفان وبيعة علي بن أبي طالب،
رضي الله عنـهما
قال: قالوا لما قتل عثمان، رحمـه الله، يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة مضت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وبويع لعلي بن أبي طالب، رحمـه الله، بالمدينة الغد من يوم قتل عثمان، بالخلافة بايعه طلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وعمار بن ياسر، وأسامة بن زيد، وسهل بن حنيف، وأبو أيوب الأنصاري، ومحمد بن مسلمة، وزيد بن ثابت، وخزيمة بن ثابت، وجميع من كان بالمدينة من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وغيرهم، ثم ذكر طلحة والزبير أنـهما بايعا كارهين غير طائعين وخرجا إلى مكة وبها عائشة، ثم خرجا من مكة ومعهما عائشة إلى البصرة يطلبون بدم عثمان، وبلغ عليا، عليه السلام، ذلك فخرج من المدينة إلى العراق، وخلف على المدينة سهل بن حنيف، ثم كتب إليه أن يقدم عليه، وولى المدينة أبا حسن المازني

(3/31)

فنزل ذا قار وبعث عمار بن ياسر والحسن بن علي إلى أهل الكوفة يستنفرهم للمسير معه، فقدموا عليه فسار بهم إلى البصرة، فلقي طلحة والزبير وعائشة ومن كان معهم من أهل البصرة وغيرهم يوم الحمل في جمادي الآخرة سنة ست وثلاثين، وظفر بهم وقتل يومئذ طلحة والزبير وغيرهما، وبلغت القتلى ثلاثة عشر ألف قتيل، وأقام علي بالبصرة خمس عشرة ليلة ثم انصرف إلى الكوفة.
ذكر علي ومعاوية وقتالهما وتحكيم الحكمين
ثم خرج يريد معاوية بن أبي سفيان ومن معه بالشام، فبلغ ذلك معاوية فخرج فيمن معه من أهل الشام والتقوا بصفين في صفر سنة سبع وثلاثين، فلم يزالوا يقتتلون بها أياما، وقتل بصفين عمار بن ياسر، وخزيمة بن ثابت، وأبو عمرة المازني، وكانوا مع علي، ورفع أهل الشام المصاحف يدعون إلى ما فيها مكيدة من عمرو بن العاص أشار بذلك على معاوية وهو معه، فكره الناس الحرب وتداعوا إلى الصلح، وحكموا الحكمين فحكم علي أبا موسى الأشعري، وحكم معاوية عمرو بن العاص، وكتبوا بينـهم كتابا أن يوافوا رأس الحول بأذرح فينظروا في أمر هذه الأمة، فافترق الناس فرجع معاوية بالألفة من أهل الشام وانصرف علي إلى الكوفة بالاختلاف والدغل، فخرجت عليه الخوارج من أصحابه ومن كان معه وقالوا: لا حكم إلا الله، وعسكروا بحروراء، فبذلك سموا الحرورية، فبعث إليهم علي عبد الله بن عباس وغيره فخاصمـهم وحاجهم فرجع منـهم قوم كثير وثبت قوم على رأيهم وساروا إلى النـهروان فعرضوا للسبيل وقتلوا عبد الله بن خباب بن الأرت، فسار إليهم علي فقتلهم بالنـهروان

(3/32)

وقتل منـهم ذا الثدية، وذلك سنة ثمان وثلاثين، ثم انصرف علي إلى الكوفة فلم يزل بها يخافون عليه الخوارج من يومئذ إلى أن قتل رحمـه الله. واجتمع الناس بأذرح في شعبان سنة ثمان وثلاثين، وحضرها سعد بن أبي وقاص وابن عمر وغيرهما من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقدم عمرو أبا موسى فتكلم فخلع عليا، وتكلم عمرو فأقر معاوية وبايع له، فتفرق الناس على هذا.
ذكر عبد الرحمن بن ملجم المرادي وبيعة علي ورده إياه
وقوله: لتخضبن هذه من هذه، وتمثله بالشعر وقتله
عليا، عليه السلام، وكيف قتله عبد الله بن جعفر
والحسين بن علي ومحمد بن الحنفية
أخبرنا الفضل بن دكين أبو نعيم، أخبرنا فطر بن خليفة قال: حدثني أبو الطفيل قال: دعا علي الناس إلى البيعة، فجاء عبد الرحمن بن ملجم المرادي فرده مرتين، ثم أتاه فقال: ما يحبس أشقاها، لتخضبن أو لتصبغن هذه من هذا، يعني لحيته من رأسه، ثم تمثل بهذين البيتين:
أشدد حيازيمك للموت ... فإن الموت آتيك
ولا تجزع من القتل ... إذا حل بواديك قال محمد بن سعد: وزادني غير أبي نعيم في هذا الحديث بهذا الإسناد

(3/33)

عن علي بن أبي طالب والله إنـه لعهد النبي الأمي، صلى الله عليه وسلم، إلي.
أخبرنا أبو أسامة حماد بن أسامة عن يزيد بن إبراهيم عن محمد بن سيرين، قال علي بن أبي طالب للمرادي:
أريد حباءه ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم بن علية عن عمارة بن أبي حفصة عن أبي مجلز قال: جاء رجل من مراد إلى علي وهو يصلي في المسجد فقال: احترس فإن ناسا من مراد يريدون قتلك، فقال: إن مع كل رجل ملكين يحفظانـه مما لم يقدر فإذا جاء القدر خليا بينـه وبينـه، وإن الأجل جنة حصينة.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا هشام بن حسان عن محمد عن عبيدة قال: قال علي: ما يحبس أشقاكم أن يجيء فيقتلني؟ اللهم قد سئمتهم وسئموني فأرحهم مني وأرحني منـهم.
قال: أخبرنا وكيع بن الجراح، قال: أخبرنا الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن عبد الله بن سبع قال: سمعت عليا يقول: لتخضبن هذه من هذه فما ينتظر بالأشقى، قالوا: يا أمير المؤمنين فأخبرنا بـه نبير عترته، فقال: إذا والله تقتلوا بي غير قاتلي، قالوا: فاستخلف علينا، فقال: لا ولكن أترككم إلى ما ترككم إليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قالوا: فما تقول لربك إذا أتيته؟ قال: أقول اللهم تركتك فيهم فإن شئت أصلحتهم وإن شئت أفسدتهم.
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن سنان بن حبيب عن نبل بنت بدر عن زوجها قال: سمعت عليا يقول لتخضبن هذه من هذا، يعني لحيته من رأسه.

(3/34)

قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا موسى بن عبيدة عن أبي بكر بن عبيد الله بن أنس أو أيوب بن خالد أو كليهما، أخبرنا عبيد الله أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال لعلي: يا علي من أشقى الأولين والآخرين؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: أشقى الأولين عاقر الناقة، وأشقى الآخرين الذي يطعنك يا علي، وأشار إلى حيث يطعن.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا سليمان بن القاسم الثقفي قال: حدثتني أمي عن أم جعفر سرية علي قالت:: إني لأصب على يديه الماء إذ رفع رأسه فأخذ بلحيته فرفعها إلى أنفه فقال: واها لك لتخضبن بدم! قالت: فأصيب يوم الجمعة.
قال: أخبرنا خالد بن مخلد ومحمد بن الصلت قالا: أخبرنا الربيع بن المنذر عن أبيه عن بن الحنفية قال: دخل علينا بن ملجم ال وأنا وحسن وحسين جلوس في ال، فلما دخل كأنـهما اشمأزا منـه وقالا: ما أجرأك تدخل علينا! قال فقلت لهما: دعاه عنكما فلعمري ما يريد بكما أحشم من هذا. فلما كان يوم أتي بـه أسيرا قال: بن الحنفية: ما أنا اليوم بأعرف بـه مني يوم دخل علينا ال، فقال علي: إنـه أسير فأحسنوا نزله وأكرموا مثواه فإن بقيت قتلت أو عفوت وإن مت فاقتلوه قتلي ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين.
قال: أخبرنا جرير عن مغيرة عن قشم مولى لابن عباس قال: كتب علي في وصيته إلى أكبر ولدي غير طاعن عليه في بطن ولا فرج.
قالوا: انتدب ثلاثة نفر من الخوارج: عبد الرحمن بن ملجم المرادي، وهو من حمير، وعداده في مراد، وهو حليف بني جبلة من كندة، والبرك بن عبد الله التميمي، وعمرو بن بكير التميمي، فاجتمعوا بمكة وتعاهدوا وتعاقدوا ليقتلن هؤلاء الثلاثة: علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ويريحن العباد منـهم، فقال عبد الرحمن بن

(3/35)

ملجم: أنا لكم بعلي بن أبي طالب، وقال البرك: وأنا لكم بمعاوية، وقال عمرو بن بكير: أنا أكفيكم عمرو بن العاص. فتعاهدوا على ذلك وتعاقدوا وتواثقوا لا ينكص رجل منـهم عن صاحبه الذي سمي ويتوجه إليه حتى يقتله أو يموت دونـه، فاتعدوا بينـهم ليلة سبع عشرة من شـهر رمضان، ثم توجه كل رجل منـهم إلى المصر الذي فيه صاحبه، فقدم عبد الرحمن بن ملجم الكوفة فلقي أصحابه من الخوارج فكاتمـهم ما يريد، وكان يزورهم ويزورونـه، فزار يوما نفرا من تيم الرباب، فرأى امرأة منـهم يقال لها قطام بنت شجنة بن عدي بن عامر بن عوف بن ثعلبة بن سعد بن ذهل بن تيم الرباب وكان علي قتل أباها وأخاها يوم نـهروان فأعجبته فخطبها، فقالت: لا أتزوجك حتى تسمي لي، فقال: لا تسألينني شيئا إلا أعطيتك، فقالت: ثلاثة آلاف وقتل علي بن أبي طالب، فقال: والله ما جاء بي إلى هذا المصر إلا قتل علي بن أبي طالب وقد آتيتك ما سألت. ولقي عبد الرحمن بن ملجم شبيب بن بجرة الأشجعي فأعلمـه ما يريد ودعاه إلى أن يكون معه فأجابه إلى ذلك، وبات عبد الرحمن بن ملجم تلك الليلة التي عزم فيها أن يقتل عليا في صبيحتها يناجي الأشعث بن قيس الكندي في مسجده حتى كاد أن يطلع الفجر، فقال له الأشعث: فضحك الصبح فقم، فقام عبد الرحمن بن ملجم وشبيب بن بجرة فأخذا أسيافهما ثم جاءا حتى جلسا مقابل السدة التي يخرج منـها علي. قال الحسن بن علي: وأتيته سحرا فجلست إليه فقال: إني بت الليلة أوقظ أهلي فملكتني عيناي وأنا جالس فسنح لي رسول الله فقلت: يا رسول الله ما لقيت من أمتك من الأولاد واللدد، فقال لي: ادع الله عليهم، فقلت اللهم أبدلني بهم خيرا لي منـهم وأبدلهم شرا لهم مني. ودخل ابن النباح المؤذن على ذلك فقال: الصلاة، فأخذت بيده فقام يمشي وابن النباح بين يديه وأنا خلفه، فلما خرج من الباب نادى: أيها الناس الصلاة الصلاة، كذلك

(3/36)

كان يفعل في كل يوم يخرج ومعه درته يوقظ الناس، فاعترضه الرجلان، فقال بعض من حضر ذلك: فرأيت بريق السيف وسمعت قائلا يقول: لله الحكم يا علي لا لك! ثم رأيت سيفا ثانيا فضربا جميعا فأما سيف عبد الرحمن بن ملجم فأصاب جبهته إلى قرنـه ووصل إلى دماغه، وأما سيف شبيب فوقع في الطاق، وسمعت عليا يقول: لا يفوتنكم الرجل، وشد الناس عليهما من كل جانب، فأما شبيب فأفلت، وأخذ عبد الرحمن بن ملجم فأدخل على علي، فقال: أطيبوا طعامـه وألينوا فراشـه فإن أعش فأنا أولى بدمـه عفوا وقصاصا وإن أمت فألحقوه بي أخاصمـه عند رب العالمين. فقالت أم كلثوم بنت علي: يا عدو الله قتلت أمير المؤمنين! قال: ما قتلت إلا أباك، قالت:: فو الله إني لأرجو أن لا يكون على أمير المؤمنين بأس، قال: فلم تبكين إذا؟ ثم قال: والله لقد سممته شـهرا، يعني سيفه، فإن أخلفني فأبعده الله وأسحقه. وبعث الأشعث بن قيس ابنـه قيس بن الأشعث صبيحة ضرب علي، عليه السلام، فقال: أي بني انظر كيف أصبح أمير المؤمنين. فذهب فنظر إليه ثم رجع فقال: رأيت عينيه داخلتين في رأسه، فقال الأشعث: عيني دميغ ورب الكعبة، قال ومكث علي يوم الجمعة وليلة السبت وتوفي، رحمة الله عليه وبركاته، ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من شـهر رمضان سنة أربعين، وغسله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص.
قال: أخبرنا وكيع بن الجراح عن يحيى بن مسلم أبي الضحاك عن عاصم بن كليب عن أبيه قال: وأخبرنا عبد الله بن نمير عن عبد السلام رجل من بني مسيلمة عن بيان عن عامر الشعبي قال: وأخبرنا عبد الله بن نمير عن سفيان عن أبي روق عن رجل قال: وأخبرنا الفضل بن دكين قال أخبرنا خالد بن إلياس عن إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن العاص قال وأخبرنا شبابة بن سوار الفزاري قال: أخبرنا قيس بن الربيع عن بيان عن الشعبي

(3/37)

أن الحسن بن علي صلى على علي بن أبي طالب فكبر عليه أربع تكبيرات، ودفن علي بالكوفة عند مسجد الجماعة في الرحبة مما يلي أبواب كندة قبل أن ينصرف الناس من صلاة الفجر، ثم انصرف الحسن بن علي من دفنـه فدعا الناس إلى بيعته فبايعوه.
وكانت خلافة علي أربع سنين وتسعة أشـهر.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين عن شريك عن أبي إسحاق قال: توفي علي وهو يومئذ بن ثلاث وستين سنة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال أخبرنا علي بن عمر وأبو بكر بن أبي سبرة عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال: سمعت محمد بن الحنفية يقول سنة الجحاف حين دخلت إحدى وثمانون: هذه لي خمس وستون سنة وقد جاوزت سن أبي، قلت: وكم كانت سنـه يوم قتل، يرحمـه الله؟ قال: ثلاثا وستين سنة، قال محمد بن عمر: وهو الثبت عندنا.
قال: أخبرنا محمد بن ربيعة الكلابي عن طلق الأعمى عن جدته قالت:: كنت أنوح أنا وأم كلثوم بنت علي على علي، عليه السلام.
قال: أخبرنا عبد الله بن نمير وعبيد الله بن موسى قالا أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن أبي إسحاق عن هبيرة بن يريم قال: سمعت الحسن بن علي قام يخطب الناس فقال: يا أيها الناس لقد فارقكم أمس رجل ما سبقه الأولون ولا يدركه الآخرون، لقد كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يبعثه المبعث فيعطيه الراية فما يرد حتى يفتح الله عليه، إن جبريل عن يمينـه وميكائيل عن يساره، ما ترك صفراء ولا بيضاء، إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه أراد أن يشتري بها خادما.
قال: أخبرنا عبد الله بن نمير عن الأجلح عن أبي إسحاق عن هبيرة بن يريم قال: لما توفي علي بن أبي طالب قام الحسن بن علي فصعد المنبر فقال: أيها الناس، قد قبض الليلة رجل لم يسبقه الأولون ولا

(3/38)

يدركه الآخرون، قد كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يبعثه المبعث فيكتنفه جبريل عن يمينـه وميكائيل عن شماله فلا ينثني حتى يفتح الله له، وما ترك إلا سبعمائة درهم أراد أن يشتري بها خادما، ولقد قبض في الليلة التي عرج فيها بروح عيسى بن مريم ليلة سبع وعشرين من رمضان.
قال: أخبرنا أبو معاوية الضرير عن حجاج عن أبي إسحاق عن عمرو بن الأصم قال: قيل للحسن بن علي إن ناسا من شيعة أبي الحسن علي، عليه السلام، يزعمون أنـه دابة الأرض وأنـه سيبعث قبل يوم القيامة، فقال: كذبوا ليس أولئك شيعته، أولئك أعداؤه، لو علمنا ذلك ما قسمنا ميراثه ولا أنكحنا نساءه. قال بن سعد: هكذا قال عن عمرو ابن الأصم.
قال: أخبرنا أسباط بن محمد عن مطرف عن أبي إسحاق عن عمرو بن الأصم قال: دخلت على الحسن بن علي وهو في دار عمرو بن حريث فقلت له: إن ناسا يزعمون أن عليا يرجع قبل يوم القيامة، فضحك وقال: سبحان الله! لو علمنا ذلك ما زوجنا نساؤه ولا ساهمنا ميراثه. قالوا وكان عبد الرحمن بن ملجم في السجن، فلما مات علي، رضوان الله عليه ورحمته وبركاته، ودفن بعث الحسن بن علي إلى عبد الرحمن بن ملجم فأخرجه من السجن ليقتله، فاجتمع الناس وجاؤوه بالنفط والبواري والنار فقالوا نحرقه، فقال عبد الله بن جعفر وحسين بن علي ومحمد بن الحنفية: دعونا حتى نشفي أنفسنا منـه، فقطع عبد الله بن جعفر يديه ورجليه فلم يجزع ولم يتكلم، فكحل عينيه بمسمار محمى فلم يجزع وجعل يقول: إنك لتكحل عيني عمك بملمول مض، وجعل يقول: اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، حتى أتى على آخر السورة كلها وإن عينيه لتسيلان، ثم أمر بـه فعولج عن لسانـه ليقطعه فجزع، فقيل له: قطعنا يديك ورجليك وسملنا عينيك يا عدو الله فلم تجزع

(3/39)

فلما صرنا إلى لسانك جزعت؟ فقال: ما ذاك مني من جزع إلا أني أكره أن أكون في الدنيا فواقا لا أذكر الله، فقطعوا لسانـه ثم جعلوه في قوصرة وأحرقوه بالنار، والعباس بن علي يومئذ صغير فلم يستأذن بـه بلوغه، وكان عبد الرحمن بن ملجم رجلا أسمر حسن الوجه أفلج شعره مع شحمة أذنيه، في جبهته أثر السجود. قالوا وذهب بقتل علي، عليه السلام، إلى الحجاز سفيان بن أمية بن أبي سفيان بن أمية بن عبد شمس فبلغ ذلك عائشة فقالت:
فألقت عصاها واستقرت بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر
ذكر زيد الحب
زيد الحب زيد الحب بن حارثة بن شراحيل بن عبد العزى بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ود، وسماه أبوه بضمة، ابن عوف بن كنانة بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، واسمـه عمرو وإنما سمي قضاعة لأنـه انقضع عن قومـه، ابن مالك بن عمرو بن مرة بن مالك بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وإلى قحطان جماع اليمن، وأم زيد بن حارثة سعدى بنت ثعلبة بن عبد عامر بن أفلت بن سلسلة من بني معن من طيء، فزارت سعدى أم زيد بن حارثة قومـها وزيد معها، فأغارت خيل لبني القين بن جسر في الجاهلية فمروا على أبيات بني معن رهط أم زيد، فاحتملوا زيدا إذ هو يومئذ غلام يفعة قد أوصف، فوافوا بـه سوق عكاظ فعرضوه للبيع فاشتراه منـهم حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي لعمته خديجة بنت

(3/40)

خويلد بأربع مائة درهم، فلما تزوجها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهبته له فقبضه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقد كان أبوه حارثة بن شراحيل حين فقده قال:
بكيت على زيد ولم أدر ما فعل ... أحي فيرجى أم أتى دونـه الأجل
فو الله ما أدري وإن كنت سائلا ... أغالك سهل الأرض أم غالك الجبل
فيا ليت شعري هل لك الدهر رجعة ... فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل
تذكرنيه الشمس عند طلوعها ... وتعرض ذكراه إذا قارب الطفل
وإن هبت الأرواح هيجن ذكره ... فيا طول ما حزني عليه ويا وجل!
سأعمل نص العيس في الأرض جاهدا ... ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل
حياتي أو تأتي علي منيتي ... وكل امرئ فان وإن غره الأمل
وأوصي بـه قيسا وعمرا كليهما ... وأوصي يزيدا ثم من بعدهم جبل يعني جبلة بن حارثة أخا زيد وكان أكبر من زيد، ويعني يزيد أخا زيد لأمـه، وهو يزيد بن كعب بن شراحيل، قال فحج ناس من كلب فرأوا زيدا فعرفهم وعرفوه فقال: بلغوا أهلي هذه الأبيات فإني أعلم أنـهم قد جزعوا علي، وقال:
ألكني إلى قومي وإن كنت نائيا ... بأني قطين البيت عند المشاعر
فكفوا من الوجد الذي قد شجاكم ... ولا تعملوا في الأرض نص الأباعر
فإني بحمد الله في خير أسرة ... كرام معد كابرا بعد كابر قال: فانطلق الكلبيون وأعلموا أباه فقال: ابني ورب الكعبة! ووصفوا له موضعه وعند من هو فخرج حارثة وكعب ابنا شراحيل بفدائه

(3/41)

وقدما مكة فسألا عن النبي، صلى الله عليه وسلم، فقيل هو في المسجد، فدخلا عليه فقالا: يا بن عبد الله، يا بن عبد المطلب، يا بن هاشم، يا بن سيد قومـه، أنتم أهل الحرم وجيرانـه وعند بيته تفكون العاني وتطعمون الأسير، جئناك في ابننا عندك، فامنن علينا وأحسن إلينا في فدائه فإنا سنرفع لك في الفداء. قال: من هو؟ قالوا: زيد بن حارثة، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: فهل أنتم لغير ذلك؟ قالوا: ما هو؟ قال: دعوه فخيروه فإن اختاركم فهو لكما بغير فداء، وإن اختارني فو الله ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحدا، قالا: قد زدتنا على النصف وأحسنت، قال فدعاه فقال: هل تعرف هؤلاء؟ قال: نعم. قال: من هما؟ قال: هذا أبي وهذا عمي، قال: فإنا من قد علمت ورأيت صحبتي لك فاخترني أو اخترهما، فقال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحدا، أنت مني بمكان الأب والأم، فقالا: ويحك يا زيد أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك؟ قال: نعم، إني قد رأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا بالذي أختار عليه أحدا أبدا. فلما رأى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ذلك أخرجه إلى الحجر فقال: يا من حضر اشـهدوا أن زيدا ابني أرثه ويرثني، فلما رأى ذلك أبوه و طابت أنفسهما وانصرفا، فدعي زيد بن محمد حتى جاء الله بالإسلام. هذا كله حدثنا بـه هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه وعن جميل بن مرثد الطائي وغيرهما، وقد ذكر بعض هذا الحديث عن أبيه عن أبي صالح عن بن عباس وقال في إسناده عن ابن عباس: فزوجه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، زينب بنت جحش بن رئاب الأسدية، وأمـها أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم، فطلقها زيد بعد ذلك فتزوجها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فتكلم المنافقون في ذلك وطعنوا فيه، وقالوا: محمد يحرم نساء الولد وقد تزوج امرأة ابنـه زيد، فأنزل الله جل جلاله: ما كان محمد أبا أحد من رجالكم

(3/42)

ولكن رسول الله وخاتم النبيين، إلى آخر الآية، وقال: أدعوهم لآبائهم، فدعي يومئذ زيد بن حارثة ودعي الأدعياء إلى آبائهم، فدعي المقداد إلى عمرو وكان يقال له قبل ذلك المقداد بن الأسود، وكان الأسود بن عبد يغوث الزهري قد تبناه.
قال: أخبرنا حجاج بن محمد قال: أخبرنا بن جريج قال: أخبرني موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الله أنـه حدثه عن عبد الله بن عمر أنـه قال في زيد بن حارثة: ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزلت: أدعوهم لآبائهم.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: أخبرنا وهيب بن خالد قال: وأخبرني المعلى بن أسد عن عبد العزيز بن المختار قالا جميعا: أخبرنا موسى بن عقبة قال: حدثني سالم بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر عن زيد بن حارثة الكلبي مولى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن عبد الله بن عمر قال: ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن: أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله.
قال: أخبرنا أبو داود عن سفيان عن نسير عن علي بن حسين، ما كان محمد أبا أحد من رجالكم، قال: نزلت في زيد.
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال، أخبرنا حماد بن زيد عن ثابت قال: كان يقال زيد بن محمد.
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن هبيرة وهانئ بن هانئ عن علي وعن أبي إسحاق عن البراء بن عازب أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: لزيد بن حارثة في حديث ابنة حمزة: أنت أخونا ومولانا.
قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن خالد السكري الرقي قال: أخبرنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط

(3/43)

عن محمد بن أسامة بن زيد عن أبيه أسامة بن زيد قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لزيد بن حارثة: يا زيد أنت مولاي ومني وإلي وأحب القوم إلي.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا محمد بن الحسن بن أسامة بن زيد عن أبيه قال: كان بين رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وبين زيد بن حارثة عشر سنين، رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أكبر منـه، وكان زيد رجلا قصيرا آدم شديد الأدمة، في أنفه فطس، وكان يكنى أبا أسامة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني بن موهب عن نافع بن جبير قال: وحدثني محمد بن الحسن بن أسامة عن الحسن المازني عن يزيد عن عبد الله بن قسيط عن محمد بن أسامة بن زيد قال: وحدثني ربيعة بن عثمان عن عمران بن أبي أنس قال: وحدثنا مصعب بن ثابت عن أبي الأسود عن سليمان بن يسار قال: وحدثنا بن أبي ذئب عن الزهري قالوا: أول من أسلم زيد بن حارثة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني محمد بن صالح عن عمران بن مناح قال: لما هاجر زيد بن حارثة إلى المدينة نزل على كلثوم بن الهدم، قال محمد بن صالح، وأما عاصم بن عمر بن قتادة فقال: نزل على سعد بن خيثمة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبيه قال: وأخبرنا عبد الله بن جعفر عن بن أبي عون وسعد بن إبراهيم، قال: وحدثنا محمد بن صالح عن عاصم بن عمر قالوا: آخى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بين زيد بن حارثة وحمزة بن عبد المطلب، وآخى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بين زيد بن حارثة وأسيد بن خضير.
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه وعن شرقي

(3/44)

ابن قطامي وغيرهما قالوا: أقبلت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وأمـها أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وأمـها أم حكيم وهي البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم، مـهاجرة إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، بالمدينة فخطبها الزبير بن العوام وزيد بن حارثة وعبد الرحمن بن عوف وعمرو بن العاص، فاستشارت أخاها لأمـها عثمان بن عفان فأشار عليها أن تأتي النبي، صلى الله عليه وسلم، فأتته فأشار عليها بزيد بن حارثة فتزوجته فولدت له زيد بن زيد ورقية، فهلك زيد وهو صغير، وماتت رقية في حجر عثمان، وطلق زيد بن حارثة أم كلثوم وتزوج درة بنت أبي لهب ثم طلقها وتزوج هند بنت العوام أخت الزبير بن العوام، ثم زوجه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أم أيمن حاضنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومولاته وجعل له الجنة، فولدت له أسامة فكان يكنى به. وشـهد زيد بدرا وأحدا واستخلفه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على المدينة حين خرج النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى المريسيع، وشـهد الخندق والحديبية وخيبر، وكان من الرماة المذكورين من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني محمد بن الحسن بن أسامة عن أبي الحويرث قال: خرج زيد بن حارثة أمير سبع سرايا أولها القردة، فاعترض للعير فأصابوها وأفلت أبو سفيان بن حرب وأعيان القوم، وأسر فرات بن حيان العجلي يومئذ، وقدم بالعير على النبي، صلى الله عليه وسلم، فخمسها.
قال: أخبرنا الضحاك بن مخلد أبو عاصم قال: أخبرنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع قال: غزوت مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سبع غزوات ومع زيد بن حارثة تسع غزوات يؤمره رسول الله، صلى الله عليه وسلم، علينا.

(3/45)

قال: أخبرنا محمد بن عبيد قال: حدثني وائل بن داود قال: سمعت البهي يحدث أن عائشة قالت: ما بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، زيد بن حارثة في جيش قط إلا أمره عليهم ولو بقي بعده استخلفه.
قال، قال محمد بن عمر: أول سرية خرج فيها زيد سريته إلى القردة، ثم سريته إلى الجموم، ثم سريته إلى العيص، ثم سريته إلى الطرف، ثم سريته إلى حسمى، ثم سريته إلى أم قرفة، ثم عقد له رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على الناس في غزوة مؤتة وقدمـه على الأمراء، فلما التقى المسلمون والمشركون كان الأمراء يقاتلون على أرجلهم فأخذ زيد بن حارثة اللواء فقاتل وقاتل الناس معه، والمسلمون على صفوفهم، فقتل زيد طعنا بالرماح شـهيدا فصلى عليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال: استغفروا له وقد دخل الجنة وهو يسعى. وكانت مؤتة في جمادي الأولى سنة ثمان من الهجرة، وقتل زيد يومئذ وهو بن خمس وخمسين سنة.
قال: أخبرنا أبو معاوية الضرير ويزيد بن هارون ومحمد بن عبيد الطنافسي قالوا: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة قال: لما بلغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قتل زيد بن حارثة وجعفر وابن رواحة قام نبي الله صلى الله عليه وسلم فذكر شأنـهم فبدأ يزيد فقال: اللهم اغفر لزيد، اللهم اغفر لزيد، اللهم اغفر لزيد، اللهم اغفر لجعفر ولعبد الله بن رواحة.
أخبرنا الفضل بن دكين وعبد الملك بن عمرو وأبو أسامة وسليمان بن حرب قالوا: أخبرنا الأسود بن شيبان عن خالد بن شمير عن عبد الله بن رياح الأنصاري، سمعه يقول أخبرنا أبو قتادة الأنصاري فارس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، جيش الأمراء فقال: عليكم زيد بن حارثة فإن أصيب زيد فجعفر

(3/46)

ابن أبي طالب، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة، قال فوثب جعفر فقال: يا رسول الله ما كنت أرهب أن تستعمل علي زيدا، فقال: أمضه فإنك لا تدري أي ذلك خير.
قال: أخبرنا سليمان بن حرب قال: أخبرنا حماد بن زيد عن خالد بن شمير قال: لما أصيب زيد بن حارثة أتاهم النبي، صلى الله عليه وسلم، قال فجهشت بنت زيد في وجه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فبكى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى انتحب فقال له سعد بن عبادة: يا رسول الله ما هذا؟ قال: هذا شوق الحبيب إلى حبيبه.
ذكر أبي مرثد الغنوي
أبو مرثد الغنوي حليف حمزة بن عبد المطلب، واسم أبي مرثد كناز بن الحصين بن يربوع بن طريف بن خرشة بن عبيد بن سعد بن عوف بن كعب بن جلان بن غنم بن يحيى بن يعصر بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر؛ وكان تربا لحمزة بن عبد المطلب، وكان رجلا طوالا كثير شعر الرأس، وآخى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بين أبي مرثد وعبادة بن الصامت في رواية محمد بن إسحاق ومحمد بن عمر.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني محمد بن صالح عن عمران بن مناح قال: لما هاجر أبو مرثد الغنوي وابنـه مرثد بن أبي مرثد إلى المدينة نزلا على كلثوم بن الهدم، قال محمد بن صالح، وأما عاصم بن عمر بن قتادة فقال: نزلا على سعد بن خيثمة. قال محمد بن عمر: فشـهد أبو مرثد بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومات بالمدينة قديما في خلافة أبي بكر سنة اثنتي عشرة وهو يومئذ بن ست وستين سنة.

(3/47)

ذكر مرثد بن أبي مرثد الغنوي
حليف حمزة بن عبد المطلب، آخى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بينـه وبين أوس بن الصامت أخي عبادة بن الصامت.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا سعد بن مالك الغنوي عن آبائه قال: شـهد مرثد بن أبي مرثد الغنوي يوم بدر على فرس يقال له السبل. قال محمد بن عمر: وشـهد أحدا وقتل يوم الرجيع شـهيدا، وكان أميرا في هذه السرية وذلك في صفر، على رأس ستة وثلاثين شـهرا من مـهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة.
ذكر أنسة مولى رسول الله، صلى الله عليه وسلم
قال: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني محمد بن صالح بن دينار التمار عن عمران بن مناح مولى بني عامر بن لؤي قال: لما هاجر أنسة مولى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نزل على كلثوم بن الهدم، قال محمد بن صالح، وأما عاصم بن عمر فقال نزل على سعد بن خيثمة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن بن عباس قال: قتل أنسة مولى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم بدر. قال محمد بن عمر: وليس ذلك عندنا بثبت، ورأيت أهل العلم يثبتون أنـه لم يقتل ببدر وقد شـهد أحدا وبقي بعد ذلك زمانا.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن محمد بن يوسف قال: مات أنسة بعد النبي، صلى الله عليه وسلم، في

(3/48)

ولاية أبي بكر الصديق وكان من مولدي السراة، وكان يكنى أبا مسرح، قال فحدثني من سمع يونس بن يزيد الأيلي يخبر عن الزهري أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان يأذن بعد الظهر وهي السنة ويأذن عليه أنسة مولاه.
أبو كبشة
مولى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، واسمـه سليم من مولدي أرض دوس.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا محمد بن صالح عن عمران بن مناح قال: لما هاجر أبو كبشة مولى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة نزل على أم كلثوم بن الهدم، قال محمد بن صالح، وأما عاصم بن عمر بن قتادة فقال: نزل على سعد بن خيثمة. قال محمد بن عمر: شـهد أبو كبشة مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بدرا وأحدا والمشاهد كلها، وتوفي يوم استخلف عمر بن الخطاب وذلك يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادي الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة.
ذكر صالح شقران
غلام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكان لعبد الرحمن بن عوف فأعجب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأخذه منـه بالثمن، وكان عبدا حبشيا وهو صالح بن عدي، شـهد بدرا وهو مملوك فاستعمله رسول الله

(3/49)

صلى الله عليه وسلم، على الأسرى ولم يسهم له، فجزاه كل رجل له أسير فأصاب أكثر مما أصاب رجل من القوم من المقسم. وحضر بدرا أيضا ثلاثة أعبد مماليك: غلام لعبد الرحمن بن عوف، وغلام لحاطب بن أبي بلتعة، وغلام لسعد بن معاذ، فجزاهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولم يسهم لهم.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي جهم العدوي قال: استعمل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، شقران مولاه على جمع ما وجد في رجال أهل المريسيع من رثة المتاع والسلاح والنعم والشاء وجميع الذرية ناحية، وأوصى له رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عند وفاته، وكان فيمن حضر غسل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مع أهل بيته، وكانوا ثمانية سوى شقران.
ومن بني المطلب بن عبد مناف بن قصي
عبيدة بن الحارث
ابن عبد المطلب بن عبد مناف بن قصي، وأمـه سخيلة بنت خزاعي بن الحويرث بن حبيب بن مالك بن الحارث بن حطيط بن جشم بن قسي، وهو ثقيف، وكان لعبيدة من الولد معاوية وعون ومنقذ والحارث ومحمد وإبراهيم وريطة وخديجة وسخيلة وصفية لأمـهات أولاد شتى، وكان عبيدة أسن من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعشر سنين، وكان يكنى أبا الحارث، أيضا وكان مربوعا أسمر حسن الوجه.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا محمد بن صالح عن يزيد

(3/50)

ابن رومان قال: أسلم عبيدة بن الحارث قبل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، دار الأرقم بن أبي الأرقم وقبل أن يدعو فيها.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا حكيم بن محمد عن أبيه قال: خرج عبيدة والطفيل والحصين بنو الحارث بن المطلب ومسطح بن أثاثة بن المطلب من مكة للهجرة فاتعدوا بطن ناجح، فتخلف مسطح لأنـه لدغ، فلما أصبحوا جاءهم الخبر فانطلقوا إليه فوجدوه بالحصاص فحملوه فقدموا المدينة فنزلوا على عبد الرحمن بن سلمة العجلاني.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا محمد بن عبد الله عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: أقطع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لعبيدة بن الحارث والطفيل وأخويه موضع خطبتهم اليوم بالمدينة فيما بين بقيع الزبير وبني مازن.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبيه قال: آخى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بين عبيدة بن الحارث وبلال، وآخى بين عبيدة بن الحارث وعمير بن ال الأنصاري، وقتلا جميعا يوم بدر.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا معاذ بن محمد الأنصاري عن عبد الله بن عبد الله بن أبي صعصعة قال: كان أول لواء عقده رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعد أن قدم المدينة لحمزة بن عبد المطلب، ثم عقد بعده لواء عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب وبعثه في ستين راكبا فلقوا أبا سفيان بن حرب بن أمية وهو في مائتين على ماء يقال له أحياء من بطن رابغ، فلم يكن بينـهم يومئذ إلا الرمي لم يسلوا سيفا ولم يدن بعضهم من بعض، وكان أول من رمى يومئذ سعد بن أبي وقاص.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني يونس بن محمد الظفري عن أبيه قال: قتل عبيدة بن الحارث شيبة بن ربيعة يوم بدر فدفنـه

(3/51)

رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالصفراء، قال يونس: أراني أبي قبر عبيدة بن الحارث بذات أجذال بالمضيق أسفل من عين الجدول وذلك من الصفراء، وكان عبيدة قتل بن ثلاث وستين سنة.
ذكر الطفيل بن الحارث
الطفيل بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصي، وأمـه سخيلة بنت خزاعي الثقفية وهي أم عبيدة بن الحارث، وكان للطفيل من الولد عامر بن الطفيل. وآخى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بين الطفيل بن الحارث والمنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح، هذا في رواية محمد بن عمر، وأما في رواية محمد بن إسحاق فإنـه آخى بين الطفيل بن الحارث وسفيان بن نسر بن عمرو بن الحارث بن كعب بن زيد بن الحارث الأنصاري. قال محمد بن عمر: وشـهد الطفيل بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وتوفي في سنة اثنتين وثلاثين وهو بن سبعين سنة.
ذكر الحصين بن الحارث
الحصين بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصي، وأمـه سخيلة بنت خزاعي الثقفية، وهي أم عبيدة والطفيل ابني الحارث، وكان للحصين من الولد عبد الله الشاعر وأمـه أم عبد الله بنت عدي بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وآخى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بين الحصين بن الحارث ورافع بن عنجدة، هذا في رواية محمد بن عمر، وأما في

(3/52)

رواية محمد بن إسحاق فإنـه آخى بين الحصين وعبد الله بن جبير أخي خوات بن جبير. قال محمد بن عمر: وشـهد الحصين بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وتوفي بعد الطفيل بن الحارث بأشـهر في سنة اثنتين وثلاثين.
ذكر مسطح بن أثاثة
مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف بن قصي، ويكنى أبا عباد، وأمـه أم مسطح بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي، وكانت من المبايعات وآخى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بين مسطح بن أثاثة وزيد بن المزيد، هذا في رواية محمد بن إسحاق. قال محمد بن عمر: وشـهد مسطح بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأط رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وابن إلياس بخيبر خمسين وسقا، وتوفي سنة أربع وثلاثين وهو يومئذ بن ست وخمسين سنة.
ومن بني عبد شمس بن عبد مناف بن قصي
عثمان بن عفان، رحمـه الله
ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، وأمـه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، وأمـها أم حكم، وهي البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، وكان عثمان في الجاهلية يكنى أبا عمرو، فلما كان الإسلام

(3/53)

ولد له من رقية بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، غلام سماه عبد الله واكتنى بـه فكناه المسلمون أبا عبد الله، فبلغ عبد الله ست سنين فنقره ديك على عينيه فمرض فمات في جمادي الأولى سنة أربع من الهجرة، فصلى عليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ونزل في حفرته عثمان بن عفان. وكان لعثمان، رضي الله عنـه، من الولد، سوى عبد الله بن رقية، عبد الله الأصغر درج، وأمـه فاخته بنت غزوان بن جابر بن نسيب بن وهيب بن زيد بن مالك بن عبد بن عوف بن الحارث بن مازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان، وعمرو، وخالد، وأبان، وعمر، ومريم، وأمـهم أم عمرو بنت جندب بن عمرو بن حممة بن الحارث بن رفاعة بن سعد بن ثعلبة بن لؤي بن عامر بن غنم بن دهمان بن منـهب بن دوس من الأزد، والوليد بن عثمان، وسعيد، وأم سعيد، وأمـهم فاطمة بنت الوليد بن عبد شمس بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وعبد الملك بن عثمان درج، وأمـه أم البنين بنت عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، وعائشة بنت عثمان، وأم أبان، وأم عمرو وأمـهن رملة بنت شيبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، ومريم بنت عثمان، وأمـها نائلة بنت الفرافصة بن الأحوص بن عمرو بن ثعلبة بن الحارث بن حصن بن ضمضم بن عدي بن جناب من كلب، وأم البنين بنت عثمان، وأمـها أم ولد وهي التي كانت عند عبد الله بن يزيد بن أبي سفيان.

(3/54)

ذكر إسلام عثمان بن عفان، رضي الله عنـه
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني محمد بن صالح عن يزيد بن رومان قال: خرج عثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله على أثر الزبير بن العوام فدخلا على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فعرض عليهما الإسلام وقرأ عليهما القرآن وأنبأهما بحقوق الإسلام ووعدهما الكرامة من الله، فآمنا وصدقا فقال عثمان: يا رسول الله قدمت حديثا من الشام فلما كنا بين معان والزرقاء فنحن كالنيام إذا مناد ينادينا أيها النيام هبوا فإن أحمد قد خرج بمكة، فقدمنا فسمعنا بك. وكان إسلام عثمان قديما قبل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، دار الأرقم.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم بن حارث التيمي عن أبيه قال: لما أسلم عثمان بن عفان أخذه الحكم بن أبي العاص بن أمية فأوثقه رباطا وقال: أترغب عن ملة آبائك إلى دين محدث؟ والله لا أحلك أبدا حتى تدع ما أنت عليه من هذا الدين. فقال عثمان: والله لا أدعه أبدا ولا أفارقه. فلما رأى الحكم صلابته في دينـه تركه.
قالوا: فكان عثمان ممن هاجر من مكة إلى أرض الحبشة الهجرة الأولى والهجرة الثانية، ومعه فيهما جميعا امرأته رقية بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إنـهما لأول من هاجر إلى الله بعد لوط.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا عبد الجبار بن عمارة قال: سمعت عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، قال محمد بن عمر وأخبرنا موسى بن يعقوب الزمعي عن محمد بن جعفر بن الزبير قالا: لما هاجر عثمان من مكة إلى المدينة نزل على أوس بن ثابت أخي حسان بن

(3/55)

ثابت في بني النجار.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا محمد بن عبد الله عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: لما أقطع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الدور بالمدينة خط لعثمان بن عفان داره اليوم، ويقال إن الخوخة التي في دار عثمان اليوم وجاه باب النبي الذي كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يخرج منـه إذا دخل بيت عثمان.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبيه قال: آخى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بين عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، وآخى بين عثمان وأوس بن ثابت أبي شداد بن أوس، ويقال أبي عبادة سعد بن عثمان الزرقي.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن المسور بن رفاعة عن عبد الله بن مكنف بن حارثة الأنصاري قال: لما خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى بدر خلف عثمان على ابنته رقية، وكانت مريضة فماتت، رضي الله عنـها، يوم قدم زيد بن حارثة المدينة بشيرا بما فتح الله على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ببدر. وضرب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لعثمان بسهمـه وأجره في بدر فكان كمن شـهدها.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: وقال غير بن أبي سبرة: وزوج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عثمان بعد رقية أم كلثوم بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فماتت عنده، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لو كان عندي ثالثة زوجتها عثمان.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عائذ بن يحيى عن أبي الحويرث قال: استخلف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن المدينة في غزوته إلى ذات الرقاع عثمان بن عفان، واستخلفه رسول الله، صلى

(3/56)

الله عليه وسلم، أيضا على المدينة في غزوته إلى غطفان بذي أمر بنجد.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن موسى بن سعد مولى أسد بن عبد العزى عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه قال سمعته يقول: ما رأيت أحدا من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان إذا حدث أتم حديثا ولا أحسن من عثمان بن عفان، إلا أنـه كان رجلا يهاب الحديث.
ذكر لباس عثمان
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عتبة بن جبيرة عن الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ عن محمود بن لبيد: أنـه رأى عثمان بن عفان على بغلة له ،عليه ثوبان أصفران، له غديرتان.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون ومحمد بن إسماعيل بن أبي فديك قالا: أخبرنا بن ذئب عن عبد الرحمن بن سعد مولى الأسود بن سفيان قال: رأيت عثمان بن عفان وهو يبني الزوراء، على بغلة شـهباء مضفرا لحيته، لم يقل بن أبي فديك على بغلة شـهباء وقاله يزيد.
قال: أخبرنا خالد بن مخلد قال: حدثني الحكم بن الصلت قال حدثني أبي قال: رأيت عثمان بن عفان يخطب وعليه خميصة سوداء وهو مخضوب بحناء.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا شريك بن عبد الله قال: حدثني شيخ من الحاطبيين عن أبيه قال: رأيت على عثمان قميصا قوهيا على المنبر.
قال: أخبرنا هشيم بن بشير عن حصين عن عمرو بن جاوان

(3/57)

عن الأحنف بن قيس قال: رأيت على عثمان بن عفان ملاءة صفراء.
قال: أخبرنا خالد بن مخلد قال: أخبرنا إسحاق بن يحيى بن طلحة عن موسى بن طلحة قال: رأيت عثمان بن عفان وعليه ثوبان ممصران.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا عبد الله بن محمد عن ثابت بن عجلان عن سليم أبي عامر قال: رأيت على عثمان بن عفان بردا يمانيا ثمن مائة درهم.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا بن أبي سبرة عن مروان بن أبي سعيد المعلى قال: حدثني الأعرج عن محمد بن ربيعة بن الحارث قال: كان أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوسعون على نسائهم في اللباس الذي يصان ويتجمل به، ثم يقول: رأيت على عثمان مطرف خز ثمن مائتي درهم، فقال هذا لنائلة كسوتها إياه فأنا ألبسه أسرها به.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: سألت عمرو بن عبد الله بن عنبسة، وعروة بن خالد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وعبد الرحمن بن أبي الزناد عن صفة عثمان فلم أر بينـهم اختلافا قالوا: كان رجلا ليس بالقصير ولا بالطويل، حسن الوجه، رقيق البشرة، كبير اللحية عظيمـها، أسمر اللون، عظيم الكراديس، بعيد ما بين المنكبين، كثير شعر الرأس، يضفر لحيته.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا واقد بن أبي ياسر أن عثمان كان يشد أسنانـه بالذهب.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا واقد بن أبي ياسر عن عبيد الله بن دارة: أن عثمان كان قد سلس بوله عليه فداواه ثم أرسله، فكان يتوضأ لكل صلاة.
قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: أخبرنا سليمان بن بلال عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عثمان تختم في اليسار.

(3/58)

قال: أخبرنا قبيصة بن عقبة قال: أخبرنا سفيان عن عمر بن سعيد قال: كان عثمان بن عفان إذا ولد له ولد دعا بـه وهو في خرقة فيشمـه، فقيل له: لم تفعل هذا؟ فقال: إني أحب إن أصابه شيء أن يكون قد وقع له في قلبي شيء، يعني الحب.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا إسحاق بن يحيى عن موسى بن طلحة قال: رأيت عثمان يخرج يوم الجمعة عليه ثوبان أصفران فيجلس على المنبر فيؤذن المؤذن وهو يتحدث يسأل عن أسعارهم وعن قدامـهم وعن مرضاهم، ثم إذا سكت المؤذن قام يتوكأ على عصا عقفاء فيخطب وهي في يده، ثم يجلس جلسة فيبتديء كلام الناس فيسألهم كمسألته الأولى، ثم يقوم فيخطب، ثم ينزل ويقيم المؤذن.
قال: أخبرنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسي قال: أخبرنا هشيم قال: أخبرني محمد بن قيس عن موسى بن طلحة بن عبيد الله قال: رأيت عثمان بن عفان والمؤذن يؤذن وهو يحدث الناس، يسألهم ويستخبرهم عن الأسعار والأخبار.
قال: أخبرنا محمد بن ربيعة عن أم غراب عن بنانة قالت: كان عثمان يتنشف بعد الوضوء.
قال: أخبرنا محمد بن ربيعة عن أم غراب عن بنانة أن عثمان كان يتمطر.
قال: أخبرنا محمد بن ربيعة عن أم غراب عن بنانة قالت: كان عثمان إذا اغتسل جئته بثيابه فيقول لي: لا تنظري إلي فإنـه لا يحل لك قالت: وكنت لامرأته.
قال: أخبرنا محمد بن ربيعة عن أم غراب عن بناته أن عثمان كان أبيض اللحية.
قال: أخبرنا أبو أسامة حماد بن أسامة عن علي بن مسعدة عن

(3/59)

عبد الله الرومي قال: كان عثمان يلي وضوء الليل بنفسه، قال فقيل له: لو أمرت بعض الخدم فكفوك، فقال: لا، الليل لهم يستريحون فيه.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: أخبرنا وهيب بن خالد قال: أخبرنا خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس بن مالك عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: أصدق أمتي حياء عثمان.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: أخبرنا سليم بن أخضر قال: حدثني بن عون عن محمد قال: كان أعلمـهم بالمناسك بن عفان، وبعده بن عمر.
قال: أخبرنا روح بن عبادة وعفان بن مسلم قالا: أخبرنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا عبد الله بن عثمان بن خثيم عن إبراهيم عن عكرمة عن بن عباس في قوله: هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم، قال: عثمان بن عفان.
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا وهيب بن خالد عن يونس بن عبيد عن الحسن قال: رأيت عثمان ينام في المسجد متوسدا رداءه.
قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي قال: أخبرنا مسلم بن خالد الزنجي قال: حدثني عبد الرحيم عن هشام بن عروة عن أبيه أن عثمان بن عفان لم يستشـهد في وصيته.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا عمرو بن عثمان بن هانئ عن عبيد الله بن دارة قال: كان عثمان رجلا تاجرا في الجاهلية والإسلام وكان يدفع ماله قراضا.
قال: أخبرنا محمد بن عمر وشبل بن العلاء عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه أن عثمان دفع إليه مالا مضاربة على النصف.

(3/60)

ذكر الشورى وما كان أمرهم
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني شرحبيل بن أبي عون عن أبيه عن المسور بن مخرمة قال: كان عمر بن الخطاب وهو صحيح يسأل أن يستخلف فيأبى، فصعد يوما المنبر بكلمات وقال: إن مت فأمركم إلى هؤلاء الستة الذين فارقوا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو عنـهم راض: علي بن أبي طالب، ونظيره الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، ونظيره عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، ونظيره سعد بن مالك. ألا وإني أوصيكم بتقوى الله في الحكم والعدل في القسم.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الأزهري عن أبي جعفر قال: قال عمر بن الخطاب لأصحاب الشورى: تشاوروا في أمركم فإن كان اثنان وإثنان فارجعوا في الشورى، وإن كان أربعة واثنان فخذوا صنف الأكثر.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا هشام بن سعد وعبد الله بن زيد بن أسلم عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر قال: وإن اجتمع رأي ثلاثة وثلاثة فاتبعوا صنف عبد الرحمن بن عوف واسمعوا وأطيعوا.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني الضحاك بن عثمان بن عبد الملك بن عبيد عن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع أن عمر حين طعن قال: ليصل لكم صهيب ثلاثا وتشاوروا في أمركم والأمر إلى هؤلاء الستة، فمن بعل أمركم فاضربوا عنقه، يعني من خالفكم.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني محمد بن موسى عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال: أرسل عمر بن الخطاب إلى أبي طلحة قبل أن يموت بساعة فقال: يا أبا طلحة كن في خمسين من

(3/61)

قومك من الأنصار مع هؤلاء النفر أصحاب الشورى فلا تتركهم يمضي اليوم الثالث حتى يؤمروا أحدهم، اللهم أنت خليفتي عليهم.
ذكر بيعة عثمان بن عفان، رحمـه الله
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني مالك بن أبي الرجال قال: حدثني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة قال: وافى أبو طلحة في أصحابه ساعة قبر عمر فلزم أصحاب الشورى، فلما جعلوا أمرهم إلى عبد الرحمن بن عوف يختار لهم منـهم لزم أبو طلحة باب عبد الرحمن بن عوف بأصحابه حتى بايع عثمان.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني سعيد المكتب عن سلمة بن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: أول من بايع لعثمان عبد الرحمن ثم علي بن أبي طالب.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عمر بن عميرة بن هني مولى عمر بن الخطاب عن أبيه عن جده قال: أنا رأيت عليا بايع عثمان أول الناس ثم تتابع الناس فبايعوا.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي عن أبيه أن عثمان لما بويع خرج إلى الناس فخطبهم فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إن أول مركب صعب، وإن بعد اليوم أياما، وإن أعش تأتكم الخطبة على وجهها، وما كنا خطباء وسيعلمنا الله.
قال: أخبرنا أبو معاوية قال: أخبرنا الأعمش عن عبد الله بن سنان الأسدي قال: قال عبد الله حين استخلف عثمان: ما ألونا عن أعلى

(3/62)

ذي فوق.
قال: أخبرنا أبو معاوية الضرير وعبيد الله بن موسى وأبو نعيم الفضل بن دكين قالوا: أخبرنا مسعر عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة قال: قال عبد الله حين استخلف عثمان: استخلفنا خير من بقي ولم نأله.
قال: أخبرنا حجاج بن محمد عن شعبة عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة قال: شـهدت عبد الملك بن مسعود في هذا المسجد ما خطب خطبة إلا قال أمرنا خير من بقي ولم نأل.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: أخبرنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا عاصم بن بهدلة عن أبي وائل أن عبد الله بن مسعود سار من المدينة إلى الكوفة ثمانيا حين استخلف عثمان بن عفان فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب مات فلم نر يوما أكثر نشيجا من يومئذ، وإنا اجتمعنا أصحاب محمد فلم نأل عن خيرنا ذي فوق، فبايعنا أمير المؤمنين عثمان فبايعوه.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أبو بكر بن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن عثمان بن محمد الأخنسي قال: وأخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن يعقوب بن زيد عن أبيه قالا: بويع عثمان بن عفان يوم الاثنين لليلة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، فاستقبل لخلافته المحرم سنة أربع وعشرين.
قال محمد بن عمر: قال أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة في حديثه: فوجه عثمان على الحج تلك السنة عبد الرحمن بن عوف فحج بالناس سنة أربع وعشرين، ثم حج عثمان في خلافته كلها بالناس عشر سنين ولاء إلا السنة التي حوصر فيها فوجه عبد الله بن عباس على الحج بالناس، وهي سنة خمس وثلاثين.

(3/63)

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أسامة بن زيد الليثي عن داود بن الحصين عن عكرمة عن بن عباس أن عثمان بن عفان استعمله على الحج في السنة التي قتل فيها سنة خمس وثلاثين، فخرج فحج بالناس بأمر عثمان.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني محمد بن عبد الله عن الزهري قال: لما ولي عثمان عاش اثنتي عشرة سنة أميرا يعمل ست سنين لا ينقم الناس عليه شيئا، وإنـه لأحب إلى قريش من عمر بن الخطاب لأن عمر كان شديدا عليهم، فلما وليهم عثمان لان لهم ووصلهم، ثم توانى في أمرهم واستعمل أقرباءه وأهل بيته في الست الأواخر، وكتب لمروان بخمس مصر، وأعطى أقرباءه المال، وتأول في ذلك الصلة التي أمر الله بها، واتخذ الأموال، واستسلف من بيت المال وقال: إن أبا بكر وعمر تركا من ذلك ما هو لهما وإني أخذته فقسمته في أقربائي، فأنكر الناس عليه ذلك.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن جعفر عن أم بكر بنت المسور عن أبيها قال: سمعت عثمان يقول: أيها الناس إن أبا بكر وعمر كانا يتأولان في هذا المال ظلف أنفسهما وذوي أرحامـهما وإني تأولت فيه صلة رحمي.
ذكر المصريين وحصر عثمان، رضي الله عنـه
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني إبراهيم بن جعفر عن أم الربيع بنت عبد الرحمن بن محمد بن مسلمة عن أبيها قال: وأخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني يحيى بن عبد العزيز عن جعفر بن محمود، عن محمد بن مسلمة قال: وأخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني بن جريج

(3/64)

وداود بن عبد الرحمن العطار عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله أن المصريين لما أقبلوا من مصر يريدون عثمان ونزلوا بذي خشب دعا عثمان محمد بن مسلمة فقال: اذهب إليهم فارددهم عني وأعطهم الرضى وأخبرهم أني فاعل بالأمور التي طلبوا ونازع عن كذا بالأمور التي تكلموا فيها. فركب محمد بن مسلمة إليهم إلى ذي خشب، قال جابر وأرسل معه عثمان خمسين راكبا من الأنصار أنا فيهم، وكان رؤساؤهم أربعة: عبد الرحمن بن عديس البلوي، وسودان بن حمران المرادي، وابن البياع، وعمرو بن الحمق الخزاعي، لقد كان الاسم غلب حتى يقال جيش عمرو بن الحمق. فأتاهم محمد بن مسلمة فقال: إن أمير المؤمنين يقول كذا، ويقول كذا وأخبرهم بقوله فلم يزل بهم حتى رجعوا، فلما كانوا بالبويب رأوا جملا عليه ميسم الصدقة فأخذوه فإذا غلام لعثمان فأخذوا متاعه ففتشوه فوجدوا فيه قصبة من رصاص فيها كتاب في جوف الإدراة في الماء إلى عبد الله بن سعد أن افعل بفلان كذا وبفلان كذا من القوم الذين شرعوا في عثمان، فرجع القوم ثانية حتى نزلوا بذي خشب فأرسل عثمان إلى محمد بن مسلمة فقال: اخرج فارددهم عني، فقال: لا أفعل، قال فقدموا فحصروا عثمان.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن الحارث بن الفضيل عن أبيه عن سفيان بن أبي العوجاء قال: أنكر عثمان أن يكون كتب الكتاب أو أرسل ذلك الرسول، وقال: فعل ذلك دوني.
قال: أخبرنا قبيصة بن عقبة عن سفيان عن أبي إسحاق عن عمرو بن الأصم قال: كنت فيمن أرسلوا من جيش ذي خشب، قال فقالوا لنا سلوا أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، واجعلوا آخر من تسألون عليا، أنقدم؟ قال فسألناهم فقالوا: اقدموا إلا عليا، قال: لا آمركم فإن أبيتم فبيض فليفرخ.

(3/65)

ذكر ما قيل لعثمان في الخلع وما قال لهم
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: أخبرنا جرير بن حازم قال: أخبرني يعلى بن حكيم عن نافع قال: حدثني عبد الله بن عمر قال: قال لي عثمان وهو محصور في الدار: ما ترى فيما أشار بـه علي المغيرة بن الأخنس؟ قال قلت: ما أشار بـه عليك؟ قال: إن هؤلاء القوم يريدون خلعي فإن خلعت تركوني وإن لم أخلع قتلوني، قال قلت: أرأيت إن خلعت تترك مخلدا في الدنيا؟ قال: لا، قال: فهل يملكون الجنة والنار؟ قال: لا، قال فقلت: أرأيت إن لم تخلع هل يزيدون على قتلك؟ قال: لا، قلت: فلا أرى أن تسن هذه السنة في الإسلام كلما سخط قوم على أميرهم خلعوه، لا تخلع قميصا قمصكه الله.
قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل قال: أخبرنا عمر بن أبي خليفة قال: حدثتني أم يوسف بن ماهك عن أمـها قالت: كانوا يدخلون على عثمان وهو محصور فيقولون: انزع لنا، فيقول: لا أنزع سربالا سربلنيه الله ولكن أنزع عما تكرهون.
قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: أخبرنا طلحة بن زيد الجزري أو الشآمي عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم عن عبد الرحمن بن جبير قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لعثمان: إن الله كساك يوما سربالا فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه لظالم.
قال: أخبرنا أبو أسامة حماد بن أسامة عن إسماعيل بن أبي خالد قال: أخبرنا قيس قال: أخبرني أبو سهلة مولى عثمان قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في مرضه: وددت أن عندي بعض أصحابي، فقالت عائشة: فقلت يا رسول الله أدعو لك أبا بكر، فأسكت فعرفت أنـه لا يريده، قلت: أدعو لك عمر، فأسكت فعرفت أنـه لا يريده، قلت:

(3/66)

أدعو لك عليا، فأسكت فعرفت أنـه لا يريده، فقلت: فأدعو لك بن عفان، قال: نعم، فلما جاء أشار إلي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن تباعدي، فجاء عثمان فجلس إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فجعل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول له، ولون عثمان يتغير، قال قيس فأخبرني أبو سهلة قال: لما كان يوم الدار قيل لعثمان ألا تقاتل؟ فقال: إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عهد إلي عهدا وإني صابر عليه، قال أبو سهلة فيرون أنـه ذلك اليوم.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم وسليمان بن حرب قالا: أخبرنا حماد بن زيد، أخبرنا يحيى بن سعيد عن أبي أمامة بن سهل قال: كنت مع عثمان في الدار وهو محصور، قال وكنا ندخل مدخلا إذا دخلناه سمعنا كلام من على البلاط، قال فدخل عثمان يوما لحاجة فخرج منتقعا لونـه فقال: إنـهم ليتوعدونني بالقتل آنفا، قال قلنا: يكفيكهم الله يا أمير المؤمنين، قال: ولم يقتلونني وقد سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول لا يحل دم امرئ مسلم إلا في إحدى ثلاث: رجل كفر بعد إيمانـه أو زنى بعد إحصانـه أو قتل نفسا بغير نفس، فو الله ما زنيت في جاهلية ولا في إسلام قط، ولا تمنيت أن لي بديني بدلا منذ هداني الله، ولا قتلت نفسا، ففيم يقتلونني؟
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي قال: أخبرنا حفص بن أبي بكر قال: أخبرنا هياج بن سريع عن مجاهد قال: أشرف عثمان على الذين حاصروه فقال: يا قوم لا تقتلوني فإني وال وأخ مسلم، فو الله إن أردت إلا الإصلاح ما استطعت أصبت أو أخطأت، وإنكم إن تقتلوني لا تصلوا جميعا أبدا ولا تغفروا جميعا أبدا ولا يقسم فيؤكم بينكم، قال فلما أبوا قال: أنشدكم الله هل دعوتم عند وفاة أمير المؤمنين بما دعوتم به، وأمركم جميعا لم يتفرق وأنتم أهل دينـه وحقه فتقولون إن الله لم يجب

(3/67)

دعوتكم أم تقولون هان الدين على الله، أم تقولون إني أخذت هذا الأمر بالسيف والغلبة ولم آخذه عن مشورة من المسلمين، أم تقولون إن الله لم يعلم من أول أمري شيئا لم يعلم من آخره؟ فلما أبوا قال: اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تبق منـهم أحدا. قال مجاهد فقتل الله منـهم من قتل في الفتنة، وبعث يزيد إلى أهل المدينة عشرين ألفا فأباحوا المدينة ثلاثا يصنعون ما شاؤوا لمداهنتهم.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عمرو بن عبد الله بن عنبسة بن عمرو بن عثمان قال: حدثني محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان عن بن لبيبة أن عثمان بن عفان لما حصر أشرف عليهم من كوة في الطمار فقال: أفيكم طلحة؟ قالوا: نعم، قال: أنشدك الله هل تعلم أنـه لما آخى رسول الله بين المـهاجرين والأنصار آخى بيني وبين نفسه؟ فقال طلحة: اللهم نعم، فقيل لطلحة في ذلك فقال: نشدني، وأمر رأيته ألا أشـهد به؟
قال: أخبرنا محمد بن يزيد الواسطي ويزيد بن هارون قالا: أخبرنا العوام بن حوشب عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي جعفر محمد بن علي قال: بعث عثمان إلى علي يدعوه وهو محصور في الدار فأدار أن يأتيه، فتعلقوا بـه ومنعوه، قال فحل عمامة سوداء على رأسه وقال هذا أو قال: اللهم لا أرضى قتله ولا آمر به، والله لا أرضى قتله ولا آمر به.
قال: أخبرنا كثير بن هشام عن جعفر بن برقان قال: حدثني راشد بن كسيان أبو فزارة العبسي أن عثمان بعث إلى علي وهو محضور في الدار أن ائتي، فقام علي ليأتيه، فقام بعض أهل علي حتى حبسه وقال: ألا ترى إلى ما بين يديك من الكتائب؟ لا تخلص إليه، وعلى علي عمامة سوداء فنقضها على رأسه ثم رمى بها إلى رسول عثمان وقال: أخبره بالذي قد رأيت. ثم خرج علي من المسجد حتى انتهى إلى أحجار الزيت في

(3/68)

سوق المدينة فأتاه قتله فقال: اللهم إني أبرأ إليك من دمـه أن أكون قتلت أو مالأت على قتله.
قال: أخبرنا كثير بن هشام قال: أخبرنا جعفر بن برقان قال: أخبرنا ميمون بن مـهران قال: لما حوصر عثمان بن عفان في الدار بعث رجلا فقال: سل وانظر ما يقول الناس، قال: سمعت بعضهم يقول قد حل دمـه، فقال عثمان: ما يحل دم امرئ مسلم إلا رجل كفر بعد إيمانـه أو زنى بعد إحصانـه أو قتل رجلا فقتل به، قال وأحسبه قال هو أو غيره: أو سعى في الأرض فسادا.
قال: أخبرنا روح بن عبادة قال: أخبرنا سعيد بن أبي عروبة عن يعلى بن حكيم عن نافع عن بن عمر قال: لما أرادوا أن يقتلوا عثمان أشرف عليهم فقال: علام تقتلونني؟ فإني سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول لا يحل قتل رجل إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامـه فإنـه يقتل، ورجل زنى بعد إحصانـه فإنـه يرجم، ورجل قتل رجلا متعمدا فإنـه يقتل.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا محمد بن عمر،و عن أبيه عن علقمة بن وقاص قال: قال عمرو بن العاص لعثمان وهو على المنبر: يا عثمان إنك قد ركبت بهذه الأمة نـهابير من الأمر فتب وليتوبوا معك، قال فحول وجهه إلى القبلة فرفع يديه فقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك؛ ورفع الناس أيديهم.
قال: أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي من بني عامر بن لؤي قال: أخبرنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن عمرو بن العاص أنـه قال لعثمان: إنك ركبت بنا نـهابير وركبناها معك، فتب يتب الناس معك، فرفع عثمان يديه فقال: اللهم إني أتوب إليك.
قال: أخبرنا شبابة بن سوار الفزاري قال: وحدثني إبراهيم بن

(3/69)

سعد عن أبيه عن جده قال: سمعت عثمان بن عفان يقول: إن وجدتم في كتاب الله أن تضعوا رجلي في قيود فضعوهما.
قال: أخبرنا عبد الله بن إدريس قال: أخبرنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين قال: جاء زيد بن ثابت إلى عثمان فقال: هذه الأنصار بالباب يقولون إن شئت كنا أنصارا لله مرتين، قال فقال عثمان: أما القتال فلا.
قال: أخبرنا عبد الله بن إدريس قال: أخبرنا يحيى بن سعيد عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: قال عثمان يوم الدار: إن أعظمكم عني غناء رجل كف يده وسلاحه.
قال: أخبرنا أبو معاوية الضرير قال: أخبرنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: دخلت على عثمان يوم الدار فقلت يا أمير المؤمنين طاب أم ضرب؟ فقال: يا أبا هريرة أيسرك أن تقتل الناس جميعا وإياي؟ قال: قلت لا، قال: فإنك والله إن قتلت رجلا واحدا فكأنما قتل الناس جميعا، قال: فرجعت ولم أقاتل.
قال: أخبرنا أبو أسامة حماد بن أسامة قال: أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير قال: قلت لعثمان يوم الدار: قاتلهم فو الله لقد أحل الله لك قتالهم. فقال: لا والله لا أقاتلهم أبدا. قال فدخلوا عليه وهو صائم، قال وقد كان عثمان أمر عبد الله بن الزبير على الدار وقال عثمان: من كانت لي عليه طاعة فليطع عبد الله بن الزبير.
قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي بن علية عن أيوب عن بن أبي ملكية عن عبد الله بن الزبير قال: قلت لعثمان يا أمير المؤمنين إن معك في الدار عصابة مستنصرة بنصر الله بأقل منـهم لعثمان فأذن لي فلأقاتل، فقال: أنشدك الله رجلا، أو قال: أذكر بالله رجلا أهراق في دمـه، أو قال: أهراق في دما.

(3/70)

 




[الموسوعة الشاملة - الطبقات الكبرى لابن سعد قبر عمر سعد]

نویسنده و منبع | تاریخ انتشار: Fri, 10 Aug 2018 20:59:00 +0000



ولما قسمت نهم

الموسوعة الشاملة - جمـهرة اللغة

الموسوعة الشاملة - جمـهرة اللغة

صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

 


الكتاب : ولما قسمت نهم جمـهرة اللغة
المؤلف : ابن دريد
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

ذ - ر - ي
ذري رأس الرجل، ولما قسمت نهم إذا صار في شعره بياض، يذرى ذريا، وأصله الهمز؛ يقال: ذرئ يذرأ رأسه ذرءا. ولما قسمت نهم قال الراجز:
وقد علتني ذرأة بادي بدي
ورثية تنـهض في تشددي
وكبش أذرى، إذا خالط سواد صوفه بياض، وقد همزه قوم فقالوا: كبش أذرأ ونعجة ذرآء. ولما قسمت نهم وملح ذرآني: شديد البياض، يهمز ولا يهمز. وذئر الرجل، إذا ساء خلقه. وفي الحديث: " فذئر النساء على أزواجهن " ؛ ومنـه اشتقاق ناقة مذائر، تزبن فصيلها تدفعه ولا ترأمـه. قال بشر بن أبي خازم:
ولقد أتاني عن تميم أنـهم ... ذئروا لقتلى عامر وتغضبوا
والذئار: بعر يشد على أخلاف الناقة لئلا يرضعها الفصيل. قال عمر بن لجأ:
ترى الإفال في الذئار المحكم
وللذال والراء والياء مواضع في الاعتلال تراها إن شاء الله.
باب الذال والزاي
أهملتا
مع ما بعدهما من الحروف.
باب الذال والسين
أهملتا
مع ما بعدهما من الحروف.
باب الذال والشين
أهملت إلا في أحرف منـها: شمذت الناقة بذنبها، إذا أشالته عند اللقاح، الواحد شامذ وشماذ. قال الشاعر:
شامذا تتقي المبس عن المر ... ية كرها بالصرف ذي الطلاء
الصرف: الدم الخالص؛ والطلاء: الدم الشديد الحمرة أيضا. والشعوذة زعم الخليل أنـها عربية، ولا أدري ما صحتها.
باب الذال والصاد
أهملتا مع ما بعدهما من الحروف.
باب الذال والضاد
أهملتا مع ما بعدهما من الحروف.
باب الذال والطاء
مع ما بعدهما من الحروف
ذ - ط - ظ
أهملت.
ذ - ط - ع
ذعطه يذعطه ذعطا، إذا قتله قتلا وحيا، أي سريعا. قال الشاعر:
إذا وردوا مصرهم عوجلوا ... من الموت بالهميغ الذاعط
قال أبو بكر: كان الخليل يقول الهميع بالعين غير معجمة، وذكر أن الهاء والغين المعجمة والميم لم تجتمع في كلمة، وخالفه جميع أصحابنا. قال أبو حاتم: أحسب أن الهميغ مقلوب الميم من باء من قولهم: هبغ الرجل هبوغا، إذا سبت للنوم، فكأنـها هبيغ فقلبت ميما لقربها منـها.
ذ - ط - غ
أهملت وكذلك حالهما مع الفاء.
ذ - ط - ق
ذقط الطائر، إذا سفد.
ذ - ط - ك
أهملت وكذلك حالهما مع سائر الحروف.
باب الذال والظاء
أهملتا مع ما بعدهما من الحروف.
باب الذال والعين
مع ما بعدهما من الحروف
ذ - ع - غ
أهملت.
ذ - ع - ف
الذعف والذعاف: السم. وأذعف الرجل الرجل، إذا قتله قتلا سريعا. والعذف فعل ممات؛ يقال منـه: ما له عذوف يوم، أي قوت يوم؛ وما أكلت عذوفا، أي ما أكلت شيئا. والعذوف والعزوف واحد؛ يقال: عذفت نفسي وعزفت عن كذا وكذا.
ذ - ع - ق
الذعق: لغة في الزعق؛ ذعقه وزعقه، إذا صاح بـه وأفزعه. وماء ذعاق وزعاق بمعنى. والعذق؛ بفتح العين: النخلة. والعذق، بكسرها: الكباسة. وعذقت الكبش وأعذقته عذقا وإعذاقا، إذا علمت على ظهره بصوفة من غير لونـه أو حمرة، والكبش معذق ومعذوق. وأعذقت فلانا بشر، إذا ألزمته إياه. والعذق: موضع. قال رؤبة:
للعد إذ أخلفها ماء الطر
بين القريتين وخبراء العذق
والقذع: الكلام القبيح؛ قذعت الرجل وأقذعته، إذا أسمعته كلاما قبيحا، وأقذعت له - وأقذعته أعلى - وقذعته.
ذ - ع - ك
أهملت.
ذ - ع - ل
عذلت الرجل عذلا وعذلا، إذا لمته. ومعتذلات سهيل: أيام شديدة الحر باردة الليل، وقد مضى شرحها في أول الكتاب. والعاذل: العرق الذي يخرج منـه دم الحيض، وربما سمي عاذرا. ولذعته النار لذعا، إذا لفحته؛ وكذلك لذع الحب قلبه، إذا آلمـه.
ذ - ع - م
العذم: العض؛ عذمـه يعذمـه عذما، إذا عضه، والعذام: شجرة من شجر الحمض. ورجل مذاع، إذا كان لا يكتم سرا.
ذ - ع - ن
أذعن الرجل يذعن إذعانا فهو مذعن، إذا انقاد قسرا. وناقة مذعان: منقادة لا تنازع.
ذ - ع - و

(1/377)

عذت بالشيء أعوذ عوذا وعياذا، إذا لجأت إليه. وقد سمت العرب عوذا وعياذا ومعوذا ومعاذا وعائذة، وكل هذا اشتقاقه من العوذ. وقال عبد الرحمن عن الأصمعي قال: تقول العرب: أطيب اللحم عوذه، أي ما عاذ بالعظم منـه. وبنو عوذى: بطن من العرب من قضاعة. قال الشاعر:
ساق الرفيدات من عوذى ومن عمم ... والسبي من رهط ربعي وحجار
وبنو عوذ من الأزد. وبنو عائذة من بني ضبة. ويقال: عوذ فلان فلانا، إذا رقاه كأنـه ألجأه الى الرقية التي يعوذ بها من الشر ومما يخاف. وناقة عائذ، أي يعوذ بها ولدها، فجعلها عائذا وهي معوذ بها، أي يطيف بها، وهذا مقلوب. وعائذة قريش: ناقلة في بني شيبان.
ذ - ع - ه
أهملت.
ذ - ع - ي
ذاع الحديث يذيع ذيعا وذيعانا، إذا فشا؛ ومنـه قولهم: رجل مذياع، إذا كان لا يكتم شيئا، وكذلك مذياع، إذا كان مبذرا.
باب الذال والغين
مع ما بعدهما من الحروف
ذ - غ - ف
الغذوف والعذوف واحد، وهو ما يتقوته الإنسان أو الدابة.
ذ - غ - ق
أهملت وكذلك حالهما مع الكاف واللام إلا في قولهم: رجل أذلغ وأذلغي، إذا كان قصيرا غليظ الشفتين. وبنو الأذلغ: بطن من العرب.
ذ - غ - م
الغذم من قولهم: ما سمعت له غذمة، أي ما سمعت له كلمة. والغذمة مثل الغثمة، وهي غبرة فيها كدرة. ويقال: تغذم البعير بالزبد، إذا تلمظ بـه وألقاه من فيه. ويقال: ألق في غذيمة فلان ما شئت، أي في رحب صدره. وقال يونس: الغذام ضرب من النبت.
ذ - غ - ن
أهملت. قال أبو حاتم: الغانذ والعانذ: الحلق ومخرج الصوت.
ذ - غ - و
الغذو: مصدر غذاه يغذوه غذوا، والاسم الغذاء.
ذ - غ - ه
أهملت.
ذ - غ - ي
مواضعها كثيرة في الاعتلال تراها إن شاء الله تعالى.
باب الذال والفاء
مع ما بعدهما من الحروف
ذ - ف - ق
منزل قذف وقذيب، أي بعيد. وقذفت الشيء من يدي قذفا، إذا ألقيته. وأقذاف الجبل: نواحيه، الواحد قذف، والأقذاف أيضا: أطراف الجبل. وقذف الرجل، إذا قاء. وكل شيء رميت بـه من يدك فقد قذفته قذفا. وروض القذاف: موضع. وقذف الرجل الرجل، إذا شتمـه. والقاذف: الرامي؛ والقذيفة: الرمية؛ يقال: هذه قذيفة فلان للشيء الذي يلقيه. قال الشاعر:
قذيفة شيطان رجيم رمى بها ... فصارت ضواة في لهازم ضرزم
الضواة: السلعة؛ والضرزم: الناقة المسنة.
ذ - ف - ك
أهملت.
ذ - ف - ل
الذفل، قالوا: القطران، وقال قوم: بل هو الدفل، بالدال غير معجمة، ولا أدري ما صحته. والذلف: صغر الأنف؛ رجل أذلف وامرأة ذلفاء من قوم ذلف. قال أبو النجم:
للشم عندي بهجة ومزية ... وأحب بعض ملاحة الذلفاء
يريد أن الملاح أكثرهن ذلف. قال أبو بكر: إذا كان الأنف صغيرا في دقة قيل: أنف أذلف. وفي حديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " إنكم لتقاتلن قوما يعالهم الشعر صغار العيون ذلف الأنوف كأن وجوههم المجان المطرقة " ، يعني التراس التي قد طورق بعضها على بعض. والفلذ: قطعة من الكبد أو اللحم المشتوى. قال أعشى باهلة:
تكفيه حزة فلذ إن ألم بها ... من الشواء ويروي شربه الغمر
ويروى: فلذة كبد؛ والغمر: القدح الصغير، وهو مأخوذ من قولهم: تغمرت، إذا شربت دون الري. وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر: " هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها " ، يعني رجال قريش. وفلذت له فلذا وفلذة من مالي، إذا أعطيته قطعة منـه.
ذ - ف - م
أهملت.
ذ - ف - ن
نفذ الشيء ينفذ نفوذا ونفاذا من قولهم: نفذ أمره. ورجل ذو نفاذ: بصير بالأمور ولاج فيها.
ذ - ف - و
وذف الإناء يذف وذفا، إذا قطر أو سال من جوانبه، ويقال: ودف، بالدال غير معجمة وهو أعلى. وقالوا: الوذفة: الروضة؛ وقال قوم: الوذفة: روضة بعينـها، وليس كل روضة وذفة. ووذفة: موضع بلا ألف ولام.
ذ - ف - ه
أهملت.
ذ - ف - ي

(1/378)

الذيفان: السم، وربما قالوا: الذيفان، بفتح الياء والذال، وربما قالوا الذوفان، وكله السم.
باب الذال والقاف
مع ما بعدهما من الحروف
ذ - ق - ك
أهملت.
ذ - ق - ل
ذلق كل شيء: حده. قال امرؤ القيس:
فكاب على حر الجبين ومتق ... بمدراته كأنـها ذلق مشعب
ويروى: بمذرية، والمذرية: المحددة، وإنما أراد قرن هذا الثور، ويروى: بمذروية. والمشعب: المخرز. ولسان ذلق طلق، وذليق طليق، وذلق طلق. والحروف الذلق: حروف طرف اللسان، وقد مر شرحها في أول الكتاب. وأذلقت الضب، إذا صببت في جحره الماء حتى يخرج. والقذل: أصل بناء القذال، وللإنسان قذالان، وهما ما اكتنف فأس القفا من عن يمين وشمال. وقذلت الرجل، إذا ضربت قذاله. وقذل الحجام الرجل، إذا حجم قذاله، وربما سمي الحجام فاذلا لأنـه يشرط ما تحت القذال.
ذ - ق - م
الذقم والقذم واحد، وهو الأخذ الكثير مثل القثم سواء؛ يقال: قذم له قذمة من ماله، أي أعطاه شيئا كثيرا. ورجل قذم: كثير الأخذ لما وجد. والمذق: خلطك الشيء بالشيء، وأصله مزج اللبن؛ يقال: مذقت اللبن بالماء أمذقه مذقا، فهو مذيق وممذوق، وكثر ذلك حتى قالوا: مذق له المودة، إذا لم يصفها له. والمذقة: الشربة من اللبن المذيق.
ذ - ق - ن
الذقن: مجتمع صبيي اللحيين، والجمع أذقان. وناقة ذقون، وهي التي يرجف ذقنـها في سيرها. وتقول العرب " لألصقن حواقنـه بذواقنـه " ، أي أعلاه بأسفله، فاختلفوا في الحواقن فقال قوم: الحواقن ما تحت السرة مما يلي العانة؛ وقال آخرون: الحواقن التراقي من الإنسان؛ وقال غيرهم: الحاقنتان القلتان تحت الترقوتين من عن يمين وشمال؛ وقال قوم: الذواقن ما حول الذقن؛ وقال آخرون: الذواقن ما انحط عن الترقوتين عن يمين وشمال. وذقان: جبل معروف. والنقذ: مصدر نقذ ينقذ نقذا، وقالوا ينقذ بكسر القاف، إذا نجا؛ وأنقذته أنا إنقاذا، إذا أنجيته. وكل شيء استرجعته من عدوك من بعير أو فرس فهو نقيذ، والجمع نقائذ. ونقذة، زعموا: موضع معروف.
ذ - ق - و
الذوق: مصدر ذقت الشيء أذوقه ذوقا، فهو مذوق وأنا ذائق. ويقال: ما ذقت ذواقا، أي ما تطعمت شيئا، وكثر ذلك حتى قالوا: فلان حسن الذوق للشعر، إذا كان مطبوعا عليه. والوقذ: مصدر وقذه وقذا، إذا آلمـه ضربا، فهو وقيذ وموقوذ.
ذ - ق - ه
القذة: قذة السهم، قد مر تفسيرها في الثنائي.
ذ - ق - ي
مواضعها في الاعتلال كثيرة.
باب الذال والكاف
مع ما بعدهما من الحروف
ذ - ك - ل
أهملت وكذلك حالهما مع الميم والنون.
ذ - ك - و
الذكوة والذكا، مقصور: الجمرة المتلظية، والجمع الذكو، واشتقاقه من ذكا النار وذكوها، وذكا النار مقصور، وذكاء السن ممدود، ومنـه اشتقاق اسم ذكوان. وأنشد في ذكا النار، مقصور:
وعارضها يوم كأن أواره ... ذكا النار من فيح الفروغ طويل
وذكا، ممدود غير مصروف: اسم للشمس. وابن ذكاء: الصبح. وذكوان: اسم، الألف والنون فيه زائدتان. وفرس مذك، وهو إذا تم سنـه. قال الراجز:
جربة كحمر الأبك
لا ضرع فيها ولا مذكي
ذ - ك - ه
أهملت وكذلك حالهما مع الياء.
باب الذال واللام
مع ما بعدهما من الحروف
ذ - ل - م
لذم بالمكان وألذم به، إذا أقام به. وألذم فلان بفلان، إذا لم يفارقه. ورجل لذمة: لا يفارق البيت. وكلام للأعراب أن الأرنب قالت: اللهم اجعلني حذمة لذمة، أي سريعة العدو لازمة لموضعها لا تفارقه. وذملت الناقة ذميلا وذملانا، وهو ضرب من السير أعلى من العنق؛ وناقة ذمول. وقد سمت العرب ذاملا وذميلا. والمذل: الاسترخاء عن فترة؛ أصبح فلان مذلا ومذيلا. قال الراعي:
ما بال دفك في الفراس مذيلا ... أقذى بعينك أم أردت رحيلا

(1/379)

والحديد الذي يسمى بالفارسية النرم آهن يسمى المذيل. والمذل: الذي يجود بماله سخاء. قال الشاعر:
ولقد أروح الى التجار مرجلا ... مذلا بمالي لينا أجيادي
والمذل: الذي لا يكتم سره. والملذ: السرعة في الذهاب والمجيء. وذئب ملاذ، إذا كان سريعا، والمصدر الملذان. ورجل ملاذ: كذاب.
ذ - ل - ن
رجل نذل بين النذالة والنذولة؛ وهو رجل نذل ونذيل، إذا كان خسيسا. قال الشاعر:
منيبا وقد أمسى يقدر وردها ... أقيدر محموز القطاع نذيل
ويروى: محموز الفؤاد؛ أقيدر: تصغير أقدر، وهو القصير العنق، يعني صائدا؛ ومحموز، أي حاد، من قولهم: حميز الفؤاد، أي حاده، وبه سمي الرجل حمزة؛ والحمز: الشدة؛ والقطاع: جمع قطع، وهو نصل قصير عريض.
ذ - ل - و
لاذ بالشيء يلوذ لوذا ولواذا ولواذا، إذا أطاف به، وألاذ يليذ إلاذة، ولاوذ يلاوذ ملاوذة ولواذا. ولوذ الوادي: منقطعه، وكذلك لوذ الجبل، والجمع ألواذ. والوذل فعل ممات، ومنـه الوذيلة، وهي السبيكة من الفضة خاصة، وقال قوم: بل من الفضة والذهب. قال أبو كبير الهذلي:
وبياض وجه لم تحل أسراره ... مثل الوذيلة أو كشنف الأنضر
الأنضر والنضار: الذهب، فكأنـه أراد الذهب بعينـه إذا فتح. والوذيلة: القطعة المستطيلة من سديف السنام. قال الراجز:
هل في دجوب الحرة المخيط
وذيلة تشفي من الأطيط الذجوب هاهنا: وعاء شبيه بالغرارة؛ والوذيلة هاهنا: قطعة من السنام مستطيلة؛ والأطيط هاهنا: أن تئط الأمعاء من الجوع؛ وجمع وذيلة وذائل. والولذ: مصدر ولذ يلذ ولذا، وهو والذ وولاذ، وهي سرعة في المشي والحركة؛ رجل ولاذ وملاذ، والمعنيان متقاربان.
ذ - ل - ه
ذهل عن الشيء يذهل ذهلا، وذهل أيضا يذهل، إذا سلا عنـه ونسيه، فهو ذاهل. ويمكن أن يكون منـه اشتقاق ذهل، وقال قوم: بل اشتقاق ذهل من قولهم: مر ذهل من الليل وذهل من الليل، أي قطعة عظيمة نحو الثلث أو النصف، ولم يجئ بـه غير أبي مالك، وما أدري ما صحته. وقد سمت العرب ذهلا وذهيلا وذهلان وذاهلا، وهو أبو قبيلة من العرب. والذهلان: حيان بن ربيعة. والذاهل عن الشيء: السالي عنـه الناسي له. والهذل: الاضطراب، وقد أميت هذا الفعل، وأصله: هذل يهذل هذلا وهذلانا، ومنـه اشتقاق هذيل وهو اسم أبي قبيلة من العرب. والهوذلة: الاضطراب، الواو زائدة، ومن هذا أصله. قال الراجز:
إذ لا يزال قائل أبن أبن
هوذلة المشآة عن ضرس اللبن
الشعر لابن ميادة، قال: كان يحفر فأضجره قولهم أبن؛ المشآة؛ زبيل من أدم ينقل بـه الطين من الآبار إذا حفرت؛ واللبن أراد بـه الحجارة التي تطوى بها البئر فسماها لبنا تشبيها باللبن الذي يبنى به؛ والضرس: التضريس. ويقال: هوذل الرجل ببوله، إذا أخرجه يهتز.
ذ - ل - ي
الذيل: ذيل القميص، والجمع أذيال وذيول، ثم كثر ذلك حتى قالوا: ذيل الريح، يعنون غبارها الذي تسحبه على وجه الأرض. وفرس ذيال، إذا كان ذنوبا؛ وثور ذيال، إذا كان كذلك. فأما ذأل الذئب يذأل فستراه في الهمز. وفرس ذائل: طويل الذنب، وإن كان قصير الخلق؛ وذيال: طويلالذنب. وذيل الرجل: قميصه ورداؤه إذا سحبهما. والذويل: اليبيس. وذال الرجل ذيلا، إذا سحب ذيله، غير مـهموز، وكذلك المرأة، وكذلك الة إذا سحبت ذنبها على الأرض. وقد سمت العرب ذيالا. وبنو الذيال: بطن من العرب من بني سعد. وذؤالة: اسم من أسماء الذئب.
باب الذال والميم
مع ما بعدهما من الحروف
ذ - م - ن
أهملت.
ذ - م - و

(1/380)

الوذم: وذم الدلو، وهي سيور تشد بها أطراف العراقي، والجمع أوذام ووذام؛ وكل سير قددته مستطيلا فهو وذم، وكذلك اللحم والكرش وما أشبهه. وفي حديث علي رضي الله تعالى عنـه: لأنفضنكم نفض الجزار الوذام التربة؛ فقلبه قوم فقالوا: نفض الجزار التراب الوذمة. ووذمت الناقة توذيما، إذا عالجتها بنزل الثآليل الثابتة في حيائها المانعة لها من اللقاح. والوذم: قطعة من الأدم تجعل فيها قلادة للكلب.
ذ - م - ه
الذمـه، يقال: ذمـه الرجل يذمـه ذمـها، وهو شبيه بالحيرة. وذمـه يومنا، إذا اشتد حره؛ وربما قيل: ذمـه الرجل. وأذمـهته الشمس، بالذال والدال، إذا آلمت دماغه. والهذم: القطع؛ سيف هذام: قاطع، وشفرة هذامة، وقالوا: هذمة. قال الراجز:
ويل لبعران بني نعامـه
منك ومن شفرتك الهذامـه
ومنـه اشتقاق هيذام، وهو اسم. وسعد هذيم: أبو قبيلة من العرب.
ذ - م - ي
الذيم: العيب، وهو الذام أيضا. ومثل من أمثالهم: " لا تعدم الحسناء ذاما " ، أي عيبا. والمذي: الماء الذي يخرج عند الإنعاظ وليس بالذي يوجب الغسل، وربما قيل: المذي، مثقل الياء. والمذي: مخرج الماء من صنبور الحوض، والصنبور مثل البزال الذي يخرج منـه الماء، وكذلك صنبور الإداوة. والمذية: أم بعض شعراء العرب يعير بها. والماذي: السهل اللين، وبه سميت الدروع ماذية، وكذلك يسمى العسل ماذيا لاسترخائه ولينـه.
باب الذال والنون
وما بعدهما من الحروف
ذ - ن - و
أهملت.
ذ - ن - ه
الذهن: الفطنة، والجمع أذهان؛ ورجل ذهن: فطن. وربما سميت القوة ذهنا؛ يقال: ما بـه ذهن، أي ما بـه قوة.
ذ - ن - ي
أهملت.
باب الذال والواو
مع ما بعدهما من الحروف
ذ - و - ه
الهوذة: الة أو ضرب من الطيور، وبه سمي الرجل هوذة.
ذ - و - ي
ذوى العود يذوي ذيا وذويا، إذا ذبل. فأما ذوي يذوى فليس من كلامـهم، وقد همزه قوم فقالوا: ذأى العود، وأنشدوا بيت ذي الرمة:
أقامت بـه حتى ذأى العود والتوى ... وساق الثريا في ملاءته الفجر
وليس بالجيد، وهذا تراه في المعتل إن شاء الله تعالى.
باب الذال والهاء
مع ما بعدهما من الحروف
ذ - ه - ي
يقال: هذى الرجل يهذي هذيا وهذيانا، وهذا مستقصى في المعتل تراه إن شاء الله تعالى.
انقضى حرف الذال والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وسلم.
حرف الراء في الثلاثي الصحيح
باب الراء والزاي
مع ما بعدهما من الحروف
ر - ز - س
أهملت.
ر - ز - ش
شزره ببصره يشزره ويشزره شزرا، إذا نظر إليه بمؤخر عينـه. وطعنـه شزرا، إذا طعنـه من عن يمين وشمال. قال رؤبة:
نقفا على الهام وطعنا شزرا
والشزر: الفتل الشديد. قال الراجز:
أمره يسرا فإن أعيا اليسر
والتاث إلا مرة الشزر شزر
والمشازرة: المضايقة. وشيزر: موضع، ولا أحسبه عربيا صحيحا. قال امرؤ القيس:
تقطع أسباب اللبانة والهوى ... عشية جاوزنا حماة وشيزرا
والشرز: الشدة في الأمر والصعوبة. قال رؤبة:
نسقي العدى غيظا طويل الجأز
يلقى معاديهم عذاب الشرز
ر - ز - ص
أهملت وكذلك حالهما مع الضاد والطاء، إلا في قولهم: الضرز، وهو العسر.
ر - ز - ط
الطرز والطراز فارسي معرب، وقد تكلمت بـه العرب قديما. قال حسان:
بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شم الأنوف من الطراز الأول
وتقول العرب: طرز فلان طرز حسن، أي زيه وهيئته. واستعمل ذلك في جيد كل شيء؛ قال رؤبة:
فاخترت من جيد كل طرز
جيدة القد جياد الخرز
ر - ز - ظ
أهملت.
ر - ز - ع

(1/381)

الزعر: قلة الشعر في الرأس واللحية وقلة الريش في الطائر؛ رجل أزعر وامرأة زعراء، وظليم أزعر ونعامة زعراء. ورجل في خلقه زعارة، أي شدة. ويقال في قلة الشعر: زعر يزعر زعرا وازعر ازعرارا، فأما من سوء الخلق فلا يقال إلا ازعار وازعر. والزعرور: ثمر شجر، عربي معروف. وزعران: اسم رجل. وقد سمت العرب زعورا، وهو أبو بطن منـهم. والرعز: يكنى بـه عن النكاح؛ لغة مرغوب عنـها لمـهرة بن حيدان؛ بات يرعزها رعزا. والزرع: كل ما زرعته من نبت أو بقل؛ زرعت أزرع زرعا، ثم كثر ذلك حتى قالوا: زرع الله الصبي، أي أنماه. ويقال: هؤلاء زرع فلان، أي ولده. والمزرعة والمزرعة: موضع الزرع، لغتان فصيحتان، والجمع مزارع. فأما الزريعة فربما سمي الشيء المزروع زريعة، كأنـها فعيلة في معنى مفعولة. ويقال: زراع، في معنى زارع. قال الشاعر:
ذريني لك الويلات آتي الغوانيا ... متى كنت زراعا أسوق السوانيا
وقد سمت العرب زرعة وزريا وزرعان. والعزر من قولهم: عزرته أعزره عزرا، إذا منعته عن الشيء، وبه سمي الرجل عزرة. وعزرت الرجل تعزيرا، إذا فخمت أمره وأكرمته، ومنـه قوله عز وجل: " وتعزروه وتوقروه " . والتعزير: ضرب دون الحد؛ هكذا يقول بعض أهل اللغة. والعيزار: ضرب من الشجر، الواحدة عيزارة. وقد سمت العرب عازرا وعيزارة وعزران. فأما عزير فاسم عبراني وافق لفظه العربية، وكذلك عيزار بن هارون بن عمران. والعرز: اشتداد الشيء وغلظه، وربما قيل: استعرز الشيء، إذا تقبض كما تستعرز الجلدة في النار، إذا تقبضت. واستعرز النبت، إذا اشتد وصلب. وعرز لحم الدابة واستعرز كذلك. وعرزت الشيء أعرزه عرزا، إذا انتزعته انتزاعا عنيفا. قال الشماخ:
وكل خليل غير هاضم نفسه ... لوصل خليل صارم أو معارز
ر - ز - غ
الرزغة مثل الردغة سواء، وهو الطين القليل من مطر أو غيره؛ أرزغ المطر الأرض وأردغها بمعنى. وأنشد لطرفة:
وأنت على الأقصى صبا غير قرة ... تذاءب منـها مزرغ ومسيل
ويروى: مرزع ومسيل. وأرزغ فلان في عرض فلان يرزغ إرزاغا، إذا طعن فيه؛ عن أبي حاتم عن أبي زيد. والزغر فعل ممات، وهو اغتصابك الشيء، زعموا؛ زغرت الشيء أزغره زغرا. وزغر: اسم رجل، وأحسبه أبا قوم من العرب. وعين زغر: موضع بالشام، وزعم ابن الكلبي أن زغر امرأة نسبت إليها هذه العين، فأما قول أبي دواد:
ككنانة الزغري غ ... شاها من الذهب الدلامص
فلا أدري الى ما نسبت؛ والدلامص: البراق، وهو واحد. والغرز: ركاب الرحل. قال الشاعر:
تصغي إذا شدها في الكور جانحة ... حتى إذا ما استوى في غرزها تثب
وغرزت رجلي في الغرز واغترزت، إذا ركبت؛ وكل شيء سمرته في شيء فقد غرزته فيه. وغرزت الناقة، وغيرها، إذا قل لبنـها، وأكثر ما يستعمل ذلك في الإبل خاصة والآتن. قال الشماخ:
كأني ورحلي فوق جأب مطرد ... من الحقب لاحته الجداد الغوارز
وغرزت الجرادة، إذا أدخلت ذنبها في الأرض لتبيض. والغريزة: الطبيعة، والجمع غرائز؛ فلان كريم الغريزة والطبيعة والنحيتة والنحيرة والخليقة والسليقة، كل ذلك واحد. وماء غزير من مياه غزار وغزر، أي كثير، ثم كثر ذلك حتى قيل: شاة غزيرة كثيرة اللبن، ورجل غزير العلم بين الغزارة. وغزران: موضع. وغزر البحر غزارة، إذا كثر ماؤه.
ر - ز - ف
الزفر: الحمل على الظهر خاصة، والجمع أزفار. قال الشاعر:
طوال أنضية الأعناق لم يجدوا ... ريح الإماء إذا راحت بأزفار
ويقال: جاد ما ازدفر بحمله، إذا أطاقه ونـهض به. وبه سمي الرجل زفر لأنـه يزدفر بالأمور، أي يطيقها. قال الشاعر:
أخو رغائب يعطيها ويسألها ... يأبى الظلامة منـه النوفل الزفر

(1/382)

النوفل: الكثير النوافل. والزفر: مصدر زفر يزفر زفرا وزفيرا، إذا ردد النفس في جوفه حتى تنتفخ ضلوعه. قال النابغة الجعدي:
خيط على زفرة فتم ولم ... يرجع الى دقة ولا هضم
يصف فرسا، يقول: كأنـه زفر ثم خيط على زفرته فهو منتفج الجنبين. وزافرة الرجل: عشيرته وبنو أبيه. وزفرة الفرس: وسطه. وزفرت النار، إذا سمعت لها صوتا في توقدها. والزرف: الزيادة على الشيء؛ زرف الرجل في حديث، إذا زاد فيه. قال الأصمعي: كان يقال إن ابن الكلبي يزرف في حديثه، أي يزيد فيه. والزرافة: الجماعة من الناس، والجمع الزرافات. وقال الحجاج على منبر الكوفة: إياي وهذه الزرافات فإني لا أرى رجلا تطيف بـه زرافة إلا استحللت دمـه وماله. والزرافة، بضم الزاي: دابة، ولا أدري أعربية صحيحة أم لا، وأكثر ظني أنـها عربية لأن أهل اليمن يعرفونـها من ناحية الحبشة. وقال أبو مالك: الزرافات: المنازف التي ينزف بها الماء للزرع وما أشبهه. وأنشد:
يبيت وذا الأهداب يعوي ودونـه ... من الشام زرافاتها وقصورها
والفرز: فرزك الشيء عن الشيء، إذا فرقته؛ فرزته أفرزه فرزا فهو مفروز، إذا فرقته، والقطعة منـه فرزة بكسر الفاء، فإذا لم تدخل الهاء قلت: فرز، والجمع أفراز وفروز. والفرز: القطعة من المغزى خاصة. وكان سعد بن زيد مناة يسمى الفزر لحديث كان له. قال الحنفي:
وإن أبانا كان حل ببلدة ... سوى بين قيس قيس عيلان والفزر
سوى: أي مستو عدل. وتقول العرب: " لا أفعله أو تجتمع معزى الفزر " ، وله حديث. سئل أبو بكر عن مناه، بالهاء أم بالتاء، فأنشد:
ألا هل أتى التيم بن زيد مناتهم ... على الشنء فيما بيننا، ابن تميم
بمصرعنا النعمان يوم تألبت ... تميم علينا من شظى وصميم
تزود منا بين أذناه ضربة ... دعته الى هابي التراب عقيم
قوله: بين أذناه، على لغته لأنـهم يقولون: رأيت الرجلان ومررت بالرجلان. وفزرت الشيء أفزره فزرا، إذا صدعته مثل الثوب وما أشبهه، وانفزر الشيء انفزارا. ورجل أفزر وامرأة فزراء، وهو الذي يتطأمن ظهره وكذلك الفرس. ومنـه اشتقاق فزارة، وقال قوم: الفزارة أنثى هذا السبع الذي يسمى الببر. والفازر: ضرب من النمل فيه حمرة؛ قال الأصمعي: قيل لفلان: قد نسبت الجن والإنس فهل نسبت الذر؟ فقال: نعم، للنمل جدان: عقفان والفازر، فالفازر جد للسودان، وعقفان جد الحمر. ويقال: طريق فازر، أي واسع؛ هكذا قال الخليل. وقد سمت العرب فزارة، وهو أبو حي من العرب، وفزرا وفزيرا. وبنو الأفزر: بطن من العرب. ويقال للأنثى من النمور: فزارة، ولا أدري ما صحة ذلك.
ر - ز - ق
الرزق: معروف، رزق الله تعالى، والرزق المصدر، بفتح الراء. قال الراجز:
وبث في هذا الأنام رزقه
وقال أيضا:
سميت بالفاروق فافرق فرقه
وارزق عيال المسلمين رزقه
وكل من أجريت عليه جراية فقد رزقته رزقا. والله عز وجل الرازق والرزاق، وجمع الرزق أرزاق. والرزق: الشكر، لغة سروية. قال الشاعر:
مننت على رجال عمرو ... برازقي غير مرزوق
أي غير مشكور. ومنـه: " وتجعلون رزقكم " ، أي شكركم. وقد سمت العرب رزيقا ومرزوقا. والرزق: زرق العين، وهو خضرة الحدقة؛ رجل أزرق وامرأة زرقاء، وكذلك الفرس وكل ما زرقت عينـه من الدواب وغيرها، والباز أزرق. قال الشاعر:
لقد زرقت عيناك يا ابن مكعبر ... كما كل ضبي من اللؤم أزرق

(1/383)

وسميت الأسنة زرقا للونـها. وفي كتاب الله عز وجل: " ونحشر المجرمين يومئذ زرقا " . قال المفسرون: عميا لا يبصرون، والله أعلم. والزرق: الطعن؛ زرقه يزرقه زرقا. والمزراق: الرمح الصغير يزرق بـه الوحش وغيرها. والأزارقة: قوم من الخوارج ينسبون الى نافع بن الأزرق. والزرق: طائر من الجوارح. وقد سمت العرب زرقان وزريقا. وبنو زريق: بطن من العرب من الأنصار. وجمعوا أزرق زرقانا، كما جمعوا أدهم دهمانا وأحمر حمرانا. فأما زرقم صفة رجل فالميم زائدة، وستراه مجموعا في بابه إن شاء الله. والزقر لغة في الصقر تميمية، وقد روي عن صفية بنت عبد المطلب أنـها قالت لرجل:
كيف رأيت زبرا
أأقطا وتمرا
أم مشمعلا زقرا
تعني الزبير؛ المشمعل: الجاد في أمره الماضي فيه. والقرز: قرزك التراب وغيره بأطراف أصابعك نحو القبض. والقرز أيضا: الغلظ من الأرض، والأكمة.
ر - ز - ك
الركز: الحس والصوت. وفي التنزيل: " أو تسمع لهم ركزا " ، هكذا فسره أبو عبيدة، والله أعلم. والركاز: الكنز يوجد في فلاة أو في معدن. وفي حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم لوائل بن حجر: " وفي الركاز الخمس " . وركزت الرمح أركزه وأركزه ركزا، إذا أثبته في الأرض. ومراكز القوم: مواضعهم في ثغورهم؛ يقال: زال القوم عن مراكزهم. والزكرة: سقاء صغير. وتزكر بطن الجدي، إذا امتلأ، وزكري: اسم أعجمي فيه ثلاث لغات: زكري، وزكريا مقصور، وزكرياء ممدود. والكرز: الخرج الصغير يجعل فيه الراعي متاعه ثم يحمله على كبش من غنمـه، فذلك الكبش يسمى الكراز. وبه سمي الرجل كريزا، وهو تصغير كرز. وربما سمي الخرج الكبير كرزا. ومثل من أمثالهم: " رب شد في الكرز " . ولهذا حديث؛ قال ابن الكلبي: هذا حديث أعوج، وهو فرس لبني هلال بن عامر وأمـه سبل فرس كانت لبني آكل المرار ثم صارت الى بني كلاب. وقال مرة أخرى: فرس يقال له أعوج نتجته أمـه وتحمل أصحابه فحملوه في كرز فمروا بشيخ فقال: رب شد في الكرز، يعني عدوه. وقد سمت العرب كرزا وكريزا وكريزا وكارزا ومكرزا ومكرزا. والكرز من الطير: الذي قد أتى عليه حول، وهو فارسي معرب وقد تلكمت بـه العرب. قال الراجز:
لما رأتني راضيا بالإهماد
لا أتنحى قاعدا في القعاد
كالكرز المشدود بين الأوتاد
والكراز: القارورة، وتجمع كرزانا، ولا أدري أعجمي هو أم عربي، غير أنـهم قد تكلموا بها. ويقال: كارز الى المكان، إذا بادر إليه فاختبأ؛ هكذا يقول الخليل. وقال يونس أيضا: كارز الرجل الى المكان، إذا اختبأ فيه. وأنشد:
فلما رأين الماء قد حال دونـه ... ذعاف الى جنب الشريعة كارز
ر - ز - ل
أهملت.
ر - ز - م
رزمت الشيء أرزمـه رزما، إذا جمعته. والرزمة: الثياب المجتمعة وغيرها. ورزم الرجل يرزم رزما فهو رازم، إذا أضر بـه المرض أو الجوع فغيره. وبه سمي الرجل رزاما. وأرزمت الناقة ترزم إرزاما، إذا حنت. وأرزم الرعد، إذا سمعت له حنينا في السحاب. والمرزمان: نجمان من نجوم الأنواء، والجمع المرازم. ورازم الرجل بين طعامين، أي ضربين من خبز وتمر وما أشبه ذلك. قال الراعي:
كلي الحمض بعد المقحمين ورازمي ... الى قابل ثم اعذري بعد قابل
ويمكن أن يكون اشتقاق رزام من هذا. ومرزم الجوزاء اختلفوا فيه، فقال بعضهم: ليس للجوزاء مرزم، إنما هو مرزم السماك؛ ويقال: المرزمان مرزم الجوزاء ومرزم السماك. وسمعت رزمة السباع، أي هماهمـها على فرائسها. قال الشاعر:
تركوا عمران منجدلا ... للسباع حوله رزمـه
وبعير رازم، إذا برك فلم يبرح من مكانـه إعياء. ويقال: أسد رزم ورزام، إذا جثم على الفريسة وهمـهم عليها. قال الراجز:
أيا بني عبد مناة الرزام
أنتم حماة وأبوكم حام
لا تسلموني لا يحل إسلام

(1/384)

لا تعدوني نصركم بعد العام
والرزام من الرجال: الصعب المتشدد. وفلان يأكل رزمة، مثل الوجبة. والرمز: الإيحاء والإيماء؛ رمز يرمز رمزا؛ وفي التنزيل: " إلا رمزا " ، أي إشارة، والله أعلم. وترمز القوم، إذا تحركوا في مجالسهم لقيام أو خصومة. وعاد نساء من العرب رجلا منـهم فقعدن حوله فأنشأ يقول:
لقل غناء عن عمير بن مالك ... ترمز أستاه النساء العوائد
قال: فقمن، وقلن: أبعده الله. ورجل رميز: كثير الحركة، وقالوا: الرميز: الحليم الوقور. وكتيبة رمازة: كأنـها لا تستبيه حركتها لكثرة أهلها. قال الهذلي:
تحميهم شـهباء ذات قوانس ... رمازة تأبى لهم أن يحربوا
ومنـه قولهم: لم يرمئز من مكانـه، أي لم يتحرك، وكان الأصل: يرمأزز. وقال يونس: ذهبنا الى أبي مـهدية في عقب مطر نسأله عن حاله وكان قد بنى بيتا في ظاهر خندق البصرة وسماه جناحا فقلنا له: كيف أنت يا أبا مـهدية؟ فقال:
عهدي بجناح إذا ما ارتزا
وأذرت الريح ترابا نزا
أن سوف تمضيه وما ارمأزا
كأنما لز بصخر لزا
أحسن بيت أهرا وبزا
يقال: بيت حسن الأهرة والظهرة، إذا كان حسن المتاع؛ قال: وما كان في البيت إلا حصير مخرق. قال أعرابي لرجل: أعطني درهما، قال: لقد سألت رميزا، الدرهم عشر العشرة والعشرة عشر المائة والمائة عشر الألف والألف عشر ديتك. والزرم: القطع؛ يزرمـه زرما؛ وزرم الصبي، إذا انقطع بوله. وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " لا تزرموا ابني " ، أي لا تقطعوا عليه بوله، يعني الحسين. وكل شيء انقطع فقد زرم. قال النابغة:
قلت لها وهي تسعى تحت لبتها ... لا تحطمنك أن البيع قد زرما
وارزأم ارزيماما، بمعنى رزم. وقد نـهي عن كسب الزمارة، وفسره أصحاب الحديث: الفاجرة، وقال قوم إنـها الرمازة؛ ولا أقول في هذا شيئا. والزمارة: عمود الغل الذي بين الحلقتين. قال الشاعر:
ولي مسمعان وزمارة ... وظل مديد وحصن أمق
يعني قيدين وغلاا. وزمرت مروءة الرجل، إذا قلت؛ وكذلك زمر شعره، إذا رق وقل نبته. والزمار: صوت النعامة الأنثى خاصة، وصوت الظليم: العرار. قال الشاعر:
إلا عرارا وإلا زمارا
وزمر يزمر زمرا. ويقال: زمرت بالحديث، إذا أفضت ذكره وبثثته للناس. والزمرة: الجماعة من الناس، والجمع زمر. والزمر: فعل الزامر؛ زمر يزمر زمرا، والرجل زمار والمرأة زامرة. والمزمار: الزمر بعينـه، والجمع مزامير. وحرفة الزمار: الزمارة. وقال بعض أهل اللغة: يقال للمرأة زامرة وللرجل زمار، ولا يقال على القياس: رجل زامر. ومرز الصبي ثدي أمـه يمرز مرزا، إذا اعتصر بأصابعه في رضاعه، وربما سمي الثدي: المراز لذلك. والمرز: القرص الخفيف يكون بأطراف الأصابع؛ مرزه يمرزه ويمرزه مرزا. وفي حديث عمر رضي الله تعالى عنـه: فمرزه حذيفة. والمرز: ضرب من ال يتخذ من العسل، وقد جاء في النـهي. والمزارة: الزيادة في الجسم أو العقل؛ فلان أمزر من فلان، أي أرجح منـه؛ مزر يمزر مزارة فهو مازر، وكل ثمر استحكم فقد مزر يمزر مزارة.
ر - ز - ن
الرزن: نقر في الحجر يجتمع فيه ماء السماء، والجمع رزون. قال الراجز:
أحقب ميفاء على الرزون
لا خطل الرجع ولا قرون
القرون: الذي يطرح حوافر رجليه مكان حوافر يديه؛ والأحقب: الذي في حقبه بياض؛ وميفاء: مفعال من قولهم: أوفى على الشيء، إذا علا؛ والرجع: رجع اليدين في العدو؛ وقوله: لا خطل الرجع: لي في رجعه اضطراب. ورجل رزين بين الرزانة، أي حكيم ركين ثقيل في مجلسه، وامرأة رزان كذلك. قال حسان:
حصان رزان لا تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل

(1/385)

أي هي لا تغتاب الناس فتأكل لحومـهم. والزنر: فعل ممات؛ تزنر الشيء، إذا دق، ولا أحسبه عربيا، فإن كان للزنار اشتقاق فمن هذا إن شاء الله تعالى. والزنير، والجمع زنانير: حصى صغار، وقيل للواحد زنار أيضا. والنزر من الشيء: القليل؛ طعام نزر بين النزارة والنزورة، وطعام نزر ومنزور أيضا: قليل؛ ومنـه اشتقاق اسم نزار؛ وطعام نزر ونزير أيضا. وامرأة نزور: قليلة الولد، وكذلك في غير الإنس. قال الشاعر:
خشاش الطير أكثرها فراخا ... وأم الباز مقلات نزور
والنرز فعل ممات، وهو الاستخفاء من فزع، زعموا؛ وبه سمي الرجل نرزة ونارزة. ولم يجئ في كلام العرب نون بعدها راء إلا هذا وليس بصحيح، فأما النرجس ففارسي معرب.
ر - ز - و
الرزء، مـهموز: المصيبة، تراه في موضعه إن شاء الله تعالى. وزرت الرجل أزوره زورا من الزيارة والقوم الزور والزوار. قال الراجز:
ومشيهن بالخبيب مور
كما تهادى الفتيات الزور
المور: المشي السهل من قولهم: مارت الريح، إذا مرت مرا سهلا؛ ويقال: رجل زور وقوم زور وامرأة زور الواحد والجميع فيه سواء. والزور: عظام الصدر، والجمع أزوار؛ رجل أزور وامرأة زوراء والجمع زور، إذا كان في صدرها اعوجاج. وتزاور الرجل عن الشيء وازور، إذا مال عنـه وكرهه. وزور فلان الكتاب والكلام تزويرا، إذا قواه وشدده؛ وبه سمي الكلام الزور لأنـه يزور، أي يسوى ثم يتكلم به؛ وكذلك شـهادة الزور لأنـه يقويها ويشددها، وزعموا أنـه فارسي معرب لأن الزور بالفارسية القوة. قال أبو عبيدة: هو مأخوذ من الزور، وهو القوي الشديد. والزور، بفتح الزاي: عسيب النخل؛ لغة يمانية. ويوم الزويرين: يوم معروف، وهو يوم لبكر بن وائل على بني تميم، وذلك أنـهم عقلوا بعيرين فقالوا: هذان زويرانا لا نفر حتى يفرا؛ وقال مرة أخرى: لا نبرح أو يبرحا. قال الراجز:
جاءوا بزوريهم وجئنا بالأصم
شيخ لنا معاود ضرب البهم
البهم: جمع بهمة، وهو الشجاع الذي لا يدرى من أين يلقى. وزور الطائر، إذا امتلأت حوصلته، وأكثر ما يستعمل ذلك في الجارح. ورجل أزور وامرأة زوراء، إذا نتأ أحد شقي صدره واطمأن الآخر. وزورت كلام فلان، إذا جعلت حديثه زورا، أي كذبته. وزوير القوم: رئيسهم وشديدهم، وهو زورهم أيضا. والوزر: الملجأ. والوزر: الإثم، والوزر: الثقل. ووازر الرجل الرجل موازرة، أعانـه، وكذلك آزره. وسمي الوزير وزيرا لأنـه يحمل وزر صاحبه، أي ثقله؛ وكان الأصمعي يقول: اشتقاق الوزير من آزره، وكان في الأصل أزير فقالوا: وزير. وجمع وزر أوزار. وفي التنزيل: " يحملون أوزارهم على ظهورهم " ، أي أثقالهم؛ ووضعت الحرب أوزارها، إذا وضع القوم السلاح عنـهم فجعل الفعل للحرب وإنما هو لأهلها. والإزار: معروف، ويقال الإزارة أيضا. قال الأعشى:
كتميل النشوان ير ... فل في البقير وفي الإزاره
وقال الآخر:
تبرأ من دم القتيل وبزه ... وقد علقت دم القتيل إزارها
ويروى: بزه بالرفع، يريد بزه إزارها، أي دمـه في ثوبها. ورجل إزار، إذا كان ثقيل اللسان دون الخرس. وفرس إزار، إذا كان في عجزه بياض.
ر - ز - ه
الرهز: حركة عند الجماع وغيره؛ رهز يرهز رهزا. والزهر: زهر النبت، وهو نواره. والزهرة والزهرة: زهرة الدنيا وبهجتها. وقد قرئ: " زهرة الحياة الدنيا، وزهرة. ورجل زاهر وأزهر، وهو الأبيض المضيء الوجه، وقمر زاهر. وقد سمت العرب زاهرا وزهيرا وزهرا وأزهرا وأزهر وزهران، وهو أبي قبيلة منـهم. والزهرة: نجم من نجوم السماء معروف، بضم الزاي وفتح الهاء لا غير. قال الراجز:
قد وكللتني طلتي بالسمسره
وأيقظتني لطلوع الزهره
والهزر: الغمز الشديد؛ هزره يهزره هزرا. ومـهزور: واد بالحجاز. والهزر: موضع أو اسم قوم. قال أبو ذؤيب:

(1/386)

وليلة أهلي بوادي الرجي ... ع كانت كليلة أهل الهزر
والهزر: الضرب بالخشب خاصة؛ هزره يهزره هزرا. والهزرة: الأرض الرقيقة.
ر - ز - ي
الزير: الرجل الكثيرة الزيارة للنساء، وأصله الواو، وهو في وزن فعل. قال مـهلهل:
فلو نبش المقابر عن كليب ... لأخبر بالذنائب أي زير
ويروى: فلو نبش بتسكين الباء، وهي لغة؛ والذنائب: موضع. وللراء والزاي والياء مواضع في الاعتلال تراها إن شاء الله تعالى.
باب الراء والسين
مع ما بعدهما من الحروف
ر - س - ش
رجل شرس وامرأة شرسة، وهو سوء الخلق؛ شرس يشرس شرسا وشراسة. وقد سمت العرب أشرس وشريسا. والشريس: نبت بشع الطعم، أحسبه سمي شريسا لذلك؛ وكل بشع شريس. ويقال: تشارس القوم، إذا تعاودوا. والشرس: نبت أو حمل نبت.
ر - س - ص
أهملت.
ر - س - ض
الضرس: واحد الأضراس. والضرس: مطر يصيب الأرض قليل متفرق؛ أصابت الأرض ضروس من مطر، أي قطع متفرقة. وناقة ضروس: سيئة الخلق تعض حالبها. وتضارس القوم، إذا تعادوا وتحاربوا، والمصدر المضارسة والضراس. وضرسته الحرب تضريسا، إذا جربها. ورجل ضرس ضبس، إذا كان سيئ الخلق داهيا. وقالوا: حرب ضروس أيضا، لشدتها. وضرس السبع فريسته، إذا مضغ لحمـها ولم يبتلعه. وفلان ضرس من الأضراس، أي صعب المرام داهية من الدواهي. وبرد مضرس: ضرب من الوشي. وضرس الزمان القوم، إذا اشتد عليهم. وتضرس البناء، إذا لم يستو.
ر - س - ط
الطرس: الكتاب، والجمع طروس وأطراس؛ وقال قوم: الطرس الصحيفة التي قد محي ما فيها ثم أعيد الكتاب؛ وقال آخرون: بل الطرس الصحيفة بعينـها. والطلس: الذي قد محي ثم كتب. والسطر من الكتاب معروف، والجمع سطور وأسطار، ثم جمعوا أسطارا أساطير؛ وقال قوم: واحد الأساطير أسطورة وإسطارة، ولم يتكلم فيه الأصمعي. وسطر الكتاب وسطره لغتان فصيحتان. والسطر من النخل: السكة المغروسة على غرار واحد؛ الغرار: السطر المستوي. والمسطار: ضرب من ال فيه حموضة. قال الشاعر:
قوم إذا هدر البعير رأيتهم ... حمرا عيونـهم من المسطار
والسطر: العتود من المعز خاصة في بعض اللغات؛ العتود: الجدي الذي قد بلغ أن ينزو، والجمع عتدان وعدان. والسرط من الاستراط؛ استطرت الشيء، إذا ابتلعته استرطاا، وسرطته سرطا. ومسرط الإنسان: البلغوم، وهو مجرى الطعام الى الجوف، والجمع مسارط. ومثل من أمثالهم: " الأخذ سريطى والقضاء ضريطى " ، ويقال: سريطى وضريطى، مشددا ومخففا؛ يقال ذلك لمن يأخذ الدين ويصعب عليه قضاؤه. ومثل من أمثالهم: " الأخذ سرطان والقضاء ليان " ، يضرب ذلك لمن يأخذ الدين ثم يصعب عليه قضاؤه؛ ويروى: " الأخذ سلجان والقضاء ليان " ، ويروى: " الأخذ سريط والقضاء ضريط " . والسراط والصراط، بالسين والصاد: الطريق القاصد. قال الشاعر:
أمير المؤمنين على سراط ... إذا اعوج الموارد مستقيم
والسرطان: دابة من دواب الماء معروفة. والسرطان: داء يصيب الناس والخيل. ويقال: فرس سرطان الجري، كأنـه يسترط الجري استراطا؛ وسراطي أيضا. والسرطراط: الفالوذ، زعموا. والسريطاء: حساء شبيه بالخزيرة أو نحوها. فأما السرطان المنزل من منازل القمر فليس بالعربي المحض. والرطس: الضرب بباطن الكف؛ رطسه يرطسه رطسا، إذا ضربه بباطن كفه.
ر - س - ظ
أهملت.
ر - س - ع
الرسع من قولهم: رسعت الصبي وغيره، إذا شددت في يده أو رجله خرزا لتدفع بـه العين عنـه؛ ويقال بالغين أيضا: رسغت. والرسيع: موضع. والمريسيع: موضع أيضا. ورسعت أعضاء الرجل، إذا فسدت واسترخت. والرعس: الارتعاش والانتفاض. قال الراجز:
يبري بإرعاس يمين المؤتلي
خضمة الدارع هذ المختلي

(1/387)

ويروى: الذراع؛ ويروى: هذ المنجل؛ ومعظم كل شيء خضمته، وقال أيضا: الخضمة معظم الذراع، وكذلك هو من كل شيء. يصف سيفا يقول: يقطع بضعف صاحبه وارتعاشـه؛ والمختلي من الخلى، وهو الحشيش. ورمح رعاس، إذا كان شديد الاضطراب. قال الشاعر:
وعرضة للشطن الرعاس
والسعر: استعار النار؛ سعرت النار أسعرها وأسعرتها، فهي مسعرة ومسعورة، وأنا مسعر وساعر، والسعير من هذا اشتقاقها. وسعر الشيء المبيع: معروف. واستعر اللصوص، بفتح العين وتخفيف الراء، وهو افتعل من السعير، أي اشتعلوا، فأما قولهم: استعر فخطأ، وقد أولعت بـه العامة. واستعرت الحرب كذلك. واستعر الجرب في البعير، إذا ابتدأ في مساعره، وهي الآباط والأرفاغ؛ الأرفاغ: أصول الفخذين، وقال قوم: بل هو كل موضع اجتمع فيه الوسخ. وسمي الأسعر الشاعر ببيت قاله:
فلا يدعني الأقوام من آل مالك ... إذا أنا لم أسعر عليهم وأثقب
ورجل مسعر حرب من قوم مساعر، إذا كان يسعرها ويشبها. والمسعر والمسعار: الخشبة التي تحرك بها النار. وقد سمت العرب مسعرا وسعيرا وسعرا وسعران. وسعر الرجل، إذا أصابته السموم، وكذلك هو من الجوع والعطش؛ رجل مسعور. والسعرة: لون يضرب الى السواد. والسعرارة والسعرورة: الضوء الذي يدخل البيت من شعاع الشمس ومن الصبح أيضا من كو. والسرع والسرعة جميعا: ضد البطء؛ أسرع الرجل يسرع إسراعا وسرع سرعا وسرعا، والرجل سريع وسراع مثل كبير وكبار. قال الراجز:
أين دريد وهو ذو بزاعه
حتى تروه كاشفا قناعه
تعدو بـه سلهبة سراعه
ويروى: براعه؛ قوله: ذو بزاعه، أي حسن الحركة والنيقظ. وأقبل فلان في سرعان الناس وسرعان الناس، بفتح الراء وتسكينـها، أي في أوائلهم المتسرعين. ومثل من أمثالهم: " سرعان ذي إهالة " ، بسكون الراء وفتحها. قال أبو بكر: يضرب للرجل إذا أخبرك بسرعة شيء لم يحن وقته. وأصل هذا المثل أن رجلا كان يحمق فاشترى شاة عجفاء فجاء بها الى أمـه فلامته ورعام الشاة يسيل من أنفها، فقال: أما ترين إهالتها؟ فقالت له أمـه: سرعان ذي إهالة؛ أي ما أسرع إهالتها. واليسروع، ويقال: أسروع: دويبة تكون في الرمل. قال الشاعر:
فليس لساريها بها متعرج ... إذا انجدل اليسروع وانعدل الفحل
ورجل سرعرع: ناعم غض. قال الشاعر:
رؤد الشباب سرعرع
والسروع: قضبان من قضبان الكرم. وفي لغة العرب: جاء فلان سرعا، أي سريعا. والعسر: ضد السهولة؛ رجل عسر بين العسر. ورجل أعسر: يعمل بشماله. ورجل أعسر يسر: يعمل بيديه. وأمر عسير: صعب. وعقاب عسراء: في جناحها قوادم بيض؛ وقال قوم: بل العسراء القادمة البيضاء. قال الشاعر:
وعمى عليه الموت يأتي طريقه ... سنان كعسراء العقاب ومنـهب
يقال: فرس منـهب، أي ينتهب الجري، وناقة عوسرانية وعيسرانية للتي تركب ولم ترض، والذكر عيسراني. وناقة عسير: صعبة لم ترض. قال الراجز:
والله لولا خشية الأمير
ورهبة الشرطي والتؤرور
لجلت عن شيخ بني البقير
جول القلوص الصعبة العسير
التؤرور: الذي يصحب أعوان السلطان بلا رزق. وعسرت الرجل فأنا أعسره عسرا، إذا لم ترفق به. وعسرت الناقة بذنبها، إذا شالت به، فهي عاسر ومعسر. ويوم عسير: صعب. والعسرة والمعسرة: خلاف الميسرة. وأعسر الرجل إعسارا، إذا افتقر. والعرس: معروف، بضم الراء وتسكينـها: عرس وعرس. وامرأة الرجل عرسه، والرجل عروس وكذلك المرأة؛ اسم يجمع الذكر والأنثى لا تدخله الهاء. قال الراجز:
يا ليت شعري عنك دختنوس
إذا أتاها الخبر المرموس
أتحلق القرون أم تميس
لا بل تميس إنـها عروس

(1/388)

وسألت أبا عثمان عن اشتقاق العرس فقال: تفاؤلا، من قولهم: عرس الصبي بأمـه، إذا ألفها. وعرس الرجل يعرس عرسا، إذا بعل بالشيء كالفزع منـه؛ يقال: بعل بالشيء وبقر بـه وعرس بـه وخرق بـه وذئب، كله واحد، إذا تحير فيه. والزوجان: عرسان. قال الراجز:
أنجب عرس جبلا وعرس
ويقال: عرس به، مثل سدك به. والتعريس: النزول بالليل؛ يقال: عرس الرجل بالمكان تعريسا، إذا نزله ليلا ثم ارتحل عنـه. قال الراجز:
قال أبو ليلى بقو عرسوا
مـهلا أبا ليلى سراها أكيس
والعريساء: موضع، زعموا. وابن عرس: سبع معروف. وعريسة الأسد: الموضع الذي يألفه ويأوي إليه. قال الشاعر:
يا طيء السهل والأجبال موعدكم ... كطالب الصيد في عريسة الأسد
ر - س - غ
الرسغ: موصل الكف في الذراع، وموصل القدم في الساق، وهو من ذوات الحافر موصل وظيفي اليدين والرجلين في الحافر، ومن الإبل موصل الأوظفة في الأحقاف. وجمع الرسغ أرساغ. والرساغ: حبل يشد في رسغ البعير أو الحمار ثم يشد الى شجرة أو وتد. ويقال: أصاب الأرض مطر فرسغ، إذا بلغ الماء الرسغ أو حفر حافر فبلغ الثرى قدر رسغه. والرغس: البركة والنماء؛ رجل مرغوس: مبارك. قال الراجز:
حتى احتضرنا بعد سير حدس
إمام رغس في نصاب رغس
خليفة ساس بغير فجس
وقال رؤبة:
دعوت رب العزة القدوسا
دعاء من لا يقرع الناقوسا
حتى أراني وجهك المرغوسا
والغرس: كل ما غرسته من شجرة أو نخلة، والجمع أغراس وغراس. والفسيلة: ساعة توضع في الأرض فهي غريسة حتى تعلق. والغرس: جليدة رقيقة تكون على وجه الفصيل وغيره ساعة يولد فإن تركت على وجهه قتلته. قال الشاعر:
مـهرية مخطتها غرسها العيد
العيد: ابن الآمري - في وزن عامري - بن مـهرة بن حيدان. وكثر الغرس في كلامـهم حتى قالوا: غرس فلان عندي نعمة، أي أثبتها عندي. والغسر: ما طرحته الريح في الغدير ونحوه؛ لغة يمانية، يقولون: تغسر الغدير، إذا ألقت الريح فيه العيدان وما أشبهها، ثم كثر ذلك في كلامـهم حتى قالوا: تغسر الأمر، أي اختلط وفسد.
ر - س - ف
رسف يرسف ويرسف رسفا ورسيفا ورسفانا، وهو مشي المقيد إذا قارب خطوه. قال الشاعر:
فرحت أخضخض صفني بـه ... كمشي المقيد يمشي رسيفا
والرفس: رفس الدابة؛ رفس يرفس رفسا، وهو الركض برجله؛ ودابة رفوس. ويقولون عند البيع: برئت إليك من الرفاس. والسرف: التبذير؛ أسرف الرجل في ماله إسرافا، إذا عجل فيه؛ وأكل ماله سرفا. ثم كثر ذلك في كلامـهم حتى قالوا: قتل فلان بني فلان فأسرف، إذا جاوز في ذلك المقدار؛ وتكلم بإسراف، إذا جاوز المقدار أيضا. وسرفت القوم، إذا جاوزتهم وأنت لا تعرف مكانـهم. وسرفت الشيء، إذا أنسيته. وسرف: موضع معروف. والسرفة: دويبة تكون في العشب تصلح بيتا من حطام الشجر، وتنسج عليه نسجا رقيقا كنسج العنكبوت، فلذلك قالوا في المثل: " أصنع من سرفة " . والسفر: القوم المسافرون، واحدهم سافر مثل صاحب وصحب، ولا يتكلم بسافر. والسافرة أيضا: القوم المسافرون مثل السابلة. وقوم سفر وأسفار وسفار، أي مسافرون. قال الشاعر:
عوجوا فحيوا أيها السفر ... أم كيف ينطق منزل قفر
قال: عوجوا، ثم رجع الى نفسه فقال: كيف ينطق؟ وسافر الرجل سفرا، أحد ما جاء على فاعل من فاعل واحد. والسفر: الكتاب، والجمع أسفار، وكذلك هو في التنزيل: " كمثل الحمار يحمل أسفارا " . ويقولون: أسماؤنا في السفر الأول، أي في الكتاب الأول؛ هكذا يقول الأصمعي. والسفار للبعير كالحكمة للفرس، وهي حديدة توضع على أنف البعير، والجمع سفر. وسفرت المرأة عن وجهها لا غير، فهي سافر. قال الشاعر:
عروب كأن الشمس تحت قناعها ... إذا ابتسمت أو سافرا لم تبسم

(1/389)

وسفر الصبح وأسفر؛ قال الأصمعي: أقول: أسفرنا، إذا دخلنا في سفر الصبح، ولا أقول إلا سفر الصبح. وفي التنزيل: " والصبح إذا أسفر " . والسفرة: معروفة، واشتقاقها من السفر. وبعير مسفر: قوي على السفر؛ وناقة مسفرة ورجل مسفر كذلك. قال الراجز:
لن يعدم المطي منا مسفرا
شيخا بجالا وغلاما حزورا
وسفرت الريح الورق وغيره، إذا درجت بـه على وجه الأرض، والورق السفير. وسفرت الريح التراب، إذا كنسته، وكل كنس سفر. وسفرت البيت أسفره سفرا، إذا كسحته؛ وكل كسح سفر. والكساحة: السفارة. والمسفرة: المكنسة. وسفرت الريح السحاب تسفره سفرا، إذا قشعته. قال العجاج:
وحين يبعثن الرياغ رهجا
سفر الشمال الزبرج المزبرجا
قال أبو بكر: الزبرج هاهنا: السحاب الذي فيه ألوان مختلفة من بياض وسواد. وقال في وقت آخر: الزبرج: السحاب الرقيق. والسفير بين القوم: الماشي بينـهم في الصلح؛ سفر يسفر ويسفر سفرا وسفارة وسفارا. قال العجاج:
أشوس عن سفارة السفير
ويجمع سفير على سفراء مثل عليهم وعلماء والفرس: معروف، وجمعه في أدنى العدد أفراس، فإذا كثرت فهي الخيل. فأما قول العامة في جمع فرس فرسان فخطأ، إنما الفرسان جمع فارس؛ فارس وفرسان مثل راهب ورهبان، ورجل فارس من قوم فوارس مثل حاجب وحواجب. ورجل حسن الفراسة والفروسية على الخيل؛ وجيد الفراسة والتفرس، أي جيد النظر مصيبه. ويقال: فرس أنثى وفرس ذكر، ولا تلتفتن الى قول العامة فرسة. وفي الحديث: " خير المال فرس في بطنـها فرس " . وفرسان: لقب قبيلة من العرب ليس بأب ولا أم نحو تنوخ، وهم أخلاط من العرب اصطلحوا على هذا الاسم، وجلهم من بني تغلب. قال ابن الكلبي: كا عبديد الفرساني أحد رجال العرب المعدودين. ويقال: فرست الذبيحة أفرسها فرسا، إذا فصلت عنقها؛ وبه سميت فريسة الأسد، والجمع فرائس. قال جرير:
فلا يضغمن الليث تيما بغرة ... وتيم يشمون الفريس المنيبا
قال أبو بكر: الضغم: العض، وبه سمي الأسد ضيغما؛ وقال أبو بكر: الشاة إذا فرسها الذئب أو الأسد فمرت بها الغنم وشمتها نفرت متفرقة. يقول: لا تغترن بين تيم فتشم عمر بن لجأ فتنفر مني كما تنفر هذه الغنم من شم الفريسة. والفرسة: ريح تصيب الإنسان في ظهره فتزيل فقاره فيحدب. وقد سمت العرب فراسا، وهو فعال من ذلك؛ وفراسا، وهو المصدر من فارسه مفارسة وفراسا من ركوب الخيل. وفراس بن غنم في بني كنانة الذين منـهم ربيعة بن مكدم. وفراس بن وائل بن عامر بن الحارث الغطريف الأصغر في الأزد. والفرس: هذا الجيل المعروف. والفسر من قولهم: فسرت الحديث أفسره فسرا، إذا بينته وأوضحته؛ وفسرته تفسيرا كذلك.
ر - س - ق
القسر: الأخذ بالغلبة والاضطهاد؛ تقول: قسرته أقسره قسرا. وبنو قسر: قبيلة من العرب من بجيلة، منـهم خالد بن عبد الله القسري. وبعير قيسري: صلب شديد. وبنات قراس: موضع من بلاد هذيل، هضاب بالسراة باردة. قال الهذلي:
يمانية أحيا لها مظ مأبد ... وآل قراس صوب أرمية كحل
أرمية: جمع رمي، وهو ضرب من سحاب الخريف سود؛ وكحل: جمع أكحل، وهو الأسود. وقرس الماء يقرس قرسا، والماء قارس وقريس. ويوم قارس: بارد، ومنـه اشتقاق القريس الذي تسميه العامة القريص، وإنما هو بالسين لا بالصاد. وبعير قراسية: غليظ شديد صلب. والسقر، يقال منـه: سقرته الشمس تسقره سقرا، إذا حميت على دماغه فآلمته. وقد حكي صقرته، بالصاد؛ ومنـه اشتقاق اسم سقر، والله أعلم، ولم يتكلم باسم سقر إلا بالسين. فأما السقر والصقر الجارح فقد جاء بالسين والصاد جميعا، وهذا تراه في باب الراء والصاد مع القاف إن شاء الله. والسرق: معروف؛ سرق يسرق سرقا فهو سارق. والسرق: ضعف في المفاصل؛ سرقت مفاصله تسرق سرقا، إذا ضعفت. قال الشاعر:

(1/390)

فهي تتلو رخص الظلوف ضئيلا ... أكحل العين في قواه انسراق
أي ضعف؛ هكذا فسره أبو عبيدة في شعر الأعشى. والسرق: ضرب من الحرير فارسي معرب، وذكر الأصمعي أن اسمـه سره، أي جيد. وقد سمت العرب سارقا ومسروقا وسراقا. وسرق الشيء، إذا خفي؛ هكذا يقول يونس، وأنشد:
وتبيت منتبذ القذور كأنما ... سرقت بيوتك أن تزور المرقدا
القذور: التي لا تبارك الإبل ولا تبيت معها، تنتبذ حجرة عنـها؛ وقوله: كأنما سرقت، أي خفيت؛ والمرقد: الذي ترقد فيه.
ر - س - ك
الركس: قلب الشيء؛ ركسه يركسه ركسا، أي قلب أمره وأحاله فهو ركيس ومركوس. والسكر: معروف، ما سكرت بـه الماء فمنعته عن جريته، وأصله من قولهم: سكرت الريح، إذا سكن هبوبها. ويوم ساكر: لا ريح فيه. والسكر: كل ما أسكر من . فأما السكر ففارسي معرب. وقال المفسرون في تفسير السكر في القرآن إنـه الخل، وهذا شيء لا يعرفه أهل اللغة. والسكر: معروف، واشتقاقه من سكرت الريح، إذا سكنت، كأن ال سكر عقله أي سد عليه طريقه. وجمع سكران سكارى وسكارى وسكرى. وقد قرئ: " وترى الناس سكرى " ، وسكارى. ورجل سكير: كثير السكر، وهذا أحد ما جاء على فعيل، وهي نيف وثلاثون حرفا تراها في آخر الكتاب مفسرة إن شاء الله. والكسر: مصدر كسرت الشيء أكسره كسرا. والكسر: العضو التام نحو الجدل والإرب، والجمع كسور وأكسار. الأجدال: الأعضاء، الواحد جدل، وواحد الآراب إرب. والكسر: كساء يمد حول الخباء كالإزار له فيكون فضله على الأرض. وقالوا: جفنة أكسار، أي عظيمة موصلة لكبرها. والبعير الكسير: الذي قد انكسر بعض أعضائه. وكل ما سقط من شيء مكسر فهو كسارته. وبنو كسر: بطن من العرب من بني تغلب. وكسرى: اسم فارسي معرب، ويجمع كسورا وأكاسر؛ هكذا يقول أبو عبيدة، وقال أيضا: وأكاسرة. ويقال: فلان طيب المكسر، أي المخبر، وأصله من كسرك العود فتجده لدنا طيب الرائحة. ووصف رجل من العرب رجلا فقال: والله ما كان هشا فيكسر ولا لدنا فيعصر. والكرس: البعر والبول إذا تلبد بعضه على بعض، والجمع أكراس. وكل شيء تراكب فقد تكارس؛ وبه سميت الكراسة لتطابق ورقها بعضه على بعض، وتجمع أكارس وكراريس. قال العجاج:
يا صاح هل تعرف رسما مكرسا
قال نعم أعرفه وأبلسا
أي قد تكارس عليه التراب فغطاه. والأكارس: الجماعات من الناس، لا واحد لها من لفظها؛ هكذا يقول الأصمعي. ويقال للكلس الصاروج المعروف: كرس، وليس بالجيد.
ر - س - ل
الرسل: السهل السريع؛ ناقة رسلة: سريعة رجع اليدين. والرسل: اللبن. واختلفوا في الحديث: " إلا من أعطى من رسلها ونجدتها " ، فقال قوم: من رسلها، والأعلى فتح الراء، أي في الشدة والرخاء. وإذا تكلم الرجل قلت: على رسلك، أي أرود قليلا. والراسلان: عرقان في الكتفين، أو هما الكتفان بعينـهما. وجاءت الإبل أرسالا، أي يتبع بعضها بعضا، وكذلك الخيل أيضا. والرسول: معروف، والجمع رسل وأرسل. والرسالة: ما حمله الرسول، والجمع رسائل. ورسيل الرجل: الذي يقف معه في نضال أو نحوه. وإبل مراسيل: سراع، وأحسب واحدها مرسالا. وامرأة مراسل، قالوا: هي التي قد تزوجت زوجين أو ثلاثة؛ وقال آخرون: بل هي المسنة التي فيها بقية شباب. والمرسلة: قلادة طويلة تقع على الصدر. والرسل: البقية والقليل من الشيء.
ر - س - م
رسم كل شيء: أثره، والجمع رسوم. وترسمت الموضع، إذا طلبت رسومـه حتى تقف عليها. وترسمت الأرض، إذا توخيت موضعا لتحفر فيه. قال الراجز:
الله أسقاك بآل جبار
ترسم الشيخ ووقع المنقار
وقال ذو الرمة:
أأن ترسمت من خرقاء منزلة ... ماء الصبابة من عينيك مسجوم
والرسيم: ضرب من سير الإبل؛ رسم البعير يرسم ويرسم رسيما، والكسر أكثر. قال حميد بن ثور:
أجدت برجليها النجاء وكلفت ... بعيري غلامي الرسيم فأرسما

(1/391)

قال أبو بكر: قلت لأبي حاتم: أتقول: أرسم البعير؟ فقال: لا أقول إلا رسم فهو راسم من إبل رواسم. فقلت: فكيف وقد قال: الرسيم فأرسما؟ قال: أراد كلفت بعيري غلامي الرسيم فأرسم الغلامان بعيرهما. والروسم فارسي معرب، وقيل روشم، وهو الرشم الذي يختم به. قال الأعشى:
وباكرها الريح في دنـها ... وصلى على دنـها وارتشم
ويروى بالسين والشين. والرمس: مصدر رمسته أرمسه رمسا، إذا دفنته، وبه سميت الرياح روامس لأنـها ترمس الآثار، أي تدفنـها. ثم كثر ذلك في كلامـهم فسمي القبر: رمسا، والجمع أرماس ورموس. قال الشاعر:
ألم تر المرء حلف منية ... رهين لعافي الطير أو سوف يرمس
والمرمس: القبر بعينـه، والجمع مرامس، والرجل رميس ومرموس. قال الشاعر:
رجع الركب سالمين جميعا ... وخليلي في مرمس مدفون
والرياح الروامس والرامسات: دوافن الآثار؛ رمست الريح الآثار، إذا دفنتها. والسمرة: لون من البياض والأدمة؛ رجل أسمر من قوم سمر وامرأة سمراء وقناة سمراء، في ذلك اللون. وفي الحديث: " توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما شبع من البرة السمراء. والسمار: موضع. قال الشاعر:
لئن ورد السمار لنقتلنـه ... ولا والله أرد السمارا
والسمار: اللبن المذيق؛ ليس له فعل يتصرف. والسمر: الحديث بالليل خاصة. وفي الحديث: " جدب لنا عمر السمر " ، أي عابه. وفلان سميري للذي يسامرك بالليل خاصة، والجمع سمار. والسامر: القوم يتحدثون بالليل، أخرج مخرج باقر وجامل، والجمع سمار وسامر. وقال قوم: السمر: الليل؛ وفي كلامـهم: لا أكلمـه السمر والقمر، أي ما أظلم الليل وطلع القمر. وابنا سمير: الليل والنـهار؛ ومن أمثالهم: " لا أكلمـه ما سمر ابنا سمير " ، أي ما اختلف الليل والنـهار. والسمر: ضرب من العضاه له شوك طوال، الواحدة سمرة. وسميراء: موضع معروف، يمد ويقصر. قال الراجز:
يا رب خال لك بالحزيز
بين سميراء وبين توز
وسمرت الحديدة وغيرها أسمرها وأسمرها سمرا. وجارية مسمورة: معصوبة الجسد ليست برخوة اللحم. وقد سمت العرب سميرا، فجائز أن يكون تصغير سمر أو تصغير أسمر، كما قالوا: سويد، تصغير أسود، وهذا يسميه النحويون: تصغير الترخيم. والسرم للإنسان: معروف، وهو المبعر من الظلف وكذلك من الخف، والمراث من الحافر، والمجعر من السباع، والدبر من الإنسان. والسرمان: دويبة لا تضم جناحها شبيهة بالجحل تألف المزابل تشبه الجراد. ويقال: جاءت الإبل الى الحوض متسرمة، إذا جاءت متقطعة. وغرة متسرمة، إذا كانت تغلظ من موضع وتدق من آخر؛ وقال أبو عبيدة: هي المتصرمة، ولم يعرف المتسرمة. والمرس: مصدر مرست الشيء أمرسه مرسا، إذا دلكته. ورجل مرس وممارس: صبور على مراس الأمور. ورجل ممارس للأمور: مزاول لها. والمريس مثل المريد؛ يقال للتمر إذا مرسته في ماء أو لبن: مريس ومريد؛ يقال: مردته أمرده مردا، ومرسته أمرسه مرسا، فإذا فعل بـه ذلك شرب. وتمارس القوم في الحرب، إذا تضاربوا. والمرس: الحبل، والجمع أمراس. قال أبو زبيد الطائي:
إما تقارش بك الرماح فلا ... أبكيك إلا للدلو والمرس
يصف عبدا له قتل، يقول: لا أبكيك لشيء إلا للدلو والمرس، أي للاستقاء؛ تقارشت الرماح في الحرب، إذا دخل بعضها في بعض. وأمرس الحبل عن البكرة، إذا زال عن المحالة فرددته إليها. وقال قوم: بل يقال: مرس الحبل إذا زال عنـها، وأمرسته إذا رددته إليها. قال الراجز:
بئس مقام الشيخ أمرس أمرس
إما على قعو وإما اقعنسس
وبنو مريس: بطين من العرب. وبنو ممارس: بطن منـهم أيضا. والمسر: فعل ممات؛ مسرت الشيءض أمسره مسرا، إذا استللته فأخرجته، أي أخرجته من ضيق الى سعة. والمرمريس: الداهية، وتراها في باب فعلليل.
ر - س - ن

(1/392)

الرسن: الحبل، والجمع أرسان. وفي مثل من أمثالهم: " اللديغ يخاف الرسن " . وسمي أنف الناقة مرسنا لأن الرسن يقع عليه؛ ثم كثر ذلك في كلامـهم حتى قيل: مرسن الإنسان، والجمع مراسن، وفلان كريم المرسن. قال العجاج:
وفاحما ومرسنا مسرجا
وبطن أيم وقواما عسلجا
قال أبو بكر: أراد أنفا واضحا براقا كالسراج؛ وقال قوم: أراد كالسيف السريجي في بياضه ورقته. وبنو رسن: حي من العرب. والسنر: فعل ممات، وهو شراسة الخلق؛ ومنـه اشتقاق السنور، زعموا، وفي بعض اللغات سنار وسنار. والسنور أيضا: فقارة العنق من البعير. قال الراجز:
كأن جذعا خارجا من صوره
بين مقذيه الى سنوره
المقذان: جانبا القفا، وهما الذفريان؛ وقالوا: السنور: الذفرى بعينـها. والسنور: ما لبس من جنن الحديد خاصة، وأنشد:
كأنـهم لما بدوا من عرعر
مستلئمين لابسي السنور
نشز غمام صيب كنـهور
والنرس لا أعرف له أصلا في اللغة، إلا أن العرب قد سمت نارسة، ولم أسمع فيه شيئا من علمائنا، ولا أحسبه عربيا محضا. والنسر: الطائر المعروف. وأصل النسر انتزاع الطائر اللحم بمنسره؛ نسر اللحم ينسره وينسره نسرا. والنسران: نجمان في السماء. والمنسر: ما بين الأربعين الى الخمسين من الخيل، والجمع المناسر. وقد سمت العرب نسيرا وناسرا. ونسر: صنم كان في الجاهلية، وقد ذكر في التنزيل. والنسار: موضع. قال الشاعر:
وأما بنو عامر بالنسار ... غداة لقونا فكانوا نعاما
ر - س - و
الرسو: مصدر رسوت بين القوم أرسو رسوا، إذا أصلحت بينـهم. والروس: مصدر راس يروس روسا، إذا مشى متبخترا؛ وراس يريس ريسا أيضا. وبنو رائس: بطن من العرب. ورجل رؤاسي: عظيم الرأس. وبنو رواس: بطن من العرب. وراس السيل الغثاء يروسه روسا، إذا جمعه واحتمله. والسرو: ارتفاع وهبوط في الأرض بين سهل وسفح، ومنـه سرو حمير. قال ابن مقبل:
من سرو حمير أبوال البغال بـه ... أنى تسديت وهنا ذلك البينا
تسديت: علوت؛ والبين: الغلظ من الأرض. والسروة: النصل الدقيق من نصال السهم، وجمعها سرى. والسورة: المنزلة، والجمع سور، مثل صورة وصور. قال أبو بكر في قول الله عز وجل: " ونفخ في الصور " ، كأنـه جمع صورة، أي ردت فيها الأرواح؛ وقال قوم: بل الصور القرن، والله أعلم. قال النابغة:
ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونـها يتذبذب
وزعم قوم من أهل اللغة أن السور كرام الإبل، واحتجوا فيه ببيت رجز لم أسمعه من أصحابنا. والسورة من القرآن كأنـها درجة أو منزلة يفضى منـها الى غيرها في لغة من لم يهمز. والسور: سور المدينة وغيرها. قال جرير:
لما أتى خبر الزبير تواضعت ... سور المدينة والجبال الخشع
فأنث السور من المدينة، كما قال الآخر:
وتشرق بالقول الذي قد أذعته ... كما شرقت صدر القناة من الدم
فأنث الصدر لأن صدر القناة من القناة، فإذ أضفت مذكرا الى مؤنث ليس منـه لم يجز ذلك، لا تقول: ضربتني غلام هند، لأن الغلام ليس من هند، وقد جاء مثل هذا كثير في أشعار العرب. وسورة الخمر: حدتها. وساوره السبع يساوره مساورة وسوارا، إذا واثبه. وقد سمت العرب سورة وسوارا وسورا ومساورا ومسورا. والسوار: معروف، والجمع أسورة. وأساورة العجم: الفرسان، واحدهم إسوار، وقد تكلمت بـه العرب. قال الراجز:
ووتر الأساور القياسا
صغدية تنتزع الأنفاسا
وقال الآخر:
أقدم أخا نـهم على الأساوره
ولا تهالنك رجل نادره

(1/393)

وبنو نـهم: من همدان. والسور: كرام الإبل، الواحدة سورة. والسؤر، مـهموز، والجمع أسآر: ما أبقيت في الإناء. وزعم قوم أن السورة من القرآن من هذا إذا همزت، كأنـها أسئرت، أي بقيت من شيء. وفي وصية بعض العرب لبنيه: إذا شربتم فأسئروا، أي أبقوا في الإناء فإنـه أجمل. والورس: صبغ أصفر معروف؛ ثوب ورس ووارس. وأورس الرمث، إذا اصفر ثمره فهو وارس، وهذا الحرف أحد الحروف التي جاءت على أفعل فهو فاعل، ولا يقال مورس. وورست الصخرة في الماء، إذا ركبها الطحلب حتى تخضار وتملاس. قال الشاعر:
ويخطو على صم صلاب كأنـها ... حجارة غيل وارسات بطحلب
ر - س - ه
الرهس: الوطء الشديد، مثل الوهس سواء؛ رهسه يرهسه رهسا؛ أخبر بـه أبو مالك عن العرب. والسهر: ضد النوم؛ سهر يسهر سهرا. والأسهران: عرقان في العينين. وقال قوم: بل الأسهران عرقان يكتنفان غرمول الفرس أو الحمار. قال الشاعر:
توائل من مصك أنصبته ... حوالب أسهريه بالذنين
الذنين: السيلان؛ يقال: ذن أنفه يذن ذنا وذنينا، إذا سال. والساهرة: الأرض البيضاء؛ هكذا فسر أبو عبيدة في التنزيل، والله أعلم. وهي عند أهل اللغة قريب من ذلك، وقالوا: بل أرض يجددها الله يوم القيامة. قال الراجز:
أقدم أخا نـهم على الأساوره
ولا تهالنك رجل نادره
فإنما قصرك ترب الساهره
حتى تعود بعدها في الحافره
من بعد ما صرن عظاما ناخره
والسهر: القمر بالسريانية، وهو الساهور؛ وزعم قوم: بل دارة القمر. وقد ذكره أمية بن أبي الصلت، ولم يسمع إلا في شعره، وكان مستعملا للسريانية كثيرا لأنـه كان قرأ الكتب، فقال:
لا عيب فيه غير أن جبينـه ... قمر وساهور يسل ويغمد
وذكره عبد الرحمن بن حسان بن ثابت. وذكر أبو عبيدة أن الساهرة الفلاة ووجه الأرض، وأنشد لأمية بن أبي الصلت:
ملك بساهرة إذا ... تلقى نمارقه وكوبه
وقال الآخر:
خياركم خيار أهل الساهره
أطعنـهم للبة وخاصره
وقال أبو كبير الهذلي:
يركبن ساهرة كأن غميمـها ... وجميمـها أس ليل مظلم
والهرس: الأكل الشديد؛ ولذلك قيل: إبل مـهاريس، شديدات الأكل. قال الحطيئة:
مـهاريس يروي رسلها ضيف أهلها ... إذا النار أبدت أوجه الخفرات
يقول: إذا أجدب الزمان. وأصل الهرس الدق الشديد، وبه سمي الهاوون مـهراسا. والهريس من ذا أيضا لأن يدق دقا شديدا. والهراس، مخفف: نبت له شوك، الواحدة منـه الهراسة. قال الشاعر:
يطابقن في كل أرض يطأن ... طباق الكلاب يطأن الهراسا
والسرة من كل شيء: خالصه، من ذلك سرة الوادي وسر الوادي وسرارة الوادي، وهو أكرمـه وأطيبه ترابا.
ر - س - ي
راس يريس ريسا وريسانا، إذا مشى متبخترا. قال أبو زبيد:
قصاقصة أبو شبلين ورد ... أتاهم بين أرحلهم يريس
وبه سمي الرجل رائسا. والسير: مصدر سار يسير سيرا. والسير: القطعة المستطيلة من الأدم، والجمع سيور وأسيار. قال الشاعر:
لا تأمنن فزاريا خلوت بـه ... على قلوصك واكتبها بأسيار
وسار فلان يسير سيرة حسنة. قال خالد بن زهير الهذلي ابن أخي أبي ذؤيب:
فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها ... فأول راض سيرة من يسيرها

(1/394)

وسير فلان سيرة، إذا جاء بحديث الأوائل، والجميع سير. والسري: النـهر؛ هكذا فسر في التنزيل، والله أعلم. ورجل سري: بين السرو. وقد سمت العرب سريا وسريا. والسرية: القوم الذين يسيرون الى أعدائهم، وكان أصله من سرى الليل، فكثر ذلك حتى جعلت السرية الخارجة للحرب ليلا أو نـهارا، وهي فعلية من سرى يسري. واليسر ضد العسر، وأيسر الرجل إيسارا. واليد اليسار ضد اليمين، بفتح الياء وكسرها، وزعموا أن الكسر أفصح. ويقولون: خذ على يسارك، بفتح الياء. وقال بعض أهل اللغة: اليسار، بكسر الياء، شبهوه بالشمال، إذا ليس في كلامـهم كلمة أولها ياء مكسورة إلا يسار. ويسر: دحل لبني يربوع بالدهناء معروف. قال طرفة:
هاجه ذكر خيال عاده ... طاف والركب بصحراء يسر
فأما قول العامة: عود اليسر فخطأ، إنما هو عود الأسر، والأسر: احتباس البول. ورجل أعسر يسر، فأما قولهم: أعسر أيسر فخطأ. وأيسار الجزور، الواحد يسر، وهم الذين يتقامرون على الجزور. قال الشاعر:
لو ييسرون بخيل قد يسرت بها ... وكل ما ييسر الأقوام مغروم
أي كل ما يتياسر فيه فلا بد من أن يغرم ثمنـه، ومنـه الميسر الذي نـهي عنـه. والميسرة ضد المعسرة، وكذلك هو في التنزيل: " فنظرة الى ميسرة " . ويقولون: خذ ميسوره ودع معسوره، أي خذ ما يسر ودع ما عسر. وقد سمت العرب يسرا وياسرا ويسارا وأيسر. واليسر: القوم المياسرون. وبايعت الرجل فياسرته، إذا ساهلته. والشيء اليسير: القليل. وياسر منعم: ملك من ملوك حمير.
باب الراء والشين
مع ما بعدهما من الحروف
ر - ش - ص
الشرص، والجمع شرصة وشراص، بكسر الشين، وهي النزعة عند الصدغ. قال الأغلب:
يا رب شيخ أشمط العناصي
ذي لمة مبيضة القصاص
صلت الجبين ظاهر الشراص
والشصر: مصدر شصرت الناقة أشصرها وأشصرها شصرا، وهو أن تزند في أخلة بهلب ذنبها تغرز في أشاعرها إذا دحقت، أي خرجت رحمـها عند الولادة. والتزنيد: الشد الضيق؛ وكل شيء فعلت بـه ذلك فقد زندته. والأشعران: جانب الفرج منـها ينبت عليهما الشعر. والشصر، بفتح الصاد والشين: الظبي الشادن.
ر - ش - ض
أهملت.
ر - ش - ط
الشطر: النصف من كل شيء. وشاة شطور، إذا يبس أحد ضرعيها. وقولهم: حلب فلان الدهر أشطره، إذا جرب الأمور، وأصله من الحلب، أي هو يحلب شطرا ثم يحلب الشطر الآخر، وكأن أشطرا جمع شطر في أدنى العدد. ونظرت شطر بني فلان، أي ناحيتهم التي يقصد إليهم منـها. وفي التنزيل: " شطر المسجد الحرام " ، أي نحوه والله أعلم. قال الشاعر:
أقم قصد وجهك شطر العراق ... وخال الخليفة فاستمطر
كنى بالخال عن السحاب الذي يخال فيه المطر. والمحل الشطير: البعيد، وبه سمي الشاطر لتباعده عن الخير. ومنـه:
مليكية جاورت بالحجا ... ز قوما عداة وأرضا شطيرا
والشرط: رديء المال من الإبل والغنم، والجمع أشراط. والشرط: معروف، والجمع شروط وأشراط. وأشرط فلان نفسه لهذا الأمر، أي جعل نفسه علما له. وبه سمي الشرط لأنـهم جعلوا لأنفسهم أعلاما للناس يعرفون بها. قال أوس بن حجر:
فأشرط فيها نفسه وهو معصم ... وألقى بأسباب له وتوكلا
يصف رجلا دلى نفسه من الجبل على نبعة ليأخذها، أي هو متعلق بشيء، يقال: أعصمت بهذا الحبل واعتصمت به، إذا تعلقت به. وأشراط القيامة: علاماتها. والشرطان: نجمان من منازل القمر ولهما نوء ليس بغزير. ويقال: مطرنا بنوء الشرطين وبالأشراط أيضا. قال العجاج:
نوء السماك انقض أو دلوي ... من باكر الأشراط أشراطي

(1/395)

وربما قيل: مطرنا بنوء الشرط، وهو بطن الحمل فيما يزعم النجامون. والشرط أصله الشق، وبه سمي شرط الحجام. والشريط من الخوص من هذا اشتقاقه لأنـه يشق خوصه ثم يفتل، وهو فعيل في موضع مفعول. والشريطة مثل الشرط سواء. وبنو شريط: بطن من العرب.
والطرش ليس بعربي محض، بل هو من كلام المولدين، وهو بمنزلة الصمم عندهم. قال أبو حاتم: لم يرضوا باللكنة حتى صرفوا له فعلا فقالوا: طرش يطرش طرشا.
ر - ش - ظ
أهملت
ر - ض - ع
الرعش: الرعدة، رعش يرعش رعشا ورعشا ورعشانا فهو راعش. وشمر يرعش: ملك من ملوك حمير كان بـه ارتعاش فسمي يرعش.
والشعر: معروف، بتحريك العين وتسكينـها، وتقول العرب: ما شعرت بـه شعرا وشعرة وشعورة. والشاعر سمي شاعرا لأنـه يشعر للكلام. وقولهم: ليت شعري، أي ليتني أشعر بكذا وكذا. والشعير: حب معروف. وشعائر الله: المناسك، وهي أنصاب الحرم، واحدتها شعيرة هكذا يقول أبو عبيدة، والمشاعر التي هي مناسك الحج واحدها مشعر، وهي الأنصاب أيضا.
وأشعرت البدنة، إذا طعنت في سنامـها بمشقص أو سكين لتدمى فيعلم أنـها بدنة.
وشعيرة السيف من فضة أو حديد، وهي رأس الكلب، والكلب: المسمار في قائم السيف. والشعار: كل شيء لبسته تحت ثوب فهو شعار له. وشعار القوم: ما تداعوا بـه عند الحرب من ذكر أب أو أم أو غير ذلك. وأشعر فلان فلانا شرا، إذا غشيه به. وأشعره الحب مرضا، إذا أبطنـه إياه. والشعراء: ضرب من الذباب أزرق. والشعراء أيضا: هذا الخوخ المعروف. والشعيراء: ابنة ضبة بن أد ولدت لبكر بن مر أخي تميم ابن مر ولده، فهم بنو الشعيراء. وقال قوم: بل الشعيراء لقب بكر بن مر نفسه. والشعريان: نجمان، وهما الشعرى العبور والشعرى الغميصاء. قال أبو بكر: إنما سميت الغميصاء لأنـها أقل نورا من العبور، وسميت العبور لأنـها تعبر المجرة، هكذا يقول قوم. وأشاعر الفرس: ما حول حافره من الشعر. وأشاعر الناقة: جوانب حيائها. ويقال: داهية شعراء وداهية وبراء. ومن كلامـهم للرجل إذا تكلم بما ينكر عليه: جئت بها شعراء ذات وبر. والشعرة: العانة. وخف مشعر: مبطن بشعر. وشعر: جبل معروف، غير مصروف. والأشعر والأقرع: جبلان بالحجاز معروفان. ورجل أشعر وامرأة شعراء: كثير الشعر. والشعرور: نبت. وتفرق القوم شعارير شذر مذر، وشعارير قندحرة. وجاء أمية بن أبي الصلت في شعره بالشيتعور، وزعم قوم أنـه الشعير، ولا أدري ما صحته.
وروضة شعراء: كثيرة الشجر. ورملة شعراء: تنبت النصي وما أشبهه. والشرع: الوتر، والجمع شراع وشرع. قال الهذلي:
وعاودني ديني فبت كأنما ... خلال ضلوع الصدر شرع ممدد
وشريعة النـهر ومشرعته: حيث ينحدر إلى الماء منـه، ومنـه سميت شريعة الدين إن شاء الله تعالى لأنـها المدخل إليه، وهي الشرعة أيضا. وأشرع القوم الرماح للطعن، إذا هم صوبوها. ودور شوارع: على نـهج واضح. والشراع، شراع السفينة: معروف. وما لهم بينـهم شرع واحد وشرع واحد، والفتح أعلى، أي هم سواء، وله في المال سهم شرع. وسقى إبله التشريع، إذا أوردها شراع الماء فشربت ولم يستق لها. ومثل من أمثالهم: " أهون السقي التشريع " . والعشر: عقد معروف. والعشر: عشر ذي الحجة. والعشر: جزء من عشرة أجزاء. وأما قولهم: عشرون فمأخوذ من أظماء الإبل، أرادوا عشرا وعشرا وبعض عشر ثالث، فلما جاء البعض جعلوها ثلاثة أعشار فجمعوا عشرين على فعلين فقالوا: عشرين وذلك أن الإبل ترعى ستة أيام وتقرب يومين وترد في اليوم التاسع وكذلك العشر الثاني، فصار العشران ثمانية عشر يوما وبقي يومان من العشر الثالث فأقاموه مقام عشر. والعشر: آخر الأظماء. قال ذو الرمة:
حنين اللقاح الخور حرق ناره ... بجرعاء حزوى فوق أكبادها العشر

(1/396)

وعاشوراء: يوم سمي في الإسلام ولم يعرف في الجاهلية. قال أبو بكر: وليس في كلام العرب فاعولاء ممدودا إلا عاشوراء، هكذا قال البصريون، وزعم ابن الأعرابي أنـه سمع خابوراء، أخبرني بذلك حامد بن طرفة عنـه، ولم يجىء بهذا الحرف أصحابنا، ولا أدري ما صحته. وناقة عشراء، إذا بلغت في حملها عشرة أشـهر وقرب ولادها، والجمع عشار. قال الشاعر:
بلاد رحبة وبها عشار ... يدل بها أخا الركب العشار
وكذا فسروا في التنزيل: " وإذا العشار عطلت " ،قالوا: هي الإبل الحوامل، كذا قال أبو عبيدة والله أعلم. وعشر الحمار تعشيرا، إذا نـهق عشرا في طلق واحد. وعشيرة الرجل: بنو أبيه الأدنون الذي يعاشرونـه، وهكذا ذكر أصحاب المغازي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما أنزل عليه: " وأنذر عشيرتك الأقربين " قام فنادى: يا بني عبد مناف. وعشير الرجل: امرأته التي تعاشره في بيته، وهو عشيرها أيضا. ولك عشر هذا المال وعشيره ومعشاره. والعشر: نبت معروف. وأعشار الجزور: أنصباؤها إذا قسمت بين الناس. وعشر الجزار خيرة اللحم، إذا أخذ منـه أطايبه. وذو العشيرة: موضع معروف غزاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وبنو العشراء: قوم من العرب في غطفان لهم حديث لا أستجيز ذكره. وقدر أعشار: عظيمة، وقد فسروا بيت امرىء القيس:
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل
قال البصريون: أراد أن قلبه كسر ثم شعب كما تشعب القدر. وقال آخرون: بل أراد أن قلبه قسم أعشارا كأعشار الجزور فضربت بسهميها فخرج الثالث وهو الرقيب فأخذت ثلاثة أنصباء ثم ثنت فخرج السابع وهو المعلى فأخذت سبعة أنصباء فاحتازت قلبه أجمع، وهو أحسن التفسيرين. وفلان حسن العشرة والمعاشرة.
والعرش: السرير. والعريش: ظلة من شجر أو نحوه، والجمع عرش. والعرشان من الفرس: آخر شعر العرف. ويقال: ثلت عروش بني فلان، إذا تشتتت أمورهم. ويقال: ضربه فثل عرشيه، إذا قتله. قال ذو الرمة:
وعبد يغوث تحجل الطير حوله ... وقد ثل عرشيه الحسام المذكر
ويروى عرشيه " أيضا. وبئر معروشة، إذا طرح عليها خشب يقف عليه الساقي. فيشرف عليها، وربما سميت معروشة أيضا إذا ظللت. قال الشاعر:
ولما رأيت الأمز عرش هوية ... تسليت حاجات الفؤاد بزيمرا
زيمر: اسم ناقته. وعرشت الكرم تعريشا وعرشته عرشا، إذا جعلت تحته خشبا ليمتد عليها، وكرم معروش ومعرش. وعرشان: اسم رجل.
ر - ش - غ
شغر الكلب برجله، إذا رفعها ليبول فهو شاغر، ثم كثر ذلك في كلامـهم حتى قالوا: شغرت أرض بني فلان، إذا لم يكن فيها أحد يحميها ولا يمنع عنـها. وشغر الرجل المرأة للجماع وأشغرها أيضا، إذا رفع رجليها. وفي الحديث: " لا شغار في الإسلام " ، وهو أن يتزوج الرجلان كل واحد منـهما بأخت صاحبه أو بنت صاحبه ليس بينـهما مـهر، وكان من فعل أهل الجاهلية. والشغرور: نبت، زعموا. وتفرق الفوم شغر بغر، وقالوا شغر بغر. والشاغرة: موضع.
والشرغ، بفتح الشين وكسرها: الضفدع الصغيرة، والجمع شروغ والغرش: لغة يمانية، زعموا أنـه ثمر شجر، ولا أحقه.
ر - ش - ف
رشفت الماء أرشفه وأرشفه رشفا، إذا استقصيت شربه من الإناء حتى لا تدع فيه شيئا، والماء مرشوف ومرتشف، وكذلك رشف الريق، يقال: رشف الرجل ريق المرأة رشفا.
والشفر من قولهم: ما بالدار شفر، أي ما بها أحد، ولا يكادون يقولون ذلك إلا في النفي.
والشفر: منبت شعر الجفن، والجمع أشفار. وشفير كل شيء: حرفه، شفير النـهر وشفير البئر، وشفير الوادي وكذلك شفر الفرج: حروف أشاعره. وشفار: موضع. وشفرة السيف: حده والشفرة: السكين أيضا، ويسمى إزميل الحذاء شفرة. ومشفر البعير ومشفره أيضأ مثل الجحفلة من الفرس والشفة من الإنسان. ويربوع شفاري، وهو الذي على أذنـه شعر.

(1/397)

والشرف والشريف: موضعان بنجد. والشرف: علو الحسب. وشرف الإنسان: أعلى جسمـه. والرجل شريف، والذي دونـه لا حسب له مشروف. والرجل الأشرف: الطويل الأذنين، وبه سمي الرجل أشرف. وناقة شرافية: مرتفعة عالية. وناقة شارف: مسنة. وشراف: موضع معروف. وشرفت القصر وغيره، إذا جعلت له شرفا. وأذن شرافية وشفارية، إذا كانت عالية طويلة وعليها شعر.
والفرش: مصدر فرشت الفراش أفرشـه فرشا. وافترشت الأرض، إذا اتخذتها فراشا، وافترش الرجل المرأة كذلك. والفريش من الخيل: التي يحمل عليها بعد نتاجها بسبعة أيام، والجمع الفرائش، قال الأصمعي: وهو خير أوقاتها في النتاج. قال ذو الرمة:
باتت يقحمـها ذو أزمل وسقت ... له الفرائش والسلب القياديد
يصف آتنا، وسقت: جمعت الماء في رحمـها، والسلب: جمع سلوب، وهي التي فقدت ولدها، والفريش في الخيل والحمير سواء. والفرش من الإبل: صغارها التي لا يحمل عليها، الواحد والجمع فيه سواء. وكذلك فسر في التنزيل في قوله جل وعز: " حمولة وفرشا " ، والله أعلم.
والفراش: جمع فراشة، وهي دويبة تطير بالليل فتسقط في النار. وفي الحديث: " فيتتابعون تتابع الفراش في النار " . وفراش الرأس: عظام رقاق متداخلة في مقدمـه تحت الجبهة والجبينين. قال النابغة:
تطير فضاضا بينـهم كل قونس ... ويتبعها منـهم فراش الحواجب
والفرش: الفضاء الواسع من الأرض. والمفارش: النساء، ويقال: فلان كريم المفارش، إذا تزوج كرائم النساء. والمفارش أيضا: كل ما افترشته. وفراشة القفل أحسبها عربية صحيحة، وقد سموها المنشب. وأكمة مفترشة الظهر، إذا كانت دكاء، وكذلك الناقة، وجمل مفترش الظهر: لا سنام له. وما بقي من الغدير إلا فراشة، أي ماء قليل.
ر - ش - ق
الرشق: مصدر رشقت بالنبل رشقا، بفتح الراء. والرشق، بكسر الراء: السهام بعينـها التي يرشق بها. وغلام رشيق: خفيف الجسم لبق، والمصدر الرشاقة. وأرشقت الظبية، إذا مدت عنقها، وأرشقت المرأة، إذا تابعت نظرها، والمرأة والظبية مرشقتان، والجمع مرشقات ومراشق. ورشقه بالكلام، كأنـه رماه بـه كالرمي بالنبل.
والرقش: النقش، حية رقشاء: فيها ألوان من سواد وحمرة وغيرهما، والإسم الرقشة والرقش. ورقش فلان الكلام، إذا تم وكذب. قال رؤبة:
عاذل قد أولعت بالترقيش
إلي سرا فآطرقي وميشي
ورقش كلامـه أيضا، إذا زوره. وتسمى شقشقة البعير رقشاء لما فيها من اختلاف الألوان. قال الراجز:
وهو إذا جرجر بعد الهب ... جرجر في رقشاء مثل الحب
ويروى: في شقشقة كالحب. وسميت المرأة رقاش، معدولة عن راقشة، وفي العرب بطون ينسبون إلى رقاش، وهن أمـهاتهم، في بكر بن وائل بنو رقاش، وفي كلب رقاش، وأحسب أن في كندة بطنا أيضا يقال لهم بنو رقاش. والذين بالبصرة من بكر بن وائل بنو رقاش.
والرقشاء: دويبة تكون في العشب شبيهة بالحمطوط فيها حمرة وصفرة، قال أبو بكر: الحمطوط: دودة منقوشة مليحة. والمرقشان الشاعران كلاهما من بني قيس بن ثعلبة، وإنما سمي الأكبر منـهما بقوله:
الدار قفر والرسوم كما ... رقش في ظهر الكتاب قلم
والشقرة في الإنسان: حمرة تعلو البياض، والشقرة في الخيل: حمرة صافية يحمر معها السبيب والمعرفة والناصية، الذكر أشقر والأنثى شقراء. والشقرة: نور أحمر شبيه بالشقائق، أو هو هو. قال الشاعر:
وتساقى القوم كأسا مرة ... وعلا الخيل دماء كالشقر
وبنو شقرة: بطن من بني عمرو بن تميم، وأبوهم الحارث ابن مازن بن عمرو بن تميم، وإنما سمي الحارث الشقر بقوله:
وقد أحمل الرمح الأصم كعوبه ... بـه من دماء القوم كالشقرات

(1/398)

فسمي شقرة. وبنو شقرة أيضا: بطين أحسبهم من بني ضبة. والأشاقر: بطن من العرب كانت أمـهم تسمى الشقيراء، وأبوهم أسعد بن مالك بن عمرو بن مالك بن فهم، منـهم كعب بن معدان الأشقري الشاعر، ومن مواليهم شعبة بن الحجاج المحدث.
والشقارى: نبت، وقالوا الشقارى بالتشديد، وقالوا الشقار. ويقال: خبرته بشقوري، أي بحالي وأمري. ويقال: جاء فلان بالشقر والبقر، ويقال بالشقارى والبقارى، إذا جاء بالكذب.
وقد سمت العرب أشقر وشقران وشقيرا. والمشقر: حصن بالبحرين قديم وله حديث.
والمشاقر: منابت أحرار البقل، النصي وما أشبه ذلك، الواحد مشقر.
والشرق ضد الغرب، والمشرق ضد المغرب، والمشرقان: مطلع الشتاء ومطلع الصيف، والمشارق: مطالع الشمس كل يوم حتى تعود إلى المطلع الأول في الحول. وشرقت الشمس، إذا طلعت، وأشرقت، إذا امتد ضوءها. ويقال: " لا أفعل ذلك ما ذر شارق " ، أي ما طلع قرن الشمس. والشارق: صنم كان في الجاهلية، وبه سمت العرب عبد الشارق، هكذا يقول ابن الكلبي. وشريق: اسم أيضا. وشرق الرجل يشرق شرقا، إذا اغتص بالماء. قال عدي بن زيد:
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري
الاعتصار: النجاة. والمشرقة، بضم الراء وفتحها: الموضع الذي يستدرى فيه من الريح وتطلع فيه الشمس، وقال في الإملاء: حيث يقعد المتشرق في الشمس. قال الشاعر:
تريدين الطلاق وأنت عندي ... بعيش مثل مشرقة الشتاء
ويروى: مثل مشرقة الشمال. ومشريق: موضع، وقال سيبويه: مشريق آلة من آلة الباب.
والمشرق: المصلى. قال أبو ذؤيب:
حتى كأني للحوادث مروة ... بصفا المشرق كل يوم تقرع
وأيام التشريق التي بعد الأضحى إنما سميت بذلك لأنـهم كانوا يشرقون اللحم فيها، أي يبسطونـه ليجف. وشرق الثوب بالصبغ، إذا احمر فاشتدت حمرته. ولطمـه فشرق الدم في عينـه، إذا احمرت واشرورقت. وذكر الأصمعي أن رجلا لطم رجلا فاشرورقت عينـه واغرورقت فقدم إلى شريح أو إلى الشعبي فقال:
لها أمرها حتى إذا ما تبوأت ... بأخفافها مأوى تبوأ مضجعا
يقول إنـه لا يحكم فيها حتى ينظر إلى ما يصير أمرها. والأشراق: جمع شرق، والإشراق: المصدر. وناقة شرقاء، إذا شقت أذنـها بنصفين طولا، وكذلك شاة شرقاء.
والقرش: الجمع، تقرش القوم، إذا تجمعوا، وبه سميت قريش لتجمعها. قال أبو بكر: وقد كثر الكلام في هذا فقال قوم: قريش دابة من دواب البحر، وقال آخرون: سميت قريش بقريش بن يخلد بن غالب بن فهر وكان صاحب عيرهم فكانوا يقولون: قدمت عير قريش وخرجت عير قريش، وقال قوم: سميت قريشا لأن قصيا قرشـها أي جمعها، فلذلك سمي قصي مجمعا: قال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب:
أبونا قصي كان يدعى مجمعا ... بـه جمع الله القبائل من فهر
وقال أيضا:
نحن كنا سكانـها من قريش ... وبنا سميت قريش قريشا
وقال آخرون: تقرش الرجل، إذا تنزه عن مدانس الأمور. ويقال: تقارشت الرماح في الحرب، إذا تداخل بعضها في بعض. قال أبو زبيد:
إما تقارش بك الرماح فلا ... أبكيك إلا للدلو والمرس
وقد سمت العرب قريشا ومقارشا.
والقشر: مصدر قشرت الشيء أقشره قشرا، إذا انتزعت عنـه قشره. ورجل قاشور: مشؤوم، ومثل من أمثالهم: " أشام من قاشر " ، وهو فحل من الإبل، وله حديث. ورجل أقشر، إذا أفرطت حمرته حتى ينقشر جلده، وامرأة قشراء كذلك. والأقيشر: لقب شاعر معروف.
وبنو قشير: قبيلة من العرب معروفة. وسنة قاشورة: مجدبة لا خير فيها. قال الراجز:
فآبعث عليهم سنة قاشوره
تحتلق المال احتلاق النوره
ر - ش - ك
الشكر من قولهم: الشكر لله، وشكرت لك النعمى، ولا يكادون يقولون: شكرتك.

(1/399)

وبنو شاكر: قبيلة من همدان. وبنو شكر: بطن من الأزد. وبنو يشكر: بطن من بكر بن وائل. وشوكر: اسم من أسمائهم، الواو زائدة، واشتقاقه من الشكر. والشكير: ما نبت من العشب تحت ما هو أعلى منـه فلا يزال ضعيفا. والشكير أيضا: الشعر الصغار في معرفة الفرس. والشكير أيضا: شعر ينبت خلال الشيب ضعيفا. قال الراجز:
الآن إذ لاح بك القتير
والرأس قد صار له شكير
ونام لا يحذرك الغيور
واشتكر ضرع الناقة، إذا امتلأ لبنا، ويقال: أشكر أيضا. وربما استعير ذلك للسحاب فيقال: اشتكرت السحابة، إذا كثر ماؤها. والشكر: بضع المرأة. قال الشاعر:
وبيضاء المعاصم إلف لهو ... خلوت بشكرها ليلا تماما
واختصم رجل وامرأة إلى يحيى بن يعمر فقال يحيى للرجل: " أأن سألتك ثمن شكرها وشبرك أنشأت تطلها وتضهلها " قوله تطلها: تمطلها، وتضهلها: تعطيها قليلا قليلا. ويقال: بئر ضهول، إذا كانت قليلة الماء، وكذلك ناقة ضهول، إذا قل لبنـها. وامرأة شكور: يستبين عليها أثر الغذاء سريعا، وكذلك الفرس.
والشرك: مصدر شركت الرجل في ماله أشركه شركا. وشارك فلان فلانا شرك عنان أو شرك مفاوضة، فالعنان في صنف من المال بعينـه، والمفاوضة في جميعه. قال الشاعر:
أبى ابن كزمان كعب أن يصاهره ... مسكان شرك عنان وهو أسوار
الأسوار بالفارسية: الفارس. وشريك الرجل ومشاركه سواء. والإشراك بالله جل وعز: مصدر أشرك إشراكا، وهو أن يدعو لله شريكا، تبارك ربنا وتعالى. وشراك النعل: معروف، والجمع شرك، وشركت النعل تشريكا، وقال قوم: أشركتها إشراكا، وليس بالعالي. والشراك: الطريق الدقيق ينشعب عن جادة، والجمع شرك. وشرك الصائد: حبالته، الواحدة شركة، والجمع شرك أيضا. وقد سمت العرب شريكا وشريكا، وهو أبو بطن منـهم. وبنو شريك بن مالك بن عمرو بن مالك بن فهم، منـهم مسدد بن مسرهد، ومن مواليهم مقاتل بن سليمان.
والكرش لنوات الأربع من الخف والظلف مثل المعدة للإنسان، والجمع أكراش وكروش.
وكرش الرجل: وعاء يحفظ فيه نفيس متاعه. وفي حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " الأنصار كرشي وعيبتي " ، أي الذين أطلعهم على أسراري، ووجه الحديث: كرشي، أي مددي، أي الذين استمدهم لأن الخف والظلف يستمد الجرة من كرشـه. وتكرش القوم، إذا تجمعوا. وكرش فلان وجهه، إذا قبضه. وكرشان بن الآمري بن مـهرة بن حيدان بن آلحاف بن قضاعة: أبو قبيلة من العرب. ونزل بنا أكراش من الناس، أي جماعات. فأما الأكارس فالجماعات، لا واحد لها من لفظها، بالسين غير معجمة. والكرشة أيضا: ضرب من النبت.
والكشر أن يبدي الرجل ثناياه وأنيابه ورباعياته ضاحكا أو متغيظا. قال الشاعر:
فما ظنكم بآبن الحواري مصعب ... إذا افتر يوما كاشرا غير ضاحك
ر - ش - ل
أهملت.
ر - ش - م
الرشم فارسي معرب، وقد أعرب فقيل روشم وروسم.
والرمش: اللمس باليد أو التناول بأطراف الأصابع، رمشته أرمشـه وأرمشـه رمشا، إذا تناولته بأطراف أصابعك. ويقلب أيضا فيقال: مرشته أمرشـه مرشا.
والشمر: التبختر، شمر يشمر شمرا، إذا مر متخايلا. وشمر في أمره تشميرا، إذا جد.
وشمر من ثيابه، إذا قبضها إليه. وشمر أذياله لهذا الأمر، إذا تأهب له. ومنـه رجل شمري، إذا كان جادا في أموره. وقد سمت العرب شمرا ومشمرا. وشمر يرعش: ملك من ملوك حمير.
والشرم: الشق، يقال: شرمت عين الرجل، إذا شققت جفنـه الأعلى. وأبرهة الأشرم الحبشي ملك الحبشة، وهو صاحب الفيل، سمي بذلك لشرم كان بعينـه. وناقة شريم، إذا زندت فشرمت أشاعرها. قال الشاعر:
وناب همة لا خير فيها ... مشرمة الأشاعر بالمذاري
وامرأة شريم: مفضاة. وكل شق في جبل أو صخرة لا ينفذ فهو شريم.
والمرش: التناول بأطراف الأصابع كالقرص، مرشـه يمرشـه مرشا.

(1/400)

والمشر من قولهم: تمشر الرجل، إذا اكتسى وحسنت حاله.
وتمشر العود، إذا أورق. ورجل مشر، بكسر الميم، وهو الشديد الحمرة الأقشر. وبنو المشر: بطن من مذحج. ومشرت الشيء أمشره مشرا، إذا أظهرته. ومنـه قول الشاعر:
فقلت أشيعا مشرا القدر حولنا ... وأي زمان قدرنا لم تمشر
أي لم تظهر. والمشارة: الكردة، وليس بالعربية الصحيحة.
ر - ش - ن
الرشن: أصل بناء فعل الراشن، وهو الذي تسميه العامة الطفيلي، رشن يرشن رشنا ورشونا، ومنـه يقال: رش الكلب في الإناء، إذا أدخل رأسه فيه.
والشنر. أصل بناء الشنير، وهو السيىء الخلق. وبنو شنير: بطن من العرب أحسبهم من بني كنانة. والشنار: أقبح العار. قال الشاعر:
من الخفرات لم تفضح أخاها ... ولم ترفع لوالدها شنارا
والنشر: مصدر نشرت الثوب وغيره أنشره نشرا، ونشرت الحديث، إذا أذعته ونشرت العود بالمنشار نشرا، ووشرته وشرا وأشرته أشرا، في لغة من سمى المنشار منشارا. قال الشاعر:
لقد عيل الأيتام طعنة ناشره ... أناشر لا زالت يمينك آشره
أي مأشورة بالمئشار. قال أبو بكر: وهذا فاعل في موضع مفعول كقوله تعالى: " في عيشة راضية " ، في معنى مرضية. وشممت نشر الطيب، أي رائحته. وما أحسن نشر الأرض، إذا ابتدأ فيها النبت. ونشر الله الميت وأنشره لغتان فصيحتان، والميت منشور ومنشر. وفي التنزيل: " ثم إذا شاء أنشره " . قال الشاعر:
حتى يقول الناس مما رأوا ... يا عجبا للميت الناشر
أي المنشور. ونشرت عن المريض، إذا رقيته حتى يفيق، وهي النشرة. وانتشر الفحل، إذا أنعظ أو رول، والترويل أن يلألىء ولاينعظ. والنشر: الرائحة، وأكثر ما تخص بـه الرائحة الطيبة، وربما سميت الخبيثة أيضا نشرا. والنشر: أن يصيب اليبيس مطر في دبر الصيف فيتفطر بورق، وهو داء إذا أكله المال يصيبه السهام ويهرب الناس منـه بأموالهم. وقد سمت العرب ناشرة، وأحسب اشتقاقه من نشرت الشيء بالمنشار. والنشر: أن ينبت الشعر على الدبر وتحته فساد. قال الشاعر:
وفينا وإن قيل اصطلحنا تضاغن ... كما طر أوبار الجراب على نشر
إذا ما رآني ظل كاسر عينـه ... ولا جن بالبغضاء والنظر الشزر
والنشر: خلاف الطي. قال الشاعر:
والسوق يطويه وينشره
والنشر: النضح إذا صببت الماء من إناء في إناء أو صببت عليك فانتشر، ومنـه حديث الحسن رحمـه الله: " أتملك نشر الماء لا أم لك؟ " .
والنرش زعم بعض أهل اللغة أنـه التناول باليد، نرشـه نرشا، ولا أعرف ذلك. وليس في كلامـهم راء قبلها نون، ولا تلتفت إلى نرجس فإنـه فارسي معرب.
ر - ش - و
الرشو: مصدر رشاه يرشوه رشوا، والاسم الرشوة.
والشور: مصدر شرت العسل أشوره شورا فهو مشور، وأشاره يشيره فهو مشار، واشتاره يشتاره فهو مشتار، وأبى الأصمعي إلا شرته فهو مشور، وأنشد في ذلك:
كأن جنيا من الزنجبي ... ل بات بفيها وأريا مشورا
ورد " أشرت العسل " ، وأنكر بيت عدي بن زيد:
في سماع يأنن الشيخ له ... وحديث مثل ماذي مشار
فأما اشتار يشتار فهو افتعل يفتعل، ولا يوضح أمن فعل هو أو من أفعل. والشوار: متاع البيت. والشوار: الفرج. وشور: والد قعقاع بن شور الذي يضرب بـه المثل فيقال: " جليس قعقاع بن شور " ، وهو رجل شريف. ومشوار الدابة: الموضع الذي يعرض فيه.
والشرو: أصل بناء قولهم: هذا شروى هذا، أي مثله. قال الحارث بن حلزة:
وإلى ابن مارية الجواد وهل ... شروى أبي حسان في الإنس
والوشر من قولهم: أسنان موشرة حسنة الوشر، وهو التحزيز في أطرافها، وأحسب أن أصله من قولهم: وشرته بالميشار وشرته.
ر - ش - ه
الرهش من قولهم: رجل رهيش العظام، إذا كان دقيقها قليل اللحم عليها. والرواهش واحدها راهش، وهو عصب باطن الذراع. قال الشاعر:

(1/401)

وأعددت للحرب فضفاضة ... دلاصا تثنى على الراهش
وسهم رهيش: مرهف رقيق. قال امرؤ القيس:
برهيش من كنانته ... كتلظي الجمر في شرره
يريد أن هذا السهم قد أرقه بالمبرد وهو الضئيل، يعني الرهيش.
والشـهر: معروف. وشـهرت السيف، إذا انتضيته. وشـهرت الحديث، إذا أظهرته. ورجل شـهير ومشـهور بخير أو شر: نبيه. وقد سمت العرب شـهرا وشـهيرا ومشـهورا وشـهران وهو أبو قبيلة من العرب من خثعم. والأشاهر: بياض النرجس، هكذا قال أبو حاتم.
والشره: النـهم، رجل شره وامرأة شرهة.
والهشر: خفة الشيء ورقته، ومنـه اشتقاق الهيشر، وهو نبت ضعيف، الياء منـه زائدة.
والهرش من تهارش الكلاب، تهارشت تهارشا واهترشت اهتراشا. قال الراجز:
كأنما دلالها على الفرش
من آخر الليل كلاب تهترش
وقد سمت العرب هراشا ومـهارشا.
ر - ش - ي
الرشي أصل قولهم: ترشيت الرجل ورشيته، إذا لاينته ترشية وترشيا.
والريش: معروف، ومنـه رشت السهم أريشـه ريشا، إذا جعلت له قذذا. ومثل من أمثالهم: " فلان لا يريش ولا يبري " ، معناه: لا ينفع ولا يضر. وتريش الرجل، إذا حسنت حاله.
وراشني فلان يريشني ريشا، إذا استبانت منـه عليك حال حسنة. والرياش: الحال الجميلة، وقد قرىء: " وريشا " و " ورياشا " أيضا. وأعطاه مائة بريشـها، اختلف في هذا المعنى فقال الأصمعي: بريشـها: برحالها، وقال أبو عبيدة: كانت الملوك إذا حبت حباء جعلوا في أسنمة الإبل ريشا ليعرف أنـه حباء الملك.
والشير من قولهم: فلان صير شير، إذا كان حسن الصورة والشارة، وأصله الياء.
والشري: ورق الحنظل. والشريان: ضرب من الشجر يتخذ منـه القسي. قال الراجز:
شريانة تمنع بعد لين
وشري جلده يشرى شرى شديدا، إذا ظهرت فيه حدور، أي آثار وبثور. وشري الرجل في الأمر يشرى فيه، إذا لج. وبه سمي الشاري في قول قوم، وهو أقبح القولين عندهم.
والشراة تقول إنما تسموا بذلك لأنـهم شروا أنفسهم لله تعالى، أي باعوها، ومن ذلك شري السحاب، إذا دام مطره كأنـه لج في المطر، وهذا يرجع إلى القول الأول. والشرى: الناحية، مقصور، والجمع أشراء. قال الشاعر:
لعن الكواعب بعد يوم صرمنني ... بشرى الفرات وبعد يوم الخندق
وقال الشاعر:
لقد شعلت كل شرى بنار
أي كل ناحية.
ويقال: أشر الشيء، إذا أظهر. قال امرؤ القيس:
تجاوزت أحراسا إليها ومعشرا ... علي حراصا لو يشرون مقتلي
ويروى: يسرون، بالسين. وقال كعب بن جعيل:
وما برحوا حتى رأى الله فعلهم ... وحتى أشرت بالأكف المصاحف
وللراء والشين والياء مواضع تراها في الاعتلال إن شاء الله تعالى.
باب الراء والصاد
مع ما بعدهما من الحروف
ر - ص - ض
أهملت.
ر - ص - ط
الصطر: معروف، بالصاد والسين. والصطر في بعض اللغات: العتود من الغنم، بالصاد والسين.
والصراط: معروف، بالصاد والسين.
والمسرط: مسرط الطعام، بالسين والصاد، والسين أعلى.
والطرس: الكتاب، بالسين والصاد.
ر - ص - ظ
أهملت.
ر - ص - ع
الرصع: الضرب باليد. والرصائع: حلية السيف إذا كانت مستديرة، الواحدة رصيعة، وكل حلقة في حلية سيف أو سرج أو غير ذلك مستديرة فهي رصيعة. قال الشاعر:
ضربناهم حتى إذا اربث جمعهم ... وصار الرصيع نـهية للحمائل
يقول: انكبوا على وجوههم فصارت أجفان السيوف في موضع الحمائل، وقوله: اربث: تفرق، والنـهية: الغاية، وكل شيء انتهيت إليه فهو نـهية. والرصع مثل الرسح سواء، رجل أرصع وامرأة رصعاء، وهو خفة المؤخر. قال جرير:
ورصعاء هزانية يخلق ابنـها ... لئيما إذا ما جن في اللحم والدم
والرصع: فراخ النحل، الواحدة رصعة، بسكون الصاد. والرصع: الطعن الشديد، يقال: رصعه بالرمح وأرصعه، وهو شدة الطعن. قال الراجز:
وخزا إلى النصف وطعنا أرصعا

(1/402)

وفوق أغياب الكلى وكسعا
والرعص: الضرب، من قولهم: رعصه، إذا ضربه، وضربه حتى ارتعص، أي التوى من شدة الضرب. وارتعصت الحية، إذا التوت. قال الراجز:
إلا ارتعاصا كارتعاص الحيه
على شرا سيفي ومنكبيه
وارتعص الجدي، إذا طفر نشاطا، وأحسب أن هذا مقلوب عن اعترص الفرس وارتعص، وهما واحد. وارتعص الرمح ارتعاصا، إذا اشتد اهتزازه. قال أوس بن حجر:
أصم ردينيا كأن كعوبه ... نوى القسب عراصا مزجا منصلا
والرعص شبيه بالنفض من قولهم: رعصت الريح الشجرة، إذا نفضت أغصانـها.
والصعر: داء يصيب الإبل فتلتوي منـه أعناقها، وبه سمي المتكبر أصعر. وتصاعر الرجل وتصعر، إذا لوى خده من الكبر. وذكر أبو عبيدة أن من هذا قوله عز وجل: " ولا تصغر خدك للناس " . وقد سمت العرب أصعر وصعيرا وصعران. وصعير بن كلاب: أحد فرسان العرب المذكورين. قال مـهلهل:
عجبت أبناؤنا من فعلنا ... إذ نبيع الخيل بالمعزى اللجاب
علموا أن لدينا عقبة ... غير ما قال صعير بن كلاب
اللجاب: واحدها لجبة، بسكون الجيم، وهي التي قد ارتفع لبنـها، وإنما سكنوا في الجمع لجبات لأنـها صفة. والمعزى لا واحد لها من لفظها، ومعز، بسكون العين: جمع ماعز مثل صاحب وصحب. ويقال أيضا: اللجاب من قولهم عنز لجبة: قريبة العهد بالنتاج. وهذه الكلمة لصعير بن كلاب لما جاءهم مـهلهل يسألهم مرعى وهم في المـهادنة التي كانت بينـهم فقال صعير: " والله لا نرعيهم حتى يبيعوا المـهرة الشوهاء بالعنز اللجبة، الشوهاء من كل شيء: القبيحة إلا من الخيل فإنـها الحسنة منـها، وقالوا: هي الواسعة الأشداق، فقال مـهلهل حيئنذ هذه الأبيات. والصعرور: صمغ شجر يستطيل ويلتوي، والجمع صعارير. قال الشاعر:
إذا أورق العوفي جاع عياله ... ولم يجدوا إلا الصعارير مطعما
ويقال: ضربه فاصعنرر، أي التوى من الوجع، وتسمى دحروجة الجعل صعرورة، وليس بثبت قال الراجز:
يبعرن مثل الفلفل المصعرر
والصرع: مصدر صرعت الرجل أصرعه صرعا، فهو صريع ومصروع.
ورجل صريع، إذا كان حاذقا بالصراع. ورجل صرعة، إذا كان كذلك، بفتح الراء، فإذا قلت: رجل صرعة، فهو الذي يصرعه كل من صارعه. والمصاريع: الأبواب، واحدها مصراع، ولا يكون الباب مصراعا حتى يكون اثنين، ومن ذلك قيل: مصراع الشعر، لأنـه نصف بيت فشبه مصراع الباب به. والصرعان، بكسر الصاد وفتحها: الغداة والعشي. تقول: ما أراه الصرعين، أي غدوة وعشية.
والعرص من قولهم: عرص البرق يعرص عرصا وعرصا، وارتعص ارتعاصا، وهو اضطرابه في السحاب فالبرق عراص، وربما سمي السحاب عراصا لاضطراب البرق فيه.
وعرصة الدار: ما لا بناء فيه، والجمع عرصات وعراص. والعرص: خشبه توضع في وسط سقف البيت ويوضع عليها أطراف الخشب. والعرص: النشاط. ولحم معرص: لم يستحكم نضجه.
والعصر: الدهر.
والعصر: الملجأ، وهو المعتصر أيضا. قال الشاعر:
وصاحبي وهوة مستوهل زعل ... يحول بين حمار الوحش والعصر
وكل ما التجأت إليه من شيء فهو عصر ومعتصر وعصرة. قال عدي بن زيد:
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري
وبنو عصر: بطن من العرب من عبد القيس. وذكر أبو عبيدة أن قوله تعالى: " فيه يغاث الناس وفيه يعصرون " ، قال: ينجون من الجدب. وعصارة كل شيء: ما سال منـه إذا عصر، وليست العصارة بالثجير كما تقول العامة. قال الشاعر:
والعود يعصر ماؤه ... ولكل عيدان عصاره
ووصف بعض العرب رجلا فقال: والله ما كان لدنا فيعتصر ولا كان هشا فيكتسر.
والعصران: الغداة والعشي. وجارية معصرة ومعصر أيضا، والجمع معاصر، وهي التي قد جاوزت حد الكاعب، والجمع أيضا معصرات. قال الراجز:
جارية بسفوان دارها
تمشي الهوينا مائلا خمارها

(1/403)

معصرة أو قد دنا إعصارها
وقال الآخر:
قل لأمير المؤمنين الواهب
أوانسا كالربرب الربائب
من ناهد ومعصر وكاعب
والمعصرات: السحاب لأن الناس ينجون بسببها من الجدب، ومنـه قوله تعالى: " وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا " هكذا يقول أبو عبيدة، والله أعلم. والإعصار: غبار يثور من الأرض فيتصاعد في السماء، والجمع أعاصير، هكذا فسر قوله تعالى: " فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت، هكذا يقول أبو عبيدة، والله أعلم. وعوصرة: اسم الواو فيه زائدة، وهو من العصر. وسميت صلاة العصر لأنـها تصلى في أحد العصرين، وهو آخر النـهار. وقالوا: صلاة العصر وصلاة العصر. أخبرنا أبو عثمان الأشنانداني قال: سمعت الأخفش يقول: كنت عند الخليل فسأله رجل عن حد الليل فقال: من ندأة الشفق إلى ندأة الفجر.
ر - ص - غ
الرصغ والرسغ، بالصاد والسين: رسغ الدابة وغيره، وهو موصل الوظيف بالحافر من ذوات الأربع، ومن الناس موصل الكف بالذراع. والرساغ: حبل يشد في رسغ الدابة إلى وتد أو غيره، وكذلك في الرجلين، وهو الرساغ، بالسين والصاد أيضا. ورصاغ، بالصاد والسين: موضع.
والصغير: خلاف الكبير، والمصدر منـه الصغر. والصغار: الذل. والأصغر: خلاف الأكبر، وجمع أصغر أصاغر، وجمع صغير صغار. وقد سمت العرب صغران.
ر - ص - ف
الرصف والرصف جميعا: كل شيء ثنيت بعضه على بعض أو ضممت بعضه إلى بعض، وكل شيء فعلت بـه ذلك فقد رصفته. وكذلك تراصف الصخر في البناء والجبل، إذا تلاصق بعضه ببعض. والرصاف: العقب الذي يشد على فوق السهم. والرصفة والرصفة: عقبة تشد على عقبة تشد بها حمالة القوس العربية إلى عجسها. قال أبو بكر: الحمالة إنما تكون للقوس العربية، وهي مثل حمائل السيف، فأما سائر القسي فلا يكون لها حمالة. والرصاف: موضع معروف. والرصافة أيضا: موضع معروف. والرصاف: حجارة بيض ينضم بعضها إلى بعض يجري عليها الماء.
والصفر: حية تكون في البطن تعدي. وفي الحديث: " لا عدوى ولا هامة ولا طيرة ولا صفر " . قال الشاعر:
لا يتأرى لما في القدر يرقبه ... ولا يعض على شر سوفه الصفر
قوله يتأرى: يتحبس، ومنـه آري الدابة، والعدوى: أن يعدي الداء من واحد إلى واحد، والطيرة: ضد ما يتيمن به، يقال من ذلك: تطير الرجل تطيرا وطيرة، ومن العدوى أعداه إعداء، والاسم العدوى. والصفر: الحية المعروفة. والصفر: هذا الجوهر الذي تسميه العامة الصفر. والصفر، بكسر الصاد: الشيء الفارغ، صفر يصفر صفرا فهو صفر كما ترى. قال الشاعر:
وأفلتهن علباء جريضا ... ولو أدركنـه صفر الوطاب
والصفار: يبيس البهمى. قال أبو دواد:
فبتنا قياما لدى مـهرنا ... ننزع من شفتيه الصفارا
ويروى: عراة. قال أبو بكر: قال الأصمعي: قوله فبتنا عراة يريد تأزرنا وتشددنا. وقال آخرون: عراة: أصابهم العرواء، أي الزمع، هؤلاء كانوا في الرهان، وقال بعضهم: أخذهم العرواء من الرهان. ويقال: ما بالدار صافر، أي ما بها أحد. ومن أمثالهم: " أجبن من صافر " ، وله تفسيران، وليس هذا موضعه. والصفير: صوت المكاء والصقر وما أشبههما.
ومرج الصفر: موضع. والصفران: شـهران من السنة سمي أحدهما المحرم في الإسلام.
والصفرة: لون معروف. والصفاري: ضرب من الطير. والأصفر: الأسود، والعرب تسمي الواد صفرة. قال الشاعر - الأعشى:
تلك خيلي منـه وتلك ركابي ... هن صفر أولادها كالزبيب
يقوله الأعشى لقيس بن معد يكرب. قال أبو بكر: فهذا يدلك أنـهم يسمون الأسود أصفر.
وتنسب الروم إلى الأصفر فيقال: بنو الأصفر. والصفرية: قوم من الحرورية سموا بذلك لأنـهم أصحاب عبد الله بن صفار صاحب الصفرية، من هذا اشتقاق اسم أبيه. ويقال: رجل صفر اليد وامرأة صفر اليد، إذا خلت أيديهما من الخير. ويقال: هذه جرادة صفراء، إذا لم يكن في بطنـها بيض. قال الشاعر:
كأن جرادة صفراء طارت ... بأحلام الغواضر أجمعينا

(1/404)

والصرف من قولهم: لا يقبل الله منـه صرفا ولا عدلا، فقال بعض أهل اللغة: الصرف: الفريضة، والعدل: النافلة، وقال آخرون: الصرف: الوزن، والعدل: الكيل. والصريف: اللبن إذا سكنت رغوته. قال الراجز:
لم يغذها مد ولا نصيف
ولا تميرات ولا تعجيف
لكن غذاها اللبن الخريف
المحض والقارص والصريف
وقال بعض أهل اللغة: لا يسمى صريفا حتى ينصرف بـه عن الضرع. والصريف: صريف الفحل من الإبل بنابه حتى يسمع له صوت. قال النابغة:
مقذوفة بدخيس النحض بازلها ... له صريف صريف القعو بالمسد
وقال بعض أهل اللغة: صريف الفحل: تهدده.
وصريف الناقة إعياء، وربما كان أينا وربما كان نشاطا. ويقال: عنز صارف، إذا أرادت الفحل، وزعم قوم أن هذه الكلمة مولدة. والصراف: بياع الدراهم، وهو الصيرفي أيضا. قال الشاعر:
تنفي يداها الحصى في كل هاجرة ... نفي الدراهيم تنقاد الصياريف
ورجل صيرف: متصرف في الأمور مجد فيها. قال الشاعر:
قد كنت خراجا ولوجا صيرفا ... لم تلتحصني حيص بيص لحاص
اللحاص: الضيق، وتلتحصني: تفتعلني منـه، وحيص بيص: كلمتان تقالان يومأ بهما إلى الضيق وما لا يتخلص منـه. يقول: لم تضق علي الأمور. والصرف: صبغ أحمر. قال الأصمعي: هو الصبغ الذي تصبغ بـه شرك النعال. قال الشاعر:
كميت غير محلفة ولكن ... كلون الصرف عل بـه الأديم
يعنى فرسا، يقول: لونـها غير مشكل على من رآه فلا يحلف عليه. وقال أيضا: المحلفة: التي يشك فيها فيحلف هذا أنـها كميت ويحلف هذا أنـها ليست كذلك. وقد يسمى الدم صرفا تشبيها بذلك. قال الشاعر:
شامذا تتقي المبس عن المر ... ية كرها بالصرف ذي الطلاء
وإنما يصف حربا، ألا تراه يقول قبل هذا:
أصبحت حربنا وحرب بني الحا ... رث مشبوبة بأغلى الدماء
إنما أراد أن الناقة تحلب لبنا، وهذه الحرب تحلب دما، والصرف: الدم، والطلاء: الدم بعينـه.
وصرف الدهر: تقلبه، والجمع صروف. قال الراجز:
ونجذتني هذه الصروف
عزوزها والثرة الصفوف
يروى: الصفوف والضفوف بالصاد والضاد. وهذا مثل، يقول: " تصرف بي الدهر في شدته ورخائه " ، والعزوز: الضيقة الأحاليل من النوق والغنم، والثرة: الغزيرة. وهذا مثل.
والصرفان: تمر معروف. وزعم قوم أن الرصاص يسمى صرفانا، ولا أدري ما أقول فيه. وأنشدوا بيت الزباء:
أجندلا يحملن أم حديدا
أم صرفانا باردا شديدا
وقد سمت العرب مصرفا وصارفا. والصرفة: نجم من منازل القمر.
والفرص: القطع بالمفراص، والمفراص: حديدة عريضة يقطع بها الحديد، وقال قوم: بل هو إشفى عريض الرأس تخصف بـه النعال يستعمله الحذاءون وغيرهم. قال الشاعر:
وأدفع عن أعراضكم وأعيركم ... لسانا كمفراص الخفاجي ملحبا
الخفاجي: منسوب إلى حي من بني عامر بن صعصعة. والفرصة: قطعة صوف أو قطن.
وفي الحديث: " خذي فرصة ممسكة " . وفراص: أبو بطن من العرب. والفرصة من قولهم: انتهز فلان فرصته، أي اغتنمـها عند إمكانـها. والفريصة: لحمة في مرجع الكتف ترعد عند الفزع، والجمع فرائص، وقد قالوا: فراص، كأنـه جمع فرصة.
؟ر - ص - ق ال: شبيه بالنقزان من النشاط، ي ا، وهو من أحد المصادر التي جاءت على فعل فعلا، وهي ستة أو سبعة: ا، ورفض رفضا، وطرد طردا، وحلب حلبا، وقنص قنصا، وجلب جلبا، وطلب طلبا، وهرب هربا. وأ الرجل بعيره إرقاصا، إذا حمله على الخبب، وكذلك روي بيت حسان بن ثابت:
بزجاجة ت بما في قعرها ... القلوص براكب مستعجل
ومن روى: القلوص فقد أخطأ.

(1/405)

 




[الموسوعة الشاملة - جمـهرة اللغة ولما قسمت نهم]

نویسنده و منبع | تاریخ انتشار: Thu, 16 Aug 2018 09:10:00 +0000



لز من م

الموسوعة الشاملة - جمـهرة اللغة

الموسوعة الشاملة - جمـهرة اللغة

صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

 


الكتاب : لز من م جمـهرة اللغة
المؤلف : ابن دريد
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

ذ - ر - ي
ذري رأس الرجل، لز من م إذا صار في شعره بياض، يذرى ذريا، وأصله الهمز؛ يقال: ذرئ يذرأ رأسه ذرءا. لز من م قال الراجز:
وقد علتني ذرأة بادي بدي
ورثية تنـهض في تشددي
وكبش أذرى، إذا خالط سواد صوفه بياض، وقد همزه قوم فقالوا: كبش أذرأ ونعجة ذرآء. لز من م وملح ذرآني: شديد البياض، يهمز ولا يهمز. وذئر الرجل، إذا ساء خلقه. وفي الحديث: " فذئر النساء على أزواجهن " ؛ ومنـه اشتقاق ناقة مذائر، تزبن فصيلها تدفعه ولا ترأمـه. قال بشر بن أبي خازم:
ولقد أتاني عن تميم أنـهم ... ذئروا لقتلى عامر وتغضبوا
والذئار: بعر يشد على أخلاف الناقة لئلا يرضعها الفصيل. قال عمر بن لجأ:
ترى الإفال في الذئار المحكم
وللذال والراء والياء مواضع في الاعتلال تراها إن شاء الله.
باب الذال والزاي
أهملتا
مع ما بعدهما من الحروف.
باب الذال والسين
أهملتا
مع ما بعدهما من الحروف.
باب الذال والشين
أهملت إلا في أحرف منـها: شمذت الناقة بذنبها، إذا أشالته عند اللقاح، الواحد شامذ وشماذ. قال الشاعر:
شامذا تتقي المبس عن المر ... ية كرها بالصرف ذي الطلاء
الصرف: الدم الخالص؛ والطلاء: الدم الشديد الحمرة أيضا. والشعوذة زعم الخليل أنـها عربية، ولا أدري ما صحتها.
باب الذال والصاد
أهملتا مع ما بعدهما من الحروف.
باب الذال والضاد
أهملتا مع ما بعدهما من الحروف.
باب الذال والطاء
مع ما بعدهما من الحروف
ذ - ط - ظ
أهملت.
ذ - ط - ع
ذعطه يذعطه ذعطا، إذا قتله قتلا وحيا، أي سريعا. قال الشاعر:
إذا وردوا مصرهم عوجلوا ... من الموت بالهميغ الذاعط
قال أبو بكر: كان الخليل يقول الهميع بالعين غير معجمة، وذكر أن الهاء والغين المعجمة والميم لم تجتمع في كلمة، وخالفه جميع أصحابنا. قال أبو حاتم: أحسب أن الهميغ مقلوب الميم من باء من قولهم: هبغ الرجل هبوغا، إذا سبت للنوم، فكأنـها هبيغ فقلبت ميما لقربها منـها.
ذ - ط - غ
أهملت وكذلك حالهما مع الفاء.
ذ - ط - ق
ذقط الطائر، إذا سفد.
ذ - ط - ك
أهملت وكذلك حالهما مع سائر الحروف.
باب الذال والظاء
أهملتا مع ما بعدهما من الحروف.
باب الذال والعين
مع ما بعدهما من الحروف
ذ - ع - غ
أهملت.
ذ - ع - ف
الذعف والذعاف: السم. وأذعف الرجل الرجل، إذا قتله قتلا سريعا. والعذف فعل ممات؛ يقال منـه: ما له عذوف يوم، أي قوت يوم؛ وما أكلت عذوفا، أي ما أكلت شيئا. والعذوف والعزوف واحد؛ يقال: عذفت نفسي وعزفت عن كذا وكذا.
ذ - ع - ق
الذعق: لغة في الزعق؛ ذعقه وزعقه، إذا صاح بـه وأفزعه. وماء ذعاق وزعاق بمعنى. والعذق؛ بفتح العين: النخلة. والعذق، بكسرها: الكباسة. وعذقت الكبش وأعذقته عذقا وإعذاقا، إذا علمت على ظهره بصوفة من غير لونـه أو حمرة، والكبش معذق ومعذوق. وأعذقت فلانا بشر، إذا ألزمته إياه. والعذق: موضع. قال رؤبة:
للعد إذ أخلفها ماء الطر
بين القريتين وخبراء العذق
والقذع: الكلام القبيح؛ قذعت الرجل وأقذعته، إذا أسمعته كلاما قبيحا، وأقذعت له - وأقذعته أعلى - وقذعته.
ذ - ع - ك
أهملت.
ذ - ع - ل
عذلت الرجل عذلا وعذلا، إذا لمته. ومعتذلات سهيل: أيام شديدة الحر باردة الليل، وقد مضى شرحها في أول الكتاب. والعاذل: العرق الذي يخرج منـه دم الحيض، وربما سمي عاذرا. ولذعته النار لذعا، إذا لفحته؛ وكذلك لذع الحب قلبه، إذا آلمـه.
ذ - ع - م
العذم: العض؛ عذمـه يعذمـه عذما، إذا عضه، والعذام: شجرة من شجر الحمض. ورجل مذاع، إذا كان لا يكتم سرا.
ذ - ع - ن
أذعن الرجل يذعن إذعانا فهو مذعن، إذا انقاد قسرا. وناقة مذعان: منقادة لا تنازع.
ذ - ع - و

(1/377)

عذت بالشيء أعوذ عوذا وعياذا، إذا لجأت إليه. وقد سمت العرب عوذا وعياذا ومعوذا ومعاذا وعائذة، وكل هذا اشتقاقه من العوذ. وقال عبد الرحمن عن الأصمعي قال: تقول العرب: أطيب اللحم عوذه، أي ما عاذ بالعظم منـه. وبنو عوذى: بطن من العرب من قضاعة. قال الشاعر:
ساق الرفيدات من عوذى ومن عمم ... والسبي من رهط ربعي وحجار
وبنو عوذ من الأزد. وبنو عائذة من بني ضبة. ويقال: عوذ فلان فلانا، إذا رقاه كأنـه ألجأه الى الرقية التي يعوذ بها من الشر ومما يخاف. وناقة عائذ، أي يعوذ بها ولدها، فجعلها عائذا وهي معوذ بها، أي يطيف بها، وهذا مقلوب. وعائذة قريش: ناقلة في بني شيبان.
ذ - ع - ه
أهملت.
ذ - ع - ي
ذاع الحديث يذيع ذيعا وذيعانا، إذا فشا؛ ومنـه قولهم: رجل مذياع، إذا كان لا يكتم شيئا، وكذلك مذياع، إذا كان مبذرا.
باب الذال والغين
مع ما بعدهما من الحروف
ذ - غ - ف
الغذوف والعذوف واحد، وهو ما يتقوته الإنسان أو الدابة.
ذ - غ - ق
أهملت وكذلك حالهما مع الكاف واللام إلا في قولهم: رجل أذلغ وأذلغي، إذا كان قصيرا غليظ الشفتين. وبنو الأذلغ: بطن من العرب.
ذ - غ - م
الغذم من قولهم: ما سمعت له غذمة، أي ما سمعت له كلمة. والغذمة مثل الغثمة، وهي غبرة فيها كدرة. ويقال: تغذم البعير بالزبد، إذا تلمظ بـه وألقاه من فيه. ويقال: ألق في غذيمة فلان ما شئت، أي في رحب صدره. وقال يونس: الغذام ضرب من النبت.
ذ - غ - ن
أهملت. قال أبو حاتم: الغانذ والعانذ: الحلق ومخرج الصوت.
ذ - غ - و
الغذو: مصدر غذاه يغذوه غذوا، والاسم الغذاء.
ذ - غ - ه
أهملت.
ذ - غ - ي
مواضعها كثيرة في الاعتلال تراها إن شاء الله تعالى.
باب الذال والفاء
مع ما بعدهما من الحروف
ذ - ف - ق
منزل قذف وقذيب، أي بعيد. وقذفت الشيء من يدي قذفا، إذا ألقيته. وأقذاف الجبل: نواحيه، الواحد قذف، والأقذاف أيضا: أطراف الجبل. وقذف الرجل، إذا قاء. وكل شيء رميت بـه من يدك فقد قذفته قذفا. وروض القذاف: موضع. وقذف الرجل الرجل، إذا شتمـه. والقاذف: الرامي؛ والقذيفة: الرمية؛ يقال: هذه قذيفة فلان للشيء الذي يلقيه. قال الشاعر:
قذيفة شيطان رجيم رمى بها ... فصارت ضواة في لهازم ضرزم
الضواة: السلعة؛ والضرزم: الناقة المسنة.
ذ - ف - ك
أهملت.
ذ - ف - ل
الذفل، قالوا: القطران، وقال قوم: بل هو الدفل، بالدال غير معجمة، ولا أدري ما صحته. والذلف: صغر الأنف؛ رجل أذلف وامرأة ذلفاء من قوم ذلف. قال أبو النجم:
للشم عندي بهجة ومزية ... وأحب بعض ملاحة الذلفاء
يريد أن الملاح أكثرهن ذلف. قال أبو بكر: إذا كان الأنف صغيرا في دقة قيل: أنف أذلف. وفي حديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " إنكم لتقاتلن قوما يعالهم الشعر صغار العيون ذلف الأنوف كأن وجوههم المجان المطرقة " ، يعني التراس التي قد طورق بعضها على بعض. والفلذ: قطعة من الكبد أو اللحم المشتوى. قال أعشى باهلة:
تكفيه حزة فلذ إن ألم بها ... من الشواء ويروي شربه الغمر
ويروى: فلذة كبد؛ والغمر: القدح الصغير، وهو مأخوذ من قولهم: تغمرت، إذا شربت دون الري. وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر: " هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها " ، يعني رجال قريش. وفلذت له فلذا وفلذة من مالي، إذا أعطيته قطعة منـه.
ذ - ف - م
أهملت.
ذ - ف - ن
نفذ الشيء ينفذ نفوذا ونفاذا من قولهم: نفذ أمره. ورجل ذو نفاذ: بصير بالأمور ولاج فيها.
ذ - ف - و
وذف الإناء يذف وذفا، إذا قطر أو سال من جوانبه، ويقال: ودف، بالدال غير معجمة وهو أعلى. وقالوا: الوذفة: الروضة؛ وقال قوم: الوذفة: روضة بعينـها، وليس كل روضة وذفة. ووذفة: موضع بلا ألف ولام.
ذ - ف - ه
أهملت.
ذ - ف - ي

(1/378)

الذيفان: السم، وربما قالوا: الذيفان، بفتح الياء والذال، وربما قالوا الذوفان، وكله السم.
باب الذال والقاف
مع ما بعدهما من الحروف
ذ - ق - ك
أهملت.
ذ - ق - ل
ذلق كل شيء: حده. قال امرؤ القيس:
فكاب على حر الجبين ومتق ... بمدراته كأنـها ذلق مشعب
ويروى: بمذرية، والمذرية: المحددة، وإنما أراد قرن هذا الثور، ويروى: بمذروية. والمشعب: المخرز. ولسان ذلق طلق، وذليق طليق، وذلق طلق. والحروف الذلق: حروف طرف اللسان، وقد مر شرحها في أول الكتاب. وأذلقت الضب، إذا صببت في جحره الماء حتى يخرج. والقذل: أصل بناء القذال، وللإنسان قذالان، وهما ما اكتنف فأس القفا من عن يمين وشمال. وقذلت الرجل، إذا ضربت قذاله. وقذل الحجام الرجل، إذا حجم قذاله، وربما سمي الحجام فاذلا لأنـه يشرط ما تحت القذال.
ذ - ق - م
الذقم والقذم واحد، وهو الأخذ الكثير مثل القثم سواء؛ يقال: قذم له قذمة من ماله، أي أعطاه شيئا كثيرا. ورجل قذم: كثير الأخذ لما وجد. والمذق: خلطك الشيء بالشيء، وأصله مزج اللبن؛ يقال: مذقت اللبن بالماء أمذقه مذقا، فهو مذيق وممذوق، وكثر ذلك حتى قالوا: مذق له المودة، إذا لم يصفها له. والمذقة: الشربة من اللبن المذيق.
ذ - ق - ن
الذقن: مجتمع صبيي اللحيين، والجمع أذقان. وناقة ذقون، وهي التي يرجف ذقنـها في سيرها. وتقول العرب " لألصقن حواقنـه بذواقنـه " ، أي أعلاه بأسفله، فاختلفوا في الحواقن فقال قوم: الحواقن ما تحت السرة مما يلي العانة؛ وقال آخرون: الحواقن التراقي من الإنسان؛ وقال غيرهم: الحاقنتان القلتان تحت الترقوتين من عن يمين وشمال؛ وقال قوم: الذواقن ما حول الذقن؛ وقال آخرون: الذواقن ما انحط عن الترقوتين عن يمين وشمال. وذقان: جبل معروف. والنقذ: مصدر نقذ ينقذ نقذا، وقالوا ينقذ بكسر القاف، إذا نجا؛ وأنقذته أنا إنقاذا، إذا أنجيته. وكل شيء استرجعته من عدوك من بعير أو فرس فهو نقيذ، والجمع نقائذ. ونقذة، زعموا: موضع معروف.
ذ - ق - و
الذوق: مصدر ذقت الشيء أذوقه ذوقا، فهو مذوق وأنا ذائق. ويقال: ما ذقت ذواقا، أي ما تطعمت شيئا، وكثر ذلك حتى قالوا: فلان حسن الذوق للشعر، إذا كان مطبوعا عليه. والوقذ: مصدر وقذه وقذا، إذا آلمـه ضربا، فهو وقيذ وموقوذ.
ذ - ق - ه
القذة: قذة السهم، قد مر تفسيرها في الثنائي.
ذ - ق - ي
مواضعها في الاعتلال كثيرة.
باب الذال والكاف
مع ما بعدهما من الحروف
ذ - ك - ل
أهملت وكذلك حالهما مع الميم والنون.
ذ - ك - و
الذكوة والذكا، مقصور: الجمرة المتلظية، والجمع الذكو، واشتقاقه من ذكا النار وذكوها، وذكا النار مقصور، وذكاء السن ممدود، ومنـه اشتقاق اسم ذكوان. وأنشد في ذكا النار، مقصور:
وعارضها يوم كأن أواره ... ذكا النار من فيح الفروغ طويل
وذكا، ممدود غير مصروف: اسم للشمس. وابن ذكاء: الصبح. وذكوان: اسم، الألف والنون فيه زائدتان. وفرس مذك، وهو إذا تم سنـه. قال الراجز:
جربة كحمر الأبك
لا ضرع فيها ولا مذكي
ذ - ك - ه
أهملت وكذلك حالهما مع الياء.
باب الذال واللام
مع ما بعدهما من الحروف
ذ - ل - م
لذم بالمكان وألذم به، إذا أقام به. وألذم فلان بفلان، إذا لم يفارقه. ورجل لذمة: لا يفارق البيت. وكلام للأعراب أن الأرنب قالت: اللهم اجعلني حذمة لذمة، أي سريعة العدو لازمة لموضعها لا تفارقه. وذملت الناقة ذميلا وذملانا، وهو ضرب من السير أعلى من العنق؛ وناقة ذمول. وقد سمت العرب ذاملا وذميلا. والمذل: الاسترخاء عن فترة؛ أصبح فلان مذلا ومذيلا. قال الراعي:
ما بال دفك في الفراس مذيلا ... أقذى بعينك أم أردت رحيلا

(1/379)

والحديد الذي يسمى بالفارسية النرم آهن يسمى المذيل. والمذل: الذي يجود بماله سخاء. قال الشاعر:
ولقد أروح الى التجار مرجلا ... مذلا بمالي لينا أجيادي
والمذل: الذي لا يكتم سره. والملذ: السرعة في الذهاب والمجيء. وذئب ملاذ، إذا كان سريعا، والمصدر الملذان. ورجل ملاذ: كذاب.
ذ - ل - ن
رجل نذل بين النذالة والنذولة؛ وهو رجل نذل ونذيل، إذا كان خسيسا. قال الشاعر:
منيبا وقد أمسى يقدر وردها ... أقيدر محموز القطاع نذيل
ويروى: محموز الفؤاد؛ أقيدر: تصغير أقدر، وهو القصير العنق، يعني صائدا؛ ومحموز، أي حاد، من قولهم: حميز الفؤاد، أي حاده، وبه سمي الرجل حمزة؛ والحمز: الشدة؛ والقطاع: جمع قطع، وهو نصل قصير عريض.
ذ - ل - و
لاذ بالشيء يلوذ لوذا ولواذا ولواذا، إذا أطاف به، وألاذ يليذ إلاذة، ولاوذ يلاوذ ملاوذة ولواذا. ولوذ الوادي: منقطعه، وكذلك لوذ الجبل، والجمع ألواذ. والوذل فعل ممات، ومنـه الوذيلة، وهي السبيكة من الفضة خاصة، وقال قوم: بل من الفضة والذهب. قال أبو كبير الهذلي:
وبياض وجه لم تحل أسراره ... مثل الوذيلة أو كشنف الأنضر
الأنضر والنضار: الذهب، فكأنـه أراد الذهب بعينـه إذا فتح. والوذيلة: القطعة المستطيلة من سديف السنام. قال الراجز:
هل في دجوب الحرة المخيط
وذيلة تشفي من الأطيط الذجوب هاهنا: وعاء شبيه بالغرارة؛ والوذيلة هاهنا: قطعة من السنام مستطيلة؛ والأطيط هاهنا: أن تئط الأمعاء من الجوع؛ وجمع وذيلة وذائل. والولذ: مصدر ولذ يلذ ولذا، وهو والذ وولاذ، وهي سرعة في المشي والحركة؛ رجل ولاذ وملاذ، والمعنيان متقاربان.
ذ - ل - ه
ذهل عن الشيء يذهل ذهلا، وذهل أيضا يذهل، إذا سلا عنـه ونسيه، فهو ذاهل. ويمكن أن يكون منـه اشتقاق ذهل، وقال قوم: بل اشتقاق ذهل من قولهم: مر ذهل من الليل وذهل من الليل، أي قطعة عظيمة نحو الثلث أو النصف، ولم يجئ بـه غير أبي مالك، وما أدري ما صحته. وقد سمت العرب ذهلا وذهيلا وذهلان وذاهلا، وهو أبو قبيلة من العرب. والذهلان: حيان بن ربيعة. والذاهل عن الشيء: السالي عنـه الناسي له. والهذل: الاضطراب، وقد أميت هذا الفعل، وأصله: هذل يهذل هذلا وهذلانا، ومنـه اشتقاق هذيل وهو اسم أبي قبيلة من العرب. والهوذلة: الاضطراب، الواو زائدة، ومن هذا أصله. قال الراجز:
إذ لا يزال قائل أبن أبن
هوذلة المشآة عن ضرس اللبن
الشعر لابن ميادة، قال: كان يحفر فأضجره قولهم أبن؛ المشآة؛ زبيل من أدم ينقل بـه الطين من الآبار إذا حفرت؛ واللبن أراد بـه الحجارة التي تطوى بها البئر فسماها لبنا تشبيها باللبن الذي يبنى به؛ والضرس: التضريس. ويقال: هوذل الرجل ببوله، إذا أخرجه يهتز.
ذ - ل - ي
الذيل: ذيل القميص، والجمع أذيال وذيول، ثم كثر ذلك حتى قالوا: ذيل الريح، يعنون غبارها الذي تسحبه على وجه الأرض. وفرس ذيال، إذا كان ذنوبا؛ وثور ذيال، إذا كان كذلك. فأما ذأل الذئب يذأل فستراه في الهمز. وفرس ذائل: طويل الذنب، وإن كان قصير الخلق؛ وذيال: طويلالذنب. وذيل الرجل: قميصه ورداؤه إذا سحبهما. والذويل: اليبيس. وذال الرجل ذيلا، إذا سحب ذيله، غير مـهموز، وكذلك المرأة، وكذلك الة إذا سحبت ذنبها على الأرض. وقد سمت العرب ذيالا. وبنو الذيال: بطن من العرب من بني سعد. وذؤالة: اسم من أسماء الذئب.
باب الذال والميم
مع ما بعدهما من الحروف
ذ - م - ن
أهملت.
ذ - م - و

(1/380)

الوذم: وذم الدلو، وهي سيور تشد بها أطراف العراقي، والجمع أوذام ووذام؛ وكل سير قددته مستطيلا فهو وذم، وكذلك اللحم والكرش وما أشبهه. وفي حديث علي رضي الله تعالى عنـه: لأنفضنكم نفض الجزار الوذام التربة؛ فقلبه قوم فقالوا: نفض الجزار التراب الوذمة. ووذمت الناقة توذيما، إذا عالجتها بنزل الثآليل الثابتة في حيائها المانعة لها من اللقاح. والوذم: قطعة من الأدم تجعل فيها قلادة للكلب.
ذ - م - ه
الذمـه، يقال: ذمـه الرجل يذمـه ذمـها، وهو شبيه بالحيرة. وذمـه يومنا، إذا اشتد حره؛ وربما قيل: ذمـه الرجل. وأذمـهته الشمس، بالذال والدال، إذا آلمت دماغه. والهذم: القطع؛ سيف هذام: قاطع، وشفرة هذامة، وقالوا: هذمة. قال الراجز:
ويل لبعران بني نعامـه
منك ومن شفرتك الهذامـه
ومنـه اشتقاق هيذام، وهو اسم. وسعد هذيم: أبو قبيلة من العرب.
ذ - م - ي
الذيم: العيب، وهو الذام أيضا. ومثل من أمثالهم: " لا تعدم الحسناء ذاما " ، أي عيبا. والمذي: الماء الذي يخرج عند الإنعاظ وليس بالذي يوجب الغسل، وربما قيل: المذي، مثقل الياء. والمذي: مخرج الماء من صنبور الحوض، والصنبور مثل البزال الذي يخرج منـه الماء، وكذلك صنبور الإداوة. والمذية: أم بعض شعراء العرب يعير بها. والماذي: السهل اللين، وبه سميت الدروع ماذية، وكذلك يسمى العسل ماذيا لاسترخائه ولينـه.
باب الذال والنون
وما بعدهما من الحروف
ذ - ن - و
أهملت.
ذ - ن - ه
الذهن: الفطنة، والجمع أذهان؛ ورجل ذهن: فطن. وربما سميت القوة ذهنا؛ يقال: ما بـه ذهن، أي ما بـه قوة.
ذ - ن - ي
أهملت.
باب الذال والواو
مع ما بعدهما من الحروف
ذ - و - ه
الهوذة: الة أو ضرب من الطيور، وبه سمي الرجل هوذة.
ذ - و - ي
ذوى العود يذوي ذيا وذويا، إذا ذبل. فأما ذوي يذوى فليس من كلامـهم، وقد همزه قوم فقالوا: ذأى العود، وأنشدوا بيت ذي الرمة:
أقامت بـه حتى ذأى العود والتوى ... وساق الثريا في ملاءته الفجر
وليس بالجيد، وهذا تراه في المعتل إن شاء الله تعالى.
باب الذال والهاء
مع ما بعدهما من الحروف
ذ - ه - ي
يقال: هذى الرجل يهذي هذيا وهذيانا، وهذا مستقصى في المعتل تراه إن شاء الله تعالى.
انقضى حرف الذال والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وسلم.
حرف الراء في الثلاثي الصحيح
باب الراء والزاي
مع ما بعدهما من الحروف
ر - ز - س
أهملت.
ر - ز - ش
شزره ببصره يشزره ويشزره شزرا، إذا نظر إليه بمؤخر عينـه. وطعنـه شزرا، إذا طعنـه من عن يمين وشمال. قال رؤبة:
نقفا على الهام وطعنا شزرا
والشزر: الفتل الشديد. قال الراجز:
أمره يسرا فإن أعيا اليسر
والتاث إلا مرة الشزر شزر
والمشازرة: المضايقة. وشيزر: موضع، ولا أحسبه عربيا صحيحا. قال امرؤ القيس:
تقطع أسباب اللبانة والهوى ... عشية جاوزنا حماة وشيزرا
والشرز: الشدة في الأمر والصعوبة. قال رؤبة:
نسقي العدى غيظا طويل الجأز
يلقى معاديهم عذاب الشرز
ر - ز - ص
أهملت وكذلك حالهما مع الضاد والطاء، إلا في قولهم: الضرز، وهو العسر.
ر - ز - ط
الطرز والطراز فارسي معرب، وقد تكلمت بـه العرب قديما. قال حسان:
بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شم الأنوف من الطراز الأول
وتقول العرب: طرز فلان طرز حسن، أي زيه وهيئته. واستعمل ذلك في جيد كل شيء؛ قال رؤبة:
فاخترت من جيد كل طرز
جيدة القد جياد الخرز
ر - ز - ظ
أهملت.
ر - ز - ع

(1/381)

الزعر: قلة الشعر في الرأس واللحية وقلة الريش في الطائر؛ رجل أزعر وامرأة زعراء، وظليم أزعر ونعامة زعراء. ورجل في خلقه زعارة، أي شدة. ويقال في قلة الشعر: زعر يزعر زعرا وازعر ازعرارا، فأما من سوء الخلق فلا يقال إلا ازعار وازعر. والزعرور: ثمر شجر، عربي معروف. وزعران: اسم رجل. وقد سمت العرب زعورا، وهو أبو بطن منـهم. والرعز: يكنى بـه عن النكاح؛ لغة مرغوب عنـها لمـهرة بن حيدان؛ بات يرعزها رعزا. والزرع: كل ما زرعته من نبت أو بقل؛ زرعت أزرع زرعا، ثم كثر ذلك حتى قالوا: زرع الله الصبي، أي أنماه. ويقال: هؤلاء زرع فلان، أي ولده. والمزرعة والمزرعة: موضع الزرع، لغتان فصيحتان، والجمع مزارع. فأما الزريعة فربما سمي الشيء المزروع زريعة، كأنـها فعيلة في معنى مفعولة. ويقال: زراع، في معنى زارع. قال الشاعر:
ذريني لك الويلات آتي الغوانيا ... متى كنت زراعا أسوق السوانيا
وقد سمت العرب زرعة وزريا وزرعان. والعزر من قولهم: عزرته أعزره عزرا، إذا منعته عن الشيء، وبه سمي الرجل عزرة. وعزرت الرجل تعزيرا، إذا فخمت أمره وأكرمته، ومنـه قوله عز وجل: " وتعزروه وتوقروه " . والتعزير: ضرب دون الحد؛ هكذا يقول بعض أهل اللغة. والعيزار: ضرب من الشجر، الواحدة عيزارة. وقد سمت العرب عازرا وعيزارة وعزران. فأما عزير فاسم عبراني وافق لفظه العربية، وكذلك عيزار بن هارون بن عمران. والعرز: اشتداد الشيء وغلظه، وربما قيل: استعرز الشيء، إذا تقبض كما تستعرز الجلدة في النار، إذا تقبضت. واستعرز النبت، إذا اشتد وصلب. وعرز لحم الدابة واستعرز كذلك. وعرزت الشيء أعرزه عرزا، إذا انتزعته انتزاعا عنيفا. قال الشماخ:
وكل خليل غير هاضم نفسه ... لوصل خليل صارم أو معارز
ر - ز - غ
الرزغة مثل الردغة سواء، وهو الطين القليل من مطر أو غيره؛ أرزغ المطر الأرض وأردغها بمعنى. وأنشد لطرفة:
وأنت على الأقصى صبا غير قرة ... تذاءب منـها مزرغ ومسيل
ويروى: مرزع ومسيل. وأرزغ فلان في عرض فلان يرزغ إرزاغا، إذا طعن فيه؛ عن أبي حاتم عن أبي زيد. والزغر فعل ممات، وهو اغتصابك الشيء، زعموا؛ زغرت الشيء أزغره زغرا. وزغر: اسم رجل، وأحسبه أبا قوم من العرب. وعين زغر: موضع بالشام، وزعم ابن الكلبي أن زغر امرأة نسبت إليها هذه العين، فأما قول أبي دواد:
ككنانة الزغري غ ... شاها من الذهب الدلامص
فلا أدري الى ما نسبت؛ والدلامص: البراق، وهو واحد. والغرز: ركاب الرحل. قال الشاعر:
تصغي إذا شدها في الكور جانحة ... حتى إذا ما استوى في غرزها تثب
وغرزت رجلي في الغرز واغترزت، إذا ركبت؛ وكل شيء سمرته في شيء فقد غرزته فيه. وغرزت الناقة، وغيرها، إذا قل لبنـها، وأكثر ما يستعمل ذلك في الإبل خاصة والآتن. قال الشماخ:
كأني ورحلي فوق جأب مطرد ... من الحقب لاحته الجداد الغوارز
وغرزت الجرادة، إذا أدخلت ذنبها في الأرض لتبيض. والغريزة: الطبيعة، والجمع غرائز؛ فلان كريم الغريزة والطبيعة والنحيتة والنحيرة والخليقة والسليقة، كل ذلك واحد. وماء غزير من مياه غزار وغزر، أي كثير، ثم كثر ذلك حتى قيل: شاة غزيرة كثيرة اللبن، ورجل غزير العلم بين الغزارة. وغزران: موضع. وغزر البحر غزارة، إذا كثر ماؤه.
ر - ز - ف
الزفر: الحمل على الظهر خاصة، والجمع أزفار. قال الشاعر:
طوال أنضية الأعناق لم يجدوا ... ريح الإماء إذا راحت بأزفار
ويقال: جاد ما ازدفر بحمله، إذا أطاقه ونـهض به. وبه سمي الرجل زفر لأنـه يزدفر بالأمور، أي يطيقها. قال الشاعر:
أخو رغائب يعطيها ويسألها ... يأبى الظلامة منـه النوفل الزفر

(1/382)

النوفل: الكثير النوافل. والزفر: مصدر زفر يزفر زفرا وزفيرا، إذا ردد النفس في جوفه حتى تنتفخ ضلوعه. قال النابغة الجعدي:
خيط على زفرة فتم ولم ... يرجع الى دقة ولا هضم
يصف فرسا، يقول: كأنـه زفر ثم خيط على زفرته فهو منتفج الجنبين. وزافرة الرجل: عشيرته وبنو أبيه. وزفرة الفرس: وسطه. وزفرت النار، إذا سمعت لها صوتا في توقدها. والزرف: الزيادة على الشيء؛ زرف الرجل في حديث، إذا زاد فيه. قال الأصمعي: كان يقال إن ابن الكلبي يزرف في حديثه، أي يزيد فيه. والزرافة: الجماعة من الناس، والجمع الزرافات. وقال الحجاج على منبر الكوفة: إياي وهذه الزرافات فإني لا أرى رجلا تطيف بـه زرافة إلا استحللت دمـه وماله. والزرافة، بضم الزاي: دابة، ولا أدري أعربية صحيحة أم لا، وأكثر ظني أنـها عربية لأن أهل اليمن يعرفونـها من ناحية الحبشة. وقال أبو مالك: الزرافات: المنازف التي ينزف بها الماء للزرع وما أشبهه. وأنشد:
يبيت وذا الأهداب يعوي ودونـه ... من الشام زرافاتها وقصورها
والفرز: فرزك الشيء عن الشيء، إذا فرقته؛ فرزته أفرزه فرزا فهو مفروز، إذا فرقته، والقطعة منـه فرزة بكسر الفاء، فإذا لم تدخل الهاء قلت: فرز، والجمع أفراز وفروز. والفرز: القطعة من المغزى خاصة. وكان سعد بن زيد مناة يسمى الفزر لحديث كان له. قال الحنفي:
وإن أبانا كان حل ببلدة ... سوى بين قيس قيس عيلان والفزر
سوى: أي مستو عدل. وتقول العرب: " لا أفعله أو تجتمع معزى الفزر " ، وله حديث. سئل أبو بكر عن مناه، بالهاء أم بالتاء، فأنشد:
ألا هل أتى التيم بن زيد مناتهم ... على الشنء فيما بيننا، ابن تميم
بمصرعنا النعمان يوم تألبت ... تميم علينا من شظى وصميم
تزود منا بين أذناه ضربة ... دعته الى هابي التراب عقيم
قوله: بين أذناه، على لغته لأنـهم يقولون: رأيت الرجلان ومررت بالرجلان. وفزرت الشيء أفزره فزرا، إذا صدعته مثل الثوب وما أشبهه، وانفزر الشيء انفزارا. ورجل أفزر وامرأة فزراء، وهو الذي يتطأمن ظهره وكذلك الفرس. ومنـه اشتقاق فزارة، وقال قوم: الفزارة أنثى هذا السبع الذي يسمى الببر. والفازر: ضرب من النمل فيه حمرة؛ قال الأصمعي: قيل لفلان: قد نسبت الجن والإنس فهل نسبت الذر؟ فقال: نعم، للنمل جدان: عقفان والفازر، فالفازر جد للسودان، وعقفان جد الحمر. ويقال: طريق فازر، أي واسع؛ هكذا قال الخليل. وقد سمت العرب فزارة، وهو أبو حي من العرب، وفزرا وفزيرا. وبنو الأفزر: بطن من العرب. ويقال للأنثى من النمور: فزارة، ولا أدري ما صحة ذلك.
ر - ز - ق
الرزق: معروف، رزق الله تعالى، والرزق المصدر، بفتح الراء. قال الراجز:
وبث في هذا الأنام رزقه
وقال أيضا:
سميت بالفاروق فافرق فرقه
وارزق عيال المسلمين رزقه
وكل من أجريت عليه جراية فقد رزقته رزقا. والله عز وجل الرازق والرزاق، وجمع الرزق أرزاق. والرزق: الشكر، لغة سروية. قال الشاعر:
مننت على رجال عمرو ... برازقي غير مرزوق
أي غير مشكور. ومنـه: " وتجعلون رزقكم " ، أي شكركم. وقد سمت العرب رزيقا ومرزوقا. والرزق: زرق العين، وهو خضرة الحدقة؛ رجل أزرق وامرأة زرقاء، وكذلك الفرس وكل ما زرقت عينـه من الدواب وغيرها، والباز أزرق. قال الشاعر:
لقد زرقت عيناك يا ابن مكعبر ... كما كل ضبي من اللؤم أزرق

(1/383)

وسميت الأسنة زرقا للونـها. وفي كتاب الله عز وجل: " ونحشر المجرمين يومئذ زرقا " . قال المفسرون: عميا لا يبصرون، والله أعلم. والزرق: الطعن؛ زرقه يزرقه زرقا. والمزراق: الرمح الصغير يزرق بـه الوحش وغيرها. والأزارقة: قوم من الخوارج ينسبون الى نافع بن الأزرق. والزرق: طائر من الجوارح. وقد سمت العرب زرقان وزريقا. وبنو زريق: بطن من العرب من الأنصار. وجمعوا أزرق زرقانا، كما جمعوا أدهم دهمانا وأحمر حمرانا. فأما زرقم صفة رجل فالميم زائدة، وستراه مجموعا في بابه إن شاء الله. والزقر لغة في الصقر تميمية، وقد روي عن صفية بنت عبد المطلب أنـها قالت لرجل:
كيف رأيت زبرا
أأقطا وتمرا
أم مشمعلا زقرا
تعني الزبير؛ المشمعل: الجاد في أمره الماضي فيه. والقرز: قرزك التراب وغيره بأطراف أصابعك نحو القبض. والقرز أيضا: الغلظ من الأرض، والأكمة.
ر - ز - ك
الركز: الحس والصوت. وفي التنزيل: " أو تسمع لهم ركزا " ، هكذا فسره أبو عبيدة، والله أعلم. والركاز: الكنز يوجد في فلاة أو في معدن. وفي حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم لوائل بن حجر: " وفي الركاز الخمس " . وركزت الرمح أركزه وأركزه ركزا، إذا أثبته في الأرض. ومراكز القوم: مواضعهم في ثغورهم؛ يقال: زال القوم عن مراكزهم. والزكرة: سقاء صغير. وتزكر بطن الجدي، إذا امتلأ، وزكري: اسم أعجمي فيه ثلاث لغات: زكري، وزكريا مقصور، وزكرياء ممدود. والكرز: الخرج الصغير يجعل فيه الراعي متاعه ثم يحمله على كبش من غنمـه، فذلك الكبش يسمى الكراز. وبه سمي الرجل كريزا، وهو تصغير كرز. وربما سمي الخرج الكبير كرزا. ومثل من أمثالهم: " رب شد في الكرز " . ولهذا حديث؛ قال ابن الكلبي: هذا حديث أعوج، وهو فرس لبني هلال بن عامر وأمـه سبل فرس كانت لبني آكل المرار ثم صارت الى بني كلاب. وقال مرة أخرى: فرس يقال له أعوج نتجته أمـه وتحمل أصحابه فحملوه في كرز فمروا بشيخ فقال: رب شد في الكرز، يعني عدوه. وقد سمت العرب كرزا وكريزا وكريزا وكارزا ومكرزا ومكرزا. والكرز من الطير: الذي قد أتى عليه حول، وهو فارسي معرب وقد تلكمت بـه العرب. قال الراجز:
لما رأتني راضيا بالإهماد
لا أتنحى قاعدا في القعاد
كالكرز المشدود بين الأوتاد
والكراز: القارورة، وتجمع كرزانا، ولا أدري أعجمي هو أم عربي، غير أنـهم قد تكلموا بها. ويقال: كارز الى المكان، إذا بادر إليه فاختبأ؛ هكذا يقول الخليل. وقال يونس أيضا: كارز الرجل الى المكان، إذا اختبأ فيه. وأنشد:
فلما رأين الماء قد حال دونـه ... ذعاف الى جنب الشريعة كارز
ر - ز - ل
أهملت.
ر - ز - م
رزمت الشيء أرزمـه رزما، إذا جمعته. والرزمة: الثياب المجتمعة وغيرها. ورزم الرجل يرزم رزما فهو رازم، إذا أضر بـه المرض أو الجوع فغيره. وبه سمي الرجل رزاما. وأرزمت الناقة ترزم إرزاما، إذا حنت. وأرزم الرعد، إذا سمعت له حنينا في السحاب. والمرزمان: نجمان من نجوم الأنواء، والجمع المرازم. ورازم الرجل بين طعامين، أي ضربين من خبز وتمر وما أشبه ذلك. قال الراعي:
كلي الحمض بعد المقحمين ورازمي ... الى قابل ثم اعذري بعد قابل
ويمكن أن يكون اشتقاق رزام من هذا. ومرزم الجوزاء اختلفوا فيه، فقال بعضهم: ليس للجوزاء مرزم، إنما هو مرزم السماك؛ ويقال: المرزمان مرزم الجوزاء ومرزم السماك. وسمعت رزمة السباع، أي هماهمـها على فرائسها. قال الشاعر:
تركوا عمران منجدلا ... للسباع حوله رزمـه
وبعير رازم، إذا برك فلم يبرح من مكانـه إعياء. ويقال: أسد رزم ورزام، إذا جثم على الفريسة وهمـهم عليها. قال الراجز:
أيا بني عبد مناة الرزام
أنتم حماة وأبوكم حام
لا تسلموني لا يحل إسلام

(1/384)

لا تعدوني نصركم بعد العام
والرزام من الرجال: الصعب المتشدد. وفلان يأكل رزمة، مثل الوجبة. والرمز: الإيحاء والإيماء؛ رمز يرمز رمزا؛ وفي التنزيل: " إلا رمزا " ، أي إشارة، والله أعلم. وترمز القوم، إذا تحركوا في مجالسهم لقيام أو خصومة. وعاد نساء من العرب رجلا منـهم فقعدن حوله فأنشأ يقول:
لقل غناء عن عمير بن مالك ... ترمز أستاه النساء العوائد
قال: فقمن، وقلن: أبعده الله. ورجل رميز: كثير الحركة، وقالوا: الرميز: الحليم الوقور. وكتيبة رمازة: كأنـها لا تستبيه حركتها لكثرة أهلها. قال الهذلي:
تحميهم شـهباء ذات قوانس ... رمازة تأبى لهم أن يحربوا
ومنـه قولهم: لم يرمئز من مكانـه، أي لم يتحرك، وكان الأصل: يرمأزز. وقال يونس: ذهبنا الى أبي مـهدية في عقب مطر نسأله عن حاله وكان قد بنى بيتا في ظاهر خندق البصرة وسماه جناحا فقلنا له: كيف أنت يا أبا مـهدية؟ فقال:
عهدي بجناح إذا ما ارتزا
وأذرت الريح ترابا نزا
أن سوف تمضيه وما ارمأزا
كأنما لز بصخر لزا
أحسن بيت أهرا وبزا
يقال: بيت حسن الأهرة والظهرة، إذا كان حسن المتاع؛ قال: وما كان في البيت إلا حصير مخرق. قال أعرابي لرجل: أعطني درهما، قال: لقد سألت رميزا، الدرهم عشر العشرة والعشرة عشر المائة والمائة عشر الألف والألف عشر ديتك. والزرم: القطع؛ يزرمـه زرما؛ وزرم الصبي، إذا انقطع بوله. وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " لا تزرموا ابني " ، أي لا تقطعوا عليه بوله، يعني الحسين. وكل شيء انقطع فقد زرم. قال النابغة:
قلت لها وهي تسعى تحت لبتها ... لا تحطمنك أن البيع قد زرما
وارزأم ارزيماما، بمعنى رزم. وقد نـهي عن كسب الزمارة، وفسره أصحاب الحديث: الفاجرة، وقال قوم إنـها الرمازة؛ ولا أقول في هذا شيئا. والزمارة: عمود الغل الذي بين الحلقتين. قال الشاعر:
ولي مسمعان وزمارة ... وظل مديد وحصن أمق
يعني قيدين وغلاا. وزمرت مروءة الرجل، إذا قلت؛ وكذلك زمر شعره، إذا رق وقل نبته. والزمار: صوت النعامة الأنثى خاصة، وصوت الظليم: العرار. قال الشاعر:
إلا عرارا وإلا زمارا
وزمر يزمر زمرا. ويقال: زمرت بالحديث، إذا أفضت ذكره وبثثته للناس. والزمرة: الجماعة من الناس، والجمع زمر. والزمر: فعل الزامر؛ زمر يزمر زمرا، والرجل زمار والمرأة زامرة. والمزمار: الزمر بعينـه، والجمع مزامير. وحرفة الزمار: الزمارة. وقال بعض أهل اللغة: يقال للمرأة زامرة وللرجل زمار، ولا يقال على القياس: رجل زامر. ومرز الصبي ثدي أمـه يمرز مرزا، إذا اعتصر بأصابعه في رضاعه، وربما سمي الثدي: المراز لذلك. والمرز: القرص الخفيف يكون بأطراف الأصابع؛ مرزه يمرزه ويمرزه مرزا. وفي حديث عمر رضي الله تعالى عنـه: فمرزه حذيفة. والمرز: ضرب من ال يتخذ من العسل، وقد جاء في النـهي. والمزارة: الزيادة في الجسم أو العقل؛ فلان أمزر من فلان، أي أرجح منـه؛ مزر يمزر مزارة فهو مازر، وكل ثمر استحكم فقد مزر يمزر مزارة.
ر - ز - ن
الرزن: نقر في الحجر يجتمع فيه ماء السماء، والجمع رزون. قال الراجز:
أحقب ميفاء على الرزون
لا خطل الرجع ولا قرون
القرون: الذي يطرح حوافر رجليه مكان حوافر يديه؛ والأحقب: الذي في حقبه بياض؛ وميفاء: مفعال من قولهم: أوفى على الشيء، إذا علا؛ والرجع: رجع اليدين في العدو؛ وقوله: لا خطل الرجع: لي في رجعه اضطراب. ورجل رزين بين الرزانة، أي حكيم ركين ثقيل في مجلسه، وامرأة رزان كذلك. قال حسان:
حصان رزان لا تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل

(1/385)

أي هي لا تغتاب الناس فتأكل لحومـهم. والزنر: فعل ممات؛ تزنر الشيء، إذا دق، ولا أحسبه عربيا، فإن كان للزنار اشتقاق فمن هذا إن شاء الله تعالى. والزنير، والجمع زنانير: حصى صغار، وقيل للواحد زنار أيضا. والنزر من الشيء: القليل؛ طعام نزر بين النزارة والنزورة، وطعام نزر ومنزور أيضا: قليل؛ ومنـه اشتقاق اسم نزار؛ وطعام نزر ونزير أيضا. وامرأة نزور: قليلة الولد، وكذلك في غير الإنس. قال الشاعر:
خشاش الطير أكثرها فراخا ... وأم الباز مقلات نزور
والنرز فعل ممات، وهو الاستخفاء من فزع، زعموا؛ وبه سمي الرجل نرزة ونارزة. ولم يجئ في كلام العرب نون بعدها راء إلا هذا وليس بصحيح، فأما النرجس ففارسي معرب.
ر - ز - و
الرزء، مـهموز: المصيبة، تراه في موضعه إن شاء الله تعالى. وزرت الرجل أزوره زورا من الزيارة والقوم الزور والزوار. قال الراجز:
ومشيهن بالخبيب مور
كما تهادى الفتيات الزور
المور: المشي السهل من قولهم: مارت الريح، إذا مرت مرا سهلا؛ ويقال: رجل زور وقوم زور وامرأة زور الواحد والجميع فيه سواء. والزور: عظام الصدر، والجمع أزوار؛ رجل أزور وامرأة زوراء والجمع زور، إذا كان في صدرها اعوجاج. وتزاور الرجل عن الشيء وازور، إذا مال عنـه وكرهه. وزور فلان الكتاب والكلام تزويرا، إذا قواه وشدده؛ وبه سمي الكلام الزور لأنـه يزور، أي يسوى ثم يتكلم به؛ وكذلك شـهادة الزور لأنـه يقويها ويشددها، وزعموا أنـه فارسي معرب لأن الزور بالفارسية القوة. قال أبو عبيدة: هو مأخوذ من الزور، وهو القوي الشديد. والزور، بفتح الزاي: عسيب النخل؛ لغة يمانية. ويوم الزويرين: يوم معروف، وهو يوم لبكر بن وائل على بني تميم، وذلك أنـهم عقلوا بعيرين فقالوا: هذان زويرانا لا نفر حتى يفرا؛ وقال مرة أخرى: لا نبرح أو يبرحا. قال الراجز:
جاءوا بزوريهم وجئنا بالأصم
شيخ لنا معاود ضرب البهم
البهم: جمع بهمة، وهو الشجاع الذي لا يدرى من أين يلقى. وزور الطائر، إذا امتلأت حوصلته، وأكثر ما يستعمل ذلك في الجارح. ورجل أزور وامرأة زوراء، إذا نتأ أحد شقي صدره واطمأن الآخر. وزورت كلام فلان، إذا جعلت حديثه زورا، أي كذبته. وزوير القوم: رئيسهم وشديدهم، وهو زورهم أيضا. والوزر: الملجأ. والوزر: الإثم، والوزر: الثقل. ووازر الرجل الرجل موازرة، أعانـه، وكذلك آزره. وسمي الوزير وزيرا لأنـه يحمل وزر صاحبه، أي ثقله؛ وكان الأصمعي يقول: اشتقاق الوزير من آزره، وكان في الأصل أزير فقالوا: وزير. وجمع وزر أوزار. وفي التنزيل: " يحملون أوزارهم على ظهورهم " ، أي أثقالهم؛ ووضعت الحرب أوزارها، إذا وضع القوم السلاح عنـهم فجعل الفعل للحرب وإنما هو لأهلها. والإزار: معروف، ويقال الإزارة أيضا. قال الأعشى:
كتميل النشوان ير ... فل في البقير وفي الإزاره
وقال الآخر:
تبرأ من دم القتيل وبزه ... وقد علقت دم القتيل إزارها
ويروى: بزه بالرفع، يريد بزه إزارها، أي دمـه في ثوبها. ورجل إزار، إذا كان ثقيل اللسان دون الخرس. وفرس إزار، إذا كان في عجزه بياض.
ر - ز - ه
الرهز: حركة عند الجماع وغيره؛ رهز يرهز رهزا. والزهر: زهر النبت، وهو نواره. والزهرة والزهرة: زهرة الدنيا وبهجتها. وقد قرئ: " زهرة الحياة الدنيا، وزهرة. ورجل زاهر وأزهر، وهو الأبيض المضيء الوجه، وقمر زاهر. وقد سمت العرب زاهرا وزهيرا وزهرا وأزهرا وأزهر وزهران، وهو أبي قبيلة منـهم. والزهرة: نجم من نجوم السماء معروف، بضم الزاي وفتح الهاء لا غير. قال الراجز:
قد وكللتني طلتي بالسمسره
وأيقظتني لطلوع الزهره
والهزر: الغمز الشديد؛ هزره يهزره هزرا. ومـهزور: واد بالحجاز. والهزر: موضع أو اسم قوم. قال أبو ذؤيب:

(1/386)

وليلة أهلي بوادي الرجي ... ع كانت كليلة أهل الهزر
والهزر: الضرب بالخشب خاصة؛ هزره يهزره هزرا. والهزرة: الأرض الرقيقة.
ر - ز - ي
الزير: الرجل الكثيرة الزيارة للنساء، وأصله الواو، وهو في وزن فعل. قال مـهلهل:
فلو نبش المقابر عن كليب ... لأخبر بالذنائب أي زير
ويروى: فلو نبش بتسكين الباء، وهي لغة؛ والذنائب: موضع. وللراء والزاي والياء مواضع في الاعتلال تراها إن شاء الله تعالى.
باب الراء والسين
مع ما بعدهما من الحروف
ر - س - ش
رجل شرس وامرأة شرسة، وهو سوء الخلق؛ شرس يشرس شرسا وشراسة. وقد سمت العرب أشرس وشريسا. والشريس: نبت بشع الطعم، أحسبه سمي شريسا لذلك؛ وكل بشع شريس. ويقال: تشارس القوم، إذا تعاودوا. والشرس: نبت أو حمل نبت.
ر - س - ص
أهملت.
ر - س - ض
الضرس: واحد الأضراس. والضرس: مطر يصيب الأرض قليل متفرق؛ أصابت الأرض ضروس من مطر، أي قطع متفرقة. وناقة ضروس: سيئة الخلق تعض حالبها. وتضارس القوم، إذا تعادوا وتحاربوا، والمصدر المضارسة والضراس. وضرسته الحرب تضريسا، إذا جربها. ورجل ضرس ضبس، إذا كان سيئ الخلق داهيا. وقالوا: حرب ضروس أيضا، لشدتها. وضرس السبع فريسته، إذا مضغ لحمـها ولم يبتلعه. وفلان ضرس من الأضراس، أي صعب المرام داهية من الدواهي. وبرد مضرس: ضرب من الوشي. وضرس الزمان القوم، إذا اشتد عليهم. وتضرس البناء، إذا لم يستو.
ر - س - ط
الطرس: الكتاب، والجمع طروس وأطراس؛ وقال قوم: الطرس الصحيفة التي قد محي ما فيها ثم أعيد الكتاب؛ وقال آخرون: بل الطرس الصحيفة بعينـها. والطلس: الذي قد محي ثم كتب. والسطر من الكتاب معروف، والجمع سطور وأسطار، ثم جمعوا أسطارا أساطير؛ وقال قوم: واحد الأساطير أسطورة وإسطارة، ولم يتكلم فيه الأصمعي. وسطر الكتاب وسطره لغتان فصيحتان. والسطر من النخل: السكة المغروسة على غرار واحد؛ الغرار: السطر المستوي. والمسطار: ضرب من ال فيه حموضة. قال الشاعر:
قوم إذا هدر البعير رأيتهم ... حمرا عيونـهم من المسطار
والسطر: العتود من المعز خاصة في بعض اللغات؛ العتود: الجدي الذي قد بلغ أن ينزو، والجمع عتدان وعدان. والسرط من الاستراط؛ استطرت الشيء، إذا ابتلعته استرطاا، وسرطته سرطا. ومسرط الإنسان: البلغوم، وهو مجرى الطعام الى الجوف، والجمع مسارط. ومثل من أمثالهم: " الأخذ سريطى والقضاء ضريطى " ، ويقال: سريطى وضريطى، مشددا ومخففا؛ يقال ذلك لمن يأخذ الدين ويصعب عليه قضاؤه. ومثل من أمثالهم: " الأخذ سرطان والقضاء ليان " ، يضرب ذلك لمن يأخذ الدين ثم يصعب عليه قضاؤه؛ ويروى: " الأخذ سلجان والقضاء ليان " ، ويروى: " الأخذ سريط والقضاء ضريط " . والسراط والصراط، بالسين والصاد: الطريق القاصد. قال الشاعر:
أمير المؤمنين على سراط ... إذا اعوج الموارد مستقيم
والسرطان: دابة من دواب الماء معروفة. والسرطان: داء يصيب الناس والخيل. ويقال: فرس سرطان الجري، كأنـه يسترط الجري استراطا؛ وسراطي أيضا. والسرطراط: الفالوذ، زعموا. والسريطاء: حساء شبيه بالخزيرة أو نحوها. فأما السرطان المنزل من منازل القمر فليس بالعربي المحض. والرطس: الضرب بباطن الكف؛ رطسه يرطسه رطسا، إذا ضربه بباطن كفه.
ر - س - ظ
أهملت.
ر - س - ع
الرسع من قولهم: رسعت الصبي وغيره، إذا شددت في يده أو رجله خرزا لتدفع بـه العين عنـه؛ ويقال بالغين أيضا: رسغت. والرسيع: موضع. والمريسيع: موضع أيضا. ورسعت أعضاء الرجل، إذا فسدت واسترخت. والرعس: الارتعاش والانتفاض. قال الراجز:
يبري بإرعاس يمين المؤتلي
خضمة الدارع هذ المختلي

(1/387)

ويروى: الذراع؛ ويروى: هذ المنجل؛ ومعظم كل شيء خضمته، وقال أيضا: الخضمة معظم الذراع، وكذلك هو من كل شيء. يصف سيفا يقول: يقطع بضعف صاحبه وارتعاشـه؛ والمختلي من الخلى، وهو الحشيش. ورمح رعاس، إذا كان شديد الاضطراب. قال الشاعر:
وعرضة للشطن الرعاس
والسعر: استعار النار؛ سعرت النار أسعرها وأسعرتها، فهي مسعرة ومسعورة، وأنا مسعر وساعر، والسعير من هذا اشتقاقها. وسعر الشيء المبيع: معروف. واستعر اللصوص، بفتح العين وتخفيف الراء، وهو افتعل من السعير، أي اشتعلوا، فأما قولهم: استعر فخطأ، وقد أولعت بـه العامة. واستعرت الحرب كذلك. واستعر الجرب في البعير، إذا ابتدأ في مساعره، وهي الآباط والأرفاغ؛ الأرفاغ: أصول الفخذين، وقال قوم: بل هو كل موضع اجتمع فيه الوسخ. وسمي الأسعر الشاعر ببيت قاله:
فلا يدعني الأقوام من آل مالك ... إذا أنا لم أسعر عليهم وأثقب
ورجل مسعر حرب من قوم مساعر، إذا كان يسعرها ويشبها. والمسعر والمسعار: الخشبة التي تحرك بها النار. وقد سمت العرب مسعرا وسعيرا وسعرا وسعران. وسعر الرجل، إذا أصابته السموم، وكذلك هو من الجوع والعطش؛ رجل مسعور. والسعرة: لون يضرب الى السواد. والسعرارة والسعرورة: الضوء الذي يدخل البيت من شعاع الشمس ومن الصبح أيضا من كو. والسرع والسرعة جميعا: ضد البطء؛ أسرع الرجل يسرع إسراعا وسرع سرعا وسرعا، والرجل سريع وسراع مثل كبير وكبار. قال الراجز:
أين دريد وهو ذو بزاعه
حتى تروه كاشفا قناعه
تعدو بـه سلهبة سراعه
ويروى: براعه؛ قوله: ذو بزاعه، أي حسن الحركة والنيقظ. وأقبل فلان في سرعان الناس وسرعان الناس، بفتح الراء وتسكينـها، أي في أوائلهم المتسرعين. ومثل من أمثالهم: " سرعان ذي إهالة " ، بسكون الراء وفتحها. قال أبو بكر: يضرب للرجل إذا أخبرك بسرعة شيء لم يحن وقته. وأصل هذا المثل أن رجلا كان يحمق فاشترى شاة عجفاء فجاء بها الى أمـه فلامته ورعام الشاة يسيل من أنفها، فقال: أما ترين إهالتها؟ فقالت له أمـه: سرعان ذي إهالة؛ أي ما أسرع إهالتها. واليسروع، ويقال: أسروع: دويبة تكون في الرمل. قال الشاعر:
فليس لساريها بها متعرج ... إذا انجدل اليسروع وانعدل الفحل
ورجل سرعرع: ناعم غض. قال الشاعر:
رؤد الشباب سرعرع
والسروع: قضبان من قضبان الكرم. وفي لغة العرب: جاء فلان سرعا، أي سريعا. والعسر: ضد السهولة؛ رجل عسر بين العسر. ورجل أعسر: يعمل بشماله. ورجل أعسر يسر: يعمل بيديه. وأمر عسير: صعب. وعقاب عسراء: في جناحها قوادم بيض؛ وقال قوم: بل العسراء القادمة البيضاء. قال الشاعر:
وعمى عليه الموت يأتي طريقه ... سنان كعسراء العقاب ومنـهب
يقال: فرس منـهب، أي ينتهب الجري، وناقة عوسرانية وعيسرانية للتي تركب ولم ترض، والذكر عيسراني. وناقة عسير: صعبة لم ترض. قال الراجز:
والله لولا خشية الأمير
ورهبة الشرطي والتؤرور
لجلت عن شيخ بني البقير
جول القلوص الصعبة العسير
التؤرور: الذي يصحب أعوان السلطان بلا رزق. وعسرت الرجل فأنا أعسره عسرا، إذا لم ترفق به. وعسرت الناقة بذنبها، إذا شالت به، فهي عاسر ومعسر. ويوم عسير: صعب. والعسرة والمعسرة: خلاف الميسرة. وأعسر الرجل إعسارا، إذا افتقر. والعرس: معروف، بضم الراء وتسكينـها: عرس وعرس. وامرأة الرجل عرسه، والرجل عروس وكذلك المرأة؛ اسم يجمع الذكر والأنثى لا تدخله الهاء. قال الراجز:
يا ليت شعري عنك دختنوس
إذا أتاها الخبر المرموس
أتحلق القرون أم تميس
لا بل تميس إنـها عروس

(1/388)

وسألت أبا عثمان عن اشتقاق العرس فقال: تفاؤلا، من قولهم: عرس الصبي بأمـه، إذا ألفها. وعرس الرجل يعرس عرسا، إذا بعل بالشيء كالفزع منـه؛ يقال: بعل بالشيء وبقر بـه وعرس بـه وخرق بـه وذئب، كله واحد، إذا تحير فيه. والزوجان: عرسان. قال الراجز:
أنجب عرس جبلا وعرس
ويقال: عرس به، مثل سدك به. والتعريس: النزول بالليل؛ يقال: عرس الرجل بالمكان تعريسا، إذا نزله ليلا ثم ارتحل عنـه. قال الراجز:
قال أبو ليلى بقو عرسوا
مـهلا أبا ليلى سراها أكيس
والعريساء: موضع، زعموا. وابن عرس: سبع معروف. وعريسة الأسد: الموضع الذي يألفه ويأوي إليه. قال الشاعر:
يا طيء السهل والأجبال موعدكم ... كطالب الصيد في عريسة الأسد
ر - س - غ
الرسغ: موصل الكف في الذراع، وموصل القدم في الساق، وهو من ذوات الحافر موصل وظيفي اليدين والرجلين في الحافر، ومن الإبل موصل الأوظفة في الأحقاف. وجمع الرسغ أرساغ. والرساغ: حبل يشد في رسغ البعير أو الحمار ثم يشد الى شجرة أو وتد. ويقال: أصاب الأرض مطر فرسغ، إذا بلغ الماء الرسغ أو حفر حافر فبلغ الثرى قدر رسغه. والرغس: البركة والنماء؛ رجل مرغوس: مبارك. قال الراجز:
حتى احتضرنا بعد سير حدس
إمام رغس في نصاب رغس
خليفة ساس بغير فجس
وقال رؤبة:
دعوت رب العزة القدوسا
دعاء من لا يقرع الناقوسا
حتى أراني وجهك المرغوسا
والغرس: كل ما غرسته من شجرة أو نخلة، والجمع أغراس وغراس. والفسيلة: ساعة توضع في الأرض فهي غريسة حتى تعلق. والغرس: جليدة رقيقة تكون على وجه الفصيل وغيره ساعة يولد فإن تركت على وجهه قتلته. قال الشاعر:
مـهرية مخطتها غرسها العيد
العيد: ابن الآمري - في وزن عامري - بن مـهرة بن حيدان. وكثر الغرس في كلامـهم حتى قالوا: غرس فلان عندي نعمة، أي أثبتها عندي. والغسر: ما طرحته الريح في الغدير ونحوه؛ لغة يمانية، يقولون: تغسر الغدير، إذا ألقت الريح فيه العيدان وما أشبهها، ثم كثر ذلك في كلامـهم حتى قالوا: تغسر الأمر، أي اختلط وفسد.
ر - س - ف
رسف يرسف ويرسف رسفا ورسيفا ورسفانا، وهو مشي المقيد إذا قارب خطوه. قال الشاعر:
فرحت أخضخض صفني بـه ... كمشي المقيد يمشي رسيفا
والرفس: رفس الدابة؛ رفس يرفس رفسا، وهو الركض برجله؛ ودابة رفوس. ويقولون عند البيع: برئت إليك من الرفاس. والسرف: التبذير؛ أسرف الرجل في ماله إسرافا، إذا عجل فيه؛ وأكل ماله سرفا. ثم كثر ذلك في كلامـهم حتى قالوا: قتل فلان بني فلان فأسرف، إذا جاوز في ذلك المقدار؛ وتكلم بإسراف، إذا جاوز المقدار أيضا. وسرفت القوم، إذا جاوزتهم وأنت لا تعرف مكانـهم. وسرفت الشيء، إذا أنسيته. وسرف: موضع معروف. والسرفة: دويبة تكون في العشب تصلح بيتا من حطام الشجر، وتنسج عليه نسجا رقيقا كنسج العنكبوت، فلذلك قالوا في المثل: " أصنع من سرفة " . والسفر: القوم المسافرون، واحدهم سافر مثل صاحب وصحب، ولا يتكلم بسافر. والسافرة أيضا: القوم المسافرون مثل السابلة. وقوم سفر وأسفار وسفار، أي مسافرون. قال الشاعر:
عوجوا فحيوا أيها السفر ... أم كيف ينطق منزل قفر
قال: عوجوا، ثم رجع الى نفسه فقال: كيف ينطق؟ وسافر الرجل سفرا، أحد ما جاء على فاعل من فاعل واحد. والسفر: الكتاب، والجمع أسفار، وكذلك هو في التنزيل: " كمثل الحمار يحمل أسفارا " . ويقولون: أسماؤنا في السفر الأول، أي في الكتاب الأول؛ هكذا يقول الأصمعي. والسفار للبعير كالحكمة للفرس، وهي حديدة توضع على أنف البعير، والجمع سفر. وسفرت المرأة عن وجهها لا غير، فهي سافر. قال الشاعر:
عروب كأن الشمس تحت قناعها ... إذا ابتسمت أو سافرا لم تبسم

(1/389)

وسفر الصبح وأسفر؛ قال الأصمعي: أقول: أسفرنا، إذا دخلنا في سفر الصبح، ولا أقول إلا سفر الصبح. وفي التنزيل: " والصبح إذا أسفر " . والسفرة: معروفة، واشتقاقها من السفر. وبعير مسفر: قوي على السفر؛ وناقة مسفرة ورجل مسفر كذلك. قال الراجز:
لن يعدم المطي منا مسفرا
شيخا بجالا وغلاما حزورا
وسفرت الريح الورق وغيره، إذا درجت بـه على وجه الأرض، والورق السفير. وسفرت الريح التراب، إذا كنسته، وكل كنس سفر. وسفرت البيت أسفره سفرا، إذا كسحته؛ وكل كسح سفر. والكساحة: السفارة. والمسفرة: المكنسة. وسفرت الريح السحاب تسفره سفرا، إذا قشعته. قال العجاج:
وحين يبعثن الرياغ رهجا
سفر الشمال الزبرج المزبرجا
قال أبو بكر: الزبرج هاهنا: السحاب الذي فيه ألوان مختلفة من بياض وسواد. وقال في وقت آخر: الزبرج: السحاب الرقيق. والسفير بين القوم: الماشي بينـهم في الصلح؛ سفر يسفر ويسفر سفرا وسفارة وسفارا. قال العجاج:
أشوس عن سفارة السفير
ويجمع سفير على سفراء مثل عليهم وعلماء والفرس: معروف، وجمعه في أدنى العدد أفراس، فإذا كثرت فهي الخيل. فأما قول العامة في جمع فرس فرسان فخطأ، إنما الفرسان جمع فارس؛ فارس وفرسان مثل راهب ورهبان، ورجل فارس من قوم فوارس مثل حاجب وحواجب. ورجل حسن الفراسة والفروسية على الخيل؛ وجيد الفراسة والتفرس، أي جيد النظر مصيبه. ويقال: فرس أنثى وفرس ذكر، ولا تلتفتن الى قول العامة فرسة. وفي الحديث: " خير المال فرس في بطنـها فرس " . وفرسان: لقب قبيلة من العرب ليس بأب ولا أم نحو تنوخ، وهم أخلاط من العرب اصطلحوا على هذا الاسم، وجلهم من بني تغلب. قال ابن الكلبي: كا عبديد الفرساني أحد رجال العرب المعدودين. ويقال: فرست الذبيحة أفرسها فرسا، إذا فصلت عنقها؛ وبه سميت فريسة الأسد، والجمع فرائس. قال جرير:
فلا يضغمن الليث تيما بغرة ... وتيم يشمون الفريس المنيبا
قال أبو بكر: الضغم: العض، وبه سمي الأسد ضيغما؛ وقال أبو بكر: الشاة إذا فرسها الذئب أو الأسد فمرت بها الغنم وشمتها نفرت متفرقة. يقول: لا تغترن بين تيم فتشم عمر بن لجأ فتنفر مني كما تنفر هذه الغنم من شم الفريسة. والفرسة: ريح تصيب الإنسان في ظهره فتزيل فقاره فيحدب. وقد سمت العرب فراسا، وهو فعال من ذلك؛ وفراسا، وهو المصدر من فارسه مفارسة وفراسا من ركوب الخيل. وفراس بن غنم في بني كنانة الذين منـهم ربيعة بن مكدم. وفراس بن وائل بن عامر بن الحارث الغطريف الأصغر في الأزد. والفرس: هذا الجيل المعروف. والفسر من قولهم: فسرت الحديث أفسره فسرا، إذا بينته وأوضحته؛ وفسرته تفسيرا كذلك.
ر - س - ق
القسر: الأخذ بالغلبة والاضطهاد؛ تقول: قسرته أقسره قسرا. وبنو قسر: قبيلة من العرب من بجيلة، منـهم خالد بن عبد الله القسري. وبعير قيسري: صلب شديد. وبنات قراس: موضع من بلاد هذيل، هضاب بالسراة باردة. قال الهذلي:
يمانية أحيا لها مظ مأبد ... وآل قراس صوب أرمية كحل
أرمية: جمع رمي، وهو ضرب من سحاب الخريف سود؛ وكحل: جمع أكحل، وهو الأسود. وقرس الماء يقرس قرسا، والماء قارس وقريس. ويوم قارس: بارد، ومنـه اشتقاق القريس الذي تسميه العامة القريص، وإنما هو بالسين لا بالصاد. وبعير قراسية: غليظ شديد صلب. والسقر، يقال منـه: سقرته الشمس تسقره سقرا، إذا حميت على دماغه فآلمته. وقد حكي صقرته، بالصاد؛ ومنـه اشتقاق اسم سقر، والله أعلم، ولم يتكلم باسم سقر إلا بالسين. فأما السقر والصقر الجارح فقد جاء بالسين والصاد جميعا، وهذا تراه في باب الراء والصاد مع القاف إن شاء الله. والسرق: معروف؛ سرق يسرق سرقا فهو سارق. والسرق: ضعف في المفاصل؛ سرقت مفاصله تسرق سرقا، إذا ضعفت. قال الشاعر:

(1/390)

فهي تتلو رخص الظلوف ضئيلا ... أكحل العين في قواه انسراق
أي ضعف؛ هكذا فسره أبو عبيدة في شعر الأعشى. والسرق: ضرب من الحرير فارسي معرب، وذكر الأصمعي أن اسمـه سره، أي جيد. وقد سمت العرب سارقا ومسروقا وسراقا. وسرق الشيء، إذا خفي؛ هكذا يقول يونس، وأنشد:
وتبيت منتبذ القذور كأنما ... سرقت بيوتك أن تزور المرقدا
القذور: التي لا تبارك الإبل ولا تبيت معها، تنتبذ حجرة عنـها؛ وقوله: كأنما سرقت، أي خفيت؛ والمرقد: الذي ترقد فيه.
ر - س - ك
الركس: قلب الشيء؛ ركسه يركسه ركسا، أي قلب أمره وأحاله فهو ركيس ومركوس. والسكر: معروف، ما سكرت بـه الماء فمنعته عن جريته، وأصله من قولهم: سكرت الريح، إذا سكن هبوبها. ويوم ساكر: لا ريح فيه. والسكر: كل ما أسكر من . فأما السكر ففارسي معرب. وقال المفسرون في تفسير السكر في القرآن إنـه الخل، وهذا شيء لا يعرفه أهل اللغة. والسكر: معروف، واشتقاقه من سكرت الريح، إذا سكنت، كأن ال سكر عقله أي سد عليه طريقه. وجمع سكران سكارى وسكارى وسكرى. وقد قرئ: " وترى الناس سكرى " ، وسكارى. ورجل سكير: كثير السكر، وهذا أحد ما جاء على فعيل، وهي نيف وثلاثون حرفا تراها في آخر الكتاب مفسرة إن شاء الله. والكسر: مصدر كسرت الشيء أكسره كسرا. والكسر: العضو التام نحو الجدل والإرب، والجمع كسور وأكسار. الأجدال: الأعضاء، الواحد جدل، وواحد الآراب إرب. والكسر: كساء يمد حول الخباء كالإزار له فيكون فضله على الأرض. وقالوا: جفنة أكسار، أي عظيمة موصلة لكبرها. والبعير الكسير: الذي قد انكسر بعض أعضائه. وكل ما سقط من شيء مكسر فهو كسارته. وبنو كسر: بطن من العرب من بني تغلب. وكسرى: اسم فارسي معرب، ويجمع كسورا وأكاسر؛ هكذا يقول أبو عبيدة، وقال أيضا: وأكاسرة. ويقال: فلان طيب المكسر، أي المخبر، وأصله من كسرك العود فتجده لدنا طيب الرائحة. ووصف رجل من العرب رجلا فقال: والله ما كان هشا فيكسر ولا لدنا فيعصر. والكرس: البعر والبول إذا تلبد بعضه على بعض، والجمع أكراس. وكل شيء تراكب فقد تكارس؛ وبه سميت الكراسة لتطابق ورقها بعضه على بعض، وتجمع أكارس وكراريس. قال العجاج:
يا صاح هل تعرف رسما مكرسا
قال نعم أعرفه وأبلسا
أي قد تكارس عليه التراب فغطاه. والأكارس: الجماعات من الناس، لا واحد لها من لفظها؛ هكذا يقول الأصمعي. ويقال للكلس الصاروج المعروف: كرس، وليس بالجيد.
ر - س - ل
الرسل: السهل السريع؛ ناقة رسلة: سريعة رجع اليدين. والرسل: اللبن. واختلفوا في الحديث: " إلا من أعطى من رسلها ونجدتها " ، فقال قوم: من رسلها، والأعلى فتح الراء، أي في الشدة والرخاء. وإذا تكلم الرجل قلت: على رسلك، أي أرود قليلا. والراسلان: عرقان في الكتفين، أو هما الكتفان بعينـهما. وجاءت الإبل أرسالا، أي يتبع بعضها بعضا، وكذلك الخيل أيضا. والرسول: معروف، والجمع رسل وأرسل. والرسالة: ما حمله الرسول، والجمع رسائل. ورسيل الرجل: الذي يقف معه في نضال أو نحوه. وإبل مراسيل: سراع، وأحسب واحدها مرسالا. وامرأة مراسل، قالوا: هي التي قد تزوجت زوجين أو ثلاثة؛ وقال آخرون: بل هي المسنة التي فيها بقية شباب. والمرسلة: قلادة طويلة تقع على الصدر. والرسل: البقية والقليل من الشيء.
ر - س - م
رسم كل شيء: أثره، والجمع رسوم. وترسمت الموضع، إذا طلبت رسومـه حتى تقف عليها. وترسمت الأرض، إذا توخيت موضعا لتحفر فيه. قال الراجز:
الله أسقاك بآل جبار
ترسم الشيخ ووقع المنقار
وقال ذو الرمة:
أأن ترسمت من خرقاء منزلة ... ماء الصبابة من عينيك مسجوم
والرسيم: ضرب من سير الإبل؛ رسم البعير يرسم ويرسم رسيما، والكسر أكثر. قال حميد بن ثور:
أجدت برجليها النجاء وكلفت ... بعيري غلامي الرسيم فأرسما

(1/391)

قال أبو بكر: قلت لأبي حاتم: أتقول: أرسم البعير؟ فقال: لا أقول إلا رسم فهو راسم من إبل رواسم. فقلت: فكيف وقد قال: الرسيم فأرسما؟ قال: أراد كلفت بعيري غلامي الرسيم فأرسم الغلامان بعيرهما. والروسم فارسي معرب، وقيل روشم، وهو الرشم الذي يختم به. قال الأعشى:
وباكرها الريح في دنـها ... وصلى على دنـها وارتشم
ويروى بالسين والشين. والرمس: مصدر رمسته أرمسه رمسا، إذا دفنته، وبه سميت الرياح روامس لأنـها ترمس الآثار، أي تدفنـها. ثم كثر ذلك في كلامـهم فسمي القبر: رمسا، والجمع أرماس ورموس. قال الشاعر:
ألم تر المرء حلف منية ... رهين لعافي الطير أو سوف يرمس
والمرمس: القبر بعينـه، والجمع مرامس، والرجل رميس ومرموس. قال الشاعر:
رجع الركب سالمين جميعا ... وخليلي في مرمس مدفون
والرياح الروامس والرامسات: دوافن الآثار؛ رمست الريح الآثار، إذا دفنتها. والسمرة: لون من البياض والأدمة؛ رجل أسمر من قوم سمر وامرأة سمراء وقناة سمراء، في ذلك اللون. وفي الحديث: " توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما شبع من البرة السمراء. والسمار: موضع. قال الشاعر:
لئن ورد السمار لنقتلنـه ... ولا والله أرد السمارا
والسمار: اللبن المذيق؛ ليس له فعل يتصرف. والسمر: الحديث بالليل خاصة. وفي الحديث: " جدب لنا عمر السمر " ، أي عابه. وفلان سميري للذي يسامرك بالليل خاصة، والجمع سمار. والسامر: القوم يتحدثون بالليل، أخرج مخرج باقر وجامل، والجمع سمار وسامر. وقال قوم: السمر: الليل؛ وفي كلامـهم: لا أكلمـه السمر والقمر، أي ما أظلم الليل وطلع القمر. وابنا سمير: الليل والنـهار؛ ومن أمثالهم: " لا أكلمـه ما سمر ابنا سمير " ، أي ما اختلف الليل والنـهار. والسمر: ضرب من العضاه له شوك طوال، الواحدة سمرة. وسميراء: موضع معروف، يمد ويقصر. قال الراجز:
يا رب خال لك بالحزيز
بين سميراء وبين توز
وسمرت الحديدة وغيرها أسمرها وأسمرها سمرا. وجارية مسمورة: معصوبة الجسد ليست برخوة اللحم. وقد سمت العرب سميرا، فجائز أن يكون تصغير سمر أو تصغير أسمر، كما قالوا: سويد، تصغير أسود، وهذا يسميه النحويون: تصغير الترخيم. والسرم للإنسان: معروف، وهو المبعر من الظلف وكذلك من الخف، والمراث من الحافر، والمجعر من السباع، والدبر من الإنسان. والسرمان: دويبة لا تضم جناحها شبيهة بالجحل تألف المزابل تشبه الجراد. ويقال: جاءت الإبل الى الحوض متسرمة، إذا جاءت متقطعة. وغرة متسرمة، إذا كانت تغلظ من موضع وتدق من آخر؛ وقال أبو عبيدة: هي المتصرمة، ولم يعرف المتسرمة. والمرس: مصدر مرست الشيء أمرسه مرسا، إذا دلكته. ورجل مرس وممارس: صبور على مراس الأمور. ورجل ممارس للأمور: مزاول لها. والمريس مثل المريد؛ يقال للتمر إذا مرسته في ماء أو لبن: مريس ومريد؛ يقال: مردته أمرده مردا، ومرسته أمرسه مرسا، فإذا فعل بـه ذلك شرب. وتمارس القوم في الحرب، إذا تضاربوا. والمرس: الحبل، والجمع أمراس. قال أبو زبيد الطائي:
إما تقارش بك الرماح فلا ... أبكيك إلا للدلو والمرس
يصف عبدا له قتل، يقول: لا أبكيك لشيء إلا للدلو والمرس، أي للاستقاء؛ تقارشت الرماح في الحرب، إذا دخل بعضها في بعض. وأمرس الحبل عن البكرة، إذا زال عن المحالة فرددته إليها. وقال قوم: بل يقال: مرس الحبل إذا زال عنـها، وأمرسته إذا رددته إليها. قال الراجز:
بئس مقام الشيخ أمرس أمرس
إما على قعو وإما اقعنسس
وبنو مريس: بطين من العرب. وبنو ممارس: بطن منـهم أيضا. والمسر: فعل ممات؛ مسرت الشيءض أمسره مسرا، إذا استللته فأخرجته، أي أخرجته من ضيق الى سعة. والمرمريس: الداهية، وتراها في باب فعلليل.
ر - س - ن

(1/392)

الرسن: الحبل، والجمع أرسان. وفي مثل من أمثالهم: " اللديغ يخاف الرسن " . وسمي أنف الناقة مرسنا لأن الرسن يقع عليه؛ ثم كثر ذلك في كلامـهم حتى قيل: مرسن الإنسان، والجمع مراسن، وفلان كريم المرسن. قال العجاج:
وفاحما ومرسنا مسرجا
وبطن أيم وقواما عسلجا
قال أبو بكر: أراد أنفا واضحا براقا كالسراج؛ وقال قوم: أراد كالسيف السريجي في بياضه ورقته. وبنو رسن: حي من العرب. والسنر: فعل ممات، وهو شراسة الخلق؛ ومنـه اشتقاق السنور، زعموا، وفي بعض اللغات سنار وسنار. والسنور أيضا: فقارة العنق من البعير. قال الراجز:
كأن جذعا خارجا من صوره
بين مقذيه الى سنوره
المقذان: جانبا القفا، وهما الذفريان؛ وقالوا: السنور: الذفرى بعينـها. والسنور: ما لبس من جنن الحديد خاصة، وأنشد:
كأنـهم لما بدوا من عرعر
مستلئمين لابسي السنور
نشز غمام صيب كنـهور
والنرس لا أعرف له أصلا في اللغة، إلا أن العرب قد سمت نارسة، ولم أسمع فيه شيئا من علمائنا، ولا أحسبه عربيا محضا. والنسر: الطائر المعروف. وأصل النسر انتزاع الطائر اللحم بمنسره؛ نسر اللحم ينسره وينسره نسرا. والنسران: نجمان في السماء. والمنسر: ما بين الأربعين الى الخمسين من الخيل، والجمع المناسر. وقد سمت العرب نسيرا وناسرا. ونسر: صنم كان في الجاهلية، وقد ذكر في التنزيل. والنسار: موضع. قال الشاعر:
وأما بنو عامر بالنسار ... غداة لقونا فكانوا نعاما
ر - س - و
الرسو: مصدر رسوت بين القوم أرسو رسوا، إذا أصلحت بينـهم. والروس: مصدر راس يروس روسا، إذا مشى متبخترا؛ وراس يريس ريسا أيضا. وبنو رائس: بطن من العرب. ورجل رؤاسي: عظيم الرأس. وبنو رواس: بطن من العرب. وراس السيل الغثاء يروسه روسا، إذا جمعه واحتمله. والسرو: ارتفاع وهبوط في الأرض بين سهل وسفح، ومنـه سرو حمير. قال ابن مقبل:
من سرو حمير أبوال البغال بـه ... أنى تسديت وهنا ذلك البينا
تسديت: علوت؛ والبين: الغلظ من الأرض. والسروة: النصل الدقيق من نصال السهم، وجمعها سرى. والسورة: المنزلة، والجمع سور، مثل صورة وصور. قال أبو بكر في قول الله عز وجل: " ونفخ في الصور " ، كأنـه جمع صورة، أي ردت فيها الأرواح؛ وقال قوم: بل الصور القرن، والله أعلم. قال النابغة:
ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونـها يتذبذب
وزعم قوم من أهل اللغة أن السور كرام الإبل، واحتجوا فيه ببيت رجز لم أسمعه من أصحابنا. والسورة من القرآن كأنـها درجة أو منزلة يفضى منـها الى غيرها في لغة من لم يهمز. والسور: سور المدينة وغيرها. قال جرير:
لما أتى خبر الزبير تواضعت ... سور المدينة والجبال الخشع
فأنث السور من المدينة، كما قال الآخر:
وتشرق بالقول الذي قد أذعته ... كما شرقت صدر القناة من الدم
فأنث الصدر لأن صدر القناة من القناة، فإذ أضفت مذكرا الى مؤنث ليس منـه لم يجز ذلك، لا تقول: ضربتني غلام هند، لأن الغلام ليس من هند، وقد جاء مثل هذا كثير في أشعار العرب. وسورة الخمر: حدتها. وساوره السبع يساوره مساورة وسوارا، إذا واثبه. وقد سمت العرب سورة وسوارا وسورا ومساورا ومسورا. والسوار: معروف، والجمع أسورة. وأساورة العجم: الفرسان، واحدهم إسوار، وقد تكلمت بـه العرب. قال الراجز:
ووتر الأساور القياسا
صغدية تنتزع الأنفاسا
وقال الآخر:
أقدم أخا نـهم على الأساوره
ولا تهالنك رجل نادره

(1/393)

وبنو نـهم: من همدان. والسور: كرام الإبل، الواحدة سورة. والسؤر، مـهموز، والجمع أسآر: ما أبقيت في الإناء. وزعم قوم أن السورة من القرآن من هذا إذا همزت، كأنـها أسئرت، أي بقيت من شيء. وفي وصية بعض العرب لبنيه: إذا شربتم فأسئروا، أي أبقوا في الإناء فإنـه أجمل. والورس: صبغ أصفر معروف؛ ثوب ورس ووارس. وأورس الرمث، إذا اصفر ثمره فهو وارس، وهذا الحرف أحد الحروف التي جاءت على أفعل فهو فاعل، ولا يقال مورس. وورست الصخرة في الماء، إذا ركبها الطحلب حتى تخضار وتملاس. قال الشاعر:
ويخطو على صم صلاب كأنـها ... حجارة غيل وارسات بطحلب
ر - س - ه
الرهس: الوطء الشديد، مثل الوهس سواء؛ رهسه يرهسه رهسا؛ أخبر بـه أبو مالك عن العرب. والسهر: ضد النوم؛ سهر يسهر سهرا. والأسهران: عرقان في العينين. وقال قوم: بل الأسهران عرقان يكتنفان غرمول الفرس أو الحمار. قال الشاعر:
توائل من مصك أنصبته ... حوالب أسهريه بالذنين
الذنين: السيلان؛ يقال: ذن أنفه يذن ذنا وذنينا، إذا سال. والساهرة: الأرض البيضاء؛ هكذا فسر أبو عبيدة في التنزيل، والله أعلم. وهي عند أهل اللغة قريب من ذلك، وقالوا: بل أرض يجددها الله يوم القيامة. قال الراجز:
أقدم أخا نـهم على الأساوره
ولا تهالنك رجل نادره
فإنما قصرك ترب الساهره
حتى تعود بعدها في الحافره
من بعد ما صرن عظاما ناخره
والسهر: القمر بالسريانية، وهو الساهور؛ وزعم قوم: بل دارة القمر. وقد ذكره أمية بن أبي الصلت، ولم يسمع إلا في شعره، وكان مستعملا للسريانية كثيرا لأنـه كان قرأ الكتب، فقال:
لا عيب فيه غير أن جبينـه ... قمر وساهور يسل ويغمد
وذكره عبد الرحمن بن حسان بن ثابت. وذكر أبو عبيدة أن الساهرة الفلاة ووجه الأرض، وأنشد لأمية بن أبي الصلت:
ملك بساهرة إذا ... تلقى نمارقه وكوبه
وقال الآخر:
خياركم خيار أهل الساهره
أطعنـهم للبة وخاصره
وقال أبو كبير الهذلي:
يركبن ساهرة كأن غميمـها ... وجميمـها أس ليل مظلم
والهرس: الأكل الشديد؛ ولذلك قيل: إبل مـهاريس، شديدات الأكل. قال الحطيئة:
مـهاريس يروي رسلها ضيف أهلها ... إذا النار أبدت أوجه الخفرات
يقول: إذا أجدب الزمان. وأصل الهرس الدق الشديد، وبه سمي الهاوون مـهراسا. والهريس من ذا أيضا لأن يدق دقا شديدا. والهراس، مخفف: نبت له شوك، الواحدة منـه الهراسة. قال الشاعر:
يطابقن في كل أرض يطأن ... طباق الكلاب يطأن الهراسا
والسرة من كل شيء: خالصه، من ذلك سرة الوادي وسر الوادي وسرارة الوادي، وهو أكرمـه وأطيبه ترابا.
ر - س - ي
راس يريس ريسا وريسانا، إذا مشى متبخترا. قال أبو زبيد:
قصاقصة أبو شبلين ورد ... أتاهم بين أرحلهم يريس
وبه سمي الرجل رائسا. والسير: مصدر سار يسير سيرا. والسير: القطعة المستطيلة من الأدم، والجمع سيور وأسيار. قال الشاعر:
لا تأمنن فزاريا خلوت بـه ... على قلوصك واكتبها بأسيار
وسار فلان يسير سيرة حسنة. قال خالد بن زهير الهذلي ابن أخي أبي ذؤيب:
فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها ... فأول راض سيرة من يسيرها

(1/394)

وسير فلان سيرة، إذا جاء بحديث الأوائل، والجميع سير. والسري: النـهر؛ هكذا فسر في التنزيل، والله أعلم. ورجل سري: بين السرو. وقد سمت العرب سريا وسريا. والسرية: القوم الذين يسيرون الى أعدائهم، وكان أصله من سرى الليل، فكثر ذلك حتى جعلت السرية الخارجة للحرب ليلا أو نـهارا، وهي فعلية من سرى يسري. واليسر ضد العسر، وأيسر الرجل إيسارا. واليد اليسار ضد اليمين، بفتح الياء وكسرها، وزعموا أن الكسر أفصح. ويقولون: خذ على يسارك، بفتح الياء. وقال بعض أهل اللغة: اليسار، بكسر الياء، شبهوه بالشمال، إذا ليس في كلامـهم كلمة أولها ياء مكسورة إلا يسار. ويسر: دحل لبني يربوع بالدهناء معروف. قال طرفة:
هاجه ذكر خيال عاده ... طاف والركب بصحراء يسر
فأما قول العامة: عود اليسر فخطأ، إنما هو عود الأسر، والأسر: احتباس البول. ورجل أعسر يسر، فأما قولهم: أعسر أيسر فخطأ. وأيسار الجزور، الواحد يسر، وهم الذين يتقامرون على الجزور. قال الشاعر:
لو ييسرون بخيل قد يسرت بها ... وكل ما ييسر الأقوام مغروم
أي كل ما يتياسر فيه فلا بد من أن يغرم ثمنـه، ومنـه الميسر الذي نـهي عنـه. والميسرة ضد المعسرة، وكذلك هو في التنزيل: " فنظرة الى ميسرة " . ويقولون: خذ ميسوره ودع معسوره، أي خذ ما يسر ودع ما عسر. وقد سمت العرب يسرا وياسرا ويسارا وأيسر. واليسر: القوم المياسرون. وبايعت الرجل فياسرته، إذا ساهلته. والشيء اليسير: القليل. وياسر منعم: ملك من ملوك حمير.
باب الراء والشين
مع ما بعدهما من الحروف
ر - ش - ص
الشرص، والجمع شرصة وشراص، بكسر الشين، وهي النزعة عند الصدغ. قال الأغلب:
يا رب شيخ أشمط العناصي
ذي لمة مبيضة القصاص
صلت الجبين ظاهر الشراص
والشصر: مصدر شصرت الناقة أشصرها وأشصرها شصرا، وهو أن تزند في أخلة بهلب ذنبها تغرز في أشاعرها إذا دحقت، أي خرجت رحمـها عند الولادة. والتزنيد: الشد الضيق؛ وكل شيء فعلت بـه ذلك فقد زندته. والأشعران: جانب الفرج منـها ينبت عليهما الشعر. والشصر، بفتح الصاد والشين: الظبي الشادن.
ر - ش - ض
أهملت.
ر - ش - ط
الشطر: النصف من كل شيء. وشاة شطور، إذا يبس أحد ضرعيها. وقولهم: حلب فلان الدهر أشطره، إذا جرب الأمور، وأصله من الحلب، أي هو يحلب شطرا ثم يحلب الشطر الآخر، وكأن أشطرا جمع شطر في أدنى العدد. ونظرت شطر بني فلان، أي ناحيتهم التي يقصد إليهم منـها. وفي التنزيل: " شطر المسجد الحرام " ، أي نحوه والله أعلم. قال الشاعر:
أقم قصد وجهك شطر العراق ... وخال الخليفة فاستمطر
كنى بالخال عن السحاب الذي يخال فيه المطر. والمحل الشطير: البعيد، وبه سمي الشاطر لتباعده عن الخير. ومنـه:
مليكية جاورت بالحجا ... ز قوما عداة وأرضا شطيرا
والشرط: رديء المال من الإبل والغنم، والجمع أشراط. والشرط: معروف، والجمع شروط وأشراط. وأشرط فلان نفسه لهذا الأمر، أي جعل نفسه علما له. وبه سمي الشرط لأنـهم جعلوا لأنفسهم أعلاما للناس يعرفون بها. قال أوس بن حجر:
فأشرط فيها نفسه وهو معصم ... وألقى بأسباب له وتوكلا
يصف رجلا دلى نفسه من الجبل على نبعة ليأخذها، أي هو متعلق بشيء، يقال: أعصمت بهذا الحبل واعتصمت به، إذا تعلقت به. وأشراط القيامة: علاماتها. والشرطان: نجمان من منازل القمر ولهما نوء ليس بغزير. ويقال: مطرنا بنوء الشرطين وبالأشراط أيضا. قال العجاج:
نوء السماك انقض أو دلوي ... من باكر الأشراط أشراطي

(1/395)

وربما قيل: مطرنا بنوء الشرط، وهو بطن الحمل فيما يزعم النجامون. والشرط أصله الشق، وبه سمي شرط الحجام. والشريط من الخوص من هذا اشتقاقه لأنـه يشق خوصه ثم يفتل، وهو فعيل في موضع مفعول. والشريطة مثل الشرط سواء. وبنو شريط: بطن من العرب.
والطرش ليس بعربي محض، بل هو من كلام المولدين، وهو بمنزلة الصمم عندهم. قال أبو حاتم: لم يرضوا باللكنة حتى صرفوا له فعلا فقالوا: طرش يطرش طرشا.
ر - ش - ظ
أهملت
ر - ض - ع
الرعش: الرعدة، رعش يرعش رعشا ورعشا ورعشانا فهو راعش. وشمر يرعش: ملك من ملوك حمير كان بـه ارتعاش فسمي يرعش.
والشعر: معروف، بتحريك العين وتسكينـها، وتقول العرب: ما شعرت بـه شعرا وشعرة وشعورة. والشاعر سمي شاعرا لأنـه يشعر للكلام. وقولهم: ليت شعري، أي ليتني أشعر بكذا وكذا. والشعير: حب معروف. وشعائر الله: المناسك، وهي أنصاب الحرم، واحدتها شعيرة هكذا يقول أبو عبيدة، والمشاعر التي هي مناسك الحج واحدها مشعر، وهي الأنصاب أيضا.
وأشعرت البدنة، إذا طعنت في سنامـها بمشقص أو سكين لتدمى فيعلم أنـها بدنة.
وشعيرة السيف من فضة أو حديد، وهي رأس الكلب، والكلب: المسمار في قائم السيف. والشعار: كل شيء لبسته تحت ثوب فهو شعار له. وشعار القوم: ما تداعوا بـه عند الحرب من ذكر أب أو أم أو غير ذلك. وأشعر فلان فلانا شرا، إذا غشيه به. وأشعره الحب مرضا، إذا أبطنـه إياه. والشعراء: ضرب من الذباب أزرق. والشعراء أيضا: هذا الخوخ المعروف. والشعيراء: ابنة ضبة بن أد ولدت لبكر بن مر أخي تميم ابن مر ولده، فهم بنو الشعيراء. وقال قوم: بل الشعيراء لقب بكر بن مر نفسه. والشعريان: نجمان، وهما الشعرى العبور والشعرى الغميصاء. قال أبو بكر: إنما سميت الغميصاء لأنـها أقل نورا من العبور، وسميت العبور لأنـها تعبر المجرة، هكذا يقول قوم. وأشاعر الفرس: ما حول حافره من الشعر. وأشاعر الناقة: جوانب حيائها. ويقال: داهية شعراء وداهية وبراء. ومن كلامـهم للرجل إذا تكلم بما ينكر عليه: جئت بها شعراء ذات وبر. والشعرة: العانة. وخف مشعر: مبطن بشعر. وشعر: جبل معروف، غير مصروف. والأشعر والأقرع: جبلان بالحجاز معروفان. ورجل أشعر وامرأة شعراء: كثير الشعر. والشعرور: نبت. وتفرق القوم شعارير شذر مذر، وشعارير قندحرة. وجاء أمية بن أبي الصلت في شعره بالشيتعور، وزعم قوم أنـه الشعير، ولا أدري ما صحته.
وروضة شعراء: كثيرة الشجر. ورملة شعراء: تنبت النصي وما أشبهه. والشرع: الوتر، والجمع شراع وشرع. قال الهذلي:
وعاودني ديني فبت كأنما ... خلال ضلوع الصدر شرع ممدد
وشريعة النـهر ومشرعته: حيث ينحدر إلى الماء منـه، ومنـه سميت شريعة الدين إن شاء الله تعالى لأنـها المدخل إليه، وهي الشرعة أيضا. وأشرع القوم الرماح للطعن، إذا هم صوبوها. ودور شوارع: على نـهج واضح. والشراع، شراع السفينة: معروف. وما لهم بينـهم شرع واحد وشرع واحد، والفتح أعلى، أي هم سواء، وله في المال سهم شرع. وسقى إبله التشريع، إذا أوردها شراع الماء فشربت ولم يستق لها. ومثل من أمثالهم: " أهون السقي التشريع " . والعشر: عقد معروف. والعشر: عشر ذي الحجة. والعشر: جزء من عشرة أجزاء. وأما قولهم: عشرون فمأخوذ من أظماء الإبل، أرادوا عشرا وعشرا وبعض عشر ثالث، فلما جاء البعض جعلوها ثلاثة أعشار فجمعوا عشرين على فعلين فقالوا: عشرين وذلك أن الإبل ترعى ستة أيام وتقرب يومين وترد في اليوم التاسع وكذلك العشر الثاني، فصار العشران ثمانية عشر يوما وبقي يومان من العشر الثالث فأقاموه مقام عشر. والعشر: آخر الأظماء. قال ذو الرمة:
حنين اللقاح الخور حرق ناره ... بجرعاء حزوى فوق أكبادها العشر

(1/396)

وعاشوراء: يوم سمي في الإسلام ولم يعرف في الجاهلية. قال أبو بكر: وليس في كلام العرب فاعولاء ممدودا إلا عاشوراء، هكذا قال البصريون، وزعم ابن الأعرابي أنـه سمع خابوراء، أخبرني بذلك حامد بن طرفة عنـه، ولم يجىء بهذا الحرف أصحابنا، ولا أدري ما صحته. وناقة عشراء، إذا بلغت في حملها عشرة أشـهر وقرب ولادها، والجمع عشار. قال الشاعر:
بلاد رحبة وبها عشار ... يدل بها أخا الركب العشار
وكذا فسروا في التنزيل: " وإذا العشار عطلت " ،قالوا: هي الإبل الحوامل، كذا قال أبو عبيدة والله أعلم. وعشر الحمار تعشيرا، إذا نـهق عشرا في طلق واحد. وعشيرة الرجل: بنو أبيه الأدنون الذي يعاشرونـه، وهكذا ذكر أصحاب المغازي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما أنزل عليه: " وأنذر عشيرتك الأقربين " قام فنادى: يا بني عبد مناف. وعشير الرجل: امرأته التي تعاشره في بيته، وهو عشيرها أيضا. ولك عشر هذا المال وعشيره ومعشاره. والعشر: نبت معروف. وأعشار الجزور: أنصباؤها إذا قسمت بين الناس. وعشر الجزار خيرة اللحم، إذا أخذ منـه أطايبه. وذو العشيرة: موضع معروف غزاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وبنو العشراء: قوم من العرب في غطفان لهم حديث لا أستجيز ذكره. وقدر أعشار: عظيمة، وقد فسروا بيت امرىء القيس:
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل
قال البصريون: أراد أن قلبه كسر ثم شعب كما تشعب القدر. وقال آخرون: بل أراد أن قلبه قسم أعشارا كأعشار الجزور فضربت بسهميها فخرج الثالث وهو الرقيب فأخذت ثلاثة أنصباء ثم ثنت فخرج السابع وهو المعلى فأخذت سبعة أنصباء فاحتازت قلبه أجمع، وهو أحسن التفسيرين. وفلان حسن العشرة والمعاشرة.
والعرش: السرير. والعريش: ظلة من شجر أو نحوه، والجمع عرش. والعرشان من الفرس: آخر شعر العرف. ويقال: ثلت عروش بني فلان، إذا تشتتت أمورهم. ويقال: ضربه فثل عرشيه، إذا قتله. قال ذو الرمة:
وعبد يغوث تحجل الطير حوله ... وقد ثل عرشيه الحسام المذكر
ويروى عرشيه " أيضا. وبئر معروشة، إذا طرح عليها خشب يقف عليه الساقي. فيشرف عليها، وربما سميت معروشة أيضا إذا ظللت. قال الشاعر:
ولما رأيت الأمز عرش هوية ... تسليت حاجات الفؤاد بزيمرا
زيمر: اسم ناقته. وعرشت الكرم تعريشا وعرشته عرشا، إذا جعلت تحته خشبا ليمتد عليها، وكرم معروش ومعرش. وعرشان: اسم رجل.
ر - ش - غ
شغر الكلب برجله، إذا رفعها ليبول فهو شاغر، ثم كثر ذلك في كلامـهم حتى قالوا: شغرت أرض بني فلان، إذا لم يكن فيها أحد يحميها ولا يمنع عنـها. وشغر الرجل المرأة للجماع وأشغرها أيضا، إذا رفع رجليها. وفي الحديث: " لا شغار في الإسلام " ، وهو أن يتزوج الرجلان كل واحد منـهما بأخت صاحبه أو بنت صاحبه ليس بينـهما مـهر، وكان من فعل أهل الجاهلية. والشغرور: نبت، زعموا. وتفرق الفوم شغر بغر، وقالوا شغر بغر. والشاغرة: موضع.
والشرغ، بفتح الشين وكسرها: الضفدع الصغيرة، والجمع شروغ والغرش: لغة يمانية، زعموا أنـه ثمر شجر، ولا أحقه.
ر - ش - ف
رشفت الماء أرشفه وأرشفه رشفا، إذا استقصيت شربه من الإناء حتى لا تدع فيه شيئا، والماء مرشوف ومرتشف، وكذلك رشف الريق، يقال: رشف الرجل ريق المرأة رشفا.
والشفر من قولهم: ما بالدار شفر، أي ما بها أحد، ولا يكادون يقولون ذلك إلا في النفي.
والشفر: منبت شعر الجفن، والجمع أشفار. وشفير كل شيء: حرفه، شفير النـهر وشفير البئر، وشفير الوادي وكذلك شفر الفرج: حروف أشاعره. وشفار: موضع. وشفرة السيف: حده والشفرة: السكين أيضا، ويسمى إزميل الحذاء شفرة. ومشفر البعير ومشفره أيضأ مثل الجحفلة من الفرس والشفة من الإنسان. ويربوع شفاري، وهو الذي على أذنـه شعر.

(1/397)

والشرف والشريف: موضعان بنجد. والشرف: علو الحسب. وشرف الإنسان: أعلى جسمـه. والرجل شريف، والذي دونـه لا حسب له مشروف. والرجل الأشرف: الطويل الأذنين، وبه سمي الرجل أشرف. وناقة شرافية: مرتفعة عالية. وناقة شارف: مسنة. وشراف: موضع معروف. وشرفت القصر وغيره، إذا جعلت له شرفا. وأذن شرافية وشفارية، إذا كانت عالية طويلة وعليها شعر.
والفرش: مصدر فرشت الفراش أفرشـه فرشا. وافترشت الأرض، إذا اتخذتها فراشا، وافترش الرجل المرأة كذلك. والفريش من الخيل: التي يحمل عليها بعد نتاجها بسبعة أيام، والجمع الفرائش، قال الأصمعي: وهو خير أوقاتها في النتاج. قال ذو الرمة:
باتت يقحمـها ذو أزمل وسقت ... له الفرائش والسلب القياديد
يصف آتنا، وسقت: جمعت الماء في رحمـها، والسلب: جمع سلوب، وهي التي فقدت ولدها، والفريش في الخيل والحمير سواء. والفرش من الإبل: صغارها التي لا يحمل عليها، الواحد والجمع فيه سواء. وكذلك فسر في التنزيل في قوله جل وعز: " حمولة وفرشا " ، والله أعلم.
والفراش: جمع فراشة، وهي دويبة تطير بالليل فتسقط في النار. وفي الحديث: " فيتتابعون تتابع الفراش في النار " . وفراش الرأس: عظام رقاق متداخلة في مقدمـه تحت الجبهة والجبينين. قال النابغة:
تطير فضاضا بينـهم كل قونس ... ويتبعها منـهم فراش الحواجب
والفرش: الفضاء الواسع من الأرض. والمفارش: النساء، ويقال: فلان كريم المفارش، إذا تزوج كرائم النساء. والمفارش أيضا: كل ما افترشته. وفراشة القفل أحسبها عربية صحيحة، وقد سموها المنشب. وأكمة مفترشة الظهر، إذا كانت دكاء، وكذلك الناقة، وجمل مفترش الظهر: لا سنام له. وما بقي من الغدير إلا فراشة، أي ماء قليل.
ر - ش - ق
الرشق: مصدر رشقت بالنبل رشقا، بفتح الراء. والرشق، بكسر الراء: السهام بعينـها التي يرشق بها. وغلام رشيق: خفيف الجسم لبق، والمصدر الرشاقة. وأرشقت الظبية، إذا مدت عنقها، وأرشقت المرأة، إذا تابعت نظرها، والمرأة والظبية مرشقتان، والجمع مرشقات ومراشق. ورشقه بالكلام، كأنـه رماه بـه كالرمي بالنبل.
والرقش: النقش، حية رقشاء: فيها ألوان من سواد وحمرة وغيرهما، والإسم الرقشة والرقش. ورقش فلان الكلام، إذا تم وكذب. قال رؤبة:
عاذل قد أولعت بالترقيش
إلي سرا فآطرقي وميشي
ورقش كلامـه أيضا، إذا زوره. وتسمى شقشقة البعير رقشاء لما فيها من اختلاف الألوان. قال الراجز:
وهو إذا جرجر بعد الهب ... جرجر في رقشاء مثل الحب
ويروى: في شقشقة كالحب. وسميت المرأة رقاش، معدولة عن راقشة، وفي العرب بطون ينسبون إلى رقاش، وهن أمـهاتهم، في بكر بن وائل بنو رقاش، وفي كلب رقاش، وأحسب أن في كندة بطنا أيضا يقال لهم بنو رقاش. والذين بالبصرة من بكر بن وائل بنو رقاش.
والرقشاء: دويبة تكون في العشب شبيهة بالحمطوط فيها حمرة وصفرة، قال أبو بكر: الحمطوط: دودة منقوشة مليحة. والمرقشان الشاعران كلاهما من بني قيس بن ثعلبة، وإنما سمي الأكبر منـهما بقوله:
الدار قفر والرسوم كما ... رقش في ظهر الكتاب قلم
والشقرة في الإنسان: حمرة تعلو البياض، والشقرة في الخيل: حمرة صافية يحمر معها السبيب والمعرفة والناصية، الذكر أشقر والأنثى شقراء. والشقرة: نور أحمر شبيه بالشقائق، أو هو هو. قال الشاعر:
وتساقى القوم كأسا مرة ... وعلا الخيل دماء كالشقر
وبنو شقرة: بطن من بني عمرو بن تميم، وأبوهم الحارث ابن مازن بن عمرو بن تميم، وإنما سمي الحارث الشقر بقوله:
وقد أحمل الرمح الأصم كعوبه ... بـه من دماء القوم كالشقرات

(1/398)

فسمي شقرة. وبنو شقرة أيضا: بطين أحسبهم من بني ضبة. والأشاقر: بطن من العرب كانت أمـهم تسمى الشقيراء، وأبوهم أسعد بن مالك بن عمرو بن مالك بن فهم، منـهم كعب بن معدان الأشقري الشاعر، ومن مواليهم شعبة بن الحجاج المحدث.
والشقارى: نبت، وقالوا الشقارى بالتشديد، وقالوا الشقار. ويقال: خبرته بشقوري، أي بحالي وأمري. ويقال: جاء فلان بالشقر والبقر، ويقال بالشقارى والبقارى، إذا جاء بالكذب.
وقد سمت العرب أشقر وشقران وشقيرا. والمشقر: حصن بالبحرين قديم وله حديث.
والمشاقر: منابت أحرار البقل، النصي وما أشبه ذلك، الواحد مشقر.
والشرق ضد الغرب، والمشرق ضد المغرب، والمشرقان: مطلع الشتاء ومطلع الصيف، والمشارق: مطالع الشمس كل يوم حتى تعود إلى المطلع الأول في الحول. وشرقت الشمس، إذا طلعت، وأشرقت، إذا امتد ضوءها. ويقال: " لا أفعل ذلك ما ذر شارق " ، أي ما طلع قرن الشمس. والشارق: صنم كان في الجاهلية، وبه سمت العرب عبد الشارق، هكذا يقول ابن الكلبي. وشريق: اسم أيضا. وشرق الرجل يشرق شرقا، إذا اغتص بالماء. قال عدي بن زيد:
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري
الاعتصار: النجاة. والمشرقة، بضم الراء وفتحها: الموضع الذي يستدرى فيه من الريح وتطلع فيه الشمس، وقال في الإملاء: حيث يقعد المتشرق في الشمس. قال الشاعر:
تريدين الطلاق وأنت عندي ... بعيش مثل مشرقة الشتاء
ويروى: مثل مشرقة الشمال. ومشريق: موضع، وقال سيبويه: مشريق آلة من آلة الباب.
والمشرق: المصلى. قال أبو ذؤيب:
حتى كأني للحوادث مروة ... بصفا المشرق كل يوم تقرع
وأيام التشريق التي بعد الأضحى إنما سميت بذلك لأنـهم كانوا يشرقون اللحم فيها، أي يبسطونـه ليجف. وشرق الثوب بالصبغ، إذا احمر فاشتدت حمرته. ولطمـه فشرق الدم في عينـه، إذا احمرت واشرورقت. وذكر الأصمعي أن رجلا لطم رجلا فاشرورقت عينـه واغرورقت فقدم إلى شريح أو إلى الشعبي فقال:
لها أمرها حتى إذا ما تبوأت ... بأخفافها مأوى تبوأ مضجعا
يقول إنـه لا يحكم فيها حتى ينظر إلى ما يصير أمرها. والأشراق: جمع شرق، والإشراق: المصدر. وناقة شرقاء، إذا شقت أذنـها بنصفين طولا، وكذلك شاة شرقاء.
والقرش: الجمع، تقرش القوم، إذا تجمعوا، وبه سميت قريش لتجمعها. قال أبو بكر: وقد كثر الكلام في هذا فقال قوم: قريش دابة من دواب البحر، وقال آخرون: سميت قريش بقريش بن يخلد بن غالب بن فهر وكان صاحب عيرهم فكانوا يقولون: قدمت عير قريش وخرجت عير قريش، وقال قوم: سميت قريشا لأن قصيا قرشـها أي جمعها، فلذلك سمي قصي مجمعا: قال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب:
أبونا قصي كان يدعى مجمعا ... بـه جمع الله القبائل من فهر
وقال أيضا:
نحن كنا سكانـها من قريش ... وبنا سميت قريش قريشا
وقال آخرون: تقرش الرجل، إذا تنزه عن مدانس الأمور. ويقال: تقارشت الرماح في الحرب، إذا تداخل بعضها في بعض. قال أبو زبيد:
إما تقارش بك الرماح فلا ... أبكيك إلا للدلو والمرس
وقد سمت العرب قريشا ومقارشا.
والقشر: مصدر قشرت الشيء أقشره قشرا، إذا انتزعت عنـه قشره. ورجل قاشور: مشؤوم، ومثل من أمثالهم: " أشام من قاشر " ، وهو فحل من الإبل، وله حديث. ورجل أقشر، إذا أفرطت حمرته حتى ينقشر جلده، وامرأة قشراء كذلك. والأقيشر: لقب شاعر معروف.
وبنو قشير: قبيلة من العرب معروفة. وسنة قاشورة: مجدبة لا خير فيها. قال الراجز:
فآبعث عليهم سنة قاشوره
تحتلق المال احتلاق النوره
ر - ش - ك
الشكر من قولهم: الشكر لله، وشكرت لك النعمى، ولا يكادون يقولون: شكرتك.

(1/399)

وبنو شاكر: قبيلة من همدان. وبنو شكر: بطن من الأزد. وبنو يشكر: بطن من بكر بن وائل. وشوكر: اسم من أسمائهم، الواو زائدة، واشتقاقه من الشكر. والشكير: ما نبت من العشب تحت ما هو أعلى منـه فلا يزال ضعيفا. والشكير أيضا: الشعر الصغار في معرفة الفرس. والشكير أيضا: شعر ينبت خلال الشيب ضعيفا. قال الراجز:
الآن إذ لاح بك القتير
والرأس قد صار له شكير
ونام لا يحذرك الغيور
واشتكر ضرع الناقة، إذا امتلأ لبنا، ويقال: أشكر أيضا. وربما استعير ذلك للسحاب فيقال: اشتكرت السحابة، إذا كثر ماؤها. والشكر: بضع المرأة. قال الشاعر:
وبيضاء المعاصم إلف لهو ... خلوت بشكرها ليلا تماما
واختصم رجل وامرأة إلى يحيى بن يعمر فقال يحيى للرجل: " أأن سألتك ثمن شكرها وشبرك أنشأت تطلها وتضهلها " قوله تطلها: تمطلها، وتضهلها: تعطيها قليلا قليلا. ويقال: بئر ضهول، إذا كانت قليلة الماء، وكذلك ناقة ضهول، إذا قل لبنـها. وامرأة شكور: يستبين عليها أثر الغذاء سريعا، وكذلك الفرس.
والشرك: مصدر شركت الرجل في ماله أشركه شركا. وشارك فلان فلانا شرك عنان أو شرك مفاوضة، فالعنان في صنف من المال بعينـه، والمفاوضة في جميعه. قال الشاعر:
أبى ابن كزمان كعب أن يصاهره ... مسكان شرك عنان وهو أسوار
الأسوار بالفارسية: الفارس. وشريك الرجل ومشاركه سواء. والإشراك بالله جل وعز: مصدر أشرك إشراكا، وهو أن يدعو لله شريكا، تبارك ربنا وتعالى. وشراك النعل: معروف، والجمع شرك، وشركت النعل تشريكا، وقال قوم: أشركتها إشراكا، وليس بالعالي. والشراك: الطريق الدقيق ينشعب عن جادة، والجمع شرك. وشرك الصائد: حبالته، الواحدة شركة، والجمع شرك أيضا. وقد سمت العرب شريكا وشريكا، وهو أبو بطن منـهم. وبنو شريك بن مالك بن عمرو بن مالك بن فهم، منـهم مسدد بن مسرهد، ومن مواليهم مقاتل بن سليمان.
والكرش لنوات الأربع من الخف والظلف مثل المعدة للإنسان، والجمع أكراش وكروش.
وكرش الرجل: وعاء يحفظ فيه نفيس متاعه. وفي حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " الأنصار كرشي وعيبتي " ، أي الذين أطلعهم على أسراري، ووجه الحديث: كرشي، أي مددي، أي الذين استمدهم لأن الخف والظلف يستمد الجرة من كرشـه. وتكرش القوم، إذا تجمعوا. وكرش فلان وجهه، إذا قبضه. وكرشان بن الآمري بن مـهرة بن حيدان بن آلحاف بن قضاعة: أبو قبيلة من العرب. ونزل بنا أكراش من الناس، أي جماعات. فأما الأكارس فالجماعات، لا واحد لها من لفظها، بالسين غير معجمة. والكرشة أيضا: ضرب من النبت.
والكشر أن يبدي الرجل ثناياه وأنيابه ورباعياته ضاحكا أو متغيظا. قال الشاعر:
فما ظنكم بآبن الحواري مصعب ... إذا افتر يوما كاشرا غير ضاحك
ر - ش - ل
أهملت.
ر - ش - م
الرشم فارسي معرب، وقد أعرب فقيل روشم وروسم.
والرمش: اللمس باليد أو التناول بأطراف الأصابع، رمشته أرمشـه وأرمشـه رمشا، إذا تناولته بأطراف أصابعك. ويقلب أيضا فيقال: مرشته أمرشـه مرشا.
والشمر: التبختر، شمر يشمر شمرا، إذا مر متخايلا. وشمر في أمره تشميرا، إذا جد.
وشمر من ثيابه، إذا قبضها إليه. وشمر أذياله لهذا الأمر، إذا تأهب له. ومنـه رجل شمري، إذا كان جادا في أموره. وقد سمت العرب شمرا ومشمرا. وشمر يرعش: ملك من ملوك حمير.
والشرم: الشق، يقال: شرمت عين الرجل، إذا شققت جفنـه الأعلى. وأبرهة الأشرم الحبشي ملك الحبشة، وهو صاحب الفيل، سمي بذلك لشرم كان بعينـه. وناقة شريم، إذا زندت فشرمت أشاعرها. قال الشاعر:
وناب همة لا خير فيها ... مشرمة الأشاعر بالمذاري
وامرأة شريم: مفضاة. وكل شق في جبل أو صخرة لا ينفذ فهو شريم.
والمرش: التناول بأطراف الأصابع كالقرص، مرشـه يمرشـه مرشا.

(1/400)

والمشر من قولهم: تمشر الرجل، إذا اكتسى وحسنت حاله.
وتمشر العود، إذا أورق. ورجل مشر، بكسر الميم، وهو الشديد الحمرة الأقشر. وبنو المشر: بطن من مذحج. ومشرت الشيء أمشره مشرا، إذا أظهرته. ومنـه قول الشاعر:
فقلت أشيعا مشرا القدر حولنا ... وأي زمان قدرنا لم تمشر
أي لم تظهر. والمشارة: الكردة، وليس بالعربية الصحيحة.
ر - ش - ن
الرشن: أصل بناء فعل الراشن، وهو الذي تسميه العامة الطفيلي، رشن يرشن رشنا ورشونا، ومنـه يقال: رش الكلب في الإناء، إذا أدخل رأسه فيه.
والشنر. أصل بناء الشنير، وهو السيىء الخلق. وبنو شنير: بطن من العرب أحسبهم من بني كنانة. والشنار: أقبح العار. قال الشاعر:
من الخفرات لم تفضح أخاها ... ولم ترفع لوالدها شنارا
والنشر: مصدر نشرت الثوب وغيره أنشره نشرا، ونشرت الحديث، إذا أذعته ونشرت العود بالمنشار نشرا، ووشرته وشرا وأشرته أشرا، في لغة من سمى المنشار منشارا. قال الشاعر:
لقد عيل الأيتام طعنة ناشره ... أناشر لا زالت يمينك آشره
أي مأشورة بالمئشار. قال أبو بكر: وهذا فاعل في موضع مفعول كقوله تعالى: " في عيشة راضية " ، في معنى مرضية. وشممت نشر الطيب، أي رائحته. وما أحسن نشر الأرض، إذا ابتدأ فيها النبت. ونشر الله الميت وأنشره لغتان فصيحتان، والميت منشور ومنشر. وفي التنزيل: " ثم إذا شاء أنشره " . قال الشاعر:
حتى يقول الناس مما رأوا ... يا عجبا للميت الناشر
أي المنشور. ونشرت عن المريض، إذا رقيته حتى يفيق، وهي النشرة. وانتشر الفحل، إذا أنعظ أو رول، والترويل أن يلألىء ولاينعظ. والنشر: الرائحة، وأكثر ما تخص بـه الرائحة الطيبة، وربما سميت الخبيثة أيضا نشرا. والنشر: أن يصيب اليبيس مطر في دبر الصيف فيتفطر بورق، وهو داء إذا أكله المال يصيبه السهام ويهرب الناس منـه بأموالهم. وقد سمت العرب ناشرة، وأحسب اشتقاقه من نشرت الشيء بالمنشار. والنشر: أن ينبت الشعر على الدبر وتحته فساد. قال الشاعر:
وفينا وإن قيل اصطلحنا تضاغن ... كما طر أوبار الجراب على نشر
إذا ما رآني ظل كاسر عينـه ... ولا جن بالبغضاء والنظر الشزر
والنشر: خلاف الطي. قال الشاعر:
والسوق يطويه وينشره
والنشر: النضح إذا صببت الماء من إناء في إناء أو صببت عليك فانتشر، ومنـه حديث الحسن رحمـه الله: " أتملك نشر الماء لا أم لك؟ " .
والنرش زعم بعض أهل اللغة أنـه التناول باليد، نرشـه نرشا، ولا أعرف ذلك. وليس في كلامـهم راء قبلها نون، ولا تلتفت إلى نرجس فإنـه فارسي معرب.
ر - ش - و
الرشو: مصدر رشاه يرشوه رشوا، والاسم الرشوة.
والشور: مصدر شرت العسل أشوره شورا فهو مشور، وأشاره يشيره فهو مشار، واشتاره يشتاره فهو مشتار، وأبى الأصمعي إلا شرته فهو مشور، وأنشد في ذلك:
كأن جنيا من الزنجبي ... ل بات بفيها وأريا مشورا
ورد " أشرت العسل " ، وأنكر بيت عدي بن زيد:
في سماع يأنن الشيخ له ... وحديث مثل ماذي مشار
فأما اشتار يشتار فهو افتعل يفتعل، ولا يوضح أمن فعل هو أو من أفعل. والشوار: متاع البيت. والشوار: الفرج. وشور: والد قعقاع بن شور الذي يضرب بـه المثل فيقال: " جليس قعقاع بن شور " ، وهو رجل شريف. ومشوار الدابة: الموضع الذي يعرض فيه.
والشرو: أصل بناء قولهم: هذا شروى هذا، أي مثله. قال الحارث بن حلزة:
وإلى ابن مارية الجواد وهل ... شروى أبي حسان في الإنس
والوشر من قولهم: أسنان موشرة حسنة الوشر، وهو التحزيز في أطرافها، وأحسب أن أصله من قولهم: وشرته بالميشار وشرته.
ر - ش - ه
الرهش من قولهم: رجل رهيش العظام، إذا كان دقيقها قليل اللحم عليها. والرواهش واحدها راهش، وهو عصب باطن الذراع. قال الشاعر:

(1/401)

وأعددت للحرب فضفاضة ... دلاصا تثنى على الراهش
وسهم رهيش: مرهف رقيق. قال امرؤ القيس:
برهيش من كنانته ... كتلظي الجمر في شرره
يريد أن هذا السهم قد أرقه بالمبرد وهو الضئيل، يعني الرهيش.
والشـهر: معروف. وشـهرت السيف، إذا انتضيته. وشـهرت الحديث، إذا أظهرته. ورجل شـهير ومشـهور بخير أو شر: نبيه. وقد سمت العرب شـهرا وشـهيرا ومشـهورا وشـهران وهو أبو قبيلة من العرب من خثعم. والأشاهر: بياض النرجس، هكذا قال أبو حاتم.
والشره: النـهم، رجل شره وامرأة شرهة.
والهشر: خفة الشيء ورقته، ومنـه اشتقاق الهيشر، وهو نبت ضعيف، الياء منـه زائدة.
والهرش من تهارش الكلاب، تهارشت تهارشا واهترشت اهتراشا. قال الراجز:
كأنما دلالها على الفرش
من آخر الليل كلاب تهترش
وقد سمت العرب هراشا ومـهارشا.
ر - ش - ي
الرشي أصل قولهم: ترشيت الرجل ورشيته، إذا لاينته ترشية وترشيا.
والريش: معروف، ومنـه رشت السهم أريشـه ريشا، إذا جعلت له قذذا. ومثل من أمثالهم: " فلان لا يريش ولا يبري " ، معناه: لا ينفع ولا يضر. وتريش الرجل، إذا حسنت حاله.
وراشني فلان يريشني ريشا، إذا استبانت منـه عليك حال حسنة. والرياش: الحال الجميلة، وقد قرىء: " وريشا " و " ورياشا " أيضا. وأعطاه مائة بريشـها، اختلف في هذا المعنى فقال الأصمعي: بريشـها: برحالها، وقال أبو عبيدة: كانت الملوك إذا حبت حباء جعلوا في أسنمة الإبل ريشا ليعرف أنـه حباء الملك.
والشير من قولهم: فلان صير شير، إذا كان حسن الصورة والشارة، وأصله الياء.
والشري: ورق الحنظل. والشريان: ضرب من الشجر يتخذ منـه القسي. قال الراجز:
شريانة تمنع بعد لين
وشري جلده يشرى شرى شديدا، إذا ظهرت فيه حدور، أي آثار وبثور. وشري الرجل في الأمر يشرى فيه، إذا لج. وبه سمي الشاري في قول قوم، وهو أقبح القولين عندهم.
والشراة تقول إنما تسموا بذلك لأنـهم شروا أنفسهم لله تعالى، أي باعوها، ومن ذلك شري السحاب، إذا دام مطره كأنـه لج في المطر، وهذا يرجع إلى القول الأول. والشرى: الناحية، مقصور، والجمع أشراء. قال الشاعر:
لعن الكواعب بعد يوم صرمنني ... بشرى الفرات وبعد يوم الخندق
وقال الشاعر:
لقد شعلت كل شرى بنار
أي كل ناحية.
ويقال: أشر الشيء، إذا أظهر. قال امرؤ القيس:
تجاوزت أحراسا إليها ومعشرا ... علي حراصا لو يشرون مقتلي
ويروى: يسرون، بالسين. وقال كعب بن جعيل:
وما برحوا حتى رأى الله فعلهم ... وحتى أشرت بالأكف المصاحف
وللراء والشين والياء مواضع تراها في الاعتلال إن شاء الله تعالى.
باب الراء والصاد
مع ما بعدهما من الحروف
ر - ص - ض
أهملت.
ر - ص - ط
الصطر: معروف، بالصاد والسين. والصطر في بعض اللغات: العتود من الغنم، بالصاد والسين.
والصراط: معروف، بالصاد والسين.
والمسرط: مسرط الطعام، بالسين والصاد، والسين أعلى.
والطرس: الكتاب، بالسين والصاد.
ر - ص - ظ
أهملت.
ر - ص - ع
الرصع: الضرب باليد. والرصائع: حلية السيف إذا كانت مستديرة، الواحدة رصيعة، وكل حلقة في حلية سيف أو سرج أو غير ذلك مستديرة فهي رصيعة. قال الشاعر:
ضربناهم حتى إذا اربث جمعهم ... وصار الرصيع نـهية للحمائل
يقول: انكبوا على وجوههم فصارت أجفان السيوف في موضع الحمائل، وقوله: اربث: تفرق، والنـهية: الغاية، وكل شيء انتهيت إليه فهو نـهية. والرصع مثل الرسح سواء، رجل أرصع وامرأة رصعاء، وهو خفة المؤخر. قال جرير:
ورصعاء هزانية يخلق ابنـها ... لئيما إذا ما جن في اللحم والدم
والرصع: فراخ النحل، الواحدة رصعة، بسكون الصاد. والرصع: الطعن الشديد، يقال: رصعه بالرمح وأرصعه، وهو شدة الطعن. قال الراجز:
وخزا إلى النصف وطعنا أرصعا

(1/402)

وفوق أغياب الكلى وكسعا
والرعص: الضرب، من قولهم: رعصه، إذا ضربه، وضربه حتى ارتعص، أي التوى من شدة الضرب. وارتعصت الحية، إذا التوت. قال الراجز:
إلا ارتعاصا كارتعاص الحيه
على شرا سيفي ومنكبيه
وارتعص الجدي، إذا طفر نشاطا، وأحسب أن هذا مقلوب عن اعترص الفرس وارتعص، وهما واحد. وارتعص الرمح ارتعاصا، إذا اشتد اهتزازه. قال أوس بن حجر:
أصم ردينيا كأن كعوبه ... نوى القسب عراصا مزجا منصلا
والرعص شبيه بالنفض من قولهم: رعصت الريح الشجرة، إذا نفضت أغصانـها.
والصعر: داء يصيب الإبل فتلتوي منـه أعناقها، وبه سمي المتكبر أصعر. وتصاعر الرجل وتصعر، إذا لوى خده من الكبر. وذكر أبو عبيدة أن من هذا قوله عز وجل: " ولا تصغر خدك للناس " . وقد سمت العرب أصعر وصعيرا وصعران. وصعير بن كلاب: أحد فرسان العرب المذكورين. قال مـهلهل:
عجبت أبناؤنا من فعلنا ... إذ نبيع الخيل بالمعزى اللجاب
علموا أن لدينا عقبة ... غير ما قال صعير بن كلاب
اللجاب: واحدها لجبة، بسكون الجيم، وهي التي قد ارتفع لبنـها، وإنما سكنوا في الجمع لجبات لأنـها صفة. والمعزى لا واحد لها من لفظها، ومعز، بسكون العين: جمع ماعز مثل صاحب وصحب. ويقال أيضا: اللجاب من قولهم عنز لجبة: قريبة العهد بالنتاج. وهذه الكلمة لصعير بن كلاب لما جاءهم مـهلهل يسألهم مرعى وهم في المـهادنة التي كانت بينـهم فقال صعير: " والله لا نرعيهم حتى يبيعوا المـهرة الشوهاء بالعنز اللجبة، الشوهاء من كل شيء: القبيحة إلا من الخيل فإنـها الحسنة منـها، وقالوا: هي الواسعة الأشداق، فقال مـهلهل حيئنذ هذه الأبيات. والصعرور: صمغ شجر يستطيل ويلتوي، والجمع صعارير. قال الشاعر:
إذا أورق العوفي جاع عياله ... ولم يجدوا إلا الصعارير مطعما
ويقال: ضربه فاصعنرر، أي التوى من الوجع، وتسمى دحروجة الجعل صعرورة، وليس بثبت قال الراجز:
يبعرن مثل الفلفل المصعرر
والصرع: مصدر صرعت الرجل أصرعه صرعا، فهو صريع ومصروع.
ورجل صريع، إذا كان حاذقا بالصراع. ورجل صرعة، إذا كان كذلك، بفتح الراء، فإذا قلت: رجل صرعة، فهو الذي يصرعه كل من صارعه. والمصاريع: الأبواب، واحدها مصراع، ولا يكون الباب مصراعا حتى يكون اثنين، ومن ذلك قيل: مصراع الشعر، لأنـه نصف بيت فشبه مصراع الباب به. والصرعان، بكسر الصاد وفتحها: الغداة والعشي. تقول: ما أراه الصرعين، أي غدوة وعشية.
والعرص من قولهم: عرص البرق يعرص عرصا وعرصا، وارتعص ارتعاصا، وهو اضطرابه في السحاب فالبرق عراص، وربما سمي السحاب عراصا لاضطراب البرق فيه.
وعرصة الدار: ما لا بناء فيه، والجمع عرصات وعراص. والعرص: خشبه توضع في وسط سقف البيت ويوضع عليها أطراف الخشب. والعرص: النشاط. ولحم معرص: لم يستحكم نضجه.
والعصر: الدهر.
والعصر: الملجأ، وهو المعتصر أيضا. قال الشاعر:
وصاحبي وهوة مستوهل زعل ... يحول بين حمار الوحش والعصر
وكل ما التجأت إليه من شيء فهو عصر ومعتصر وعصرة. قال عدي بن زيد:
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري
وبنو عصر: بطن من العرب من عبد القيس. وذكر أبو عبيدة أن قوله تعالى: " فيه يغاث الناس وفيه يعصرون " ، قال: ينجون من الجدب. وعصارة كل شيء: ما سال منـه إذا عصر، وليست العصارة بالثجير كما تقول العامة. قال الشاعر:
والعود يعصر ماؤه ... ولكل عيدان عصاره
ووصف بعض العرب رجلا فقال: والله ما كان لدنا فيعتصر ولا كان هشا فيكتسر.
والعصران: الغداة والعشي. وجارية معصرة ومعصر أيضا، والجمع معاصر، وهي التي قد جاوزت حد الكاعب، والجمع أيضا معصرات. قال الراجز:
جارية بسفوان دارها
تمشي الهوينا مائلا خمارها

(1/403)

معصرة أو قد دنا إعصارها
وقال الآخر:
قل لأمير المؤمنين الواهب
أوانسا كالربرب الربائب
من ناهد ومعصر وكاعب
والمعصرات: السحاب لأن الناس ينجون بسببها من الجدب، ومنـه قوله تعالى: " وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا " هكذا يقول أبو عبيدة، والله أعلم. والإعصار: غبار يثور من الأرض فيتصاعد في السماء، والجمع أعاصير، هكذا فسر قوله تعالى: " فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت، هكذا يقول أبو عبيدة، والله أعلم. وعوصرة: اسم الواو فيه زائدة، وهو من العصر. وسميت صلاة العصر لأنـها تصلى في أحد العصرين، وهو آخر النـهار. وقالوا: صلاة العصر وصلاة العصر. أخبرنا أبو عثمان الأشنانداني قال: سمعت الأخفش يقول: كنت عند الخليل فسأله رجل عن حد الليل فقال: من ندأة الشفق إلى ندأة الفجر.
ر - ص - غ
الرصغ والرسغ، بالصاد والسين: رسغ الدابة وغيره، وهو موصل الوظيف بالحافر من ذوات الأربع، ومن الناس موصل الكف بالذراع. والرساغ: حبل يشد في رسغ الدابة إلى وتد أو غيره، وكذلك في الرجلين، وهو الرساغ، بالسين والصاد أيضا. ورصاغ، بالصاد والسين: موضع.
والصغير: خلاف الكبير، والمصدر منـه الصغر. والصغار: الذل. والأصغر: خلاف الأكبر، وجمع أصغر أصاغر، وجمع صغير صغار. وقد سمت العرب صغران.
ر - ص - ف
الرصف والرصف جميعا: كل شيء ثنيت بعضه على بعض أو ضممت بعضه إلى بعض، وكل شيء فعلت بـه ذلك فقد رصفته. وكذلك تراصف الصخر في البناء والجبل، إذا تلاصق بعضه ببعض. والرصاف: العقب الذي يشد على فوق السهم. والرصفة والرصفة: عقبة تشد على عقبة تشد بها حمالة القوس العربية إلى عجسها. قال أبو بكر: الحمالة إنما تكون للقوس العربية، وهي مثل حمائل السيف، فأما سائر القسي فلا يكون لها حمالة. والرصاف: موضع معروف. والرصافة أيضا: موضع معروف. والرصاف: حجارة بيض ينضم بعضها إلى بعض يجري عليها الماء.
والصفر: حية تكون في البطن تعدي. وفي الحديث: " لا عدوى ولا هامة ولا طيرة ولا صفر " . قال الشاعر:
لا يتأرى لما في القدر يرقبه ... ولا يعض على شر سوفه الصفر
قوله يتأرى: يتحبس، ومنـه آري الدابة، والعدوى: أن يعدي الداء من واحد إلى واحد، والطيرة: ضد ما يتيمن به، يقال من ذلك: تطير الرجل تطيرا وطيرة، ومن العدوى أعداه إعداء، والاسم العدوى. والصفر: الحية المعروفة. والصفر: هذا الجوهر الذي تسميه العامة الصفر. والصفر، بكسر الصاد: الشيء الفارغ، صفر يصفر صفرا فهو صفر كما ترى. قال الشاعر:
وأفلتهن علباء جريضا ... ولو أدركنـه صفر الوطاب
والصفار: يبيس البهمى. قال أبو دواد:
فبتنا قياما لدى مـهرنا ... ننزع من شفتيه الصفارا
ويروى: عراة. قال أبو بكر: قال الأصمعي: قوله فبتنا عراة يريد تأزرنا وتشددنا. وقال آخرون: عراة: أصابهم العرواء، أي الزمع، هؤلاء كانوا في الرهان، وقال بعضهم: أخذهم العرواء من الرهان. ويقال: ما بالدار صافر، أي ما بها أحد. ومن أمثالهم: " أجبن من صافر " ، وله تفسيران، وليس هذا موضعه. والصفير: صوت المكاء والصقر وما أشبههما.
ومرج الصفر: موضع. والصفران: شـهران من السنة سمي أحدهما المحرم في الإسلام.
والصفرة: لون معروف. والصفاري: ضرب من الطير. والأصفر: الأسود، والعرب تسمي الواد صفرة. قال الشاعر - الأعشى:
تلك خيلي منـه وتلك ركابي ... هن صفر أولادها كالزبيب
يقوله الأعشى لقيس بن معد يكرب. قال أبو بكر: فهذا يدلك أنـهم يسمون الأسود أصفر.
وتنسب الروم إلى الأصفر فيقال: بنو الأصفر. والصفرية: قوم من الحرورية سموا بذلك لأنـهم أصحاب عبد الله بن صفار صاحب الصفرية، من هذا اشتقاق اسم أبيه. ويقال: رجل صفر اليد وامرأة صفر اليد، إذا خلت أيديهما من الخير. ويقال: هذه جرادة صفراء، إذا لم يكن في بطنـها بيض. قال الشاعر:
كأن جرادة صفراء طارت ... بأحلام الغواضر أجمعينا

(1/404)

والصرف من قولهم: لا يقبل الله منـه صرفا ولا عدلا، فقال بعض أهل اللغة: الصرف: الفريضة، والعدل: النافلة، وقال آخرون: الصرف: الوزن، والعدل: الكيل. والصريف: اللبن إذا سكنت رغوته. قال الراجز:
لم يغذها مد ولا نصيف
ولا تميرات ولا تعجيف
لكن غذاها اللبن الخريف
المحض والقارص والصريف
وقال بعض أهل اللغة: لا يسمى صريفا حتى ينصرف بـه عن الضرع. والصريف: صريف الفحل من الإبل بنابه حتى يسمع له صوت. قال النابغة:
مقذوفة بدخيس النحض بازلها ... له صريف صريف القعو بالمسد
وقال بعض أهل اللغة: صريف الفحل: تهدده.
وصريف الناقة إعياء، وربما كان أينا وربما كان نشاطا. ويقال: عنز صارف، إذا أرادت الفحل، وزعم قوم أن هذه الكلمة مولدة. والصراف: بياع الدراهم، وهو الصيرفي أيضا. قال الشاعر:
تنفي يداها الحصى في كل هاجرة ... نفي الدراهيم تنقاد الصياريف
ورجل صيرف: متصرف في الأمور مجد فيها. قال الشاعر:
قد كنت خراجا ولوجا صيرفا ... لم تلتحصني حيص بيص لحاص
اللحاص: الضيق، وتلتحصني: تفتعلني منـه، وحيص بيص: كلمتان تقالان يومأ بهما إلى الضيق وما لا يتخلص منـه. يقول: لم تضق علي الأمور. والصرف: صبغ أحمر. قال الأصمعي: هو الصبغ الذي تصبغ بـه شرك النعال. قال الشاعر:
كميت غير محلفة ولكن ... كلون الصرف عل بـه الأديم
يعنى فرسا، يقول: لونـها غير مشكل على من رآه فلا يحلف عليه. وقال أيضا: المحلفة: التي يشك فيها فيحلف هذا أنـها كميت ويحلف هذا أنـها ليست كذلك. وقد يسمى الدم صرفا تشبيها بذلك. قال الشاعر:
شامذا تتقي المبس عن المر ... ية كرها بالصرف ذي الطلاء
وإنما يصف حربا، ألا تراه يقول قبل هذا:
أصبحت حربنا وحرب بني الحا ... رث مشبوبة بأغلى الدماء
إنما أراد أن الناقة تحلب لبنا، وهذه الحرب تحلب دما، والصرف: الدم، والطلاء: الدم بعينـه.
وصرف الدهر: تقلبه، والجمع صروف. قال الراجز:
ونجذتني هذه الصروف
عزوزها والثرة الصفوف
يروى: الصفوف والضفوف بالصاد والضاد. وهذا مثل، يقول: " تصرف بي الدهر في شدته ورخائه " ، والعزوز: الضيقة الأحاليل من النوق والغنم، والثرة: الغزيرة. وهذا مثل.
والصرفان: تمر معروف. وزعم قوم أن الرصاص يسمى صرفانا، ولا أدري ما أقول فيه. وأنشدوا بيت الزباء:
أجندلا يحملن أم حديدا
أم صرفانا باردا شديدا
وقد سمت العرب مصرفا وصارفا. والصرفة: نجم من منازل القمر.
والفرص: القطع بالمفراص، والمفراص: حديدة عريضة يقطع بها الحديد، وقال قوم: بل هو إشفى عريض الرأس تخصف بـه النعال يستعمله الحذاءون وغيرهم. قال الشاعر:
وأدفع عن أعراضكم وأعيركم ... لسانا كمفراص الخفاجي ملحبا
الخفاجي: منسوب إلى حي من بني عامر بن صعصعة. والفرصة: قطعة صوف أو قطن.
وفي الحديث: " خذي فرصة ممسكة " . وفراص: أبو بطن من العرب. والفرصة من قولهم: انتهز فلان فرصته، أي اغتنمـها عند إمكانـها. والفريصة: لحمة في مرجع الكتف ترعد عند الفزع، والجمع فرائص، وقد قالوا: فراص، كأنـه جمع فرصة.
؟ر - ص - ق ال: شبيه بالنقزان من النشاط، ي ا، وهو من أحد المصادر التي جاءت على فعل فعلا، وهي ستة أو سبعة: ا، ورفض رفضا، وطرد طردا، وحلب حلبا، وقنص قنصا، وجلب جلبا، وطلب طلبا، وهرب هربا. وأ الرجل بعيره إرقاصا، إذا حمله على الخبب، وكذلك روي بيت حسان بن ثابت:
بزجاجة ت بما في قعرها ... القلوص براكب مستعجل
ومن روى: القلوص فقد أخطأ.

(1/405)

 




[الموسوعة الشاملة - جمـهرة اللغة لز من م]

نویسنده و منبع | تاریخ انتشار: Thu, 16 Aug 2018 09:10:00 +0000



تادو ت

الموسوعة الشاملة - لسان العرب

الموسوعة الشاملة - لسان العرب

صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

 


[ لسان العرب - ابن منظور ]
الكتاب : تادو ت لسان العرب
المؤلف : محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري
الناشر : دار صادر - بيروت
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء : 15

( وره ) الوره الحمق في كل عمل ويقال الخرق في العمل والأوره الذي تعرف وتنكر وفيه حمق ولكلامـه مخارج وقيل هو الذي لا يتمالك حمقا وقد وره ورها وكثيب أوره لا يتمالك وامرأة ورهاء خرقاء بالعمل وامرأة ورهاء اليدين خرقاء قال ترنم ورهاء اليدين تحاملت على البعل يوما وهي مقاء ناشز المقاء الكثيرة الماء وقد ورهت توره قال الفند الزماني يصف طعنة كجيب الدفنس الورها ء ريعت وهي تستفلي ويروى لامرئ القيس بن عابس وفي حديث الأحنف قال له الحباب والله إنك لضئيل وإن أمك لورهاء الوره بالتحريك الخرق في كل عمل وقيل الحمق ورجل أوره إذا كان أحمق أهوج وقد وره يوره ومنـه حديث جعفر الصادق قال لرجل نعم يا أوره والوره الرمال التي لا تتماسك قال رؤبة عنـها وأثباج الرمال الوره وتوره فلان في عمل هذا الشيء إذا لم يكن له بـه حذاقة وريح ورهاء في هبوبها خرق وعجرفة ابن بزرج الورهة الكثيرة الشحم ورهت فهي تره مثل ورمت فهي ترم وسحاب وره وسحابة ورهة إذا كثر مطرها قال الهذلي جوف رباب وره مثقل ودار وارهة واسعة والورهرهة المرأة الحمقاء والهورورة الهالكة

(13/560)

( وفه ) الوافه قيم البيعة الذي يقوم على بيت النصارى الذي فيه صليبهم بلغة أهل الجزيرة كالواهف ورتبته الوفهية وفي كتابه لأهل نجران لا يحرك راهب عن رهبانيته ولا يغير وافه عن وفهيته ولا قسيس عن قسيسيته وجاء في بعض الأخبار واقه بالقاف أيضا والصواب الفاء ويروى واهف

(13/561)

( وقه ) الوقه الطاعة مقلوب عن القاه وقد وقهت وأيقهت واستيقهت ويروى واستيقهوا للمحلم قال ابن بري الصواب عندي أن القاه مقلوب من الوقه بدلالة قولهم وقهت واستيقهت ومثل الوقه والقاه الوجه والجاه في القلب وروى الأزهري عن عمرو بن دينار قال في كتاب النبي صلى الله عليه و سلم لأهل نجران لا يحرك راهب عن رهبانيته ولا واقه عن وقاهيته ولا أسقف عن أسقفيته شـهد أبو سفيان بن حرب والأقرع بن حابس قال الأزهري هكذا رواه لنا أبو زيد بالقاف والصواب وافه عن وفهيته كذلك قال ابن بزرج بالفاء ورواه ابن الأعرابي و اهف وكأنـه مقلوب

(13/561)

( وله ) الوله الحزن وقيل هو ذهاب العقل والتحير من شدة الوجد أو الحزن أو الخوف والوله ذهاب العقل لفقدان الحبيب وله يله مثل ورم يرم ويوله على القياس ووله يله الجوهري وله يوله ولها وولهانا وتوله واتله وهو افتعل فأدغم قال مليح الهذلي إذا ما حال دون كلام سعدى تنائي الدار واتله الغيور والوله يكون من الحزن والسرور مثل الطرب ورجل ولهان وواله وآله على البدل ثكلان وامرأة ولهى وواله ووالهة وميلاه شديدة الحزن على ولدها والجمع الوله وقد ولهها الحزن والجزع وأولهها قال حاملة دلوي لا محموله ملأى من الماء كعين الموله الموله مفعل من الوله وكل أنثى فارقت ولدها فهي واله قال الأعشى يذكر بقرة أكل السباع ولدها فأقبلت والها ثكلى على عجل كل دهاها وكل عندها اجتمعا ابن شميل ناقة ميلاه وهي التي فقدت ولدها فهي تله إليه يقال ولهت إليه تله أي تحن إليه شمر الميلاه الناقة ترب بالفحل فإذا فقدته ولهت إليه وناقة واله قال والجمل إذا فقد ألافه فحن إليها واله أيضا قال الكميت ولهت نفسي الطروب إليهم ولها حال دون طعم الطعام ولهت حنت وناقة واله إذا اشتد وجدها على ولدها الجوهري الميلاه التي من عادتها أن يشتد وجدها على ولدها صارت الواو ياء لكسرة ما قبلها قال الكميت يصف سحابا كأن المطافيل المواليه وسطه يجاوبهن الخيزران المثقب والتوليه أن يفرق بين المرأة وولدها زاد التهذيب في البيع وفي الحديث لا توله والدة على ولدها أي لا تجعل والها وذلك في السبايا والوله يكون بين الوالدة وولدها وبين الإخوة وبين الرجل وولده وقد ولهت وأولهها غيرها وقيل في تفسير الحديث لا توله والدة على ولدها أي لا يفرق بينـهما في البيع وكل أنثى فارقت ولدها فهي واله وفي حديث نقادة الأسدي غير أن لا توله ذات ولد عن ولدها وفي حديث الفرعة تكفئ إناءك وتوله ناقتك أي تجعلها والهة بذبحك ولدها وقد أولهتها وولهتها توليها وفي الحديث أنـه نـهى عن التوليه والتبريح وماء موله وموله أرسل في الصحراء فذهب وأنشد الجوهري ملأى من الماء كعين الموله ورواه أبو عمرو تمشي من الماء كمشي الموله قال ابن بري يعني أنـها دلو كبيرة فإذا رفعها من البئر رفعت معها الدلاء الصغار فهي أبدا حاملة لا محمولة لأن الدلاء الصغار لا تحملها وقول مليح فهن هيجننا لما بدون لنا مثل الغمام جلته الأله الهوج عنى الرياح لأنـه يسمع لها حنين كحنين الرياح وأراد الوله فأبدل من الواو همزة للضمة والميلاه الريح الشديدة الهبوب ذات الحنين قال ابن دريد وزعم قوم من أهل اللغة أن العنكبوت تسمى الموله قال وليس بثبت والميله الفلاة التي توله الناس وتحيرهم قال رؤبة بـه تمطت غول كل ميله بنا حراجيج المـهاري النفه أراد البلاد التي توله الإنسان أي تحيره والوليهة اسم موضع والولهان اسم شيطان يغري الإنسان بكثرة استعمال الماء عند الوضوء وفي الحديث الولهان اسم شيطان الماء يولع الناس بكثرة استعمال الماء وأما ما أنشده المازني قد صبحت حوض قرى بيوتا يلهن برد مائه سكوتا نسف العجوز الأقط الملتوتا قال يلهن برد الماء أي يسرعن إليه وإلى شربه وله الواله إلى ولدها حنينا

(13/561)

( ومـه ) ومـه النـهار ومـها اشتد حره ابن الأعرابي الومـهة الإذوابة من كل شيء

(13/562)

( وهوه ) الوهوهة صياح النساء في الحزن ووهوه الكلب في صوته إذا جزع فردده وكذلك الرجل ووهوه العير صوت حول أتنـه شفقة وحمار وهواه يفعل ذلك ويوهوه حول عانته قال رؤبة يصف حمارا مقتدر الضيعة وهواه الشفق والوهوهة حكاية صوت الفرس إذا غلظ وهو محمود وقيل هو الصوت الذي يكون في حلقه آخر صهيله وفرس وهواه الصهيل إذا كان ذلك يصحب آخر صهيله أبو عبيدة من أصوات الفرس الوهوهة وفرس موهوه وهو الذي يقطع من نفسه شبه النـهم غير أن ذلك خلقة منـه لا يستعين فيه بحنجرته قال والنـهم خروج الصوت على الإبعاد وأنشد بيت رؤبة وهواه الشفق وأنشد أيضا له ودون نبح النابح الموهوه قال أبو بكر النحوي في قول رؤبة وهواه الشفق يوهوه من الشفقة يدارك النفس كأن بـه بهرا قال وقوله مقتدر الضيعة معناه أن ضيعة هذا المسحل في هذه الأتن ليس في أتن كثيرة فتنتشر عليه وقال ابن بري كنى بالضيعة عن أتنـه أي أتنـه على قدر نحو من ثمان أو عشر فحفظها متيسر عليه والوهوه والوهواه من الخيل أيضا النشيط الحديد الذي يكاد يفلت عن كل شيء من حرصه ونزقه وقيل فرس وهوه ووهواه إذا كان حريصا على الجري نشيطا قال ابن مقبل يصف فرسا يصيد الوحش وصاحبي وهوة مستوهل زعل يحول دون حمار الوحش والعصر ووهوه الأسد في زئيره فهو وهواه والوهوه الذي يرعد من الامتلاء ورجل وهواه منخوب الفؤاد

(13/562)

( ويه ) ويه إغراء ومنـهم من ينون فيقول ويها الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث في ذلك سواء وإذا أغريته بالشيء قلت ويها يا فلان وهو تحريض كما يقال دونك يا فلان قال الكميت وجاءت حوادث في مثلها يقال لهثلي ويها فل قال ابن بري قوله فل يريد يا فلان قال ومثله قول حاتم ويها فدى لكم أمي وما ولدت حاموا على مجدكم واكفوا من اتكلا وقال الأعشى ويها خثيم إنـه يوم ذكر وزاحم الأعداء بالثبت الغدر وقال آخر ويها فداء لك يا فضاله أجره الرمح ولا تهاله وقال قيس بن زهير فإذا شمرت لك عن ساقها فويها ربيع ولا تسأم يريد ربيعة الخير بن قرط بن سلمة بن قشير قال سيبويه أما عمرويه وما أشبهها فألزموا آخره شيئا لم يلزم الأعجمية فكما تركوا صرف الأعجمية جعلوا ذا بمنزلة الصوت لأنـهم رأوه قد جمع أمرين فحطوه درجة عن إسمعيل وشبهه وجعلوه في النكرة بمثال غاق منونة مكسورة في كل موضع الجوهري وسيبويه ونحوه اسم بني مع الصوت فجعلا اسما واحدا وكسروا آخره كما كسروا غاق لأنـه ضارع الأصوات وفارق خمسة عشر لأن آخره لم يضارع الأصوات فينون في التنكير ومن قال هذا سيبويه ورأيت سيبويه فأعربه بإعراب ما لا ينصرف ثناه وجمعه فقال السيبويهان والسيبويهون وأما من لم يعربه فإنـه يقول في التثنية ذوا سيبويه وكلاهما سيبويه ويقول في الجمع ذوو سيبويه وكلهم سيبويه وواه تلهف وتلوذ وقيل استطابة وينون فيقال واها لفلان قال أبو النجم واها لريا ثم واها واها يا ليت عيناها لنا وفاها
( * قوله عيناها هو على لغة من يعرب المثنى بالحركات )
بثمن نرضي بـه أباها فاضت دموع العين من جراها هي المنى لو أننا نلناها قال ابن جني إذا نونت فكأنك قلت استطابة وإذا لم تنون فكأنك قلت الاستطابة فصار التنوين علم التنكير وتركه علم التعريف وأنشد الأزهري وهو إذا قيل له ويها كل فإنـه مواشك مستعجل وهو إذا قيل له ويها فل فإنـه أحج بـه أن ينكل أي إذا دعي لدفع عظيمة فقيل له يا فلان نكل ولم يجب وإن قيل له كل أسرع وإذا تعجبت من طيب الشيء قلت واها له ما أطيبه ومن العرب من يتعجب بواها فيقول واها لهذا أي ما أحسنـه قال ابن بري وتقول في التفجيع واها وواه أيضا وويه كلمة تقال في الاستحثاث

(13/562)

( يده ) استيدهت الإبل اجتمعت وانساقت واستيده الخصم غلب وانقاد والكلمة يائية وواوية وقد تقدمت واستيده الأمر واستنده وايتده وانتده إذا اتلأب

(13/364)

( يقه ) أيقه الرجل واستيقه أطاع وذل وكذلك الخيل إذا انقادت قال المخبل فردوا صدور الخيل حتى تنـهنـهت إلى ذي النـهى واستيقهت للمحلم أي أطاعوا الذي يأمرهم بالحلم قيل هو مقلوب لأنـه قدم الياء على القاف وكانت القاف قبلها ويروى واستيدهوا الأزهري في نوادر الأعراب فلان متقه لفلان وموتقه أي هائب له ومطيع وأيقه أي فهم يقال أيقه لهذا أي افهمـه

(13/364)

( يهيه ) ياه ياه وياه ياه من دعاء الإبل ويهيه بالإبل يهيهة ويهياها دعاها بذلك وقال لها ياه ياه والأقيس يهياها بالكسر ويه حكاية الداعي بالإبل الميهيه بها يقول الراعي لصاحبه من بعيد ياه ياه أقبل وفي التهذيب يقول الرجل لصاحبه ولم يخص الراعي قال ذو الرمة ينادي بيهياه وياه كأنـه صويت الرويعي ضل بالليل صاحبه ويروى تلوم يهياه يقول إنـه يناديه يا هياه ثم يسكت منتظرا الجواب عن دعوته فإذا أبطأ عنـه قال ياه قال وياه ياه نداءان قال وبعض العرب يقول يا هياه فينصب الهاء الأولى وبعض العرب يقول يا هياه فينصب الهاء الأولى وبعض يكره ذلك ويقول هياه من أسماء الشياطين وتقول يهيهت بـه الأصمعي إذا حكوا صوت الداعي قالوا يهياه وإذا حكوا صوت المجيب قالوا ياه والفعل منـهما جميعا يهيهت وقال في تفسير بيت ذي الرمة إن الداعي سمع صوتا يا هياه فأجاب بياه رجاء أن يأتيه الصوت ثانية فهو متلوم بقول ياه صوتا يا هياه قال ابن بري الذي أنشده أبو علي لذي الرمة تلوم يهياه إليها وقد مضى من الليل جوز واسبطرت كواكبه وقال حكاية عن أبي بكر اليهياه صوت الراعي وفي تلوم ضمير الراعي ويهياه محمول على إضمار القول قال ابن بري والذي في شعره في رواية أبي العباس الأحول تلوم يهياه بياه وقد بدا من الليل جوز واسبطرت كواكبه وكذا أنشده أبو الحسن الصقلي النحوي وقال اليهياه صوت المجيب إذا قيل له ياه وهو اسم لاستجب والتنوين تنوين التنكير وكأن يهياه مقلوب هيهاه قال ابن بري وأما عجز البيت الذي أنشده الجوهري فهو لصدر بيت قبل البيت الذي يلي هذا وهو إذا ازدحمت رعيا دعا فوقه الصدى دعاء الرويعي ضل بالليل صاحبه الأزهري قال أبو الهيثم في قول ذي الرمة تلوم يهياه بياه قال هو حكاية الثوباء ابن بزرج ناس من بني أسد يقولون يا هياه أقبل ويا هياه أقبلا ويا هياه أقبلوا ويا هياه أقبلي وللنساء كذلك ولغة أخرى يقولون للرجل يا هياه أقبل ويا هياهان أقبلا ويا هياهون أقبلوا وللمرأة يا هياه أقبلي فينصبونـها كأنـهم خالفوا بذلك بينـها وبين الرجل لأنـهم أرادوا الهاء فلم يدخلوها وللثنتين يا هياهتان أقبلا ويا هياهات
( * قوله « ويا هياهات إلخ » كذا بالأصل والتهذيب والذي في التكملة وللجمع يا هيهات إلخ ) أقبلن ابن الأعرابي يا هياه ويا هياه ويا هيات ويا هيات كل ذلك بفتح الهاء الأصمعي العامة تقول يا هيا وهو مولد والصواب يا هياه بفتح الهاء ويا هيا قال أبو حاتم أظن أصله بالسريانية يا هيا شراهيا قال وكان أبو عمرو بن العلاء يقول يا هياه أقبل ولا يقول لغير الواحد وقال يهيهت بالرجل من يا هياه ابن بزرج وقالوا يا هيا ويا هيا إذا كلمته من قريب والله تعالى أعلم

(13/364)

( وإي ) الأزهري يقال للياء والواو والألف الأحرف الجوف وكان الخليل يسميها الحروف الضعيفة الهوائية وسميت جوفا لأنـه لا أحياز لها فتنسب إلى أحيازها كسائر الحروف التي لها أحياز إنما تخرج من هواء الجوف فسميت مرة جوفا ومرة هوائية وسميت ضعيفة لانتقالها من حال إلى حال عند التصرف باعتلال قال الجوهري جميع ما في هذا الباب من الألف إما أن تكون منقلبة من واو مثل دعا أو من ياء مثل رمى وكل ما فيه من الهمزة فهي مبدلة من الياء أو من الواو نحو القضاء أصله قضاي لأنـه من قضيت ونحو العزاء أصله عزاو لأنـه من عزوت قال ونحن نشير في الواو والياء إلى أصولهما هذا ترتيب الجوهري في صحاحه وأما ابن سيده وغيره فإنـهم جعلوا المعتل عن الواو بابا والمعتل عن الياء بابا فاحتاجوا فيما هو معتل عن الواو والياء إلى أن ذكروه في البابين فأطالوا وكرروا ويقسم الشرح في الموضعين وأما الجوهري فإنـه جعله بابا واحدا ولقد سمعت بعض من يتنقص الجوهري رحمـه الله يقول إنـه لم يجعل ذلك بابا واحدا إلا لجهله بانقلاب الألف عن الواو أو عن الياء ولقلة علمـه بالتصريف ولست أرى الأمر كذلك وقد رتبناه نحن في كتابنا كما رتبه الجوهري لأنـه أجمع للخاطر وأوضح للناظر وجعلناه بابا واحدا وبينا في كل ترجمة عن الألف وما انقلبت عنـه والله أعلم وأما الألف اللينة التي ليست متحركة فقد أفرد لها الجوهري بابا بعد هذا الباب فقال هذا باب مبني على ألفات غير منقلبات عن شيء فلهذا أفردناه ونحن أيضا نذكره بعد ذلك

(15/417)

( أبي ) الإباء بالكسر مصدر قولك أبى فلان يأبى بالفتح فيهما مع خلوه من حروف الحلق وهو شاذ أي امتنع أنشد ابن بري لبشر بن أبي خازم يراه الناس أخضر من بعيد وتمنعه المرارة والإباء فهو آب وأبي وأبيان بالتحريك قال أبو المجشر جاهلي وقبلك ما هاب الرجال ظلامتي وفقأت عين الأشوس الأبيان أبى الشيء يأباه إباء وإباءة كرهه قال يعقوب أبى يأبى نادر وقال سيبويه شبهوا الألف بالهمزة في قرأ يقرأ وقال مرة أبى يأبى ضارعوا بـه حسب يحسب فتحوا كما كسروا قال وقالوا يئبى وهو شاذ من وجهين أحدهما أنـه فعل يفعل وما كان على فعل لم يكسر أوله في المضارع فكسروا هذا لأن مضارعه مشاكل لمضارع فعل فكما كسر أول مضارع فعل في جميع اللغات إلا في لغة أهل الحجاز كذلك كسروا يفعل هنا والوجه الثاني من الشذوذ أنـهم تجوزوا الكسر في الياء من يئبى ولا يكسر البتة إلا في نحو ييجل واستجازوا هذا الشذوذ في ياء يئبى لأن الشذوذ قد كثر في هذه الكلمة قال ابن جني وقد قالوا أبى يأبى أنشد أبو زيد يا إبلي ما ذامـه فتأبيه ماء رواء ونصي حوليه جاء بـه على وجه القياس كأتى يأتي قال ابن بري وقد كسر أول المضارع فقيل تيبى وأنشد ماء رواء ونصي حوليه هذا بأفواهك حتى تيبيه قال الفراء لم يجئ عن العرب حرف على فعل يفعل مفتوح العين في الماضي والغابر إلا وثانيه أو ثالثه أحد حروف الحلق غير أبى يأبى فإنـه جاء نادرا قال وزاد أبو عمرو ركن يركن وخالفه الفراء فقال إنما يقال ركن يركن وركن يركن وقال أحمد بن يحيى لم يسمع من العرب فعل يفعل مما لبس عينـه ولامـه من حروف الحلق إلا أبى يأبى وقلاه يقلاه وغشى يغشى وشجا يشجى وزاد المبرد جبى يجبى قال أبو منصور وهذه الأحرف أكثر العرب فيها إذا تنغم على قلا يقلي وغشي يغشى وشجاه يشجوه وشجي يشجى وجبا يجبي ورجل أبي ذو إباء شديد إذا كان ممتنعا ورجل أبيان ذو إباء شديد ويقال تأبى عليه تأبيا إذا امتنع عليه ورجل أباء إذا أبى أن يضام ويقال أخذه أباء إذا كان يأبى الطعام فلا يشتهيه وفي الحديث كلكم في الجنة إلا من أبى وشرد أي إلا من ترك طاعة الله التي يستوجب بها الجنة لأن من ترك التسبب إلى شيء لا يوجد بغيره فقد أباه والإباء أشد الامتناع وفي حديث أبي هريرة ينزل المـهدي فيبقى في الأرض أربعين فقيل أربعين سنة ؟ فقال أبيت فقيل شـهرا ؟ فقال أبيت فقيل يوما ؟ فقال أبيت أي أبيت أن تعرفه فإنـه غيب لم يرد الخبر ببيانـه وإن روي أبيت بالرفع فمعناه أبيت أن أقول في الخبر ما لم أسمعه وقد جاء عنـه مثله في حديث العدوى والطيرة وأبى فلان الماء وآبيته الماء قال ابن سيده قال الفارسي أبى زيد من شرب الماء وآبيته إباءة قال ساعدة بن جؤية قد أوبيت كل ماء فهي صادية مـهما تصب أفقا من بارق تشم والآبية التي تعاف الماء وهي أيضا التي لا تريد العشاء وفي المثل العاشية تهيج الآبية أي إذا رأت الآبية الإبل العواشي تبعتها فرعت معها وماء مأباة تأباه الإبل وأخذه أباء من الطعام أي كراهية له جاؤوا بـه على فعال لأنـه كالداء والأدواء مما يغلب عليها فعال قال الجوهري يقال أخذه أباء على فعال إذا جعل يأبى الطعام ورجل آب من قوم آبين وأباة وأبي وأباء ورجل أبي من قوم أبيين قال ذو الإصبع العدواني إني أبي أبي ذو محافظة وابن أبي أبي من أبيين شبه نون الجمع بنون الأصل فجرها والأبية من الإبل التي ضربت فلم تلقح كأنـها أبت اللقاح وأبيت اللعن من تحيات الملوك في الجاهلية كانت العرب يحيي أحدهم الملك يقول أبيت اللعن وفي حديث ابن ذي يزن قال له عبد المطلب لما دخل عليه أبيت اللعن هذه من تحايا الملوك في الجاهلية والدعاء لهم معناه أبيت أن تأتي من الأمور ما تلعن عليه وتذم بسببه وأبيت من الطعام واللبن إبى انتهيت عنـه من غير شبع ورجل أبيان يأبى الطعام وقيل هو الذي يأبى الدنية والجمع إبيان عن كراع وقال بعضهم آبى الماء
( * قوله « آبى الماء إلى قوله خاطر بها » كذا في الأصل وشرح القاموس ) أي امتنع فلا تستطيع أن تنزل فيه إلا بتغرير وإن نزل في الركية ماتح فأسن فقد غرر بنفسه أي خاطر بها وأوبي الفصيل يوبى إيباء وهو فصيل موبى إذا سنق لامتلائه وأوبي الفصيل عن لبن أمـه أي اتخم عنـه لا يرضعها وأبي الفصيل أبى وأبي سنق من اللبن وأخذه أباء أبو عمرو الأبي الفاس من الإبل
( * قوله « الأبي النفاس من الإبل » هكذا في الأصل بهذه الصورة ) والأبي الممتنعة من العلف لسنقها والممتنعة من الفحل لقلة هدمـها والأباء داء يأخذ العنز والضأن في رؤوسها من أن تشم أبوال الماعزة الجبلية وهي الأروى أو تشربها أو تطأها فترم رؤوسها ويأخذها من ذلك صداع ولا يكاد يبرأ قال أبو حنيفة الأباء عرض يعرض للعشب من أبوال الأروى فإذا رعته المعز خاصة قتلها وكذلك إن بالت في الماء فشربت منـه المعز هلكت قال أبو زيد يقال أبي التيس وهو يأبى أبى منقوص وتيس آبى بين الأبى إذا شم بول الأروى فمرض منـه وعنز أبواء في تيوس أبو وأعنز أبو وذلك أن يشم التيس من المعزى الأهلية بول الأروية في مواطنـها فيأخذه من ذلك داء في رأسه ونفاخ فيرم رأسه ويقتله الداء فلا يكاد يقدر على أكل لحمـه من مرارته وربما إيبت الضأن من ذلك غير أنـه قلما يكون ذلك في الضأن وقال ابن أحمر لراعي غنم له أصابها الأباء فقلت لكناز تدكل فإنـه أبى لا أظن الضأن منـه نواجيا فما لك من أروى تعاديت بالعمى ولاقيت كلابا مطلا وراميا لا أظن الضأن منـه نواجيا أي من شدته وذلك أن الضأن لا يضرها الأباء أن يقتلها تيس أب وآبى وعنز أبية وأبواء وقد أبي أبى أبو زياد الكلابي والأحمر قد أخذ الغنم الأبى مقصور وهو أن تشرب أبوال الأروى فيصيبها منـه داء قال أبو منصور قوله تشرب أبوال الأروى خطأ إنما هو تشم كما قلنا قال وكذلك سمعت العرب أبو الهيثم إذا شمت الماعزة السهلية بول الماعزة الجبلية وهي الأروية أخذها الصداع فلا تكاد تبرأ فيقال قد أبيت تأبى أبى وفصيل موبى وهو الذي يسنق حتى لا يرضع والدقى البشم من كثرة الرضع
( * هكذا بياض في الأصل بمقدار كلمة ) أخذ البعير أخذا وهو كهيئة الجنون وكذلك الشاة تأخذ أخذا والأبى من قولك أخذه أبى إذا أبي أن يأكل الطعام كذلك لا يشتهي العلف ولا يتناوله والأباءة البردية وقيل الأجمة وقيل هي من الحلفاء خاصة قال ابن جني كان أبو بكر يشتق الأباءة من أبيت وذلك أن الأجمة تمتنع وتأبى على سالكها فأصلها عنده أباية ثم عمل فيها ما عمل في عباية وصلاية وعظاية حتى صرن عباءة وصلاءة في قول من همز ومن لم يهمز أخرجهن على أصولهن وهو القياس القوي قال أبو الحسن وكما قيل لها أجمة من قولهم أجم الطعام كرهه والأباء بالفتح والمد القصب ويقال هو أجمة الحلفاء والقصب خاصة قال كعب بن مالك الأنصاري يوم حفر الخندق من سره ضرب يرعبل بعضه بعضا كمعمعة الأباء المحرق فليأت مأسدة تسن سيوفها بين المذاد وبين جزع الخندق
( * قوله « تسن » كذا في الأصل والذي في معجم ياقوت تسل )
واحدته أباءة والأباءة القطعة من القصب وقليب لا يؤبى عن ابن الأعرابي أي لا ينزح ولا يقال يوبى ابن السكيت يقال فلان بحر لا يؤبى وكذلك كلأ لا يؤبى أي لا ينقطع من كثرته وقال اللحياني ماء مؤب قليل وحكي عندنا ماء ما يؤبى أي ما يقل وقال مرة ماء مؤب ولم يفسره قال ابن سيده فلا أدري أعنى بـه القليل أم هو مفعل من قولك أبيت الماء التهذيب ابن الأعرابي يقال للماء إذا انقطع ماء مؤبى ويقال عنده دراهم لا تؤبى أي لا تنقطع أبو عمرو آبى أي نقص رواه عن المفضل وأنشد وما جنبت خيلي ولكن وزعتها تسر بها يوما فآبى قتالها قال نقص ورواه أبو نصر عن الأصمعي فأبى قتالها والأب أصله أبو بالتحريك لأن جمعه آباء مثل قفا وأقفاء ورحى وأرحاء فالذاهب منـه واو لأنك تقول في التثنية أبوان وبعض العرب يقول أبان على النقص وفي الإضافة أبيك وإذا جمعت بالواو والنون قلت أبون وكذلك أخون وحمون وهنون قال الشاعر فلما تعرفن أصواتنا بكين وفديننا بالأبينا قال وعلى هذا قرأ بعضهم إله أبيك إبراهيم وإسمعيل وإسحق يريد جمع أب أي أبينك فحذف النون للإضافة قال ابن بري شاهد قولهم أبان في تثنية أب قول تكتم بنت الغوث باعدني عن شتمكم أبان عن كل ما عيب مـهذبان وقال آخر فلم أذممك فا حمر لأني رأيت أبيك لم يزنا زبالا وقالت الشنباء بنت زيد بن عمارة نيط بحقوي ماجد الأبين من معشر صيغوا من اللجين وقال الفرزدق يا خليلي اسقياني أربعا بعد اثنتين من كدم الجو ف يحر الكليتين واصرفا الكأس عن الجا هل يحيى بن حضين لا يذوق اليوم كأسا أو يفدى بالأبين قال وشاهد قولهم أبون في الجمع قول ناهض الكلابي أغر يفرج الظلماء عنـه يفدى بالأعم وبالأبينا ومثله قول الآخر كريم طابت الأعراق منـه يفدى بالأعم وبالأبينا وقال غيلان بن سلمة الثقفي يدعن نساءكم في الدار نوحا يندمن البعولة والأبينا وقال آخر أبون ثلاثة هلكوا جميعا فلا تسأم دموعك أن تراقا والأبوان الأب والأم ابن سيده الأب الوالد والجمع أبون وآباء وأبو وأبوة عن اللحياني وأنشد للقناني يمدح الكسائي أبى الذم أخلاق الكسائي وانتمى له الذروة العليا الأبو السوابق والأبا لغة في الأب وفرت حروفه ولم تحذف لامـه كما حذفت في الأب يقال هذا أبا ورأيت أبا ومررت بأبا كما تقول هذا قفا ورأيت قفا ومررت بقفا وروي عن محمد بن الحسن عن أحمد ابن يحيى قال يقال هذا أبوك وهذا أباك وهذا أبك قال الشاعر سوى أبك الأدنى وأن محمدا علا كل عال يا ابن عم محمد فمن قال هذا أبوك أو أباك فتثنيته أبوان ومن قال هذا أبك فتثنيته أبان على اللفظ وأبوان على الأصل ويقال هما أبواه لأبيه وأمـه وجائز في الشعر هما أباه وكذلك رأيت أبيه واللغة العالية رأيت أبويه قال ويجوز أن يجمع الأب بالنون فيقال هؤلاء أبونكم أي آباؤكم وهم الأبون قال أبو منصور والكلام الجيد في جمع الأب هؤلاء الآباء بالمد ومن العرب من يقول أبوتنا أكرم الآباء يجمعون الأب على فعولة كما يقولون هؤلاء عمومتنا وخؤولتنا قال الشاعر فيمن جمع الأب أبين أقبل يهوي من دوين الطربال وهو يفدى بالأبين والخال وفي حديث الأعرابي الذي جاء يسأل عن شرائع الإسلام فقال له النبي صلى الله عليه و سلم أفلح وأبيه إن صدق قال ابن الأثير هذه كلمة جارية على ألسن العرب تستعملها كثيرا في خطابها وتريد بها التأكيد وقد نـهى النبي صلى الله عليه و سلم أن يحلف الرجل بأبيه فيحتمل أن يكون هذا القول قبل النـهي ويحتمل أن يكون جرى منـه على عادة الكلام الجاري على الألسن ولا يقصد بـه القسم كاليمين المعفو عنـها من قبيل اللغو أو أراد بـه توكيد الكلام لا اليمين فإن هذه اللفظة تجري في كلام العرب على ضربين التعظيم وهو المراد بالقسم المنـهي عنـه والتوكيد كقول الشاعر لعمر أبي الواشين لا عمر غيرهم لقد كلفتني خطة لا أريدها فهذا توكيد لا قسم لأنـه لا يقصد أن يحلف بأبي الواشين وهو في كلامـهم كثير وقوله أنشده أبو علي عن أبي الحسن تقول ابنتي لما رأتني شاحبا كأنك فينا يا أبات غريب قال ابن جني فهذا تأنيث الآباء وسمى الله عز و جل العم أبا في قوله قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسمعيل وإسحق وأبوت وأبيت صرت أبا وأبوته إباوة صرت له أبا قال بخدج اطلب أبا نخلة من يأبوكا فقد سألنا عنك من يعزوكا إلى أب فكلهم ينفيكا التهذيب ابن السكيت أبوت الرجل أأبوه إذا كنت له أبا ويقال ما له أب يأبوه أي يغذوه ويربيه والنسبة إليه أبوي أبو عبيد تأبيت أبا أي اتخذت أبا وتأميت أمة وتعممت عما ابن الأعرابي فلان يأبوك أي يكون لك أبا وأنشد لشريك بن حيان العنبري يهجو أبا نخيلة يا أيهذا المدعي شريكا بين لنا وحل عن أبيكا إذا انتفى أو شك حزن فيكا وقد سألنا عنك من يعزوكا إلى أب فكلهم ينفيكا فاطلب أبا نخلة من يأبوكا وادع في فصيلة تؤويكا قال ابن بري وعلى هذا ينبغي أن يحمل بيت الشريف الرضي تزهى على ملك النسا ء فليت شعري من أباها ؟ أي من كان أباها قال ويجوز أن يريد أبويها فبناه على لغة من يقول أبان وأبون الليث يقال فلان يأبو هذا اليتيم إباوة أي يغذوه كما يغذو الوالد ولده وبيني وبين فلان أبوة والأبوة أيضا الآباء مثل العمومة والخؤولة وكان الأصمعي يروي قيل أبي ذؤيب لو كان مدحة حي أنشرت أحدا أحيا أبوتك الشم الأماديح وغيره يرويه أحيا أباكن يا ليلى الأماديح قال ابن بري ومثله قول لبيد وأنبش من تحت القبور أبوة كراما هم شدوا علي التمائما قال وقال الكميت نعلمـهم بها ما علمتنا أبوتنا جواري أو صفونا
( * قوله « جواري أو صفونا » هكذا في الأصل هنا بالجيم وفي مادة صفن بالحاء )
وتأباه اتخذه أبا والاسم الأبوة وأنشد ابن بري لشاعر أيوعدني الحجاج والحزن بيننا وقبلك لم يسطع لي القتل مصعب تهدد رويدا لا أرى لك طاعة ولا أنت مما ساء وجهك معتب فإنكم والملك يا أهل أيلة لكالمتأبي وهو ليس له أب وما كنت أبا ولقد أبوت أبوة وقيل ما كنت أبا ولقد أبيت وما كنت أما ولقد أممت أمومة وما كنت أخا ولقد أخيت ولقد أخوت وما كنت أمة ولقد أموت ويقال استئب أبا واستأبب أبا وتأب أبا واستئم أما واستأمم أما وتأمم أما قال أبو منصور وإنما شدد الأب والفعل منـه وهو في الأصل غير مشدد لأن الأب أصله أبو فزادوا بدل الواو باء كما قالوا قن للعبد وأصله قني ومن العرب من قال لليد يد فشدد الدال لأن أصله يدي وفي حديث أم عطية كانت إذا ذكرت رسول الله صلى الله عليه و سلم قالت بأباه قال ابن الأثير أصله بأبي هو يقال بأبأت الصبي إذا قلت له بأبي أنت وأمي فلما سكنت الياء قلبت ألفا كما قيل في يا ويلتي يا ويلتا وفيها ثلاث لغات بهمزة مفتوحة بين الباءين وبقلب الهمزة ياء مفتوحة وبإبدال الياء الأخيرة ألفا وهي هذه والباء الأولى في بأبي أنت وأمي متعلقة بمحذوف قيل هو اسم فيكون ما بعده مرفوعا تقديره أنت مفدي بأبي وأمي وقيل هو فعل وما بعده منصوب أي فديتك بأبي وأمي وحذف هذا المقدر تخفيفا لكثرة الاستعمال وعلم المخاطب بـه الجوهري وقولهم يا أبة افعل يجعلون علامة التأنيث عوضا من ياء الإضافة كقولهم في الأم يا أمة وتقف عليها بالهاء إلا في القرآن العزيز فإنك تقف عليها بالتاء
( * قوله « تقف عليها بالتاء » عبارة الخطيب وأما الوقف فوقف ابن كثير وابن عامر بالهاء والباقون بالتاء )
اتباعا للكتاب وقد يقف بعض العرب على هاء التأنيث بالتاء فيقولون يا طلحت وإنما لم تسقط التاء في الوصل من الأب يعني في قوله يا أبة افعل وسقطت من الأم إذا قلت يا أم أقبلي لأن الأب لما كان على حرفين كان كأنـه قد أخل بـه فصارت الهاء لازمة وصارت الياء كأنـها بعدها قال ابن بري أم منادى مرخم حذفت منـه التاء قال وليس في كلام العرب مضاف رخم في النداء غير أم كما أنـه لم يرخم نكرة غير صاحب في قولهم يا صاح وقالوا في النداء يا أبة ولزموا الحذف والعوض قال سيبويه وسألت الخليل رحمـه الله عن قولهم يا أبة ويا أبة لا تفعل ويا أبتاه ويا أمتاه فزعم أن هذه الهاء مثل الهاء في عمة وخالة قال ويدلك على أن الهاء بمنزلة الهاء في عمة وخالة أنك تقول في الوقف يا أبه كما تقول يا وتقول يا أبتاه كما تقول يا خالتاه قال وإنما يلزمون هذه الهاء في النداء إذا أضفت إلى نفسك خاصة كأنـهم جعلوها عوضا من حذف الياء قال وأرادوا أن لا يخلوا بالاسم حين اجتمع فيه حذف النداء وأنـهم لا يكادون يقولون يا أباه وصار هذا محتملا عندهم لما دخل النداء من الحذف والتغيير فأرادوا أن يعوضوا هذين الحرفين كما يقولون أينق لما حذفوا العين جعلوا الياء عوضا فلما ألحقوا الهاء صيروها بمنزلة الهاء التي تلزم الاسم في كل موضع واختص النداء بذلك لكثرته في كلامـهم كما اختص بيا أيها الرجل وذهب أبو عثمان المازني في قراءة من قرأ يا أبة بفتح التاء إلى أنـه أراد يا أبتاه فحذف الألف وقوله أنشده يعقوب تقول ابنتي لما رأت وشك رحلتي كأنك فينا يا أبات غريب أراد يا أبتاه فقدم الألف وأخر التاء وهو تأنيث الأبا ذكره ابن سيده والجوهري وقال ابن بري الصحيح أنـه رد لام الكلمة إليها لضرورة الشعر كما رد الآخر لام دم في قوله فإذا هي بعظام ودما وكما رد الآخر إلى يد لامـها في نحو قوله إلا ذراع البكر أو كف اليدا وقوله أنشده ثعلب فقام أبو ضيف كريم كأنـه وقد جد من حسن الفكاهة مازح فسره فقال إنما قال أبو ضيف لأنـه يقري الضيفان وقال العجير السلولي تركنا أبا الأضياف في ليلة الصبا بمرو ومردى كل خصم يجادله وقد يقلبون الياء ألفا قالت درنى بنت سيار بن ضبرة ترثي أخويها ويقال هو لعمرة الخثيمية هما أخوا في الحرب من لا أخا له إذا خاف يوما نبوة فدعاهما وقد زعموا أني جزعت عليهما وهل جزع إن قلت وابأبا هما ؟ تريد وابأبي هما قال ابن بري ويروى وابيباهما على إبدال الهمزة ياء لانكسار ما قبلها وموضع الجار والمجرور رفع على خبرهما قال ويدلك على ذلك قول الآخر يا بأبي أنت ويا فوق البيب قال أبو علي الياء في بيب مبدلة من همزة بدلا لازما قال وحكى أبو زيد بيبت الرجل إذا قلت له بأبي فهذا من البيب قال وأنشده ابن السكيت يا بيبا قال وهو الصحيح ليوافق لفظه لفظ البيب لأنـه مشتق منـه قال ورواه أبو العلاء فيما حكاه عنـه التبريزي ويا فوق البئب بالهمز قال وهو مركب من قولهم بأبي فأبقى الهمزة لذلك قال ابن بري فينبغي على قول من قال البيب أن يقول يا بيبا بالياء غير مـهموز وهذا البيت أنشده الجاحظ مع أبيات في كتاب البيان والتبيين لآدم مولى بلعنبر يقوله لابن له وهي يا بأبي أنت ويا فوق البيب يا بأبي خصياك من خصى وزب أنت المحب وكذا فعل المحب جنبك الله معاريض الوصب حتى تفيد وتداوي ذا الجرب وذا الجنون من سعال وكلب بالجدب حتى يستقيم في الحدب وتحمل الشاعر في اليوم العصب على نـهابير كثيرات التعب وإن أراد جدلا صعب أرب الأرب العاقل خصومة تنقب أوساط الركب لأنـهم كانوا إذا تخاصموا جثوا على الركب أطلعته من رتب إلى رتب حتى ترى الأبصار أمثال الشـهب يرمي بها أشوس ملحاح كلب مجرب الشكات ميمون مذب وقال الفراء في قوله يا بأبي أنت ويا فوق البيب قال جعلوا الكلمتين كالواحدة لكثرتها في الكلام وقال يا أبة ويا أبة لغتان فمن نصب أراد الندبة فحذف وحكى اللحياني عن الكسائي ما يدرى له من أب وما أب أي لا يدرى من أبوه وما أبوه وقالوا لاب لك يريدون لا أب لك فحذفوا الهمزة البتة ونظيره قولهم ويلمـه يريدون ويل أمـه وقالوا لا أبا لك قال أبو علي فيه تقديران مختلفان لمعنيين مختلفين وذلك أن ثبات الألف في أبا من لا أبا لك دليل الإضافة فهذا وجه ووجه آخر أن ثبات اللام وعمل لا في هذا الاسم يوجب التنكير والفصل فثبات الألف دليل الإضافة والتعريف ووجود اللام دليل الفصل والتنكير وهذان كما تراهما متعان والفرق بينـهما أن قولهم لا أبا لك كلام جرى مجرى المثل وذلك أنك إذا قلت هذا فإنك لا تنفي في الحقيقة أباه وإنما تخرجه مخرج الدعاء عليه أي أنت عندي ممن يستحق أن يدعى عليه بفقد أبيه وأنشد توكيدا لما أراد من هذا المعنى قوله ويترك أخرى فردة لا أخا لها ولم يقل لا أخت لها ولكن لما جرى هذا الكلام على أفواههم لا أبا لك ولا أخا لك قيل مع المؤنث على حد ما يكون عليه مع المذكر فجرى هذا نحوا من قولهم لكل أحد من ذكر وأنثى أو اثنين أو جماعة الصيف ضيعت اللبن على التأنيث لأنـه كذا جرى أوله وإذا كان الأمر كذلك علم أن قولهم لا أبا لك إنما فيه تفادي ظاهره من اجتماع صورتي الفصل والوصل والتعريف والتنكير لفظا لا معنى ويؤكد عندك خروج هذا الكلام مخرج المثل كثرته في الشعر وأنـه يقال لمن له أب ولمن لا أب له لأنـه إذا كان لا أب له لم يجز أن يدعى عليه بما هو فيه لا محالة ألا ترى أنك لا تقول للفقير أفقره الله ؟ فكما لا تقول لمن لا أب له أفقدك الله أباك كذلك تعلم أن قولهم لمن لا أب له لا أبا لك لا حقيقة لمعناه مطابقة للفظه وإنما هي خارجة مخرج المثل على ما فسره أبو علي قال عنترة فاقني حياءك لا أبا لك واعلمي أني امرؤ سأموت إن لم أقتل وقال المتلمس ألق الصحيفة لا أبا لك إنـه يخشى عليك من الحباء النقرس ويدلك على أن هذا ليس بحقيقة قول جرير يا تيم تيم عدي لا أبا لكم لا يلقينكم في سوءة عمر فهذا أقوى دليل على أن هذا القول مثل لا حقيقة له ألا ترى أنـه لا يجوز أن يكون للتيم كلها أب واحد ولكنكم كلكم أهل للدعاء عليه والإغلاظ له ؟ ويقال لا أب لك ولا أبا لك وهو مدح وربما قالوا لا أباك لأن اللام كالمقحمة قال أبو حية النميري أبالموت الذي لا بد أني ملاق لا أباك تخوفيني ؟ دعي ماذا علمت سأتقيه ولكن بالمغيب نبئيني أراد تخوفينني فحذف النون الأخيرة قال ابن بري ومثله ما أنشده أبو العباس المبرد في الكامل وقد مات شماخ ومات مزرد وأي كريم لا أباك يخلد ؟ قال ابن بري وشاهد لا أبا لك قول الأجدع فإن أثقف عميرا لا أقله وإن أثقف أباه فلا أبا له قال وقال الأبرش بحزج
( * قوله « بحزج » كذا في الأصل هنا وتقدم فيه قريبا قال بخدج اطلب أبا نخلة إلخ وفي القاموس بخدج اسم زاد في اللسان شاعر ) بن حسان يهجو أبا نخيلة إن أبا نخلة عبد ما له جول إذا ما التمسوا أجواله يدعو إلى أم ولا أبا له وقال الأعور بن براء فمن مبلغ عني كريزا وناشئا بذات الغضى أن لا أبا لكما بيا ؟ وقال زفر بن الحرث يعتذر من هزيمة انـهزمـها أريني سلاحي لا أبا لك إنني أرى الحرب لا تزداد إلا تماديا أيذهب يوم واحد إن أسأته بصالح أيامي وحسن بلائيا ولم تر مني زلة قبل هذه فراري وتركي صاحبي ورائيا وقد ينبت المرعى على دمن الثرى وتبقى حزازات النفوس كما هيا وقال جرير لجده الخطفى فأنت أبي ما لم تكن لي حاجة فإن عرضت فإنني لا أبا ليا وكان الخطفى شاعرا مجيدا ومن أحسن ما قيل في الصمت قوله عجبت لإزراء العيي بنفسه وصمت الذي قد كان بالقول أعلما وفي الصمت ستر للعيي وإنما صحيفةالمرء أن يتكلما وقد تكرر في الحديث لا أبا لك وهو أكثر ما يذكر في ا لمدح أي لا كافي لك غير نفسك وقد يذكر في معرض الذم كما يقال لا أم لك قال وقد يذكر في معرض التعجب ودفعا للعين كقولهم لله درك وقد يذكر بمعنى جد في أمرك وشمر لأن من له أب اتكل عليه في بعض شأنـه وقد تحذف اللام فيقال لا أباك بمعناه وسمع سليمان ابن عبد الملك رجلا من الأعراب في سنة مجدبة يقول رب العباد ما لنا وما لك ؟ قد كنت تسقينا فما بدا لك ؟ أنزل علينا الغيث لا أبا لك فحمله سليمان أحسن محمل وقال أشـهد أن لا أبا له ولا صاحبة ولا ولد وفي الحديث لله أبوك قال ابن الأثير إذا أضيف الشيء إلى عظيم شريف اكتسى عظما وشرفا كما قيل بيت الله وناقة الله فإذا وجد من الولد ما يحسن موقعه ويحمد قيل لله أبوك في معرض المدح والتعجب أي أبوك لله خالصا حيث أنجب بك وأتى بمثلك قال أبو الهيثم إذا قال الرجل للرجل لا أم له فمعناه ليس له أم حرة وهو شتم وذلك أن بني الإماء ليسوا بمرضيين ولا لاحقين ببني الأحرار والأشراف وقيل معنى قولهم لا أم لك يقول أنت لقيط لا تعرف لك أم قال ولا يقول الرجل لصاحبه لا أم لك إلا في غضبه عليه وتقصيره بـه شاتما وأما إذا قال لا أبا لك فلم يترك له من الشتيمة شيئا وإذا أراد كرامة قال لا أبا لشانيك ولا أب لشانيك وقال المبرد يقال لا أب لك ولا أبك بغير لام وروي عن ابن شميل أنـه سأل الخليل عن قول العرب لا أبا لك فقال معناه لا كافي لك وقال غيره معناه أنك تجرني أمرك حمد
( * قوله « وقال غيره معناه أنك تجرني أمرك حمد » هكذا في الأصل )
وقال الفراء قولهم لا أبا لك كلمة تفصل بها العرب كلامـها وأبو المرأة زوجها عن ابن حبيب ومن المكنى بالأب قولهم أبو الحرث كنية الأسد أبو جعدة كنية الذئب أبو حصين كنية الثعلب أبو ضوطرى الأحمق أبو حاجب النار لا ينتفع بها أبو جخادب الجراد وأبو براقش لطائر مبرقش وأبو قلمون لثوب يتلون ألوانا وأبو قبيس جبل بمكة وأبو دارس كنية الفرج من الدرس وهو الحيض وأبو عمرة كنية الجوع وقال حل أبو عمرة وسط حجرتي وأبو مالك كنية الهرم قال أبا مالك إن الغواني هجرنني أبا مالك إني أظنك دائبا وفي حديث رقيقة هنيئا لك أبا البطحاء إنما سموه أبا البطحاء لأنـهم شرفوا بـه وعظموا بدعائه وهدايته كما يقال للمطعام أبو الأضياف وفي حديث وائل بن حجر من محمد رسول الله إلى المـهاجر ابن أبو أمية قال ابن الأثير حقه أن يقول ابن أبي أمية ولكنـه لاشتهاره بالكنية ولم يكن له اسم معروف غيره لم يجر كما قيل علي بن أبو طالب وفي حديث عائشة قالت عن حفصة وكانت بنت أبيها أي أنـها شبيهة بـه في قوة النفس وحدة الخلق والمبادرة إلى الأشياء والأبواء بالمد موضع وقد ذكر في الحديث الأبواء وهو بفتح الهمزة وسكون الباء والمد جبل بين مكة والمدينة وعنده بلد ينسب إليه وكفرآبيا موضع وفي الحديث ذكر أبى هي بفتح الهمزة وتشديد الباء بئر من آبار بني قريظة وأموالهم يقال لها بئر أبى نزلها سيدنا رسول الله صلى الله عليه و سلم لما أتى بني قريظة

(15/417)

( أتي ) الإتيان المجيء أتيته أتيا وأتيا وإتيا وإتيانا وإتيانة ومأتاة جئته قال الشاعر فاحتل لنفسك قبل أتي العسكر وفي الحديث خير النساء المواتية لزوجها المواتاة حسن المطاوعة والموافقة وأصلها الهمز فخفف وكثر حتى صار يقال بالواو الخالصة قال وليس بالوجه وقال الليث يقال أتاني فلان أتيا وأتية واحدة وإتيانا قال ولا تقل إتيانة واحدة إلا في اضطرار شعر قبيح لأن المصادر كلها إذا جعلت واحدة ردت إلى بناء فعلة وذلك إذا كان الفعل منـها على فعل أو فعل فإذا أدخلت في الفعل زيادات فوق ذلك أدخلت فيها زيادتها في الواحدة كقولك إقبالة واحدة ومثل تفعل تفعلة واحدة وأشباه ذلك وذلك في الشيء الذي يحسن أن تقول فعلة واحدة وإلا فلا وقال إني وأتي ابن غلاق ليقريني كغابط الكلب يبغي الطرق في الذنب وقال ابن خالويه يقال ما أتيتنا حتى استأتيناك وفي التنزيل العزيز ولا يفلح الساحر حيث أتى قالوا معناه حيث كان وقيل معناه حيث كان الساحر يجب أن يقتل وكذلك مذهب أهل الفقه في السحرة وقوله ت لي آل زيد فابدهم لي جماعة وسل آل زيد أي شيء يضيرها قال ابن جني حكي أن بعض العرب يقول في الأمر من أتى ت زيدا فيحذف الهمزة تخفيفا كما حذفت من خذ وكل ومر وقرئ يوم تأت بحذف الياء كما قالوا لا أدر وهي لغة هذيل وأما قول قيس بن زهير العبسي ألم يأتيك والأنباء تنمي بما لاقت لبون بني زياد ؟ فإنما أثبت الياء ولم يحذفها للجزم ضرورة ورده إلى أصله قال المازني ويجوز في الشعر أن تقول زيد يرميك برفع الياء ويغزوك برفع الواو وهذا قاضي بالتنوين فتجري الحرف المعتل مجرى الحرف الصحيح من جميع الوجوه في الأسماء والأفعال جميعا لأنـه الأصل والميتاء والميداء ممدودان آخر الغاية حيث ينتهي إليه جري الخيل والميتاء الطريق العامر ومجتمع الطريق أيضا ميتاء وميداء وأنشد ابن بري لحميد الأرقط إذا انضز ميتاء الطريق عليهما مضت قدما برح الحزام زهوق
( * قوله « إذا انضز إلخ » هكذا في الأصل هنا وتقدم في مادتي ميت وميد ببعض تغيير )
وفي حديث اللقطة ما وجدت في طريق ميتاء فعرفه سنة أي طريق مسلوك وهو مفعال من الإتيان والميم زائدة ويقال بنى القوم بيوتهم على ميتاء واحد وميداء واحد وداري بميتاء دار فلان وميداء دار فلان أي تلقاء داره وطريق مئتاء عامر هكذا رواه ثعلب بهمز الياء من مئتاء قال وهو مفعال من أتيت أي يأتيه الناس وفي الحديث لولا أنـه وعد حق وقول صدق وطريق ميتاء لحزنا عليك أكثر ما حزنا أراد أنـه طريق مسلوك يسلكه كل أحد وهو مفعال من الإتيان فإن قلت طريق مأتي فهو مفعول من أتيته قال الله عز وجل إنـه كان وعده مأتيا كأنـه قال آتيا كما قال حجابا مستورا أي ساترا لأن ما أتيته فقد أتاك قال الجوهري وقد يكون مفعولا لأن ما أتاك من أمر الله فقد أتيته أنت قال وإنما شدد لأن واو مفعول انقلبت ياء لكسرة ما قبلها فأدغمت في الياء التي هي لام الفعل قال ابن سيده وهكذا روي طريق ميتاء بغير همز إلا أن المراد الهمز ورواه أبو عبيد في المصنف بغير همز فيعالا لأن فيعالا من أبنية المصادر وميتاء ليس مصدرا إنما هو صفة فالصحيح فيه إذن ما رواه ثعلب وفسره قال ابن سيده وقد كان لنا أن نقول إن أبا عبيد أراد الهمز فتركه إلا أنـه عقد الباب بفعلاء ففضح ذاته وأبان هناته وفي التنزيل العزيز أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا قال أبو إسحق معناه يرجعكم إلى نفسه وأتى الأمر من مأتاه ومأتاته أي من جهته ووجهه الذي يؤتى منـه كما تقول ما أحسن معناة هذا الكلام تريد معناه قال الراجز وحاجة كنت على صماتها أتيتها وحدي من مأتاتها وآتى إليه الشيء ساقه والأتي النـهر يسوقه الرجل إلى أرضه وقيل هو المفتح وكل مسيل سهلته لماء أتي وهو الأتي حكاه سيبويه وقيل الأتي جمع وأتى لأرضه أتيا ساقه أنشد ابن الأعرابي لأبي محمد الفقعسي تقذفه في مثل غيطان التيه في كل تيه جدول تؤتيه شبه أجوافها في سعتها بالتيه وهو الواسع من الأرض الأصمعي كل جدول ماء أتي وقال الراجز ليمخضن جوفك بالدلي حتى تعودي أقطع الأتي قال وكان ينبغي
( * قوله « وكان ينبغي إلخ » هذه عبارة التهذيب وليست فيه لفظة قطعا ) أن يقول قطعا قطعاء الأتي لأنـه يخاطب الركية أو البئر ولكنـه أراد حتى تعودي ماء أقطع الأتي وكان يستقي ويرتجز بهذا الرجز على رأس البئر وأتى للماء وجه له مجرى ويقال أت لهذا الماء فتهيئ له طريقه وفي حديث ظبيان في صفة ديار ثمود قال وأتوا جداولها أي سهلوا طرق المياه إليها يقال أتيت الماء إذا أصلحت مجراه حتى يجري إلى مقاره وفي حديث بعضهم أنـه رأى رجلا يؤتي الماء في الأرض أي يطرق كأنـه جعله يأتي إليها أي يجيء والأتي والإتاء ما يقع في النـهر
( * قوله « والأتي والإتاء ما يقع في النـهر » هكذا ضبط في الأصل وعبارة القاموس وشرحه والأتي كرضا وضبطه بعض كعدي والأتاء كسماء وضبطه بعض ككساء ما يقع في النـهر من خشب أو ورق ) من خشب أو ورق والجمع آتاء وأتي وكل ذلك من الإتيان وسيل أتي وأتاوي لا يدرى من أين أتى وقال اللحياني أي أتى ولبس مطره علينا قال العجاج كأنـه والهول عسكري سيل أتي مده أتي ومنـه قول المرأة التي هجت الأنصار وحبذا هذا الهجاء أطعتم أتاوي من غيركم فلا من مراد ولا مذحج أرادت بالأتاوي النبي صلى الله عليه و سلم فقتلها بعض الصحابة فأهدر دمـها وقيل بل السيل مشبه بالرجل لأنـه غريب مثله قال لا يعدلن أتاويون تضربهم نكباء صر بأصحاب المحلات قال الفارسي ويروى لا يعدلن أتاويون فحذف المفعول وأراد لا يعدلن أتاويون شأنـهم كذا أنفسهم وروي أن النبي صلى الله عليه و سلم سأل عاصم بن عدي الأنصاري عن ثابت بن الدحداح وتوفي فقال هل تعلمون له نسبا فيكم ؟ فقال لا إنما هو أتي فينا قال فقضى رسول الله صلى الله عليه و سلم بميراثه لابن أخته قال الأصمعي إنما هو أتي فينا الأتي الرجل يكون في القوم ليس منـهم ولهذا قيل للسيل الذي يأتي من بلد قد مطر فيه إلى بلد لم يمطر فيه أتي ويقال أتيت للسيل فأنا أؤتيه إذا سهلت سبيله من موضع إلى موضع ليخرج إليه وأصل هذا من الغربة أي هو غريب يقال رجل أتي وأتاوي أي غريب يقال جاءنا أتاوي إذا كان غريبا في غير بلاده ومنـه حديث عثمان حين أرسل سليط بن سليط وعبد الرحمن ابن عتاب إلى عبد الله بن سلام فقال ائتياه فتنكرا له وقولا إنا رجلان أتاويان وقد صنع الله ما ترى فما تأمر ؟ فقالا له ذلك فقال لستما بأتاويين ولكنكما فلان وفلان أرسلكما أمير المؤمنين قال الكسائي الأتاوي بالفتح الغريب الذي هو في غير وطنـه أي غريبا ونسوة أتاويات
( * قوله « أي غريبا ونسوة أتاويات » هكذا في الأصل ولعله ورجال أتاويون أي غرباء ونسوة إلخ وعبارة الصحاح والأتاوي الغريب ونسوة إلخ ) وأنشد هو وأبو الجراح لحميد الأرقط يصبحن بالقفر أتاويات معترضات غير عرضيات أي غريبة من صواحبها لتقدمـهن وسبقهن ومعترضات أي نشيطة لم يكسلهن السفر غير عرضيات أي من غير صعوبة بل ذلك النشاط من شيمـهن قال أبو عبيد الحديث يروى بالضم قال وكلام العرب بالفتح ويقال جاءنا سيل أتي وأتاوي إذا جاءك ولم يصبك مطره وقوله عز و جل أتى أمر الله فلا تستعجلوه أي قرب ودنا إتيانـه ومن أمثالهم مأتي أنت أيها السواد أو السويد أي لا بد لك من هذا الأمر ويقال للرجل إذا دنا منـه عدوه أتيت أيها الرجل وأتية الجرح وآتيته مادته وما يأتي منـه عن أبي علي لأنـها تأتيه من مصبها وأتى عليه الدهر أهلكه على المثل ابن شميل أتى على فلان أتو أي موت أو بلاء أصابه يقال إن أتى علي أتو فغلامي حر أي إن مت والأتو المرض الشديد أو كسر يد أو رجل أو موت ويقال أتي على يد فلان إذا هلك له مال وقال الحطيئة أخو المرء يؤتى دونـه ثم يتقى بزب اللحى جرد الخصى كالجمامح قوله أخو المرء أي أخو المقتول الذي يرضى من دية أخيه بتيوس يعني لا خير فيما يؤتى دونـه أي يقتل ثم يتقى بتيوس زب اللحى أي طويلة اللحى ويقال يؤتى دونـه أي يذهب بـه ويغلب عليه وقال أتى دون حلو العيش حتى أمره نكوب على آثارهن نكوب أي ذهب بحلو العيش ويقال أتي فلان إذا أطل عليه العدو وقد أتيت يا فلان إذا أنذر عدوا أشرف عليه قال الله عز و جل فأتى الله بنيانـهم من القواعد أي هدم بنيانـهم وقلع بنيانـهم من قواعده وأساسه فهدمـه عليهم حتى أهلكهم وفي حديث أبي هريرة في ا لعدوي إني قلت أتيت أي دهيت وتغير عليك حسك فتوهمت ما ليس بصحيح صحيحا وأتى الأمر والذنب فعله واستأتت الناقة استئتاء مـهموز أي ضبعت وأرادت الفحل ويقال فرس أتي ومستأت ومؤتى ومستأتي بغير هاء إذا أودقت والإيتاء الإعطاء آتى يؤاتي إيتاء وآتاه إيتاء أي أعطاه ويقال لفلان أتو أي عطاء وآتاه الشيء أي أعطاه إياه وفي التنزيل العزيز وأوتيت من كل شيء أراد وأوتيت من كل شيء شيئا قال وليس قول من قال إن معناه أوتيت كل شيء يحسن لأن بلقيس لم تؤت كل شيء ألا ترى إلى قول سليمان عليه السلام ارجع إليهم فلنأتينـهم بجنود لا قبل لهم بها ؟ فلو كانت بلقيس أوتيت كل شيء لأوتيت جنودا تقاتل بها جنود سليمان عليه السلام أو الإسلام لأنـها إنما أسلمت بعد ذلك مع سليمان عليه السلام وآتاه جازاه ورجل ميتاء مجاز معطاء وقد قرئ وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وآتينا بها فأتينا جئنا وآتينا أعطينا وقيل جازينا فإن كان آتينا أعطينا فهو أفعلنا وإن كان جازينا فهو فاعلنا الجوهري آتاه أتى بـه ومنـه قوله تعالى آتنا غداءنا أي ائتنا بـه وتقول هات معناه آت على فاعل فدخلت الهاء على الألف وما أحسن أتي يدي الناقة أي رجع يديها في سيرها وما أحسن أتو يدي الناقة أيضا وقد أتت أتوا وآتاه على الأمر طاوعه والمؤاتاة حسن المطاوعة وآتيته على ذلك الأمر مؤاتاة إذا وافقته وطاوعته والعامة تقول واتيته قال ولا تقل واتيته إلا في لغة لأهل اليمن ومثله آسيت وآكلت وآمرت وإنما جعلوها واوا على تخفيف الهمزة في يواكل ويوامر ونحو ذلك وتأتى له الشيء تهيأ وقال الأصمعي تأتى فلان لحاجته إذا ترفق لها وأتاها من وجهها وتأتى للقيام والتأتي التهيؤ للقيام قال الأعشى إذا هي تأتى قريب القيام تهادى كما قد رأيت البهيرا
( * قوله « إذا هي تأتي إلخ » تقدم في مادة بهر بلفظ إذا ما تأتى تريد القيام )
ويقال جاء فلان يتأتى أي يتعرض لمعروفك وأتيت الماء تأتية وتأتيا أي سهلت سبيله ليخرج إلى موضع وأتاه الله هيأه ويقال تأتى لفلان أمره وقد أتاه الله تأتية ورجل أتي نافذ يتأتى للأمور ويقال أتوته أتوا لغة في أتيته قال خالد بن زهير يا قوم ما لي وأبا ذؤيب كنت إذا أتوته من غيب يشم عطفي ويبز ثوبي كأنني أربته بريب وأتوته أتوة واحدة والأتو الاستقامة في السير والسرعة وما زال كلامـه على أتو واحد أي طريقة واحدة حكى ابن الأعرابي خطب الأمير فما زال على أتو واحد وفي حديث الزبير كنا نرمي الأتو والأتوين أي الدفعة والدفعتين من الأتو العدو يريد رمي السهام عن القسي بعد صلاة المغرب وأتوته آتوه أتوا وإتاوة رشوته كذلك حكاه أبو عبيد جعل الإتاوة مصدرا والإتاوة الرشوة والخراج قال حني بن جابر التغلبي ففي كل أسواق العراق إتاوة وفي كل ما باع امرؤ مكس درهم قال ابن سيده وأما أبو عبيد فأنشد هذا البيت على الإتاوة التي هي المصدر قال ويقويه قوله مكس درهم لأنـه عطف عرض على عرض وكل ما أخذ بكره أو قسم على موضع من الجباية وغيرها إتاوة وخص بعضهم بـه الرشوة على الماء وجمعها أتى نادر مثل عروة وعرى قال الطرماح لنا العضد الشدى على الناس والأتى على كل حاف في معد وناعل وقد كسر على أتاوى وقول الجعدي فلا تنتهي أضغان قومي بينـهم وسوأتهم حتى يصيروا مواليا موالي حلف لا موالي قرابة ولكن قطينا يسألون الأتاويا أي هم خدم يسألون الخراج وهو الإتاوة قال ابن سيده وإنما كان قياسه أن يقول أتاوى كقولنا في علاوة وهراوة علاوى وهراوى غير أن هذا الشاعر سلك طريقا أخرى غير هذه وذلك أنـه لما كسر إتاوة حدث في مثال التكسير همزة بعد ألفه بدلا من ألف فعالة كهمزة رسائل وكنائن فصار التقدير بـه إلى إتاء ثم تبدل من كسرة الهمزة فتحة لأنـها عارضة في الجمع واللام معتلة كباب مطايا وعطايا فيصير إلى أتاأى ثم تبدل من الهمزة واوا لظهورها لاما في الواحد فتقول أتاوى كعلاوى وكذلك تقول العرب في تكسير إتاوة أتاوى غير أن هذا الشاعر لو فعل ذلك لأفسد قافيته لكنـه احتاج إلى إقرار الهمزة بحالها لتصح بعدها الياء التي هي روي القافية كما معها من القوافي التي هي الروابيا والأدانيا ونحو ذلك ليزول لفظ الهمزة إذا كانت العادة في هذه الهمزة أن تعل وتغير إذا كانت اللام معتلة فرأى إبدال همزة إتاء واوا ليزول لفظ الهمزة التي من عادتها في هذا الموضع أن تعل ولا تصح لما ذكرنا فصار الأتاويا وقول الطرماح وأهل الأتى اللاتي على عهد تبع على كل ذي مال غريب وعاهن فسر فقيل الأتى جمع إتاوة قال وأراه على حذف الزائد فيكون من باب رشوة ورشي والإتاء الغلة وحمل النخل تقول منـه أتت الشجرة والنخلة تأتو أتوا وإتاء بالكسر عن كراع طلع ثمرها وقيل بدا صلاحها وقيل كثر حملها والاسم الإتاوة والإتاء ما يخرج من إكال الشجر قال عبد الله بن رواحة الأنصاري هنالك لا أبالي نخل بعل ولا سقي وإن عظم الإتاء عنى بهنالك موضع الجهاد أي أستشـهد فأرزق عند الله فلا أبالي نخلا ولا زرعا قال ابن بري ومثله قول الآخر وبعض القول ليس له عناج كمخض الماء ليس له إتاء المراد بالإتاء هنا الزبد وإتاء النخلة ريعها وزكاؤها وكثرة ثمرها وكذلك إتاء الزرع ريعه وقد أتت النخلة وآتت إيتاء وإتاء وقال الأصمعي الإتاء ما خرج من الأرض من الثمر وغيره وفي حديث بعضهم كم إتاء أرضك أي ريعها وحاصلها كأنـه من الإتاوة وهو الخراج ويقال للسقاء إذا مخض وجاء بالزبد قد جاء أتوه والإتاء النماء وأتت الماشية إتاء نمت والله أعلم

(2/588)

( أثا ) أثوت الرجل وأثيته وأثوت بـه وأثيت بـه وعليه أثوا وأثيا وإثاوة وشيت بـه وسعيت عند السلطان وقيل وشيت بـه عند من كان من غير أن يخص بـه السلطان والمصدر الأثو والأثي والإثاوة والإثاية ومنـه سميت الأثاية
( * قوله « ومنـه سميت الإثاية » عبارة القاموس وإثاية بالضم ويثلث موضع بين الحرمين فيه مسجد نبوي أو بئر دون العرج عليها مسجد للنبي صلى الله عليه و سلم ) الموضع المعروف بطريق الجحفة إلى مكة وهي فعالة منـه وبعضهم يكسر همزتها أبو زيد أثيت بـه آثي إثاوة إذا أخبرت بعيوبه الناس وفي حديث أبي الحرث الأزدي وغريمـه لآتين عليا فلآثين بك أي لأشين بك وفي الحديث انطلقت إلى عمر آثي على أبي موسى الأشعري الجوهري أثا بـه يأثو ويأثي أيضا أي وشى بـه ومنـه قول الشاعر ذو نيرب آث هكذا أورده الجوهري قال ابن بري صوابه ولا أكون لكم ذا نيرب آث قال ومثله قول الآخر وإن امرأ يأثو بسادة قومـه حري لعمري أن يذم ويشتما قال وقال آخر ولست إذا ولى الصديق بوده بمنطلق آثو عليه وأكذب قال ابن بري والمؤتثي الذي يكثر الأكل فيعطش ولا يروى

(14/19)

( أحا )
( * قوله « أحا إلخ » هكذا في الأصل بالحاء وعبارة القاموس وشرحه أجي أجي كذا في النسخ بالجيم وهو غلط والصواب بالحاء وقد أهمله الجوهري وهو دعاء للنعجة يائي والذي في اللسان احو احو كلمة تقال للكبش إذا أمر بالسفاد وهو عن « ابن الدقيش » فعلى هذا هو واوي ) أحو إحو كلمة تقال للكبش إذا أمر بالفساد

(14/19)

( أحيا ) ابن الأثير أحيا بفتح الهمزة وسكون الحاء وياء تحتها نقطتان ماء بالحجاز كانت بـه غزوة عبيدة ابن الحرث بن عبد المطلب ويأتي ذكره في حيا

(14/19)

( أخا ) الأخ من النسب معروف وقد يكون الصديق والصاحب والأخا مقصور والأخو لغتان فيه حكاهما ابن الأعرابي وأنشد لخليج الأعيوي قد قلت يوما والركاب كأنـها قوارب طير حان منـها ورودها لأخوين كانا خير أخوين شيمة وأسرعه في حاجة لي أريدها حمل أسرعه على معنى خير أخوين وأسرعه كقوله شر يوميها وأغواه لها وهذا نادر وأما كراع فقال أخو بسكون الخاء وتثنيته أخوان بفتح الخاء قال ابن سيده ولا أدري كيف هذا قال ابن بري عند قوله تقول في التثنية أخوان قال ويجيء في الشعر أخوان وأنشد بيت خليج أيضا لأخوين كانا خير أخوين التهذيب الأخ الواحد والاثنان أخوان والجمع إخوان وإخوة الجوهري الأخ أصله أخو بالتحريك لأنـه جمع على آخاء مثل آباء والذاهب منـه واو لأنك تقول في التثنية أخوان وبعض العرب يقول أخان على النقص ويجمع أيضا على إخوان مثل خرب وخربان وعلى إخوة وأخوة عن الفراء وقد يتسع فيه فيراد بـه الاثنان كقوله تعالى فإن كان له إخوة وهذا كقولك إنا فعلنا ونحن فعلنا وأنتما اثنان قال ابن سيده وحكى سيبويه لا أخا فاعلم لك فقوله فاعلم اعتراض بين المضاف والمضاف إليه كذا الظاهر وأجاز أبو علي أن يكون لك خبرا ويكون أخا مقصورا تاما غير مضاف كقولك لا عصا لك والجمع من كل ذلك أخون وآخاء وإخوان وأخوان وإخوة وأخوة بالضم هذا قول أهل اللغة فأما سيبويه فالأخوة بالضم عنده اسم للجمع وليس بجمع لأن فعلا ليس مما يكسر على فعلة ويدل على أن أخا فعل مفتوحة العين جمعهم إياها على أفعال نحو آخاء حكاه سيبويه عن يونس وأنشد أبو علي وجدتم بنيكم دوننا إذ نسبتم وأي بني الآخاء تنبو مناسبه ؟ وحكى اللحياني في جمعه أخوة قال وعندي أنـه أخو على مثال فعول ثم لحقت الهاء لتأنيث الجمع كالبعولة والفحولة ولا يقال أخو وأبو إلا مضافا تقول هذا أخوك وأبوك ومررت بأخيك وأبيك ورأيت أخاك وأباك وكذلك حموك وهنوك وفوك وذو مال فهذه الستة الأسماء لا تكون موحدة إلا مضافة وإعرابها في الواو والياء والألف لأن الواو فيها وإن كانت من نفس الكلمة ففيها دليل على الرفع وفي الياء دليل على الخفض وفي الألف دليل على النصب قال ابن بري عند قوله لا تكون موحدة إلا مضافة وإعرابها في الواو والياء والألف قال ويجوز أن لا تضاف وتعرب بالحركات نحو هذا أب وأخ وحم وفم ما خلا قولهم ذو مال فإنـه لا يكون إلا مضافا وأما قوله عز و جل فإن كان له إخوة فلأمـه السدس فإن الجمع ههنا موضوع موضع الاثنين لأن الاثنين يوجبان لها السدس والنسبة إلى الأخ أخوي وكذلك إلى الأخت لأنك تقول أخوات وكان يونس يقول أختي وليس بقياس وقوله عز و جل وإخوانـهم يمدونـهم في الغي يعني بإخوانـهم الشياطين لأن الكفار إخوان الشياطين وقوله فإخوانكم في الدين أي قد درأ عنـهم إيمانـهم وتوبتم إثم كفرهم ونكثهم العهود وقوله عز و جل وإلى عاد أخاهم هودا ونحوه قال الزجاج قيل في الأنبياء أخوهم وإن كانوا كفرة لأنـه إنما يعني أنـه قد أتاهم بشر مثلهم من ولد أبيهم آدم عليه السلام وهو أحج وجائز أن يكون أخاهم لأنـه من قومـهم فيكون أفهم لهم بأن يأخذوه عن رجل منـهم وقولهم فلان أخو كربة وأخو لزبة وما أشبه ذلك أي صاحبها وقولهم إخوان العزاء وإخوان العمل وما أشبه ذلك إنما يريدون أصحابه وملازميه وقد يجوز أن يعنوا بـه أنـهم إخوانـه أي إخوته الذين ولدوا معه وإن لم يولد العزاء ولا العمل ولا غير ذلك من الأغراض غير أنا لم نسمعهم يقولون إخوة العزاء ولا إخوة العمل ولا غيرهما إنما هو إخوان ولو قالوه لجاز وكل ذلك على المثل قال لبيد إنما ينجح إخوان العمل يعني من دأب وتحرك ولم يقم قال الراعي على الشوق إخوان العزاء هيوج أي الذين يصبرون فلا يجزعون ولا يخشعون والذين هم أشقاء العمل والعزاء وقالوا الرمح أخوك وربما خانك وأكثر ما يستعمل الإخوان في الأصدقاء والإخوة في الولادة وقد جمع بالواو والنون قال عقيل بن علفة المري وكان بنو فزارة شر قوم وكنت لهم كشر بني الأخينا قال ابن بري وصوابه وكان بنو فزارة شر عم قال ومثله قول العباس بن مرداس السلمي فقلنا أسلموا إنا أخوكم فقد سلمت من الإحن الصدور التهذيب هم الإخوة إذا كانوا لأب وهم الإخوان إذا لم يكونوا لأب قال أبو حاتم قال أهل البصرة أجمعون الإخوة في النسب والإخوان في الصداقة تقول قال رجل من إخواني وأصدقائي فإذا كان أخاه في النسب قالوا إخوتي قال وهذا غلط يقال للأصدقاء وغير الأصدقاء إخوة وإخوان قال الله عز و جل إنما المؤمنون إخوة ولم يعن النسب وقال أو بيوت إخوانكم وهذا في النسب وقال فإخوانكم في الدين ومواليكم والأخت أنثى الأخ صيغة على غير بناء المذكر والتاء بدل من الواو وزنـها فعلة فنقلوها إلى فعل وألحقتها التاء المبدلة من لامـها بوزن فعل فقالوا أخت وليست التاء فيها بعلامة تأنيث كما ظن من لاخبرة له بهذا الشأن وذلك لسكون ما قبلها هذا مذهب سيبويه وهو الصحيح وقد نص عليه في باب ما لا ينصرف فقال لو سميت بها رجلا لصرفتها معرفة ولو كانت للتأنيث لما انصرف الاسم على أن سيبويه قد تسمح في بعض ألفاظه في الكتاب فقال هي علامة تأنيث وإنما ذلك تجوز منـه في اللفظ لأنـه أرسله غفلا وقد قيده في باب ما لا ينصرف والأخذ بقوله المعلل أقوى من الأخذ بقوله الغفل المرسل ووجه تجوزه أنـه لما كانت التاء لا تبدل من الواو فيها إلا مع المؤنث صارت كأنـها علامة تأنيث وأعني بالصيغة فيها بناءها على فعل وأصلها فعل وإبدال الواو فيها لازم لأن هذا عمل اختص بـه المؤنث والجمع أخوات الليث تاء الأخت أصلها هاء التأنيث قال الخليل تأنيث الأخ أخت وتاؤها هاء وأختان وأخوات قال والأخ كان تأسيس أصل بنائه على فعل بثلاث متحركات وكذلك الأب فاستثقلوا ذلك وألقوا الواو وفيها ثلاثة أشياء حرف وصرف وصوت فربما ألقوا الواو والياء بصرفها فأبقوا منـها الصوت فاعتمد الصوت على حركة ما قبله فإن كانت الحركة فتحة صار الصوت منـها ألفا لينة وإن كانت ضمة صار معها واوا لينة وإن كانت كسرة صار معها ياء لينة فاعتمد صوت واو الأخ على فتحة الخاء فصار معها ألفا لينة أخا وكذلك أبا فأما الألف اللينة في موضع الفتح كقولك أخا وكذلك أبا كألف ربا وغزا ونحو ذلك وكذلك أبا ثم ألقوا الألف استخفافا لكثرة استعمالهم وبقيت الخاء على حركتها فجرت على وجوه النحو لقصر الاسم فإذا لم يضيفوه قووه بالتنوين وإذا أضافوا لم يحسن التنوين في الإضافة فقووه بالمد فقالوا أخو وأخي وأخا تقول أخوك أخو صدق وأخوك أخ صالح فإذا ثنوا قالوا أخوان وأبوان لأن الاسم متحرك الحشو فلم تصر حركته خلفا من الواو الساقط كما صارت حركة الدال من اليد وحركة الميم من الدم فقالوا دمان ويدان وقد جاء في الشعر دميان كقول الشاعر فلو أنا على حجر ذبحنا جرى الدميان بالخبر اليقين وإنما قال الدميان على الدما كقولك دمي وجه فلان أشد الدما فحرك الحشو وكذلك قالوا أخوان وقال الليث الأخت كان حدها أخة فصار الإعراب على الهاء والخاء في موضع رفع ولكنـها انفتحت بحال هاء التأنيث فاعتمدت عليه لأنـها لا تعتمد إلا على حرف متحرك بالفتحة وأسكنت الخاء فحول صرفها على الألف وصارت الهاء تاء كأنـها من أصل الكلمة ووقع الإعراب على التاء وألزمت الضمة التي كانت في الخاء الألف وكذلك نحو ذلك فافهم وقال بعضهم الأخ كان في الأصل أخو فحذفت الواو لأنـها وقعت طرفا وحركت الخاء وكذلك الأب كان في الأصل أبو وأما الأخت فهي في الأصل أخوة فحذفت الواو كما حذفت من الأخ وجعلت الهاء تاء فنقلت ضمة الواو المحذوفة إلى الألف فقيل أخت والواو أخت الضمة وقال بعض النحويين سمي الأخ أخا لأن قصده قصد أخيه وأصله من وخى أي قصد فقلبت الواو همزة قال المبرد الأب والأخ ذهب منـهما الواو تقول في التثنية أبوان وأخوان ولم يسكنوا أوائلهما لئلا تدخل ألف الوصل وهي همزة على الهمزة التي في أوائلهما كما فعلوا في الابن والاسم اللذين بنيا على سكون أوائلهما فدخلتهما ألف الوصل الجوهري وأخت بينة الأخوة وإنما قالوا أخت بالضم ليدل على أن الذاهب منـه واو وصح ذلك فيها دون الأخ لأجل التاء التي ثبتت في الوصل والوقف كالاسم الثلاثي وقالوا رماه الله بليلة لا أخت لها وهي ليلة يموت وآخى الرجل مؤاخاة وإخاء ووخاء والعامة تقول واخاه قال ابن بري حكى أبو عبيد في الغريب المصنف ورواه عن الزيديين آخيت وواخيت وآسيت وواسيت وآكلت وواكلت ووجه ذلك من جهة القياس هو حمل الماضي على المستقبل إذ كانوا يقولون يواخي بقلب الهمزة واوا على التخفيف وقيل إن واخاه لغة ضعيفة وقيل هي بدل قال ابن سيده وأرى الوخاء عليها والاسم الأخوة تقول بيني وبينـه أخوة وإخاء وتقول آخيته على مثال فاعلته قال ولغة طيء واخيته وتقول هذا رجل من آخائي بوزن أفعالي أي من إخواني وما كنت أخا ولقد تأخيت وآخيت وأخوت تأخو أخوة وتآخيا على تفاعلا وتأخيت أخا أي اتخذت أخا وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه و سلم آخى بين المـهاجرين والأنصار أي ألف بينـهم بأخوة الإسلام والإيمان الليث الإخاء المؤاخاة والتأخي والأخوة قرابة الأخ والتأخي اتخاذ الإخوان وفي صفة أبي بكر لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن خوة الإسلام قال ابن الأثير كذا جاء في رواية وهي لغة في الأخوة وأخوت عشرة أي كنت لهم أخا وتأخى الرجل اتخذه أخا أو دعاه أخا ولا أخا لك بفلان أي ليس لك بأخ قال النابغة وأبلغ بني ذبيان أن لا أخا لهم بعبس إذا حلوا الدماخ فأظلما وقوله ألا بكر الناعي بأوس بن خالد أخي الشتوة الغراء والزمن المحل وقول الآخر ألا هلك ابن قران الحميد أبو عمرو أخو الجلى يزيد قال ابن سيده قد يجوز أن يعنيا بالأخ هنا الذي يكفيهما ويعين عليهما فيعود إلى معنى الصحبة وقد يكون أنـهما يفعلان فيهما الفعل الحسن فيكسبانـه الثناء والحمد فكأنـه لذلك أخ لهما وقوله والخمر ليست من أخيك ول كن قد تغر بآمن الحلم فسره ابن الأعرابي فقال معناه أنـها ليست بمحابيتك فتكف عنك بأسها ولكنـها تنمي في رأسك قال وعندي أن أخيك ههنا جمع أخ لأن التبعيض يقتضي ذلك قال وقد يجوز أن يكون الأخ ههنا واحدا يعنى بـه الجمع كما يقع الصديق على الواحد والجمع قال تعالى ولا يسأل حميم حميما يبصرونـهم وقال دعها فما النحوي من صديقها ويقال تركته بأخي الخير أي تركته بشر وحكى اللحياني عن أبي الدينار وأبي زىاد القوم بأخي الشر أي بشر وتأخيت الشيء مثل تحريته الأصمعي في قوله لا أكلمـه إلا أخا السرار أي مثل السرار ويقال لقي فلان أخا الموت أي مثل الموت وأنشد لقد علقت كفي عسيبا بكزة صلا آرز لاقى أخا الموت جاذبه وقال امرؤ القيس عشية جاوزنا حماة وسيرنا أخو الجهد لا يلوي على من تعذرا أي سيرنا جاهد والأرز الضيق والاكتناز يقال دخلت المسجد فكان مأرزا أي غاصا بأهله هذا كله من ذوات الألف ومن ذوات الياء الأخية والأخية والآخية بالمد والتشديد واحدة الأواخي عود يعرض في الحائط ويدفن طرفاه فيه ويصير وسطه كالعروة تشد إليه الدابة وقال ابن السكيت هو أن يدفن طرفا قطعة من الحبل في الأرض وفيه عصية أو حجير ويظهر منـه مثل عروة تشد إليه الدابة وقيل هو حبل يدفن في الأرض ويبرز طرفه فيشد بـه قال أبو منصور سمعت بعض العرب يقول للحبل الذي يدفن في الأرض مثنيا ويبرز طرفاه الآخران شبه حلقة وتشد بـه الدابة آخية وقال أعرابي لآخر أخ لي آخية أربط إليها مـهري وإنما تؤخى الآخية في سهولة الأرضين لأنـها أرفق بالخيل من الأوتاد الناشزة عن الأرض وهي أثبت في الأرض السهلة من الوتد ويقال للأخية الإدرون والجمع الأدارين وفي الحديث عن أبي سعيد الخدري مثل المؤمن والإيمان كمثل الفرس في آخيته يحول ثم يرجع إلى آخيته وإن المؤمن يسهو ثم يرجع إلى الإيمان ومعنى الحديث أنـه يبعد عن ربه بالذنوب وأصل إيمانـه ثابت والجمع أخايا وأواخي مشددا والأخايا على غير قياس مثل خطية وخطايا وعلتها كعلتها قال أبو عبيد الأخية العروة تشد بها الدابة مثنية في الأرض وفي الحديث لا تجعلوا ظهوركم كأخايا الدواب يعني في الصلاة أي لا تقوسوها في الصلاة حتى تصير كهذه العرى ولفلان عند الأمير آخية ثابتة والفعل أخيت آخية تأخية قال وتأخيت أنا اشتقاقه من آخية العود وهي في تقدير الفعل فاعولة قال ويقال آخية بالتخفيف ويقال آخى فلان في فلان آخية فكفرها إذا اصطنعه وأسدى إليه وقال الكميت ستلقون ما آخيكم في عدوكم عليكم إذا ما الحرب ثار عكوبها ما صلة ويجوز أن تكون ما بمعنى أي كأنـه قال ستلقون أي شيء آخيكم في عدوكم وقد أخيت للدابة تأخية وتأخيت الآخية والأخية لا غير الطنب والأخية أيضا الحرمة والذمة تقول لفلان أواخي وأسباب ترعى وفي حديث عمر أنـه قال للعباس أنت أخية آباء رسول الله صلى الله عليه و سلم أراد بالأخية البقية يقال له عندي أخية أيب ماتة قوية ووسيلة قريبة كأنـه أراد أنت الذي يستند إليه من أصل رسول الله صلى الله عليه و سلم ويتمسك بـه وقوله في حديث ابن عمر يتأخى مناخ رسول الله أي يتحرى ويقصد ويقال فيه بالواو أيضا وهو الأكثر وفي حديث السجود الرجل يؤخي والمرأة تحتفز أخى الرجل إذا جلس على قدمـه اليسرى ونصب اليمنى قال ابن الأثير هكذا جاء في بعض كتب الغريب في حرف الهمزة قال والرواية المعروفة إنما هو الرجل يخوي والمرأة تحتفز والتخوية أن يجافي بطنـه عن الأرض ويرفعها

(14/19)

( أدا ) أدا اللبن أدوا وأدى أديا خثر ليروب عن كراع يائية وواوية ابن بزرج أدا اللبن أدوا مثقل يأدو وهو اللبن بين اللبنين ليس بالحامض ولا بالحلو وقد أدت الثمرة تأدو أدوا وهو الينوع والنضج وأدوت اللبن أدوا مخضته وأدى السقاء يأدي أديا أمكن ليمخض وأدوت في مشيي آدو أدوا وهو مشي بين المشيين ليس بالسريع ولا البطيء وأدوت أدوا إذا ختلت وأدا السبع للغزال يأدوا أدوا ختله ليأكله وأدوت له وأدوته كذلك قال حنتني حانيات الدهر حتى كأني خاتل يأدو لصيد أبو زيد وغيره أدوت له آدوا له أدوا إذا ختلته وأنشد أدوت له لآخذه فهيهات الفتى حذرا نصب حذرا بفعل مضمر أي لا يزال حذرا قال ويجوز نصبه على الحال لأن الكلام تم بقوله هيهات كأنـه قال بعد عني وهو حذر وهو مثل دأى يدأي سواء بمعناه ويقال الذئب يأدو للغزال أي يختله ليأكله قال والذئب يأدو للغزال يأكله الجوهري أدوت له وأديت أي ختلته وأنشد ابن الأعرابي تئط ويأدوها الإفال مربة بأوطانـها من مطرفات الحمائل قال يأدوها يختلها عن ضروعها ومربة أي قلوبها مربة بالمواضع التي تنزع إليها ومطرفات أطرفوها غنيمة من غيرهم والحمائل المحتملة إليهم المأخوذة من غيرهم والإداوة المطهرة ابن سيده وغيره الإداوة للماء وجمعها أداوى مثل المطايا وأنشد يحملن قدام الجآ جئ في أداوى كالمطاهر يصف القطا واستقاءها لفراخها في حواصلها وأنشد الجوهري إذا الأداوى ماؤها تصبصبا وكان قياسه أدائي مثل رسالة ورسائل فتجنبوه وفعلوا بـه ما فعلوا بالمطايا والخطايا فجعلوا فعائل فعالى وأبدلوا هنا الواو ليدل على أنـه قد كانت في الواحدة واو ظاهرة فقالوا أداوى فهذه الواو بدل من الألف الزائدة في إداوة والألف التي في آخر الأداوى بدل من الواو في إداوة وألزموا الواو ههنا كما ألزموا الياء في مطايا وقيل إنما تكون إداوة إذا كانت من جلدين قوبل أحدهما بالآخر وفي حديث المغيرة فأخذت الإداوة وخرجت معه الإداوة بالكسر إناء صغير من جلد يتخذ للماء كالسطيحة ونحوها وإداوة الشيء وأداوته آلته وحكى اللحياني عن الكسائي أن العرب تقول أخذ هداته أي أداته على البدل وأخذ للدهر أداته من العدة وقد تآدى القوم تآديا إذا أخذوا العدة التي تقويهم على الدهر وغيره الليث ألف الأداة واو لأن جمعها أدوات ولكل ذي حرفة أداة وهي آلته اتلتي تقيم حرفته وفي الحديث لا تشربوا إلا من ذي إداء بالكسر والمد الوكاء وهو شداد السقاء وأداة الحرب سلاحها ابن السكيت آديت للسفر فأنا مؤد له إذا كنت متهيئا له ونحن على أدي للصلاة أي تهيؤ وآدى الرجل أيضا أي قوي فهو مؤد بالهمز أي شاك السلاح قال رؤبة مؤدين يحمين السبيل السابلا ورجل مؤد ذو أداة ومؤد شاك في السلاح وقيل كامل أداة السلاح وآدى الرجل فهو مؤد إذا كان شاك السلاح وهو من الأداة وتآدى أي أخذ للدهر أداة قال الأسود بن يعفر ما بعد زيد في فتاة فرقوا قتلا وسبيا بعد حسن تآدي وتخيروا الأرض الفضاء لعزهم ويزيد رافدهم على الرفاد قوله بعد حسن تآدي أي بعد قوة وتآديت للأمر أخذت له أداته ابن بزرج يقال هل تآديتم لذلك الأمر أي هل تأهبتم قال أبو منصور هو مأخوذ من الأداة وأما مود بلا همز فهو من أودى أي هلك قال الراجز إني سأوديك بسير وكن قال ابن بري وقيل تآدى تفاعل من الآد وهي القوة وأراد الأسود بن يعفر بزيد زيد بن مالك ابن حنظلة وكان المنذر خطب إليهم امرأة فأبوا أن يزوجوه إياها فغزاهم وقتل منـهم ويقال أخذت لذلك الأمر أديه أي أهبته الجوهري الأداة الآلة والجمع الأدوات وآداه على كذا يؤديه إيداء قواه عليه وأعانـه ومن يؤديني على فلان أي من يعينني عليه شاهده قول الطرماح ابن حكيم فيؤديهم علي فتاء سني حنانك ربنا يا ذا الحنان وفي الحديث يخرج من قبل المشرق جيش آدى شيء وأعده أميرهم رجل طوال أي أقوى شيء يقال آدني عليه بالمد أي قوني ورجل مؤد تام السلاح كامل أداة الحرب ومنـه حديث ابن مسعود أرأيت رجلا خرج مؤديا نشيطا ؟ وفي حديث الأسود بن يزيد في قوله تعالى وإنا لجميع حذرون قال مقوون مؤدون أي كاملو أداة الحرب وأهل الحجاز يقولون آديته على أفعلته أي أعنته وآداني السلطان عليه أعداني واستأديته عليه استعديته وآديته عليه أعنته كله منـه الأزهري أهل الحجاز يقولون استأديت السلطان على فلان أي استعديت فآداني عليه أي أعداني وأعانني وفي حديث هجرة الحبشة قال والله لأستأدينـه عليكم أي لأستعدينـه فأبدل الهمزة من العين لأنـهما من مخرج واحد يريد لأشكون إليه فعلكم بي ليعديني عليكم وينصفني منكم وفي ترجمة عدا تقول استأداه بالهمز فآداه أي فأعانـه وقواه وآديت للسفر فأنا مؤد له إذا كنت متهيئا له وفي المحكم استعددت له وأخذت أداته والأدي السفر من ذلك قال وحرف لا تزال على أدي مسلمة العروق من الخمال وأدية
( * أدية هي أم مرداس وقيل جدته ) أبو مرداس الحروري إما أن يكون تصغير أدوة وهي الخدعة هذا قول ابن الأعرابي وإما أن يكون تصغير أداة ويقال تآدى القوم تآديا وتعادوا تعاديا أي تتابعوا موتا وغنم أدية على فعيلة أي قليلة الأصمعي الأدية تقدير عدية من الإبل القليلة العدد أبو عمرو الاداء
( * قوله « أبو عمرو الاداء » كذا في الأصل من غير ضبط لأوله وقوله « وجمعه أيدية » هكذا في الأصل أيضا ولعله محرف عن آدية بالمد مثل آنية ) الخو من الرمل وهو الواسع من الرمل وجمعه أيدية والإدة زماع الأمر واجتماعه قال الشاعر وباتوا جميعا سالمين وأمرهم على إدة حتى إذا الناس أصبحوا وأدى الشيء أوصله والاسم الأداء وهو آدى للأمانة منـه بمد الألف والعامة قد لهجوا بالخطإ فقالوا فلان أدى للأمانة وهو لحن غير جائز قال أبو منصور ما علمت أحدا من النحويين أجاز آدى لأن أفعل في باب التعجب لا يكون إلا في الثلاثي ولا يقال أدى بالتخفيف بمعنى أدى بالتشديد ووجه الكلام أن يقال فلان أحسن أداء وأدى دينـه تأدية أي قضاه والاسم الأداء ويقال تأديت إلى فلان من حقه إذا أديته وقضيته ويقال لا يتأدى عبد إلى الله من حقوقه كما يجب وتقول للرجل ما أدري كيف أتأدى إليك من حق ما أوليتني ويقال أدى فلان ما عليه أداء وتأدية وتأدى إليه الخبر أي انتهى ويقال استأداه مالا إذا صادره واستخرج منـه وأما قوله عز و جل أن أدوا إلي عباد الله إني لكم رسول أمين فهو من قول موسى لذوي فرعون معناه سلموا إلي بني إسرائيل كما قال فأرسل معي بني إسرائيل أي أطلقهم من عذابك وقيل نصب عباد الله لأنـه منادى مضاف ومعناه أدوا إلي ما أمركم الله بـه يا عباد الله فإني نذير لكم قال أبو منصور فيه وجه آخر وهو أن يكون أدوا إلي بمعنى استمعوا إلي كأنـه يقول أدوا إلي سمعكم أبلغكم رسالة ربكم قال ويدل على هذا المعنى من كلام العرب قول أبي المثلم الهذلي سبعت رجالا فأهلكتهم فأد إلى بعضهم واقرض أراد بقوله أد إلى بعضهم أي استمع إلى بعض من سبعت لتسمع منـه كأنـه قال أد سمعك إليه وهو بإدائه أي بإزائه طائية وإناء أدي صغير وسقاء أدي بين الصغير والكبير ومال أدي ومتاع أدي كلاهما قليل ورجل أدي ومتاع أدي كلاهما قليل ورجل أدي خفيف مشمر وقطع الله أديه أي يديه وثوب أدي ويدي إذا كان واسعا وأدى الشيء كثر وآداه ماله كثر عليه فغلبه قال إذا آداك مالك فامتهنـه لجاديه وإن قرع المراح وآدى القوم وتآدوا كثروا بالموضع وأخصبوا

(14/24)

( أذي ) الأذى كل ما تأذيت بـه آذاه يؤذيه أذى وأذاة وأذية وتأذيت بـه قال ابن بري صوابه آذاني إيذاء فأما أذى فمصدر أذي أذى وكذلك أذاة وأذية يقال أذيت بالشيء آذى أذى وأذاة وأذية فأنا أذ قال الشاعر لقد أذوا بك ودوا لو تفارقهم أذى الهراسة بين النعل والقدم وقال آخر وإذا أذيت ببلدة فارقتها ولا أقيم بغير دار مقام ابن سيده أذي بـه أذى وتأذى أنشد ثعلب تأذي العود اشتكى أن يركبا والاسم الأذية والأذاة أنشد سيبويه ولا تشتم المولى وتبلغ أذاته فإنك إن تفعل تسفه وتجهل وفي حديث العقيقة أميطوا عنـه الأذى يريد الشعر والنجاسة وما يخرج على رأس الصبي حين يولد يحلق عنـه يوم سابعه وفي الحديث أدناها إماطة الأذى عن الطريق وهو ما يؤذي فيها كالشوك والحجر والنجاسة ونحوها وفي الحديث كل مؤذ في النار وهو وعيد لمن يؤذي الناس في الدنيا بعقوبة النار في الآخرة وقيل أراد كل مؤذ من السباع والهوام يجعل في النار عقوبة لأهلها التهذيب ورجل أذي إذا كان شديد التأذي فعل له لازم وبعير أذي وفي الصحاح بعير أذ على فعل وناقة أذية لا تستقر في مكان من غير وجع ولكن خلقة كأنـها تشكو أذى والأذي من الناس وغيرهم كالأذي قال يصاحب الشيطان من يصاحبه فهو أذي حمة مصاوبه
( * قوله « حمة » كذا في الأصل بالحاء المـهملة مرموزا لها بعلامة الإهمال ) وقد يكون الأذي وقوله عز و جل ودع أذاهم تأويله أذى المنافقين لا تجازهم عليه إلى أن تؤمر فيهم بأمر وقد آذيته إيذاء وأذية وقد تأذيت بـه تأذيا وأذيت آذى أذى وآذى الرجل فعل الأذى ومنـه قوله صلى الله عليه و سلم للذي تخطى رقاب الناس يوم الجمعة رأيتك آذيت وآتيت والآذي الموج قال امرؤ القيس يصف مطرا ثج حتى ضاق عن آذيه عرض خيم فحفاف فيسر ابن شميل آذي الماء الأطباق التي تراها ترفعها من متنـه الريح دون الموج والآذي الموج قال المغيرة بن حبناء إذا رمى آذيه بالطم ترى الرجال حوله كالصم من مطرق ومنصت مرم الجوهري الآذي موج البحر والجمع الأواذي وأنشد ابن بري للعجاج طحطحه آذي بحر متأق وفي حديث ابن عباس في تفسير قوله تعالى وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم قال كأنـهم الذر في آذي الماء الآذي بالمد والتشديد الموج الشديد وفي خطبة علي عليه السلام تلتطم أو اذي موجها وإذا وإذ ظرفان من الزمان فإذا لما يأتي وإذ لما مضى وهي محذوفة من إذا

(14/27)

( أري ) الأصمعي أرت القدر تأري أريا إذا احترقت ولصق بها الشيء وأرت القدر تأري أريا وهو ما يلصق بها من الطعام وقد أرت القدر أريا لزق بأسفلها شيء من الاحتراق مثل شاطت وفي المحكم لزق بأسفلها شبه الجلبة السوداء وذلك إذا لم يسط ما فيها أو لم يصب عليه ماء والأري ما لزق بأسفلها وبقي فيه من ذلك المصدر والاسم فيه سواء وأري القدر ما التزق بجوانبها من الحرق ابن الأعرابي قرارة القدر وكدادتها وأريها والأري العسل قال لبيد بأشـهب من أبكار مزن سحابة وأري دبور شاره النحل عاسل وعمل النحل أري أيضا وأنشد ابن بري لأبي ذؤيب جوارسها تأري الشعوف تأري تعسل قال هكذا رواه علي بن حمزة وروى غيره تأوي وقد أرت النحل تأري أريا وتأرت وأترت عملت العسل قال الطرماح في صفة دبر العسل إذا ما تأرت بالخلي بنت بـه شريجين مما تأتري وتتيع
( * قوله « إذا ما تأرت » كذا في الأصل بالراء وفي التكملة بالواو )
شريجين ضربين يعني من الشـهد والعسل وتأتري تعسل وتتيع أي تقيء العسل والتزاق الأري بالعسالة ائتراؤه وقيل الأري ما تجمعه من العسل في أجوافها ثم تلفظه وقيل الأري عمل النحل وهو أيضا ما التزق من العسل في جوانب العسالة وقيل عسلها حين ترمي بـه من أفواهها وقوله أنشده ابن الأعرابي إذا الصدور أظهرت أري المئر إنما هو مستعار من ذلك يعني ما جمعت في أجوافها من الغيظ كما تفعل النحل إذا جمعت في أفواهها العسل ثم مجته ويقال للبن إذا لصق وضره بالإناء قد أري وهو الأري مثل الرمي والتأري جمع الرجل لبنيه الطعام وأرت الريح الماء صبته شيئا بعد شيء وأري السماء ما أرته الريح تأريه أريا فصبته شيئا بعد شيء وقيل أري الريح عملها وسوقها السحاب قال زهير يشمن بروقها ويرش أري ال جنوب على حواجبها العماء قال الليث أراد ما وقع من الندى والطل على الشجر والعشب فلم يزل يلزق بعضه ببعض ويكثر قال أبو منصور وأري الجنوب ما استدرته الجنوب من الغمام إذا مطرت وأري السحاب درته قال أبو حنيفة أصل الأري العمل وأري الندى ما وقع منـه على الشجر والعشب فالتزق وكثر والأري لطاخة ما تأكله وتأرى عنـه تخلف وتأرى بالمكان وأترى احتبس وأرت الدابة مربطها ومعلفها أريا لزمته والآري والآري الأخية وأريت لها عملت لها آريا قال ابن السكيت في قولهم للمعلف آري قال هذا مما يضعه الناس في غير موضعه وإنما الآري محبس الدابة وهي الأواري والأواخي واحدتها آخية وآري إنما هو من الفعل فاعول وتأرى بالمكان إذا تحبس ومنـه قول أعشى باهلة لا يتأرى لما في القدر يرقبه ولا يعض على شرسوفه الصفر
( * قوله « لا يتأرى البيت » قال الصاغاني هكذا وقع في أكثر كتب اللغة وأخذ بعضهم عن بعض والرواية لا يتأرى لما في القدر يرقبه ولا يزال أمام القوم يقتفر لا يغمز الساق من أين ولا نصب ولا يعض على شرسوفه الصفر )
وقال آخر لا يتأرون في المضيق وإن نادى مناد كي ينزلوا نزلوا يقول لا يجمعون الطعام في الضيقة وقال العجاج واعتاد أرباضا لها آري من معدن الصيران عدملي قال اعتادها أتاها ورجع إليها والأرباض جمع ربض وهو المأوى وقوله له آري أي لها آخية من مكانس البقر لا تزول ولها أصل ثابت في سكون الوحش بها يعني الكناس قال وقد تسمى الآخية أيضا آريا وهو حبل تشد بـه الدابة في محبسها وأنشد ابن السكيت للمثقب العبدي يصف فرسا داويته بالمحض حتى شتا يجتذب الآري بالمرود أي مع المرود وأراد بآريه الركاسة المدفونة تحت الأرض المثبتة فيها تشد الدابة من عروتها البارزة فلا تقلعها لثباتها في الأرض قال الجوهري وهو في التقدير فاعول والجمع الأواري يخفف ويشدد تقول منـه أريت للدابة تأرية والدابة تأري إلى الدابة إذا انضمت إليها وألفت معها معلفا واحدا وآريتها أنا وقول لبيد يصف ناقته تسلب الكانس لم يوأر بها شعبة الساق إذا الظل عقل قال الليث لم يوأر بها أي لم يذعر ويروى لم يورأ بها أي لم يشعر بها قال وهو مقلوب من أريته أي أعلمته قال ووزنـه الآن لم يلفع ويروى لم يورا على تخفيف الهمزة ويروى لم يؤر بها بوزن لم يعر من الأري أي لم يلصق بصدره الفزع ومنـه قيل إن في صدرك علي لأريا أي لطخا من حقد وقد أرى علي صدره قال ابن بري وروى السيرافي لم يؤر من أوار الشمس وأصله لم يوأر ومعناه لم يذعر أي لم يصبه حر الذعر وقالوا أري الصدر أريا وهو ما يثبت في الصدر من الضغن وأري صدره بالكسر أي وغر قال ابن سيده أرى صدره علي أريا وأري اغتاظ وقول الراعي لها بدن عاس ونار كريمة بمعتلج الآري بين الصرائم قيل في تفسيره الآري ما كان بين السهل والحزن وقيل معتلج الآري اسم أرض وتأرى تحزن
( * قوله « وتأرى تحزن » هكذا في الأصل ولم نجده في كتب اللغة التي بأيدينا ) وأرى الشيء أثبته ومكنـه وفي الحديث اللهم أر ما بينـهم أي ثبت الود ومكنـه يدعو للرجل وامرأته وروى أبو عبيدة أن رجلا شكا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم امرأته فقال اللهم أر بينـهما قال أبو عبيد يعني أثبت بينـهما وأنشد لأعشى باهلة لا يتأرى لما في القدر يرقبه البيت يقول لا يتلبث ولا يتحبس وروى بعضهم هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه و سلم دعا بهذا الدعاء لعلي وفاطمة عليهما السلام وروى ابن الأثير أنـه دعا لامرأة كانت تفرك زوجها فقال اللهم أر بينـهما أي ألف وأثبت الود بينـهما من قولهم الدابة تأري للدابة إذا انضمت إليها وألفت معها معلفا واحدا وآريتها أنا ورواه ابن الأنباري اللهم أر كل واحد منـهما صاحبه أي احبس كل واحد منـهما على صاحبه حتى لا ينصرف قلبه إلى غيره من قولهم تأريت بالمكان إذا احتبست فيه وبه سميت الآخية آريا لأنـها تمنع الدواب عن الانفلات وسمي المعلف آريا مجازا قال والصواب في هذه الرواية أن يقال اللهم أر كل واحد منـهما على صاحبه فإن صحت الرواية بحذف على فيكون كقولهم تعلقت بفلان وتعلقت فلانا ومنـه حديث أبي بكر أنـه دفع إليه سيفا ليقتل بـه رجلا فاستثبته فقال أر أي مكن وثبت يدي من السيف وروي أر مخففة من الرؤية كأنـه يقول أرني بمعنى أعطني الجوهري تأريت بالمكان أقمت بـه وأنشد ببيت أعشى باهلة أيضا لا يتأرى لما في القدر يرقبه وقال في تفسيره أي لا يتحبس على إدراك القدر ليأكل قال أبو زيد يتأرى يتحرى وأنشد ابن بري للحطيئة ولا تأرى لما في القدر يرقبه ولا يقوم بأعلى الفجر ينتطق قال وأريت أيضا وإلى متى أنت مؤر بـه وأريته استرشدني فغششته وأرى النار عظمـها ورفعها وقال أبو حنيفة أراها جعل لها إرة قال وهذا لا يصح إلا أن يكون مقلوبا من وأرت إما مستعملة وإما متوههمة أبو زيد أريت النار تأرية ونميتها تنمية وذكيتها تذكية إذا رفعتها يقال أر نارك والإرة موضع النار وأصله إري والهاء عوض من الياء والجمع إرون مثل عزون قال ابن بري شاهده لكعب أو لزهير يثرن التراب على وجهه كلون الدواجن فوق الإرينا قال وقد تجمع الإرة إرات قال والإرة عند الجوهري محذوفة اللام بدليل جمعها على إرين وكون الفعل محذوف اللام يقال أر لنارك أي اجعل لها إرة قال وقد تأتي الإرة مثل عدة محذوفة الواو تقول وأرت إرة وآذاني أري القدر والنار أي حرهما وأنشد ثعلب إذا الصدور أظهرت أري المئر أي حر العداوة والإرة أيضا شحم السنام قال الراجز وعد كشحم الإرة المسرهد الجوهري أريت النار تأرية أي ذكيتها قال ابن بري هو تصحيف وإنما هو أرثتها واسم ما تلقيه علي الأرثة وأر نارك وأر لنارك أي اجعل لها إرة وهي حفرة تكون في وسط النار يكون فيها معظم الجمر وحكي عن بعضهم أنـه قال أر نارك افتح وسطها ليتسع الموضع للجمر واسم الشيء الذي تلقيه عليها من بعر أو حطب الذكىة قال أبو منصور أحسب أبا زيد جعل أريت النار من وريتها فقلب الواو همزة كما قالوا أكدت اليمين ووكدتها وأرثت النار وورثتها وقالوا من الإرة وهي الحفرة التي توقد فيها النار إرة بينة الإروة وقد أروتها آروها ومن آري الدابة أريت تأرية قال والآري ما حفر له وأدخل في الأرض وهي الآرية والركاسة وفي حديث بلال قال لنا رسول الله صلى الله عليه و سلم أمعكم شيء من الإرة أي القديد وقيل هو أن يغلى اللحم بالخل ويحمل في الأسفار وفي حديث بريدة أنـه أهدى لرسول الله صلى الله عليه و سلم إرة أي لحما مطبوخا في كرش وفي الحديث ذبحت لرسول الله صلى الله عليه و سلم شاة ثم صنعت في الإرة الإرة حفرة توقد فيها النار وقيل هي الحفرة التي حولها الأثافي يقال وأرت إرة وقيل الإرة النار نفسها وأصل الإرة إري بوزن علم والهاء عوض من الياء وفي حديث زيد بن حارثة ذبحنا شاة وصنعناها في الإرة حتى إذا نضجت جعلناها في سفرتنا وأريت عن الشيء مثل وريت عنـه وبئر ذي أروان اسم بئر بفتح الهمزة وفي حديث عبد الرحمن النخعي لو كان رأي الناس مثل رأيك ما أدي الأريان قال ابن الأثير هو الخراج والإتاوة وهو اسم واحد كالشيطان قال الخطابي الأشبه بكلام العرب أن يكون بضم الهمزة والباء المعجمة بواحدة وهو الزيادة عن الحق يقال فيه أربان وعربان قال فإن كانت الياء معجمة باثنتين فهو من التأرية لأنـه شيء قرر على الناس وألزموه

(14/28)

( أزا ) الأزو الضيق عن كراع وأزيت إليه أزيا وأزيا انضممت وآزاني هو ضمني قال رؤبة تغرف من ذي غيث وتوزي وأزى يأزي أزيا وأزيا انقبض واجتمع ورجل متآزي الخلق ومتآزف الخلق إذا تدانى بعضه إلى بعض وأزى الظل أزيا قلص وتقبض ودنا بعضه إلى بعض فهو آز وأنشد ابن بري لعبد الله بن ربعي الأسدي وغلست والظل آز ما زحل وحاضر الماء هجود ومصل وأنشد لكثير المحاربي ونابحة كلفتها العيس بعدما أزى الظل والحرباء موف على جذل
( * قوله « ونابحة » هكذا في الأصل من غير نقط وفي شرح القاموس نائحة بالنون والهمز والمـهملة ولعلها نابخة بالنون والباء والمعجمة وهي الأرض البعيدة وقوله بعد « إذا زاء محلوقا إلى قوله الليث » هو كذلك في الأصل وشرح القاموس )
ابن بزرج أزى الظل يأزو ويأزي ويأزى وأنشد الظل آز والسقاة تنتحي وقال أبو النجم إذا زاء محلوقا أكب برأسه وأبصرته يأزي إلي ويزحل أي ينقبض لك وينضم الليث أزى الشيء بعضه إلى بعض يأزي نحو اكتناز اللحم وما انضم من نحوه قال رؤبة عض السفار فهو آز زيمـه وهو يوم أز إذا كان يغم الأنفاس ويضيقها لشدة الحر قال الباهلي ظل لها يوم من الشعرى أزي نعوذ منـه بزرانيق الركي قال ابن بري يقال يوم آز وأز مثل آسن وأسن أي ضيق قليل الخير قال عمارة هذا الزمان مول خيره آزي وأزى ماله نقص وأزى له أزيا أتاه ليختله الليث أزيت لفلان آزي له أزىا إذا أتيته من وجه مأمنـه لتختله ويقال هو بإزاء فلان أي بحذائه ممدوادن وقد آزيته إذا حاذيته ولا تقل وازيته وقعد إزاءه أي قبالته وآزاه قابله وفي الحديث اختلف من كان قبلنا ثنتين وسبعين فرقة نجا منـها ثلاث وهلك سائرها وفرقة آزت الملوك فقاتلتهم على دين الله أي قاومتهم من آزيته إذا حاذيته يقال فلان إزاء لفلان إذا كان مقاوما له وفي الحديث فرفع يديه حتى آزتا شحمة أذنيه أي حاذتا والإزاء المحاذاة والمقابلة قال ويقال فيه وازتا وفي حديث صلاة الخوف فوازينا العدو أي قابلناهم وأنكر الجوهري أن يقال وازينا وتآزى القوم دنا بعضهم إلى بعض قال اللحياني هو في الجلوس خاصة وأنشد لما تآزينا إلى دفء الكنف وأنشد ابن بري لشاعر وإن أزى ماله لم يأز نائله وإن أصاب غنى لم يلف غضبانا
( * قوله « وإن أزى ماله إلخ » كذا وقع هذا البيت هنا في الأصل ومحله كما صنع شارح القاموس بعد قوله فيما تقدم وأزى ماله نقص فلعله هنا مؤخر من تقديم )
والثوب يأزي إذا غسل والشمس أزيا دنت للمغيب والإزاء سبب العيش وقيل هو ما سبب من رغده وفضله وإنـه لإزاء مال إذا كان يحسن رعيته ويقوم عليه قال الشاعر ولكني جعلت إزاء مال فأمنع بعد ذلك أو أنيل قال ابن جني هو فعال من أزى الشيء يأزي إذا تقبض واجتمع فكذلك هذا الراعي يشح عليها ويمنع من تسربها وكذلك الأنثى بغير هاء قال حميد يصف امرأة تقوم بمعاشـها إزاء معاش لا يزال نطاقها شديدا وفيها سورة وهي قاعد وهذا البيت في المحكم إزاء معاش ما تحل إزارها من الكيس فيها سورة وهي قاعد وفلان إزاء فلان إذا كان قرنا له يقاومـه وإزاء الحرب مقيمـها قال زهير يمدح قوما تجدهم على ما خيلت هم إزاءها وإن أفسد المال الجماعات والأزل أي تجدهم الذين يقومون بها وكل من جعل قيما بأمر فهو إزاؤه ومنـه قول ابن الخطيم ثأرت عديا والخطيم فلم أضع وصية أقوام جعلت إزاءها أي جعلت القيم بها وإنـه لإزاء خير وشر أي صاحبه وهم إزاء لقومـهم أي يصلحون أمرهم قال الكميت لقد علم الشعب أنا لهم إزاء وأنا لهم معقل قال ابن بري البيت لعبد الله بن سليم وبنو فلان إزاء بني فلان أي أقرانـهم وآزى على صنيعه إيزاء أفضل وأضعف عليه قال رؤبة تغرف من ذي غيث وتوزي قال ابن سيده هكذا روي وتوزي بالتخفيف على أن هذا الشعر كله غير مردف أي تفضل عليه والإزاء مصب الماء في الحوض وأنشد الأصمعي ما بين صنبور إلى إزاء وقيل هو جمع ما بين الحوض إلى مـهوى الركية من الطي وقيل هو حجر أو جلة أو جلد يوضع عليه وأزيته تأزيا
( * قوله « وأزيته تأزيا إلخ » هكذا في الأصل وعبارة القاموس وشرحه تأزى الحوض جعل له إزاء كأزاه تأزية عن الجوهري وهو نادر ) وتأزية الأخيرة نادرة وآزيته جعلت له إزاء قال أبو زيد آزيت الحوض إيزاء على أفعلت وأزيت الحوض تأزية وتوزيئا جعلت له إزاء وهو أن يوضع على فمـه حجر أو جلة أو نحو ذلك قال أبو زيد هو صخرة أو ما جعلت وقاية على مصب الماء حين يفرغ الماء قال امرؤ القيس فرماها في مرابضها بإزاء الحوض أو عقره
( * قوله « مرابضها » كذا في الأصل والذي في ديوان امرئ القيس وتقدم في ترجمة عقر فرائصها )
وآزاه صب الماء من إزائه وآزى فيه صب على إزائه وآزاه أيضا أصلح إزاءه عن ابن الأعرابي وأنشد يعجز عن إيزائه ومدره مدره إصلاحه بالمدر وناقة آزية وأزية على فعلة كلاهما على النسب تشرب من الإزاء ابن الأعرابي يقال للناقة التي لا ترد النضيح حتى يخلو لها الأزية والآزية على فاعلة والأزية على فعلة
( * قوله « والازية على فعله » كذا في الأصل مضبوطا والذي نقله صاحب التكملة عن ابن الأعرابي آزية وأزية بالمد والقصر فقط ) والقذور ويقال للناقة إذا لم تشرب إلا من الإزاء أزية وإذا لم تشرب إلا من العقر عقرة ويقال للقيم بالأمر هو إزاؤه وأنشد ابن بري يا جفنة كإزاء الحوض قد كفؤوا ومنطقا مثل وشي اليمنة الحبره وقال خفاف بن ندبة كأن محافين السباع حفاضه لتعريسها جنب الإزاء الممزق
( * قوله « كأن محافين السباع حفاضه » كذا في الأصل محافين بالنون وفي شرح القاموس محافير بالراء ولفظ حفاضه غير مضبوط في الأصل وهكذا هو في شرح القاموس ولعله حفافه أو نحو ذلك )
معرس ركب قافلين بصرة صراد إذا ما نارهم لم تخرق وفي قصة موسى على نبينا وE أنـه وقف بإزاء الحوض وهو مصب الدلو وعقره مؤخره وأما قول الشاعر في صفة الحوض إزاؤه كالظربان الموفي فإنما عنى بـه القيم قال ابن بري قال ابن قتيبة حدثني أبو العميثل الأعرابي وقد روى عنـه الأصمعي قال سألني الأصمعي عن قول الراجز في وصف ماء إزاؤه كالظربان الموفي فقال كيف يشبه مصب الماء بالظربان ؟ فقلت له ما عندك فيه ؟ فقال لي إنما أراد المستقي من قولك فلان إزاء مال إذا قام بـه ووليه وشبهه بالظربان لدفر رائحته وعرقه وبالظربان يضرب المثل في النتن وأزوت الرجل وآزيته فهو مأزو ومؤزى أي جهدته فهو مجهود قال الطرماح وقد بات يأزوه ندى وصقيع أي يجهده ويشئزه أبو عمرو تأزى القدح إذا أصاب الرمية فاهتز فيها وتأزى فلان عن فلان إذا هابه وروى ابن السكيت قال قال أبو حازم العكلي جاء رجل إلى حلقة يونس فأنشدنا هذه القصيدة فاستحسنـها أصحابه وهي أزي مستهنئ في البديء فيرمأ فيه ولا يبذؤه وعندي زؤازية وأبة تزأزئ بالدات ما تهجؤه
( * قوله « بالدات » كذا بالأصل بالتاء المثناة بدون همز ولعلها بالدأث بالمثلثة مـهموزا )
قال أزي جعل في مكان صلح والمستهنئ المستعطي أراد أن الذي جاء يطلب خيري أجعله في البديء أي في أول من يجيء فيرمأ يقيم فيه ولا يبذؤه أي لا يكرهه وزؤازية قدر ضخمة وكذلك الوأبة تزأزئ أي تضم والدات اللحم والودك ما تهجؤه أي ما تأكله

(14/28)

( أسا ) الأسا مفتوح مقصور المداواة والعلاج وهو الحزن أيضا وأسا الجرح أسوا وأسا داواه والأسو والإساء جميعا الدواء والجمع آسية قال الحطيئة في الإساء بمعنى الدواء هم الآسون أم الرأس لما تواكلها الأطبة والإساء والإساء ممدود مكسور الدواء بعينـه وإن شئت كان جمعا للآسي وهو المعالج كما تقول راع ورعاء قال ابن بري قال علي بن حمزة الإساء في بيت الحطيئة لا يكون إلا الدواء لا غير ابن السكيت جاء فلان يلتمس لجراحه أسوا يعني دواء يأسو بـه جرحه والأسو المصدر والأسو على فعول دواء تأسو بـه الجرح وقد أسوت الجرح آسوه أسوا أي داويته فهو مأسو وأسي أيضا على فعيل ويقال هذا الأمر لا يؤسى كلمـه وأهل البادية يسمون الخاتنة آسية كناية وفي حديث قيلة استرجع وقال رب أسني لما أمضيت وأعني على ما أبقيت أسني بضم الهمزة وسكون العين أي عوضني والأوس العوض ويروى آسني فمعناه عزني وصبرني وأما قول الأعشى عنده البر والتقى وأسا الشق ق وحمل لمضلع الأثقال أراد وعنده أسو الشق فجعل الواو ألفا مقصورة قال ومثل الأسو والأسا اللغو واللغا وهو الشيء الخسيس والآسي الطبيب والجمع أساة وإساء قال كراع ليس في الكلام ما يعتقب عليه فعلة وفعال إلا هذا وقولهم رعاة ورعاء في جمع راع والأسي المأسو قال أبو ذؤيب وصب عليها الطيب حتى كأنـها أسي على أم الدماغ حجيج وحجيج من قولهم حجة الطبيب فهو محجوج وحجيج إذا سبر شجته قال ابن بري ومثله قول الآخر
( * قوله « ومثله قول الآخر » أورد في المغني هذا البيت بلفظ أسي إنني من ذاك إنـه وقال الدسوقي أسيت حزنت وأسي حزين وإنـه بمعنى نعم والهاء للسكت أو إن الناسخة والخبر محذوف )
وقائلة أسيت فقلت جير أسي إنني من ذاك إني وأسا بينـهم أسوا أصلح ويقال أسوت الجرح فأنا آسوه أسوا إذا داويته وأصلحته وقال المؤرج كان جزء بن الحرث من حكماء العرب وكان يقال له المؤسي لأنـه كان يؤسي بين الناس أي يصلح بينـهم ويعدل وأسيت عليه أسى حزنت وأسي على مصيبته بالكسر يأسى أس مقصور إذا حزن ورجل آس وأسيان حزين ورجل أسوان حزين وأتبعوه فقالوا أسوان أتوان وأنشد الأصمعي لرجل من الهذليين ماذا هنالك من أسوان مكتئب وساهف ثمل في صعدة حطم وقال آخر أسوان أنت لأن الحي موعدهم أسوان كل عذاب دون عيذاب وفي حديث أبي بن كعب والله ما عليهم آسى ولكن آسى على من أضلوا الأسى مفتوحا مقصورا الحزن وهو آس وامرأة آسية وأسيا والجمع أسيانون وأسيانات
( * قوله « وأسيانات » كذا في الأصل وهو جمع اسيانة ولم يذكره وقد ذكره في القاموس ) وأسييات وأسايا وأسيت لفلان أي حزنت له وسآني الشيء حزنني حكاه يعقوب في المقلوب وأنشد بيت الحرث ابن خالد المخزومي مر الحمول فما سأونك نقرة ولقد أراك تساء بالأظعان والأسوة والإسوة القدوة ويقال ائتس بـه أي اقتد بـه وكن مثله الليث فلان يأتسي بفلان أي يرضى لنفسه ما رضيه ويقتدي بـه وكان في مثل حاله والقوم أسوة في هذا الأمر أي حالهم فيه واحدة والتأسي في الأمور الأسوة وكذلك المؤاساة والتأسية التعزية أسيته تأسية أي عزيته وأساه فتأسى عزاه فتعزى وتأسى بـه أي تعزى بـه وقال الهروي تأسى بـه اتبع فعله واقتدى بـه ويقال أسوت فلانا بفلان إذا جعلته أسوته ومنـه قول عمر رضي الله عنـه لأبي موسى آس بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك أي سو بينـهم واجعل كل واحد منـهم إسوة خصمـه وتآسوا أي آسى بعضهم بعضا قال الشاعر وإن الألى بالطف من آل هاشم تأسوا فسنوا للكرام التآسيا قال ابن بري وهذا البيت تمثل بـه مصعب يوم قتل وتآسوا فيه من المؤاساة كما ذكر الجوهري لا من التأسي كما ذكر المبرد فقال تآسوا بمعنى تأسوا وتأسوا بمعنى تعزوا ولي في فلان أسوة وإسوة أي قدوة وقد تكرر ذكر الأسوة والإسوة والمواساة في الحديث وهو بكسر الهمزة وضمـها القدوة والمواساة المشاركة والمساهمة في المعاش والرزق وأصلها الهمزة فقلبت واوا تخفيفا وفي حديث الحديبية إن المشركين واسونا للصلح جاء على التخفيف وعلى الأصل جاء الحديث الآخر ما أحد عندي أعظم يدا من أبي بكر آساني بنفسه وماله وفي حديث علي عليه السلام آس بينـهم في اللحظة والنظرة وآسيت فلانا بمصيبته إذا عزيته وذلك إذا ضربت له الأسا وهو أن تقول له مالك تحزن وفلان إسوتك أي أصابه ما أصابك فصبر فتأس بـه وواحد الأسا والإسا أسوة وإسوة وهو إسوتك أي أنت مثله وهو مثلك وأتسى بـه جعله أسوة وفي المثل لا تأتس بمن ليس لك بأسوة وأسويته جعلت له أسوة عن ابن الأعرابي فإن كان أسويت من الأسوة كما زعم فوزنـه فعليت كدربيت وجعبيت وآساه بماله أناله منـه وجعله فيه أسوة وقيل لا يكون ذلك منـه إلا من كفاف فإن كان من فضلة فليس بمؤاساة قال أبو بكر في قولهم ما يؤاسي فلان فلانا فيه ثلاثة أقوال قال المفضل بن محمد معناه ما يشارك فلان فلانا والمؤاساة المشاركة وأنشد فإن يك عبد الله آسى ابن أمـه وآب بأسلاب الكمي المغاور وقال المؤرج ما يؤاسيه ما يصيبه بخير من قول العرب آس فلانا بخير أي أصبه وقيل ما يؤاسيه من مودته ولا قرابته شيئا مأخوذ من الأوس وهو العوض قال وكان في الأصل ما يؤاوسه فقدموا السين وهي لام الفعل وأخروا الواو وهي عين الفعل فصار يؤاسوه فصارت الواو ياء لتحركها وإنكسار ما قبلها وهذا من المقلوب قال ويجوز أن يكون غير مقلوب فيكون يفاعل من أسوت الجرح وروى المنذري عن أبي طالب أنـه قال في المؤاساة واشتقاقها إن فيها قولين أحدهما أنـها من آسى يؤاسي من الأسوة وهي القدوة وقيل إنـها من أساه يأسوه إذا عالجه وداواه وقيل إنـها من آس يؤوس إذا عاض فأخر الهمزة ولينـهاولكل مقال ويقال هو يؤاسي في ماله أي يساوي ويقال رحم الله رجلا أعطى من فضل وآسى من كفاف من هذا الجوهري آسيته بمالي مؤاساة أي جعلته أسوتي فيه وواسيته لغة ضعيفة والأسوة والإسوة بالضم والكسر لغتان وهو ما يأتسي بـه الحزين أي يتعزى بـه وجمعها أسا وإسا وأنشد ابن بري لحريث بن زيد الخيل ولولا الأسى ما عشت في الناس ساعة ولكن إذا ما شئت جاوبني مثلي ثم سمي الصبر أسا وأتسى بـه أي اقتدى بـه ويقال لا تأتس بمن ليس لك بأسوة أي لا تقتد بمن ليس لك بقدوة والآسية البناء المحكم والآسية الدعامة والسارية والجمع الأواسي قال النابغة فإن تك قد ودعت غير مذمم أواسي ملك أثبتتها الأوائل قال ابن بري وقد تشدد أواسي للأساطين فيكون جمعا لآسي ووزنـه فاعول مثل آري وأواري قال الشاعر فشيد آسيا فيا حسن ما عمر قال ولا يجوز أن يكون آسي فاعيلا لأنـه لم يأت منـه غير آمين وفي حديث ابن مسعود يوشك أن ترمي الأرض بأفلاذ كبدها أمثال الأواسي هي السواري والأساطين وقيل هي الأصل واحدتها آسية لأنـها تصلح السقف وتقيمـه من أسوت بين القوم إذا أصلحت وفي حديث عابد بني إسرائيل أنـه أوثق نفسه إلى آسية من أواسي المسجد وأسيت له من اللحم خاصة أسيا أبقيت له والآسية بوزن فاعلة ما أسس من بنيان فأحكم أصله من سارية وغيرها والآسية بقية الدار وخرثي المتاع وقال أبو زيد الآسي خرثي الدار وآثارها من نحو قطعة القصعة والرماد والبعر قال الراجز هل تعرف الأطلال بالحوي
( * قوله « بالحوي » هكذا في الأصل من غير ضبط ولا نقط لما قبل الواو وفي معجم ياقوت مواضع بالمعجمة والمـهملة والجيم )
لم يبق من آسيها العامي غير رماد الدار والأثفي وقالوا كلوا فلم نؤس لكم مشدد أي لم نتعمدكم بهذا الطعام وحكى بعضهم فلم يؤس أي لم تتعمدوا بـه وآسية امرأة فرعون والآسي ماء بعينـه قال الراعي ألم يترك نساء بني زهير على الآسي يحلقن القرونا ؟

(14/34)

( أشي ) أشى الكلام أشيا اختلقه وأشي إليه أشىا اضطر والأشاء بالفتح والمد صغار النخل وقيل النخل عامة واحدته أشاءة والهمزة فيه منقلبة من الياء لأن تصغيرها أشي وذهب بعضهم إلى أنـه من باب أجأ وهو مذهب سيبويه وفي الحديث أنـه انطلق إلى البراز فقال لرجل كان معه ائت هاتين الأشاءتين فقل لهما حتى تجتمعا فاجتمعتا فقضى حاجته هو من ذلك ووادي الأشاءين
( * قوله « ووادي الاشاءين » هكذا ضبط في الأصل بلفظ التثنية وتقدم في ترجمة أشر أشائن وهو الذي في القاموس في ترجمة أشا والذي سبق في ترجمة زهف أشائين بزنة الجمع ) موضع وأنشد ابن الأعرابي لتجر المنية بعد امرئ بوادي أشاءين أذلالها ووادي أشي وأشي موضع قال زياد بن حمد ويقال زياد بن منقد يا حبذا حين تمسي الريح باردة وادي أشي وفتيان بـه هضم ويقال لها أيضا الأشاءة قال أيضا فيها يا ليت شعري عن جنبي مكشحة وحيث يبنى من الحناءة الأطم عن الأشاءة هل زالت مخارمـها ؟ وهل تغير من آرامـها إرم ؟ وجنة ما يذم الدهر حاضرها جبارها بالندى والحمل محتزم وأورد الجوهري هذه الأبيات مستشـهدا بها على أن تصغير أشاء أشي ثم قال ولو كانت الهمزة أصلية لقال أشيء وهو واد باليمامة فيه نخيل قال ابن بري لام أشاءة عند سيبويه همزة قال أما أشي في هذا البيت فليس فيه دليل على أنـه تصغير أشاء لأنـه اسم موضع وقد ائتشى العظم إذا برأ من كسر كان بـه هكذا أقرأه أبو سعيد في المصنف وقال ابن السكيت هذا قول الأصمعي وروى أبو عمرو والفراء انتشى العظم بالنون وإشاء جبل قال الراعي وساق النعاج الخنس بيني وبينـها برعن إشاء كل ذي جدد قهد

(14/37)

 

. تادو ت . تادو ت ، تادو ت




[الموسوعة الشاملة - لسان العرب تادو ت]

نویسنده و منبع | تاریخ انتشار: Thu, 23 Aug 2018 07:50:00 +0000



عرزا

الموسوعة الشاملة - جمـهرة اللغة

الموسوعة الشاملة - جمـهرة اللغة

صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

 


الكتاب : عرزا جمـهرة اللغة
المؤلف : ابن دريد
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

ذ - ر - ي
ذري رأس الرجل، عرزا إذا صار في شعره بياض، يذرى ذريا، وأصله الهمز؛ يقال: ذرئ يذرأ رأسه ذرءا. عرزا قال الراجز:
وقد علتني ذرأة بادي بدي
ورثية تنـهض في تشددي
وكبش أذرى، إذا خالط سواد صوفه بياض، وقد همزه قوم فقالوا: كبش أذرأ ونعجة ذرآء. عرزا وملح ذرآني: شديد البياض، يهمز ولا يهمز. وذئر الرجل، إذا ساء خلقه. وفي الحديث: " فذئر النساء على أزواجهن " ؛ ومنـه اشتقاق ناقة مذائر، تزبن فصيلها تدفعه ولا ترأمـه. قال بشر بن أبي خازم:
ولقد أتاني عن تميم أنـهم ... ذئروا لقتلى عامر وتغضبوا
والذئار: بعر يشد على أخلاف الناقة لئلا يرضعها الفصيل. قال عمر بن لجأ:
ترى الإفال في الذئار المحكم
وللذال والراء والياء مواضع في الاعتلال تراها إن شاء الله.
باب الذال والزاي
أهملتا
مع ما بعدهما من الحروف.
باب الذال والسين
أهملتا
مع ما بعدهما من الحروف.
باب الذال والشين
أهملت إلا في أحرف منـها: شمذت الناقة بذنبها، إذا أشالته عند اللقاح، الواحد شامذ وشماذ. قال الشاعر:
شامذا تتقي المبس عن المر ... ية كرها بالصرف ذي الطلاء
الصرف: الدم الخالص؛ والطلاء: الدم الشديد الحمرة أيضا. والشعوذة زعم الخليل أنـها عربية، ولا أدري ما صحتها.
باب الذال والصاد
أهملتا مع ما بعدهما من الحروف.
باب الذال والضاد
أهملتا مع ما بعدهما من الحروف.
باب الذال والطاء
مع ما بعدهما من الحروف
ذ - ط - ظ
أهملت.
ذ - ط - ع
ذعطه يذعطه ذعطا، إذا قتله قتلا وحيا، أي سريعا. قال الشاعر:
إذا وردوا مصرهم عوجلوا ... من الموت بالهميغ الذاعط
قال أبو بكر: كان الخليل يقول الهميع بالعين غير معجمة، وذكر أن الهاء والغين المعجمة والميم لم تجتمع في كلمة، وخالفه جميع أصحابنا. قال أبو حاتم: أحسب أن الهميغ مقلوب الميم من باء من قولهم: هبغ الرجل هبوغا، إذا سبت للنوم، فكأنـها هبيغ فقلبت ميما لقربها منـها.
ذ - ط - غ
أهملت وكذلك حالهما مع الفاء.
ذ - ط - ق
ذقط الطائر، إذا سفد.
ذ - ط - ك
أهملت وكذلك حالهما مع سائر الحروف.
باب الذال والظاء
أهملتا مع ما بعدهما من الحروف.
باب الذال والعين
مع ما بعدهما من الحروف
ذ - ع - غ
أهملت.
ذ - ع - ف
الذعف والذعاف: السم. وأذعف الرجل الرجل، إذا قتله قتلا سريعا. والعذف فعل ممات؛ يقال منـه: ما له عذوف يوم، أي قوت يوم؛ وما أكلت عذوفا، أي ما أكلت شيئا. والعذوف والعزوف واحد؛ يقال: عذفت نفسي وعزفت عن كذا وكذا.
ذ - ع - ق
الذعق: لغة في الزعق؛ ذعقه وزعقه، إذا صاح بـه وأفزعه. وماء ذعاق وزعاق بمعنى. والعذق؛ بفتح العين: النخلة. والعذق، بكسرها: الكباسة. وعذقت الكبش وأعذقته عذقا وإعذاقا، إذا علمت على ظهره بصوفة من غير لونـه أو حمرة، والكبش معذق ومعذوق. وأعذقت فلانا بشر، إذا ألزمته إياه. والعذق: موضع. قال رؤبة:
للعد إذ أخلفها ماء الطر
بين القريتين وخبراء العذق
والقذع: الكلام القبيح؛ قذعت الرجل وأقذعته، إذا أسمعته كلاما قبيحا، وأقذعت له - وأقذعته أعلى - وقذعته.
ذ - ع - ك
أهملت.
ذ - ع - ل
عذلت الرجل عذلا وعذلا، إذا لمته. ومعتذلات سهيل: أيام شديدة الحر باردة الليل، وقد مضى شرحها في أول الكتاب. والعاذل: العرق الذي يخرج منـه دم الحيض، وربما سمي عاذرا. ولذعته النار لذعا، إذا لفحته؛ وكذلك لذع الحب قلبه، إذا آلمـه.
ذ - ع - م
العذم: العض؛ عذمـه يعذمـه عذما، إذا عضه، والعذام: شجرة من شجر الحمض. ورجل مذاع، إذا كان لا يكتم سرا.
ذ - ع - ن
أذعن الرجل يذعن إذعانا فهو مذعن، إذا انقاد قسرا. وناقة مذعان: منقادة لا تنازع.
ذ - ع - و

(1/377)

عذت بالشيء أعوذ عوذا وعياذا، إذا لجأت إليه. وقد سمت العرب عوذا وعياذا ومعوذا ومعاذا وعائذة، وكل هذا اشتقاقه من العوذ. وقال عبد الرحمن عن الأصمعي قال: تقول العرب: أطيب اللحم عوذه، أي ما عاذ بالعظم منـه. وبنو عوذى: بطن من العرب من قضاعة. قال الشاعر:
ساق الرفيدات من عوذى ومن عمم ... والسبي من رهط ربعي وحجار
وبنو عوذ من الأزد. وبنو عائذة من بني ضبة. ويقال: عوذ فلان فلانا، إذا رقاه كأنـه ألجأه الى الرقية التي يعوذ بها من الشر ومما يخاف. وناقة عائذ، أي يعوذ بها ولدها، فجعلها عائذا وهي معوذ بها، أي يطيف بها، وهذا مقلوب. وعائذة قريش: ناقلة في بني شيبان.
ذ - ع - ه
أهملت.
ذ - ع - ي
ذاع الحديث يذيع ذيعا وذيعانا، إذا فشا؛ ومنـه قولهم: رجل مذياع، إذا كان لا يكتم شيئا، وكذلك مذياع، إذا كان مبذرا.
باب الذال والغين
مع ما بعدهما من الحروف
ذ - غ - ف
الغذوف والعذوف واحد، وهو ما يتقوته الإنسان أو الدابة.
ذ - غ - ق
أهملت وكذلك حالهما مع الكاف واللام إلا في قولهم: رجل أذلغ وأذلغي، إذا كان قصيرا غليظ الشفتين. وبنو الأذلغ: بطن من العرب.
ذ - غ - م
الغذم من قولهم: ما سمعت له غذمة، أي ما سمعت له كلمة. والغذمة مثل الغثمة، وهي غبرة فيها كدرة. ويقال: تغذم البعير بالزبد، إذا تلمظ بـه وألقاه من فيه. ويقال: ألق في غذيمة فلان ما شئت، أي في رحب صدره. وقال يونس: الغذام ضرب من النبت.
ذ - غ - ن
أهملت. قال أبو حاتم: الغانذ والعانذ: الحلق ومخرج الصوت.
ذ - غ - و
الغذو: مصدر غذاه يغذوه غذوا، والاسم الغذاء.
ذ - غ - ه
أهملت.
ذ - غ - ي
مواضعها كثيرة في الاعتلال تراها إن شاء الله تعالى.
باب الذال والفاء
مع ما بعدهما من الحروف
ذ - ف - ق
منزل قذف وقذيب، أي بعيد. وقذفت الشيء من يدي قذفا، إذا ألقيته. وأقذاف الجبل: نواحيه، الواحد قذف، والأقذاف أيضا: أطراف الجبل. وقذف الرجل، إذا قاء. وكل شيء رميت بـه من يدك فقد قذفته قذفا. وروض القذاف: موضع. وقذف الرجل الرجل، إذا شتمـه. والقاذف: الرامي؛ والقذيفة: الرمية؛ يقال: هذه قذيفة فلان للشيء الذي يلقيه. قال الشاعر:
قذيفة شيطان رجيم رمى بها ... فصارت ضواة في لهازم ضرزم
الضواة: السلعة؛ والضرزم: الناقة المسنة.
ذ - ف - ك
أهملت.
ذ - ف - ل
الذفل، قالوا: القطران، وقال قوم: بل هو الدفل، بالدال غير معجمة، ولا أدري ما صحته. والذلف: صغر الأنف؛ رجل أذلف وامرأة ذلفاء من قوم ذلف. قال أبو النجم:
للشم عندي بهجة ومزية ... وأحب بعض ملاحة الذلفاء
يريد أن الملاح أكثرهن ذلف. قال أبو بكر: إذا كان الأنف صغيرا في دقة قيل: أنف أذلف. وفي حديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " إنكم لتقاتلن قوما يعالهم الشعر صغار العيون ذلف الأنوف كأن وجوههم المجان المطرقة " ، يعني التراس التي قد طورق بعضها على بعض. والفلذ: قطعة من الكبد أو اللحم المشتوى. قال أعشى باهلة:
تكفيه حزة فلذ إن ألم بها ... من الشواء ويروي شربه الغمر
ويروى: فلذة كبد؛ والغمر: القدح الصغير، وهو مأخوذ من قولهم: تغمرت، إذا شربت دون الري. وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر: " هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها " ، يعني رجال قريش. وفلذت له فلذا وفلذة من مالي، إذا أعطيته قطعة منـه.
ذ - ف - م
أهملت.
ذ - ف - ن
نفذ الشيء ينفذ نفوذا ونفاذا من قولهم: نفذ أمره. ورجل ذو نفاذ: بصير بالأمور ولاج فيها.
ذ - ف - و
وذف الإناء يذف وذفا، إذا قطر أو سال من جوانبه، ويقال: ودف، بالدال غير معجمة وهو أعلى. وقالوا: الوذفة: الروضة؛ وقال قوم: الوذفة: روضة بعينـها، وليس كل روضة وذفة. ووذفة: موضع بلا ألف ولام.
ذ - ف - ه
أهملت.
ذ - ف - ي

(1/378)

الذيفان: السم، وربما قالوا: الذيفان، بفتح الياء والذال، وربما قالوا الذوفان، وكله السم.
باب الذال والقاف
مع ما بعدهما من الحروف
ذ - ق - ك
أهملت.
ذ - ق - ل
ذلق كل شيء: حده. قال امرؤ القيس:
فكاب على حر الجبين ومتق ... بمدراته كأنـها ذلق مشعب
ويروى: بمذرية، والمذرية: المحددة، وإنما أراد قرن هذا الثور، ويروى: بمذروية. والمشعب: المخرز. ولسان ذلق طلق، وذليق طليق، وذلق طلق. والحروف الذلق: حروف طرف اللسان، وقد مر شرحها في أول الكتاب. وأذلقت الضب، إذا صببت في جحره الماء حتى يخرج. والقذل: أصل بناء القذال، وللإنسان قذالان، وهما ما اكتنف فأس القفا من عن يمين وشمال. وقذلت الرجل، إذا ضربت قذاله. وقذل الحجام الرجل، إذا حجم قذاله، وربما سمي الحجام فاذلا لأنـه يشرط ما تحت القذال.
ذ - ق - م
الذقم والقذم واحد، وهو الأخذ الكثير مثل القثم سواء؛ يقال: قذم له قذمة من ماله، أي أعطاه شيئا كثيرا. ورجل قذم: كثير الأخذ لما وجد. والمذق: خلطك الشيء بالشيء، وأصله مزج اللبن؛ يقال: مذقت اللبن بالماء أمذقه مذقا، فهو مذيق وممذوق، وكثر ذلك حتى قالوا: مذق له المودة، إذا لم يصفها له. والمذقة: الشربة من اللبن المذيق.
ذ - ق - ن
الذقن: مجتمع صبيي اللحيين، والجمع أذقان. وناقة ذقون، وهي التي يرجف ذقنـها في سيرها. وتقول العرب " لألصقن حواقنـه بذواقنـه " ، أي أعلاه بأسفله، فاختلفوا في الحواقن فقال قوم: الحواقن ما تحت السرة مما يلي العانة؛ وقال آخرون: الحواقن التراقي من الإنسان؛ وقال غيرهم: الحاقنتان القلتان تحت الترقوتين من عن يمين وشمال؛ وقال قوم: الذواقن ما حول الذقن؛ وقال آخرون: الذواقن ما انحط عن الترقوتين عن يمين وشمال. وذقان: جبل معروف. والنقذ: مصدر نقذ ينقذ نقذا، وقالوا ينقذ بكسر القاف، إذا نجا؛ وأنقذته أنا إنقاذا، إذا أنجيته. وكل شيء استرجعته من عدوك من بعير أو فرس فهو نقيذ، والجمع نقائذ. ونقذة، زعموا: موضع معروف.
ذ - ق - و
الذوق: مصدر ذقت الشيء أذوقه ذوقا، فهو مذوق وأنا ذائق. ويقال: ما ذقت ذواقا، أي ما تطعمت شيئا، وكثر ذلك حتى قالوا: فلان حسن الذوق للشعر، إذا كان مطبوعا عليه. والوقذ: مصدر وقذه وقذا، إذا آلمـه ضربا، فهو وقيذ وموقوذ.
ذ - ق - ه
القذة: قذة السهم، قد مر تفسيرها في الثنائي.
ذ - ق - ي
مواضعها في الاعتلال كثيرة.
باب الذال والكاف
مع ما بعدهما من الحروف
ذ - ك - ل
أهملت وكذلك حالهما مع الميم والنون.
ذ - ك - و
الذكوة والذكا، مقصور: الجمرة المتلظية، والجمع الذكو، واشتقاقه من ذكا النار وذكوها، وذكا النار مقصور، وذكاء السن ممدود، ومنـه اشتقاق اسم ذكوان. وأنشد في ذكا النار، مقصور:
وعارضها يوم كأن أواره ... ذكا النار من فيح الفروغ طويل
وذكا، ممدود غير مصروف: اسم للشمس. وابن ذكاء: الصبح. وذكوان: اسم، الألف والنون فيه زائدتان. وفرس مذك، وهو إذا تم سنـه. قال الراجز:
جربة كحمر الأبك
لا ضرع فيها ولا مذكي
ذ - ك - ه
أهملت وكذلك حالهما مع الياء.
باب الذال واللام
مع ما بعدهما من الحروف
ذ - ل - م
لذم بالمكان وألذم به، إذا أقام به. وألذم فلان بفلان، إذا لم يفارقه. ورجل لذمة: لا يفارق البيت. وكلام للأعراب أن الأرنب قالت: اللهم اجعلني حذمة لذمة، أي سريعة العدو لازمة لموضعها لا تفارقه. وذملت الناقة ذميلا وذملانا، وهو ضرب من السير أعلى من العنق؛ وناقة ذمول. وقد سمت العرب ذاملا وذميلا. والمذل: الاسترخاء عن فترة؛ أصبح فلان مذلا ومذيلا. قال الراعي:
ما بال دفك في الفراس مذيلا ... أقذى بعينك أم أردت رحيلا

(1/379)

والحديد الذي يسمى بالفارسية النرم آهن يسمى المذيل. والمذل: الذي يجود بماله سخاء. قال الشاعر:
ولقد أروح الى التجار مرجلا ... مذلا بمالي لينا أجيادي
والمذل: الذي لا يكتم سره. والملذ: السرعة في الذهاب والمجيء. وذئب ملاذ، إذا كان سريعا، والمصدر الملذان. ورجل ملاذ: كذاب.
ذ - ل - ن
رجل نذل بين النذالة والنذولة؛ وهو رجل نذل ونذيل، إذا كان خسيسا. قال الشاعر:
منيبا وقد أمسى يقدر وردها ... أقيدر محموز القطاع نذيل
ويروى: محموز الفؤاد؛ أقيدر: تصغير أقدر، وهو القصير العنق، يعني صائدا؛ ومحموز، أي حاد، من قولهم: حميز الفؤاد، أي حاده، وبه سمي الرجل حمزة؛ والحمز: الشدة؛ والقطاع: جمع قطع، وهو نصل قصير عريض.
ذ - ل - و
لاذ بالشيء يلوذ لوذا ولواذا ولواذا، إذا أطاف به، وألاذ يليذ إلاذة، ولاوذ يلاوذ ملاوذة ولواذا. ولوذ الوادي: منقطعه، وكذلك لوذ الجبل، والجمع ألواذ. والوذل فعل ممات، ومنـه الوذيلة، وهي السبيكة من الفضة خاصة، وقال قوم: بل من الفضة والذهب. قال أبو كبير الهذلي:
وبياض وجه لم تحل أسراره ... مثل الوذيلة أو كشنف الأنضر
الأنضر والنضار: الذهب، فكأنـه أراد الذهب بعينـه إذا فتح. والوذيلة: القطعة المستطيلة من سديف السنام. قال الراجز:
هل في دجوب الحرة المخيط
وذيلة تشفي من الأطيط الذجوب هاهنا: وعاء شبيه بالغرارة؛ والوذيلة هاهنا: قطعة من السنام مستطيلة؛ والأطيط هاهنا: أن تئط الأمعاء من الجوع؛ وجمع وذيلة وذائل. والولذ: مصدر ولذ يلذ ولذا، وهو والذ وولاذ، وهي سرعة في المشي والحركة؛ رجل ولاذ وملاذ، والمعنيان متقاربان.
ذ - ل - ه
ذهل عن الشيء يذهل ذهلا، وذهل أيضا يذهل، إذا سلا عنـه ونسيه، فهو ذاهل. ويمكن أن يكون منـه اشتقاق ذهل، وقال قوم: بل اشتقاق ذهل من قولهم: مر ذهل من الليل وذهل من الليل، أي قطعة عظيمة نحو الثلث أو النصف، ولم يجئ بـه غير أبي مالك، وما أدري ما صحته. وقد سمت العرب ذهلا وذهيلا وذهلان وذاهلا، وهو أبو قبيلة من العرب. والذهلان: حيان بن ربيعة. والذاهل عن الشيء: السالي عنـه الناسي له. والهذل: الاضطراب، وقد أميت هذا الفعل، وأصله: هذل يهذل هذلا وهذلانا، ومنـه اشتقاق هذيل وهو اسم أبي قبيلة من العرب. والهوذلة: الاضطراب، الواو زائدة، ومن هذا أصله. قال الراجز:
إذ لا يزال قائل أبن أبن
هوذلة المشآة عن ضرس اللبن
الشعر لابن ميادة، قال: كان يحفر فأضجره قولهم أبن؛ المشآة؛ زبيل من أدم ينقل بـه الطين من الآبار إذا حفرت؛ واللبن أراد بـه الحجارة التي تطوى بها البئر فسماها لبنا تشبيها باللبن الذي يبنى به؛ والضرس: التضريس. ويقال: هوذل الرجل ببوله، إذا أخرجه يهتز.
ذ - ل - ي
الذيل: ذيل القميص، والجمع أذيال وذيول، ثم كثر ذلك حتى قالوا: ذيل الريح، يعنون غبارها الذي تسحبه على وجه الأرض. وفرس ذيال، إذا كان ذنوبا؛ وثور ذيال، إذا كان كذلك. فأما ذأل الذئب يذأل فستراه في الهمز. وفرس ذائل: طويل الذنب، وإن كان قصير الخلق؛ وذيال: طويلالذنب. وذيل الرجل: قميصه ورداؤه إذا سحبهما. والذويل: اليبيس. وذال الرجل ذيلا، إذا سحب ذيله، غير مـهموز، وكذلك المرأة، وكذلك الة إذا سحبت ذنبها على الأرض. وقد سمت العرب ذيالا. وبنو الذيال: بطن من العرب من بني سعد. وذؤالة: اسم من أسماء الذئب.
باب الذال والميم
مع ما بعدهما من الحروف
ذ - م - ن
أهملت.
ذ - م - و

(1/380)

الوذم: وذم الدلو، وهي سيور تشد بها أطراف العراقي، والجمع أوذام ووذام؛ وكل سير قددته مستطيلا فهو وذم، وكذلك اللحم والكرش وما أشبهه. وفي حديث علي رضي الله تعالى عنـه: لأنفضنكم نفض الجزار الوذام التربة؛ فقلبه قوم فقالوا: نفض الجزار التراب الوذمة. ووذمت الناقة توذيما، إذا عالجتها بنزل الثآليل الثابتة في حيائها المانعة لها من اللقاح. والوذم: قطعة من الأدم تجعل فيها قلادة للكلب.
ذ - م - ه
الذمـه، يقال: ذمـه الرجل يذمـه ذمـها، وهو شبيه بالحيرة. وذمـه يومنا، إذا اشتد حره؛ وربما قيل: ذمـه الرجل. وأذمـهته الشمس، بالذال والدال، إذا آلمت دماغه. والهذم: القطع؛ سيف هذام: قاطع، وشفرة هذامة، وقالوا: هذمة. قال الراجز:
ويل لبعران بني نعامـه
منك ومن شفرتك الهذامـه
ومنـه اشتقاق هيذام، وهو اسم. وسعد هذيم: أبو قبيلة من العرب.
ذ - م - ي
الذيم: العيب، وهو الذام أيضا. ومثل من أمثالهم: " لا تعدم الحسناء ذاما " ، أي عيبا. والمذي: الماء الذي يخرج عند الإنعاظ وليس بالذي يوجب الغسل، وربما قيل: المذي، مثقل الياء. والمذي: مخرج الماء من صنبور الحوض، والصنبور مثل البزال الذي يخرج منـه الماء، وكذلك صنبور الإداوة. والمذية: أم بعض شعراء العرب يعير بها. والماذي: السهل اللين، وبه سميت الدروع ماذية، وكذلك يسمى العسل ماذيا لاسترخائه ولينـه.
باب الذال والنون
وما بعدهما من الحروف
ذ - ن - و
أهملت.
ذ - ن - ه
الذهن: الفطنة، والجمع أذهان؛ ورجل ذهن: فطن. وربما سميت القوة ذهنا؛ يقال: ما بـه ذهن، أي ما بـه قوة.
ذ - ن - ي
أهملت.
باب الذال والواو
مع ما بعدهما من الحروف
ذ - و - ه
الهوذة: الة أو ضرب من الطيور، وبه سمي الرجل هوذة.
ذ - و - ي
ذوى العود يذوي ذيا وذويا، إذا ذبل. فأما ذوي يذوى فليس من كلامـهم، وقد همزه قوم فقالوا: ذأى العود، وأنشدوا بيت ذي الرمة:
أقامت بـه حتى ذأى العود والتوى ... وساق الثريا في ملاءته الفجر
وليس بالجيد، وهذا تراه في المعتل إن شاء الله تعالى.
باب الذال والهاء
مع ما بعدهما من الحروف
ذ - ه - ي
يقال: هذى الرجل يهذي هذيا وهذيانا، وهذا مستقصى في المعتل تراه إن شاء الله تعالى.
انقضى حرف الذال والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وسلم.
حرف الراء في الثلاثي الصحيح
باب الراء والزاي
مع ما بعدهما من الحروف
ر - ز - س
أهملت.
ر - ز - ش
شزره ببصره يشزره ويشزره شزرا، إذا نظر إليه بمؤخر عينـه. وطعنـه شزرا، إذا طعنـه من عن يمين وشمال. قال رؤبة:
نقفا على الهام وطعنا شزرا
والشزر: الفتل الشديد. قال الراجز:
أمره يسرا فإن أعيا اليسر
والتاث إلا مرة الشزر شزر
والمشازرة: المضايقة. وشيزر: موضع، ولا أحسبه عربيا صحيحا. قال امرؤ القيس:
تقطع أسباب اللبانة والهوى ... عشية جاوزنا حماة وشيزرا
والشرز: الشدة في الأمر والصعوبة. قال رؤبة:
نسقي العدى غيظا طويل الجأز
يلقى معاديهم عذاب الشرز
ر - ز - ص
أهملت وكذلك حالهما مع الضاد والطاء، إلا في قولهم: الضرز، وهو العسر.
ر - ز - ط
الطرز والطراز فارسي معرب، وقد تكلمت بـه العرب قديما. قال حسان:
بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شم الأنوف من الطراز الأول
وتقول العرب: طرز فلان طرز حسن، أي زيه وهيئته. واستعمل ذلك في جيد كل شيء؛ قال رؤبة:
فاخترت من جيد كل طرز
جيدة القد جياد الخرز
ر - ز - ظ
أهملت.
ر - ز - ع

(1/381)

الزعر: قلة الشعر في الرأس واللحية وقلة الريش في الطائر؛ رجل أزعر وامرأة زعراء، وظليم أزعر ونعامة زعراء. ورجل في خلقه زعارة، أي شدة. ويقال في قلة الشعر: زعر يزعر زعرا وازعر ازعرارا، فأما من سوء الخلق فلا يقال إلا ازعار وازعر. والزعرور: ثمر شجر، عربي معروف. وزعران: اسم رجل. وقد سمت العرب زعورا، وهو أبو بطن منـهم. والرعز: يكنى بـه عن النكاح؛ لغة مرغوب عنـها لمـهرة بن حيدان؛ بات يرعزها رعزا. والزرع: كل ما زرعته من نبت أو بقل؛ زرعت أزرع زرعا، ثم كثر ذلك حتى قالوا: زرع الله الصبي، أي أنماه. ويقال: هؤلاء زرع فلان، أي ولده. والمزرعة والمزرعة: موضع الزرع، لغتان فصيحتان، والجمع مزارع. فأما الزريعة فربما سمي الشيء المزروع زريعة، كأنـها فعيلة في معنى مفعولة. ويقال: زراع، في معنى زارع. قال الشاعر:
ذريني لك الويلات آتي الغوانيا ... متى كنت زراعا أسوق السوانيا
وقد سمت العرب زرعة وزريا وزرعان. والعزر من قولهم: عزرته أعزره عزرا، إذا منعته عن الشيء، وبه سمي الرجل عزرة. وعزرت الرجل تعزيرا، إذا فخمت أمره وأكرمته، ومنـه قوله عز وجل: " وتعزروه وتوقروه " . والتعزير: ضرب دون الحد؛ هكذا يقول بعض أهل اللغة. والعيزار: ضرب من الشجر، الواحدة عيزارة. وقد سمت العرب عازرا وعيزارة وعزران. فأما عزير فاسم عبراني وافق لفظه العربية، وكذلك عيزار بن هارون بن عمران. والعرز: اشتداد الشيء وغلظه، وربما قيل: استعرز الشيء، إذا تقبض كما تستعرز الجلدة في النار، إذا تقبضت. واستعرز النبت، إذا اشتد وصلب. وعرز لحم الدابة واستعرز كذلك. وعرزت الشيء أعرزه عرزا، إذا انتزعته انتزاعا عنيفا. قال الشماخ:
وكل خليل غير هاضم نفسه ... لوصل خليل صارم أو معارز
ر - ز - غ
الرزغة مثل الردغة سواء، وهو الطين القليل من مطر أو غيره؛ أرزغ المطر الأرض وأردغها بمعنى. وأنشد لطرفة:
وأنت على الأقصى صبا غير قرة ... تذاءب منـها مزرغ ومسيل
ويروى: مرزع ومسيل. وأرزغ فلان في عرض فلان يرزغ إرزاغا، إذا طعن فيه؛ عن أبي حاتم عن أبي زيد. والزغر فعل ممات، وهو اغتصابك الشيء، زعموا؛ زغرت الشيء أزغره زغرا. وزغر: اسم رجل، وأحسبه أبا قوم من العرب. وعين زغر: موضع بالشام، وزعم ابن الكلبي أن زغر امرأة نسبت إليها هذه العين، فأما قول أبي دواد:
ككنانة الزغري غ ... شاها من الذهب الدلامص
فلا أدري الى ما نسبت؛ والدلامص: البراق، وهو واحد. والغرز: ركاب الرحل. قال الشاعر:
تصغي إذا شدها في الكور جانحة ... حتى إذا ما استوى في غرزها تثب
وغرزت رجلي في الغرز واغترزت، إذا ركبت؛ وكل شيء سمرته في شيء فقد غرزته فيه. وغرزت الناقة، وغيرها، إذا قل لبنـها، وأكثر ما يستعمل ذلك في الإبل خاصة والآتن. قال الشماخ:
كأني ورحلي فوق جأب مطرد ... من الحقب لاحته الجداد الغوارز
وغرزت الجرادة، إذا أدخلت ذنبها في الأرض لتبيض. والغريزة: الطبيعة، والجمع غرائز؛ فلان كريم الغريزة والطبيعة والنحيتة والنحيرة والخليقة والسليقة، كل ذلك واحد. وماء غزير من مياه غزار وغزر، أي كثير، ثم كثر ذلك حتى قيل: شاة غزيرة كثيرة اللبن، ورجل غزير العلم بين الغزارة. وغزران: موضع. وغزر البحر غزارة، إذا كثر ماؤه.
ر - ز - ف
الزفر: الحمل على الظهر خاصة، والجمع أزفار. قال الشاعر:
طوال أنضية الأعناق لم يجدوا ... ريح الإماء إذا راحت بأزفار
ويقال: جاد ما ازدفر بحمله، إذا أطاقه ونـهض به. وبه سمي الرجل زفر لأنـه يزدفر بالأمور، أي يطيقها. قال الشاعر:
أخو رغائب يعطيها ويسألها ... يأبى الظلامة منـه النوفل الزفر

(1/382)

النوفل: الكثير النوافل. والزفر: مصدر زفر يزفر زفرا وزفيرا، إذا ردد النفس في جوفه حتى تنتفخ ضلوعه. قال النابغة الجعدي:
خيط على زفرة فتم ولم ... يرجع الى دقة ولا هضم
يصف فرسا، يقول: كأنـه زفر ثم خيط على زفرته فهو منتفج الجنبين. وزافرة الرجل: عشيرته وبنو أبيه. وزفرة الفرس: وسطه. وزفرت النار، إذا سمعت لها صوتا في توقدها. والزرف: الزيادة على الشيء؛ زرف الرجل في حديث، إذا زاد فيه. قال الأصمعي: كان يقال إن ابن الكلبي يزرف في حديثه، أي يزيد فيه. والزرافة: الجماعة من الناس، والجمع الزرافات. وقال الحجاج على منبر الكوفة: إياي وهذه الزرافات فإني لا أرى رجلا تطيف بـه زرافة إلا استحللت دمـه وماله. والزرافة، بضم الزاي: دابة، ولا أدري أعربية صحيحة أم لا، وأكثر ظني أنـها عربية لأن أهل اليمن يعرفونـها من ناحية الحبشة. وقال أبو مالك: الزرافات: المنازف التي ينزف بها الماء للزرع وما أشبهه. وأنشد:
يبيت وذا الأهداب يعوي ودونـه ... من الشام زرافاتها وقصورها
والفرز: فرزك الشيء عن الشيء، إذا فرقته؛ فرزته أفرزه فرزا فهو مفروز، إذا فرقته، والقطعة منـه فرزة بكسر الفاء، فإذا لم تدخل الهاء قلت: فرز، والجمع أفراز وفروز. والفرز: القطعة من المغزى خاصة. وكان سعد بن زيد مناة يسمى الفزر لحديث كان له. قال الحنفي:
وإن أبانا كان حل ببلدة ... سوى بين قيس قيس عيلان والفزر
سوى: أي مستو عدل. وتقول العرب: " لا أفعله أو تجتمع معزى الفزر " ، وله حديث. سئل أبو بكر عن مناه، بالهاء أم بالتاء، فأنشد:
ألا هل أتى التيم بن زيد مناتهم ... على الشنء فيما بيننا، ابن تميم
بمصرعنا النعمان يوم تألبت ... تميم علينا من شظى وصميم
تزود منا بين أذناه ضربة ... دعته الى هابي التراب عقيم
قوله: بين أذناه، على لغته لأنـهم يقولون: رأيت الرجلان ومررت بالرجلان. وفزرت الشيء أفزره فزرا، إذا صدعته مثل الثوب وما أشبهه، وانفزر الشيء انفزارا. ورجل أفزر وامرأة فزراء، وهو الذي يتطأمن ظهره وكذلك الفرس. ومنـه اشتقاق فزارة، وقال قوم: الفزارة أنثى هذا السبع الذي يسمى الببر. والفازر: ضرب من النمل فيه حمرة؛ قال الأصمعي: قيل لفلان: قد نسبت الجن والإنس فهل نسبت الذر؟ فقال: نعم، للنمل جدان: عقفان والفازر، فالفازر جد للسودان، وعقفان جد الحمر. ويقال: طريق فازر، أي واسع؛ هكذا قال الخليل. وقد سمت العرب فزارة، وهو أبو حي من العرب، وفزرا وفزيرا. وبنو الأفزر: بطن من العرب. ويقال للأنثى من النمور: فزارة، ولا أدري ما صحة ذلك.
ر - ز - ق
الرزق: معروف، رزق الله تعالى، والرزق المصدر، بفتح الراء. قال الراجز:
وبث في هذا الأنام رزقه
وقال أيضا:
سميت بالفاروق فافرق فرقه
وارزق عيال المسلمين رزقه
وكل من أجريت عليه جراية فقد رزقته رزقا. والله عز وجل الرازق والرزاق، وجمع الرزق أرزاق. والرزق: الشكر، لغة سروية. قال الشاعر:
مننت على رجال عمرو ... برازقي غير مرزوق
أي غير مشكور. ومنـه: " وتجعلون رزقكم " ، أي شكركم. وقد سمت العرب رزيقا ومرزوقا. والرزق: زرق العين، وهو خضرة الحدقة؛ رجل أزرق وامرأة زرقاء، وكذلك الفرس وكل ما زرقت عينـه من الدواب وغيرها، والباز أزرق. قال الشاعر:
لقد زرقت عيناك يا ابن مكعبر ... كما كل ضبي من اللؤم أزرق

(1/383)

وسميت الأسنة زرقا للونـها. وفي كتاب الله عز وجل: " ونحشر المجرمين يومئذ زرقا " . قال المفسرون: عميا لا يبصرون، والله أعلم. والزرق: الطعن؛ زرقه يزرقه زرقا. والمزراق: الرمح الصغير يزرق بـه الوحش وغيرها. والأزارقة: قوم من الخوارج ينسبون الى نافع بن الأزرق. والزرق: طائر من الجوارح. وقد سمت العرب زرقان وزريقا. وبنو زريق: بطن من العرب من الأنصار. وجمعوا أزرق زرقانا، كما جمعوا أدهم دهمانا وأحمر حمرانا. فأما زرقم صفة رجل فالميم زائدة، وستراه مجموعا في بابه إن شاء الله. والزقر لغة في الصقر تميمية، وقد روي عن صفية بنت عبد المطلب أنـها قالت لرجل:
كيف رأيت زبرا
أأقطا وتمرا
أم مشمعلا زقرا
تعني الزبير؛ المشمعل: الجاد في أمره الماضي فيه. والقرز: قرزك التراب وغيره بأطراف أصابعك نحو القبض. والقرز أيضا: الغلظ من الأرض، والأكمة.
ر - ز - ك
الركز: الحس والصوت. وفي التنزيل: " أو تسمع لهم ركزا " ، هكذا فسره أبو عبيدة، والله أعلم. والركاز: الكنز يوجد في فلاة أو في معدن. وفي حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم لوائل بن حجر: " وفي الركاز الخمس " . وركزت الرمح أركزه وأركزه ركزا، إذا أثبته في الأرض. ومراكز القوم: مواضعهم في ثغورهم؛ يقال: زال القوم عن مراكزهم. والزكرة: سقاء صغير. وتزكر بطن الجدي، إذا امتلأ، وزكري: اسم أعجمي فيه ثلاث لغات: زكري، وزكريا مقصور، وزكرياء ممدود. والكرز: الخرج الصغير يجعل فيه الراعي متاعه ثم يحمله على كبش من غنمـه، فذلك الكبش يسمى الكراز. وبه سمي الرجل كريزا، وهو تصغير كرز. وربما سمي الخرج الكبير كرزا. ومثل من أمثالهم: " رب شد في الكرز " . ولهذا حديث؛ قال ابن الكلبي: هذا حديث أعوج، وهو فرس لبني هلال بن عامر وأمـه سبل فرس كانت لبني آكل المرار ثم صارت الى بني كلاب. وقال مرة أخرى: فرس يقال له أعوج نتجته أمـه وتحمل أصحابه فحملوه في كرز فمروا بشيخ فقال: رب شد في الكرز، يعني عدوه. وقد سمت العرب كرزا وكريزا وكريزا وكارزا ومكرزا ومكرزا. والكرز من الطير: الذي قد أتى عليه حول، وهو فارسي معرب وقد تلكمت بـه العرب. قال الراجز:
لما رأتني راضيا بالإهماد
لا أتنحى قاعدا في القعاد
كالكرز المشدود بين الأوتاد
والكراز: القارورة، وتجمع كرزانا، ولا أدري أعجمي هو أم عربي، غير أنـهم قد تكلموا بها. ويقال: كارز الى المكان، إذا بادر إليه فاختبأ؛ هكذا يقول الخليل. وقال يونس أيضا: كارز الرجل الى المكان، إذا اختبأ فيه. وأنشد:
فلما رأين الماء قد حال دونـه ... ذعاف الى جنب الشريعة كارز
ر - ز - ل
أهملت.
ر - ز - م
رزمت الشيء أرزمـه رزما، إذا جمعته. والرزمة: الثياب المجتمعة وغيرها. ورزم الرجل يرزم رزما فهو رازم، إذا أضر بـه المرض أو الجوع فغيره. وبه سمي الرجل رزاما. وأرزمت الناقة ترزم إرزاما، إذا حنت. وأرزم الرعد، إذا سمعت له حنينا في السحاب. والمرزمان: نجمان من نجوم الأنواء، والجمع المرازم. ورازم الرجل بين طعامين، أي ضربين من خبز وتمر وما أشبه ذلك. قال الراعي:
كلي الحمض بعد المقحمين ورازمي ... الى قابل ثم اعذري بعد قابل
ويمكن أن يكون اشتقاق رزام من هذا. ومرزم الجوزاء اختلفوا فيه، فقال بعضهم: ليس للجوزاء مرزم، إنما هو مرزم السماك؛ ويقال: المرزمان مرزم الجوزاء ومرزم السماك. وسمعت رزمة السباع، أي هماهمـها على فرائسها. قال الشاعر:
تركوا عمران منجدلا ... للسباع حوله رزمـه
وبعير رازم، إذا برك فلم يبرح من مكانـه إعياء. ويقال: أسد رزم ورزام، إذا جثم على الفريسة وهمـهم عليها. قال الراجز:
أيا بني عبد مناة الرزام
أنتم حماة وأبوكم حام
لا تسلموني لا يحل إسلام

(1/384)

لا تعدوني نصركم بعد العام
والرزام من الرجال: الصعب المتشدد. وفلان يأكل رزمة، مثل الوجبة. والرمز: الإيحاء والإيماء؛ رمز يرمز رمزا؛ وفي التنزيل: " إلا رمزا " ، أي إشارة، والله أعلم. وترمز القوم، إذا تحركوا في مجالسهم لقيام أو خصومة. وعاد نساء من العرب رجلا منـهم فقعدن حوله فأنشأ يقول:
لقل غناء عن عمير بن مالك ... ترمز أستاه النساء العوائد
قال: فقمن، وقلن: أبعده الله. ورجل رميز: كثير الحركة، وقالوا: الرميز: الحليم الوقور. وكتيبة رمازة: كأنـها لا تستبيه حركتها لكثرة أهلها. قال الهذلي:
تحميهم شـهباء ذات قوانس ... رمازة تأبى لهم أن يحربوا
ومنـه قولهم: لم يرمئز من مكانـه، أي لم يتحرك، وكان الأصل: يرمأزز. وقال يونس: ذهبنا الى أبي مـهدية في عقب مطر نسأله عن حاله وكان قد بنى بيتا في ظاهر خندق البصرة وسماه جناحا فقلنا له: كيف أنت يا أبا مـهدية؟ فقال:
عهدي بجناح إذا ما ارتزا
وأذرت الريح ترابا نزا
أن سوف تمضيه وما ارمأزا
كأنما لز بصخر لزا
أحسن بيت أهرا وبزا
يقال: بيت حسن الأهرة والظهرة، إذا كان حسن المتاع؛ قال: وما كان في البيت إلا حصير مخرق. قال أعرابي لرجل: أعطني درهما، قال: لقد سألت رميزا، الدرهم عشر العشرة والعشرة عشر المائة والمائة عشر الألف والألف عشر ديتك. والزرم: القطع؛ يزرمـه زرما؛ وزرم الصبي، إذا انقطع بوله. وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " لا تزرموا ابني " ، أي لا تقطعوا عليه بوله، يعني الحسين. وكل شيء انقطع فقد زرم. قال النابغة:
قلت لها وهي تسعى تحت لبتها ... لا تحطمنك أن البيع قد زرما
وارزأم ارزيماما، بمعنى رزم. وقد نـهي عن كسب الزمارة، وفسره أصحاب الحديث: الفاجرة، وقال قوم إنـها الرمازة؛ ولا أقول في هذا شيئا. والزمارة: عمود الغل الذي بين الحلقتين. قال الشاعر:
ولي مسمعان وزمارة ... وظل مديد وحصن أمق
يعني قيدين وغلاا. وزمرت مروءة الرجل، إذا قلت؛ وكذلك زمر شعره، إذا رق وقل نبته. والزمار: صوت النعامة الأنثى خاصة، وصوت الظليم: العرار. قال الشاعر:
إلا عرارا وإلا زمارا
وزمر يزمر زمرا. ويقال: زمرت بالحديث، إذا أفضت ذكره وبثثته للناس. والزمرة: الجماعة من الناس، والجمع زمر. والزمر: فعل الزامر؛ زمر يزمر زمرا، والرجل زمار والمرأة زامرة. والمزمار: الزمر بعينـه، والجمع مزامير. وحرفة الزمار: الزمارة. وقال بعض أهل اللغة: يقال للمرأة زامرة وللرجل زمار، ولا يقال على القياس: رجل زامر. ومرز الصبي ثدي أمـه يمرز مرزا، إذا اعتصر بأصابعه في رضاعه، وربما سمي الثدي: المراز لذلك. والمرز: القرص الخفيف يكون بأطراف الأصابع؛ مرزه يمرزه ويمرزه مرزا. وفي حديث عمر رضي الله تعالى عنـه: فمرزه حذيفة. والمرز: ضرب من ال يتخذ من العسل، وقد جاء في النـهي. والمزارة: الزيادة في الجسم أو العقل؛ فلان أمزر من فلان، أي أرجح منـه؛ مزر يمزر مزارة فهو مازر، وكل ثمر استحكم فقد مزر يمزر مزارة.
ر - ز - ن
الرزن: نقر في الحجر يجتمع فيه ماء السماء، والجمع رزون. قال الراجز:
أحقب ميفاء على الرزون
لا خطل الرجع ولا قرون
القرون: الذي يطرح حوافر رجليه مكان حوافر يديه؛ والأحقب: الذي في حقبه بياض؛ وميفاء: مفعال من قولهم: أوفى على الشيء، إذا علا؛ والرجع: رجع اليدين في العدو؛ وقوله: لا خطل الرجع: لي في رجعه اضطراب. ورجل رزين بين الرزانة، أي حكيم ركين ثقيل في مجلسه، وامرأة رزان كذلك. قال حسان:
حصان رزان لا تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل

(1/385)

أي هي لا تغتاب الناس فتأكل لحومـهم. والزنر: فعل ممات؛ تزنر الشيء، إذا دق، ولا أحسبه عربيا، فإن كان للزنار اشتقاق فمن هذا إن شاء الله تعالى. والزنير، والجمع زنانير: حصى صغار، وقيل للواحد زنار أيضا. والنزر من الشيء: القليل؛ طعام نزر بين النزارة والنزورة، وطعام نزر ومنزور أيضا: قليل؛ ومنـه اشتقاق اسم نزار؛ وطعام نزر ونزير أيضا. وامرأة نزور: قليلة الولد، وكذلك في غير الإنس. قال الشاعر:
خشاش الطير أكثرها فراخا ... وأم الباز مقلات نزور
والنرز فعل ممات، وهو الاستخفاء من فزع، زعموا؛ وبه سمي الرجل نرزة ونارزة. ولم يجئ في كلام العرب نون بعدها راء إلا هذا وليس بصحيح، فأما النرجس ففارسي معرب.
ر - ز - و
الرزء، مـهموز: المصيبة، تراه في موضعه إن شاء الله تعالى. وزرت الرجل أزوره زورا من الزيارة والقوم الزور والزوار. قال الراجز:
ومشيهن بالخبيب مور
كما تهادى الفتيات الزور
المور: المشي السهل من قولهم: مارت الريح، إذا مرت مرا سهلا؛ ويقال: رجل زور وقوم زور وامرأة زور الواحد والجميع فيه سواء. والزور: عظام الصدر، والجمع أزوار؛ رجل أزور وامرأة زوراء والجمع زور، إذا كان في صدرها اعوجاج. وتزاور الرجل عن الشيء وازور، إذا مال عنـه وكرهه. وزور فلان الكتاب والكلام تزويرا، إذا قواه وشدده؛ وبه سمي الكلام الزور لأنـه يزور، أي يسوى ثم يتكلم به؛ وكذلك شـهادة الزور لأنـه يقويها ويشددها، وزعموا أنـه فارسي معرب لأن الزور بالفارسية القوة. قال أبو عبيدة: هو مأخوذ من الزور، وهو القوي الشديد. والزور، بفتح الزاي: عسيب النخل؛ لغة يمانية. ويوم الزويرين: يوم معروف، وهو يوم لبكر بن وائل على بني تميم، وذلك أنـهم عقلوا بعيرين فقالوا: هذان زويرانا لا نفر حتى يفرا؛ وقال مرة أخرى: لا نبرح أو يبرحا. قال الراجز:
جاءوا بزوريهم وجئنا بالأصم
شيخ لنا معاود ضرب البهم
البهم: جمع بهمة، وهو الشجاع الذي لا يدرى من أين يلقى. وزور الطائر، إذا امتلأت حوصلته، وأكثر ما يستعمل ذلك في الجارح. ورجل أزور وامرأة زوراء، إذا نتأ أحد شقي صدره واطمأن الآخر. وزورت كلام فلان، إذا جعلت حديثه زورا، أي كذبته. وزوير القوم: رئيسهم وشديدهم، وهو زورهم أيضا. والوزر: الملجأ. والوزر: الإثم، والوزر: الثقل. ووازر الرجل الرجل موازرة، أعانـه، وكذلك آزره. وسمي الوزير وزيرا لأنـه يحمل وزر صاحبه، أي ثقله؛ وكان الأصمعي يقول: اشتقاق الوزير من آزره، وكان في الأصل أزير فقالوا: وزير. وجمع وزر أوزار. وفي التنزيل: " يحملون أوزارهم على ظهورهم " ، أي أثقالهم؛ ووضعت الحرب أوزارها، إذا وضع القوم السلاح عنـهم فجعل الفعل للحرب وإنما هو لأهلها. والإزار: معروف، ويقال الإزارة أيضا. قال الأعشى:
كتميل النشوان ير ... فل في البقير وفي الإزاره
وقال الآخر:
تبرأ من دم القتيل وبزه ... وقد علقت دم القتيل إزارها
ويروى: بزه بالرفع، يريد بزه إزارها، أي دمـه في ثوبها. ورجل إزار، إذا كان ثقيل اللسان دون الخرس. وفرس إزار، إذا كان في عجزه بياض.
ر - ز - ه
الرهز: حركة عند الجماع وغيره؛ رهز يرهز رهزا. والزهر: زهر النبت، وهو نواره. والزهرة والزهرة: زهرة الدنيا وبهجتها. وقد قرئ: " زهرة الحياة الدنيا، وزهرة. ورجل زاهر وأزهر، وهو الأبيض المضيء الوجه، وقمر زاهر. وقد سمت العرب زاهرا وزهيرا وزهرا وأزهرا وأزهر وزهران، وهو أبي قبيلة منـهم. والزهرة: نجم من نجوم السماء معروف، بضم الزاي وفتح الهاء لا غير. قال الراجز:
قد وكللتني طلتي بالسمسره
وأيقظتني لطلوع الزهره
والهزر: الغمز الشديد؛ هزره يهزره هزرا. ومـهزور: واد بالحجاز. والهزر: موضع أو اسم قوم. قال أبو ذؤيب:

(1/386)

وليلة أهلي بوادي الرجي ... ع كانت كليلة أهل الهزر
والهزر: الضرب بالخشب خاصة؛ هزره يهزره هزرا. والهزرة: الأرض الرقيقة.
ر - ز - ي
الزير: الرجل الكثيرة الزيارة للنساء، وأصله الواو، وهو في وزن فعل. قال مـهلهل:
فلو نبش المقابر عن كليب ... لأخبر بالذنائب أي زير
ويروى: فلو نبش بتسكين الباء، وهي لغة؛ والذنائب: موضع. وللراء والزاي والياء مواضع في الاعتلال تراها إن شاء الله تعالى.
باب الراء والسين
مع ما بعدهما من الحروف
ر - س - ش
رجل شرس وامرأة شرسة، وهو سوء الخلق؛ شرس يشرس شرسا وشراسة. وقد سمت العرب أشرس وشريسا. والشريس: نبت بشع الطعم، أحسبه سمي شريسا لذلك؛ وكل بشع شريس. ويقال: تشارس القوم، إذا تعاودوا. والشرس: نبت أو حمل نبت.
ر - س - ص
أهملت.
ر - س - ض
الضرس: واحد الأضراس. والضرس: مطر يصيب الأرض قليل متفرق؛ أصابت الأرض ضروس من مطر، أي قطع متفرقة. وناقة ضروس: سيئة الخلق تعض حالبها. وتضارس القوم، إذا تعادوا وتحاربوا، والمصدر المضارسة والضراس. وضرسته الحرب تضريسا، إذا جربها. ورجل ضرس ضبس، إذا كان سيئ الخلق داهيا. وقالوا: حرب ضروس أيضا، لشدتها. وضرس السبع فريسته، إذا مضغ لحمـها ولم يبتلعه. وفلان ضرس من الأضراس، أي صعب المرام داهية من الدواهي. وبرد مضرس: ضرب من الوشي. وضرس الزمان القوم، إذا اشتد عليهم. وتضرس البناء، إذا لم يستو.
ر - س - ط
الطرس: الكتاب، والجمع طروس وأطراس؛ وقال قوم: الطرس الصحيفة التي قد محي ما فيها ثم أعيد الكتاب؛ وقال آخرون: بل الطرس الصحيفة بعينـها. والطلس: الذي قد محي ثم كتب. والسطر من الكتاب معروف، والجمع سطور وأسطار، ثم جمعوا أسطارا أساطير؛ وقال قوم: واحد الأساطير أسطورة وإسطارة، ولم يتكلم فيه الأصمعي. وسطر الكتاب وسطره لغتان فصيحتان. والسطر من النخل: السكة المغروسة على غرار واحد؛ الغرار: السطر المستوي. والمسطار: ضرب من ال فيه حموضة. قال الشاعر:
قوم إذا هدر البعير رأيتهم ... حمرا عيونـهم من المسطار
والسطر: العتود من المعز خاصة في بعض اللغات؛ العتود: الجدي الذي قد بلغ أن ينزو، والجمع عتدان وعدان. والسرط من الاستراط؛ استطرت الشيء، إذا ابتلعته استرطاا، وسرطته سرطا. ومسرط الإنسان: البلغوم، وهو مجرى الطعام الى الجوف، والجمع مسارط. ومثل من أمثالهم: " الأخذ سريطى والقضاء ضريطى " ، ويقال: سريطى وضريطى، مشددا ومخففا؛ يقال ذلك لمن يأخذ الدين ويصعب عليه قضاؤه. ومثل من أمثالهم: " الأخذ سرطان والقضاء ليان " ، يضرب ذلك لمن يأخذ الدين ثم يصعب عليه قضاؤه؛ ويروى: " الأخذ سلجان والقضاء ليان " ، ويروى: " الأخذ سريط والقضاء ضريط " . والسراط والصراط، بالسين والصاد: الطريق القاصد. قال الشاعر:
أمير المؤمنين على سراط ... إذا اعوج الموارد مستقيم
والسرطان: دابة من دواب الماء معروفة. والسرطان: داء يصيب الناس والخيل. ويقال: فرس سرطان الجري، كأنـه يسترط الجري استراطا؛ وسراطي أيضا. والسرطراط: الفالوذ، زعموا. والسريطاء: حساء شبيه بالخزيرة أو نحوها. فأما السرطان المنزل من منازل القمر فليس بالعربي المحض. والرطس: الضرب بباطن الكف؛ رطسه يرطسه رطسا، إذا ضربه بباطن كفه.
ر - س - ظ
أهملت.
ر - س - ع
الرسع من قولهم: رسعت الصبي وغيره، إذا شددت في يده أو رجله خرزا لتدفع بـه العين عنـه؛ ويقال بالغين أيضا: رسغت. والرسيع: موضع. والمريسيع: موضع أيضا. ورسعت أعضاء الرجل، إذا فسدت واسترخت. والرعس: الارتعاش والانتفاض. قال الراجز:
يبري بإرعاس يمين المؤتلي
خضمة الدارع هذ المختلي

(1/387)

ويروى: الذراع؛ ويروى: هذ المنجل؛ ومعظم كل شيء خضمته، وقال أيضا: الخضمة معظم الذراع، وكذلك هو من كل شيء. يصف سيفا يقول: يقطع بضعف صاحبه وارتعاشـه؛ والمختلي من الخلى، وهو الحشيش. ورمح رعاس، إذا كان شديد الاضطراب. قال الشاعر:
وعرضة للشطن الرعاس
والسعر: استعار النار؛ سعرت النار أسعرها وأسعرتها، فهي مسعرة ومسعورة، وأنا مسعر وساعر، والسعير من هذا اشتقاقها. وسعر الشيء المبيع: معروف. واستعر اللصوص، بفتح العين وتخفيف الراء، وهو افتعل من السعير، أي اشتعلوا، فأما قولهم: استعر فخطأ، وقد أولعت بـه العامة. واستعرت الحرب كذلك. واستعر الجرب في البعير، إذا ابتدأ في مساعره، وهي الآباط والأرفاغ؛ الأرفاغ: أصول الفخذين، وقال قوم: بل هو كل موضع اجتمع فيه الوسخ. وسمي الأسعر الشاعر ببيت قاله:
فلا يدعني الأقوام من آل مالك ... إذا أنا لم أسعر عليهم وأثقب
ورجل مسعر حرب من قوم مساعر، إذا كان يسعرها ويشبها. والمسعر والمسعار: الخشبة التي تحرك بها النار. وقد سمت العرب مسعرا وسعيرا وسعرا وسعران. وسعر الرجل، إذا أصابته السموم، وكذلك هو من الجوع والعطش؛ رجل مسعور. والسعرة: لون يضرب الى السواد. والسعرارة والسعرورة: الضوء الذي يدخل البيت من شعاع الشمس ومن الصبح أيضا من كو. والسرع والسرعة جميعا: ضد البطء؛ أسرع الرجل يسرع إسراعا وسرع سرعا وسرعا، والرجل سريع وسراع مثل كبير وكبار. قال الراجز:
أين دريد وهو ذو بزاعه
حتى تروه كاشفا قناعه
تعدو بـه سلهبة سراعه
ويروى: براعه؛ قوله: ذو بزاعه، أي حسن الحركة والنيقظ. وأقبل فلان في سرعان الناس وسرعان الناس، بفتح الراء وتسكينـها، أي في أوائلهم المتسرعين. ومثل من أمثالهم: " سرعان ذي إهالة " ، بسكون الراء وفتحها. قال أبو بكر: يضرب للرجل إذا أخبرك بسرعة شيء لم يحن وقته. وأصل هذا المثل أن رجلا كان يحمق فاشترى شاة عجفاء فجاء بها الى أمـه فلامته ورعام الشاة يسيل من أنفها، فقال: أما ترين إهالتها؟ فقالت له أمـه: سرعان ذي إهالة؛ أي ما أسرع إهالتها. واليسروع، ويقال: أسروع: دويبة تكون في الرمل. قال الشاعر:
فليس لساريها بها متعرج ... إذا انجدل اليسروع وانعدل الفحل
ورجل سرعرع: ناعم غض. قال الشاعر:
رؤد الشباب سرعرع
والسروع: قضبان من قضبان الكرم. وفي لغة العرب: جاء فلان سرعا، أي سريعا. والعسر: ضد السهولة؛ رجل عسر بين العسر. ورجل أعسر: يعمل بشماله. ورجل أعسر يسر: يعمل بيديه. وأمر عسير: صعب. وعقاب عسراء: في جناحها قوادم بيض؛ وقال قوم: بل العسراء القادمة البيضاء. قال الشاعر:
وعمى عليه الموت يأتي طريقه ... سنان كعسراء العقاب ومنـهب
يقال: فرس منـهب، أي ينتهب الجري، وناقة عوسرانية وعيسرانية للتي تركب ولم ترض، والذكر عيسراني. وناقة عسير: صعبة لم ترض. قال الراجز:
والله لولا خشية الأمير
ورهبة الشرطي والتؤرور
لجلت عن شيخ بني البقير
جول القلوص الصعبة العسير
التؤرور: الذي يصحب أعوان السلطان بلا رزق. وعسرت الرجل فأنا أعسره عسرا، إذا لم ترفق به. وعسرت الناقة بذنبها، إذا شالت به، فهي عاسر ومعسر. ويوم عسير: صعب. والعسرة والمعسرة: خلاف الميسرة. وأعسر الرجل إعسارا، إذا افتقر. والعرس: معروف، بضم الراء وتسكينـها: عرس وعرس. وامرأة الرجل عرسه، والرجل عروس وكذلك المرأة؛ اسم يجمع الذكر والأنثى لا تدخله الهاء. قال الراجز:
يا ليت شعري عنك دختنوس
إذا أتاها الخبر المرموس
أتحلق القرون أم تميس
لا بل تميس إنـها عروس

(1/388)

وسألت أبا عثمان عن اشتقاق العرس فقال: تفاؤلا، من قولهم: عرس الصبي بأمـه، إذا ألفها. وعرس الرجل يعرس عرسا، إذا بعل بالشيء كالفزع منـه؛ يقال: بعل بالشيء وبقر بـه وعرس بـه وخرق بـه وذئب، كله واحد، إذا تحير فيه. والزوجان: عرسان. قال الراجز:
أنجب عرس جبلا وعرس
ويقال: عرس به، مثل سدك به. والتعريس: النزول بالليل؛ يقال: عرس الرجل بالمكان تعريسا، إذا نزله ليلا ثم ارتحل عنـه. قال الراجز:
قال أبو ليلى بقو عرسوا
مـهلا أبا ليلى سراها أكيس
والعريساء: موضع، زعموا. وابن عرس: سبع معروف. وعريسة الأسد: الموضع الذي يألفه ويأوي إليه. قال الشاعر:
يا طيء السهل والأجبال موعدكم ... كطالب الصيد في عريسة الأسد
ر - س - غ
الرسغ: موصل الكف في الذراع، وموصل القدم في الساق، وهو من ذوات الحافر موصل وظيفي اليدين والرجلين في الحافر، ومن الإبل موصل الأوظفة في الأحقاف. وجمع الرسغ أرساغ. والرساغ: حبل يشد في رسغ البعير أو الحمار ثم يشد الى شجرة أو وتد. ويقال: أصاب الأرض مطر فرسغ، إذا بلغ الماء الرسغ أو حفر حافر فبلغ الثرى قدر رسغه. والرغس: البركة والنماء؛ رجل مرغوس: مبارك. قال الراجز:
حتى احتضرنا بعد سير حدس
إمام رغس في نصاب رغس
خليفة ساس بغير فجس
وقال رؤبة:
دعوت رب العزة القدوسا
دعاء من لا يقرع الناقوسا
حتى أراني وجهك المرغوسا
والغرس: كل ما غرسته من شجرة أو نخلة، والجمع أغراس وغراس. والفسيلة: ساعة توضع في الأرض فهي غريسة حتى تعلق. والغرس: جليدة رقيقة تكون على وجه الفصيل وغيره ساعة يولد فإن تركت على وجهه قتلته. قال الشاعر:
مـهرية مخطتها غرسها العيد
العيد: ابن الآمري - في وزن عامري - بن مـهرة بن حيدان. وكثر الغرس في كلامـهم حتى قالوا: غرس فلان عندي نعمة، أي أثبتها عندي. والغسر: ما طرحته الريح في الغدير ونحوه؛ لغة يمانية، يقولون: تغسر الغدير، إذا ألقت الريح فيه العيدان وما أشبهها، ثم كثر ذلك في كلامـهم حتى قالوا: تغسر الأمر، أي اختلط وفسد.
ر - س - ف
رسف يرسف ويرسف رسفا ورسيفا ورسفانا، وهو مشي المقيد إذا قارب خطوه. قال الشاعر:
فرحت أخضخض صفني بـه ... كمشي المقيد يمشي رسيفا
والرفس: رفس الدابة؛ رفس يرفس رفسا، وهو الركض برجله؛ ودابة رفوس. ويقولون عند البيع: برئت إليك من الرفاس. والسرف: التبذير؛ أسرف الرجل في ماله إسرافا، إذا عجل فيه؛ وأكل ماله سرفا. ثم كثر ذلك في كلامـهم حتى قالوا: قتل فلان بني فلان فأسرف، إذا جاوز في ذلك المقدار؛ وتكلم بإسراف، إذا جاوز المقدار أيضا. وسرفت القوم، إذا جاوزتهم وأنت لا تعرف مكانـهم. وسرفت الشيء، إذا أنسيته. وسرف: موضع معروف. والسرفة: دويبة تكون في العشب تصلح بيتا من حطام الشجر، وتنسج عليه نسجا رقيقا كنسج العنكبوت، فلذلك قالوا في المثل: " أصنع من سرفة " . والسفر: القوم المسافرون، واحدهم سافر مثل صاحب وصحب، ولا يتكلم بسافر. والسافرة أيضا: القوم المسافرون مثل السابلة. وقوم سفر وأسفار وسفار، أي مسافرون. قال الشاعر:
عوجوا فحيوا أيها السفر ... أم كيف ينطق منزل قفر
قال: عوجوا، ثم رجع الى نفسه فقال: كيف ينطق؟ وسافر الرجل سفرا، أحد ما جاء على فاعل من فاعل واحد. والسفر: الكتاب، والجمع أسفار، وكذلك هو في التنزيل: " كمثل الحمار يحمل أسفارا " . ويقولون: أسماؤنا في السفر الأول، أي في الكتاب الأول؛ هكذا يقول الأصمعي. والسفار للبعير كالحكمة للفرس، وهي حديدة توضع على أنف البعير، والجمع سفر. وسفرت المرأة عن وجهها لا غير، فهي سافر. قال الشاعر:
عروب كأن الشمس تحت قناعها ... إذا ابتسمت أو سافرا لم تبسم

(1/389)

وسفر الصبح وأسفر؛ قال الأصمعي: أقول: أسفرنا، إذا دخلنا في سفر الصبح، ولا أقول إلا سفر الصبح. وفي التنزيل: " والصبح إذا أسفر " . والسفرة: معروفة، واشتقاقها من السفر. وبعير مسفر: قوي على السفر؛ وناقة مسفرة ورجل مسفر كذلك. قال الراجز:
لن يعدم المطي منا مسفرا
شيخا بجالا وغلاما حزورا
وسفرت الريح الورق وغيره، إذا درجت بـه على وجه الأرض، والورق السفير. وسفرت الريح التراب، إذا كنسته، وكل كنس سفر. وسفرت البيت أسفره سفرا، إذا كسحته؛ وكل كسح سفر. والكساحة: السفارة. والمسفرة: المكنسة. وسفرت الريح السحاب تسفره سفرا، إذا قشعته. قال العجاج:
وحين يبعثن الرياغ رهجا
سفر الشمال الزبرج المزبرجا
قال أبو بكر: الزبرج هاهنا: السحاب الذي فيه ألوان مختلفة من بياض وسواد. وقال في وقت آخر: الزبرج: السحاب الرقيق. والسفير بين القوم: الماشي بينـهم في الصلح؛ سفر يسفر ويسفر سفرا وسفارة وسفارا. قال العجاج:
أشوس عن سفارة السفير
ويجمع سفير على سفراء مثل عليهم وعلماء والفرس: معروف، وجمعه في أدنى العدد أفراس، فإذا كثرت فهي الخيل. فأما قول العامة في جمع فرس فرسان فخطأ، إنما الفرسان جمع فارس؛ فارس وفرسان مثل راهب ورهبان، ورجل فارس من قوم فوارس مثل حاجب وحواجب. ورجل حسن الفراسة والفروسية على الخيل؛ وجيد الفراسة والتفرس، أي جيد النظر مصيبه. ويقال: فرس أنثى وفرس ذكر، ولا تلتفتن الى قول العامة فرسة. وفي الحديث: " خير المال فرس في بطنـها فرس " . وفرسان: لقب قبيلة من العرب ليس بأب ولا أم نحو تنوخ، وهم أخلاط من العرب اصطلحوا على هذا الاسم، وجلهم من بني تغلب. قال ابن الكلبي: كا عبديد الفرساني أحد رجال العرب المعدودين. ويقال: فرست الذبيحة أفرسها فرسا، إذا فصلت عنقها؛ وبه سميت فريسة الأسد، والجمع فرائس. قال جرير:
فلا يضغمن الليث تيما بغرة ... وتيم يشمون الفريس المنيبا
قال أبو بكر: الضغم: العض، وبه سمي الأسد ضيغما؛ وقال أبو بكر: الشاة إذا فرسها الذئب أو الأسد فمرت بها الغنم وشمتها نفرت متفرقة. يقول: لا تغترن بين تيم فتشم عمر بن لجأ فتنفر مني كما تنفر هذه الغنم من شم الفريسة. والفرسة: ريح تصيب الإنسان في ظهره فتزيل فقاره فيحدب. وقد سمت العرب فراسا، وهو فعال من ذلك؛ وفراسا، وهو المصدر من فارسه مفارسة وفراسا من ركوب الخيل. وفراس بن غنم في بني كنانة الذين منـهم ربيعة بن مكدم. وفراس بن وائل بن عامر بن الحارث الغطريف الأصغر في الأزد. والفرس: هذا الجيل المعروف. والفسر من قولهم: فسرت الحديث أفسره فسرا، إذا بينته وأوضحته؛ وفسرته تفسيرا كذلك.
ر - س - ق
القسر: الأخذ بالغلبة والاضطهاد؛ تقول: قسرته أقسره قسرا. وبنو قسر: قبيلة من العرب من بجيلة، منـهم خالد بن عبد الله القسري. وبعير قيسري: صلب شديد. وبنات قراس: موضع من بلاد هذيل، هضاب بالسراة باردة. قال الهذلي:
يمانية أحيا لها مظ مأبد ... وآل قراس صوب أرمية كحل
أرمية: جمع رمي، وهو ضرب من سحاب الخريف سود؛ وكحل: جمع أكحل، وهو الأسود. وقرس الماء يقرس قرسا، والماء قارس وقريس. ويوم قارس: بارد، ومنـه اشتقاق القريس الذي تسميه العامة القريص، وإنما هو بالسين لا بالصاد. وبعير قراسية: غليظ شديد صلب. والسقر، يقال منـه: سقرته الشمس تسقره سقرا، إذا حميت على دماغه فآلمته. وقد حكي صقرته، بالصاد؛ ومنـه اشتقاق اسم سقر، والله أعلم، ولم يتكلم باسم سقر إلا بالسين. فأما السقر والصقر الجارح فقد جاء بالسين والصاد جميعا، وهذا تراه في باب الراء والصاد مع القاف إن شاء الله. والسرق: معروف؛ سرق يسرق سرقا فهو سارق. والسرق: ضعف في المفاصل؛ سرقت مفاصله تسرق سرقا، إذا ضعفت. قال الشاعر:

(1/390)

فهي تتلو رخص الظلوف ضئيلا ... أكحل العين في قواه انسراق
أي ضعف؛ هكذا فسره أبو عبيدة في شعر الأعشى. والسرق: ضرب من الحرير فارسي معرب، وذكر الأصمعي أن اسمـه سره، أي جيد. وقد سمت العرب سارقا ومسروقا وسراقا. وسرق الشيء، إذا خفي؛ هكذا يقول يونس، وأنشد:
وتبيت منتبذ القذور كأنما ... سرقت بيوتك أن تزور المرقدا
القذور: التي لا تبارك الإبل ولا تبيت معها، تنتبذ حجرة عنـها؛ وقوله: كأنما سرقت، أي خفيت؛ والمرقد: الذي ترقد فيه.
ر - س - ك
الركس: قلب الشيء؛ ركسه يركسه ركسا، أي قلب أمره وأحاله فهو ركيس ومركوس. والسكر: معروف، ما سكرت بـه الماء فمنعته عن جريته، وأصله من قولهم: سكرت الريح، إذا سكن هبوبها. ويوم ساكر: لا ريح فيه. والسكر: كل ما أسكر من . فأما السكر ففارسي معرب. وقال المفسرون في تفسير السكر في القرآن إنـه الخل، وهذا شيء لا يعرفه أهل اللغة. والسكر: معروف، واشتقاقه من سكرت الريح، إذا سكنت، كأن ال سكر عقله أي سد عليه طريقه. وجمع سكران سكارى وسكارى وسكرى. وقد قرئ: " وترى الناس سكرى " ، وسكارى. ورجل سكير: كثير السكر، وهذا أحد ما جاء على فعيل، وهي نيف وثلاثون حرفا تراها في آخر الكتاب مفسرة إن شاء الله. والكسر: مصدر كسرت الشيء أكسره كسرا. والكسر: العضو التام نحو الجدل والإرب، والجمع كسور وأكسار. الأجدال: الأعضاء، الواحد جدل، وواحد الآراب إرب. والكسر: كساء يمد حول الخباء كالإزار له فيكون فضله على الأرض. وقالوا: جفنة أكسار، أي عظيمة موصلة لكبرها. والبعير الكسير: الذي قد انكسر بعض أعضائه. وكل ما سقط من شيء مكسر فهو كسارته. وبنو كسر: بطن من العرب من بني تغلب. وكسرى: اسم فارسي معرب، ويجمع كسورا وأكاسر؛ هكذا يقول أبو عبيدة، وقال أيضا: وأكاسرة. ويقال: فلان طيب المكسر، أي المخبر، وأصله من كسرك العود فتجده لدنا طيب الرائحة. ووصف رجل من العرب رجلا فقال: والله ما كان هشا فيكسر ولا لدنا فيعصر. والكرس: البعر والبول إذا تلبد بعضه على بعض، والجمع أكراس. وكل شيء تراكب فقد تكارس؛ وبه سميت الكراسة لتطابق ورقها بعضه على بعض، وتجمع أكارس وكراريس. قال العجاج:
يا صاح هل تعرف رسما مكرسا
قال نعم أعرفه وأبلسا
أي قد تكارس عليه التراب فغطاه. والأكارس: الجماعات من الناس، لا واحد لها من لفظها؛ هكذا يقول الأصمعي. ويقال للكلس الصاروج المعروف: كرس، وليس بالجيد.
ر - س - ل
الرسل: السهل السريع؛ ناقة رسلة: سريعة رجع اليدين. والرسل: اللبن. واختلفوا في الحديث: " إلا من أعطى من رسلها ونجدتها " ، فقال قوم: من رسلها، والأعلى فتح الراء، أي في الشدة والرخاء. وإذا تكلم الرجل قلت: على رسلك، أي أرود قليلا. والراسلان: عرقان في الكتفين، أو هما الكتفان بعينـهما. وجاءت الإبل أرسالا، أي يتبع بعضها بعضا، وكذلك الخيل أيضا. والرسول: معروف، والجمع رسل وأرسل. والرسالة: ما حمله الرسول، والجمع رسائل. ورسيل الرجل: الذي يقف معه في نضال أو نحوه. وإبل مراسيل: سراع، وأحسب واحدها مرسالا. وامرأة مراسل، قالوا: هي التي قد تزوجت زوجين أو ثلاثة؛ وقال آخرون: بل هي المسنة التي فيها بقية شباب. والمرسلة: قلادة طويلة تقع على الصدر. والرسل: البقية والقليل من الشيء.
ر - س - م
رسم كل شيء: أثره، والجمع رسوم. وترسمت الموضع، إذا طلبت رسومـه حتى تقف عليها. وترسمت الأرض، إذا توخيت موضعا لتحفر فيه. قال الراجز:
الله أسقاك بآل جبار
ترسم الشيخ ووقع المنقار
وقال ذو الرمة:
أأن ترسمت من خرقاء منزلة ... ماء الصبابة من عينيك مسجوم
والرسيم: ضرب من سير الإبل؛ رسم البعير يرسم ويرسم رسيما، والكسر أكثر. قال حميد بن ثور:
أجدت برجليها النجاء وكلفت ... بعيري غلامي الرسيم فأرسما

(1/391)

قال أبو بكر: قلت لأبي حاتم: أتقول: أرسم البعير؟ فقال: لا أقول إلا رسم فهو راسم من إبل رواسم. فقلت: فكيف وقد قال: الرسيم فأرسما؟ قال: أراد كلفت بعيري غلامي الرسيم فأرسم الغلامان بعيرهما. والروسم فارسي معرب، وقيل روشم، وهو الرشم الذي يختم به. قال الأعشى:
وباكرها الريح في دنـها ... وصلى على دنـها وارتشم
ويروى بالسين والشين. والرمس: مصدر رمسته أرمسه رمسا، إذا دفنته، وبه سميت الرياح روامس لأنـها ترمس الآثار، أي تدفنـها. ثم كثر ذلك في كلامـهم فسمي القبر: رمسا، والجمع أرماس ورموس. قال الشاعر:
ألم تر المرء حلف منية ... رهين لعافي الطير أو سوف يرمس
والمرمس: القبر بعينـه، والجمع مرامس، والرجل رميس ومرموس. قال الشاعر:
رجع الركب سالمين جميعا ... وخليلي في مرمس مدفون
والرياح الروامس والرامسات: دوافن الآثار؛ رمست الريح الآثار، إذا دفنتها. والسمرة: لون من البياض والأدمة؛ رجل أسمر من قوم سمر وامرأة سمراء وقناة سمراء، في ذلك اللون. وفي الحديث: " توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما شبع من البرة السمراء. والسمار: موضع. قال الشاعر:
لئن ورد السمار لنقتلنـه ... ولا والله أرد السمارا
والسمار: اللبن المذيق؛ ليس له فعل يتصرف. والسمر: الحديث بالليل خاصة. وفي الحديث: " جدب لنا عمر السمر " ، أي عابه. وفلان سميري للذي يسامرك بالليل خاصة، والجمع سمار. والسامر: القوم يتحدثون بالليل، أخرج مخرج باقر وجامل، والجمع سمار وسامر. وقال قوم: السمر: الليل؛ وفي كلامـهم: لا أكلمـه السمر والقمر، أي ما أظلم الليل وطلع القمر. وابنا سمير: الليل والنـهار؛ ومن أمثالهم: " لا أكلمـه ما سمر ابنا سمير " ، أي ما اختلف الليل والنـهار. والسمر: ضرب من العضاه له شوك طوال، الواحدة سمرة. وسميراء: موضع معروف، يمد ويقصر. قال الراجز:
يا رب خال لك بالحزيز
بين سميراء وبين توز
وسمرت الحديدة وغيرها أسمرها وأسمرها سمرا. وجارية مسمورة: معصوبة الجسد ليست برخوة اللحم. وقد سمت العرب سميرا، فجائز أن يكون تصغير سمر أو تصغير أسمر، كما قالوا: سويد، تصغير أسود، وهذا يسميه النحويون: تصغير الترخيم. والسرم للإنسان: معروف، وهو المبعر من الظلف وكذلك من الخف، والمراث من الحافر، والمجعر من السباع، والدبر من الإنسان. والسرمان: دويبة لا تضم جناحها شبيهة بالجحل تألف المزابل تشبه الجراد. ويقال: جاءت الإبل الى الحوض متسرمة، إذا جاءت متقطعة. وغرة متسرمة، إذا كانت تغلظ من موضع وتدق من آخر؛ وقال أبو عبيدة: هي المتصرمة، ولم يعرف المتسرمة. والمرس: مصدر مرست الشيء أمرسه مرسا، إذا دلكته. ورجل مرس وممارس: صبور على مراس الأمور. ورجل ممارس للأمور: مزاول لها. والمريس مثل المريد؛ يقال للتمر إذا مرسته في ماء أو لبن: مريس ومريد؛ يقال: مردته أمرده مردا، ومرسته أمرسه مرسا، فإذا فعل بـه ذلك شرب. وتمارس القوم في الحرب، إذا تضاربوا. والمرس: الحبل، والجمع أمراس. قال أبو زبيد الطائي:
إما تقارش بك الرماح فلا ... أبكيك إلا للدلو والمرس
يصف عبدا له قتل، يقول: لا أبكيك لشيء إلا للدلو والمرس، أي للاستقاء؛ تقارشت الرماح في الحرب، إذا دخل بعضها في بعض. وأمرس الحبل عن البكرة، إذا زال عن المحالة فرددته إليها. وقال قوم: بل يقال: مرس الحبل إذا زال عنـها، وأمرسته إذا رددته إليها. قال الراجز:
بئس مقام الشيخ أمرس أمرس
إما على قعو وإما اقعنسس
وبنو مريس: بطين من العرب. وبنو ممارس: بطن منـهم أيضا. والمسر: فعل ممات؛ مسرت الشيءض أمسره مسرا، إذا استللته فأخرجته، أي أخرجته من ضيق الى سعة. والمرمريس: الداهية، وتراها في باب فعلليل.
ر - س - ن

(1/392)

الرسن: الحبل، والجمع أرسان. وفي مثل من أمثالهم: " اللديغ يخاف الرسن " . وسمي أنف الناقة مرسنا لأن الرسن يقع عليه؛ ثم كثر ذلك في كلامـهم حتى قيل: مرسن الإنسان، والجمع مراسن، وفلان كريم المرسن. قال العجاج:
وفاحما ومرسنا مسرجا
وبطن أيم وقواما عسلجا
قال أبو بكر: أراد أنفا واضحا براقا كالسراج؛ وقال قوم: أراد كالسيف السريجي في بياضه ورقته. وبنو رسن: حي من العرب. والسنر: فعل ممات، وهو شراسة الخلق؛ ومنـه اشتقاق السنور، زعموا، وفي بعض اللغات سنار وسنار. والسنور أيضا: فقارة العنق من البعير. قال الراجز:
كأن جذعا خارجا من صوره
بين مقذيه الى سنوره
المقذان: جانبا القفا، وهما الذفريان؛ وقالوا: السنور: الذفرى بعينـها. والسنور: ما لبس من جنن الحديد خاصة، وأنشد:
كأنـهم لما بدوا من عرعر
مستلئمين لابسي السنور
نشز غمام صيب كنـهور
والنرس لا أعرف له أصلا في اللغة، إلا أن العرب قد سمت نارسة، ولم أسمع فيه شيئا من علمائنا، ولا أحسبه عربيا محضا. والنسر: الطائر المعروف. وأصل النسر انتزاع الطائر اللحم بمنسره؛ نسر اللحم ينسره وينسره نسرا. والنسران: نجمان في السماء. والمنسر: ما بين الأربعين الى الخمسين من الخيل، والجمع المناسر. وقد سمت العرب نسيرا وناسرا. ونسر: صنم كان في الجاهلية، وقد ذكر في التنزيل. والنسار: موضع. قال الشاعر:
وأما بنو عامر بالنسار ... غداة لقونا فكانوا نعاما
ر - س - و
الرسو: مصدر رسوت بين القوم أرسو رسوا، إذا أصلحت بينـهم. والروس: مصدر راس يروس روسا، إذا مشى متبخترا؛ وراس يريس ريسا أيضا. وبنو رائس: بطن من العرب. ورجل رؤاسي: عظيم الرأس. وبنو رواس: بطن من العرب. وراس السيل الغثاء يروسه روسا، إذا جمعه واحتمله. والسرو: ارتفاع وهبوط في الأرض بين سهل وسفح، ومنـه سرو حمير. قال ابن مقبل:
من سرو حمير أبوال البغال بـه ... أنى تسديت وهنا ذلك البينا
تسديت: علوت؛ والبين: الغلظ من الأرض. والسروة: النصل الدقيق من نصال السهم، وجمعها سرى. والسورة: المنزلة، والجمع سور، مثل صورة وصور. قال أبو بكر في قول الله عز وجل: " ونفخ في الصور " ، كأنـه جمع صورة، أي ردت فيها الأرواح؛ وقال قوم: بل الصور القرن، والله أعلم. قال النابغة:
ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونـها يتذبذب
وزعم قوم من أهل اللغة أن السور كرام الإبل، واحتجوا فيه ببيت رجز لم أسمعه من أصحابنا. والسورة من القرآن كأنـها درجة أو منزلة يفضى منـها الى غيرها في لغة من لم يهمز. والسور: سور المدينة وغيرها. قال جرير:
لما أتى خبر الزبير تواضعت ... سور المدينة والجبال الخشع
فأنث السور من المدينة، كما قال الآخر:
وتشرق بالقول الذي قد أذعته ... كما شرقت صدر القناة من الدم
فأنث الصدر لأن صدر القناة من القناة، فإذ أضفت مذكرا الى مؤنث ليس منـه لم يجز ذلك، لا تقول: ضربتني غلام هند، لأن الغلام ليس من هند، وقد جاء مثل هذا كثير في أشعار العرب. وسورة الخمر: حدتها. وساوره السبع يساوره مساورة وسوارا، إذا واثبه. وقد سمت العرب سورة وسوارا وسورا ومساورا ومسورا. والسوار: معروف، والجمع أسورة. وأساورة العجم: الفرسان، واحدهم إسوار، وقد تكلمت بـه العرب. قال الراجز:
ووتر الأساور القياسا
صغدية تنتزع الأنفاسا
وقال الآخر:
أقدم أخا نـهم على الأساوره
ولا تهالنك رجل نادره

(1/393)

وبنو نـهم: من همدان. والسور: كرام الإبل، الواحدة سورة. والسؤر، مـهموز، والجمع أسآر: ما أبقيت في الإناء. وزعم قوم أن السورة من القرآن من هذا إذا همزت، كأنـها أسئرت، أي بقيت من شيء. وفي وصية بعض العرب لبنيه: إذا شربتم فأسئروا، أي أبقوا في الإناء فإنـه أجمل. والورس: صبغ أصفر معروف؛ ثوب ورس ووارس. وأورس الرمث، إذا اصفر ثمره فهو وارس، وهذا الحرف أحد الحروف التي جاءت على أفعل فهو فاعل، ولا يقال مورس. وورست الصخرة في الماء، إذا ركبها الطحلب حتى تخضار وتملاس. قال الشاعر:
ويخطو على صم صلاب كأنـها ... حجارة غيل وارسات بطحلب
ر - س - ه
الرهس: الوطء الشديد، مثل الوهس سواء؛ رهسه يرهسه رهسا؛ أخبر بـه أبو مالك عن العرب. والسهر: ضد النوم؛ سهر يسهر سهرا. والأسهران: عرقان في العينين. وقال قوم: بل الأسهران عرقان يكتنفان غرمول الفرس أو الحمار. قال الشاعر:
توائل من مصك أنصبته ... حوالب أسهريه بالذنين
الذنين: السيلان؛ يقال: ذن أنفه يذن ذنا وذنينا، إذا سال. والساهرة: الأرض البيضاء؛ هكذا فسر أبو عبيدة في التنزيل، والله أعلم. وهي عند أهل اللغة قريب من ذلك، وقالوا: بل أرض يجددها الله يوم القيامة. قال الراجز:
أقدم أخا نـهم على الأساوره
ولا تهالنك رجل نادره
فإنما قصرك ترب الساهره
حتى تعود بعدها في الحافره
من بعد ما صرن عظاما ناخره
والسهر: القمر بالسريانية، وهو الساهور؛ وزعم قوم: بل دارة القمر. وقد ذكره أمية بن أبي الصلت، ولم يسمع إلا في شعره، وكان مستعملا للسريانية كثيرا لأنـه كان قرأ الكتب، فقال:
لا عيب فيه غير أن جبينـه ... قمر وساهور يسل ويغمد
وذكره عبد الرحمن بن حسان بن ثابت. وذكر أبو عبيدة أن الساهرة الفلاة ووجه الأرض، وأنشد لأمية بن أبي الصلت:
ملك بساهرة إذا ... تلقى نمارقه وكوبه
وقال الآخر:
خياركم خيار أهل الساهره
أطعنـهم للبة وخاصره
وقال أبو كبير الهذلي:
يركبن ساهرة كأن غميمـها ... وجميمـها أس ليل مظلم
والهرس: الأكل الشديد؛ ولذلك قيل: إبل مـهاريس، شديدات الأكل. قال الحطيئة:
مـهاريس يروي رسلها ضيف أهلها ... إذا النار أبدت أوجه الخفرات
يقول: إذا أجدب الزمان. وأصل الهرس الدق الشديد، وبه سمي الهاوون مـهراسا. والهريس من ذا أيضا لأن يدق دقا شديدا. والهراس، مخفف: نبت له شوك، الواحدة منـه الهراسة. قال الشاعر:
يطابقن في كل أرض يطأن ... طباق الكلاب يطأن الهراسا
والسرة من كل شيء: خالصه، من ذلك سرة الوادي وسر الوادي وسرارة الوادي، وهو أكرمـه وأطيبه ترابا.
ر - س - ي
راس يريس ريسا وريسانا، إذا مشى متبخترا. قال أبو زبيد:
قصاقصة أبو شبلين ورد ... أتاهم بين أرحلهم يريس
وبه سمي الرجل رائسا. والسير: مصدر سار يسير سيرا. والسير: القطعة المستطيلة من الأدم، والجمع سيور وأسيار. قال الشاعر:
لا تأمنن فزاريا خلوت بـه ... على قلوصك واكتبها بأسيار
وسار فلان يسير سيرة حسنة. قال خالد بن زهير الهذلي ابن أخي أبي ذؤيب:
فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها ... فأول راض سيرة من يسيرها

(1/394)

وسير فلان سيرة، إذا جاء بحديث الأوائل، والجميع سير. والسري: النـهر؛ هكذا فسر في التنزيل، والله أعلم. ورجل سري: بين السرو. وقد سمت العرب سريا وسريا. والسرية: القوم الذين يسيرون الى أعدائهم، وكان أصله من سرى الليل، فكثر ذلك حتى جعلت السرية الخارجة للحرب ليلا أو نـهارا، وهي فعلية من سرى يسري. واليسر ضد العسر، وأيسر الرجل إيسارا. واليد اليسار ضد اليمين، بفتح الياء وكسرها، وزعموا أن الكسر أفصح. ويقولون: خذ على يسارك، بفتح الياء. وقال بعض أهل اللغة: اليسار، بكسر الياء، شبهوه بالشمال، إذا ليس في كلامـهم كلمة أولها ياء مكسورة إلا يسار. ويسر: دحل لبني يربوع بالدهناء معروف. قال طرفة:
هاجه ذكر خيال عاده ... طاف والركب بصحراء يسر
فأما قول العامة: عود اليسر فخطأ، إنما هو عود الأسر، والأسر: احتباس البول. ورجل أعسر يسر، فأما قولهم: أعسر أيسر فخطأ. وأيسار الجزور، الواحد يسر، وهم الذين يتقامرون على الجزور. قال الشاعر:
لو ييسرون بخيل قد يسرت بها ... وكل ما ييسر الأقوام مغروم
أي كل ما يتياسر فيه فلا بد من أن يغرم ثمنـه، ومنـه الميسر الذي نـهي عنـه. والميسرة ضد المعسرة، وكذلك هو في التنزيل: " فنظرة الى ميسرة " . ويقولون: خذ ميسوره ودع معسوره، أي خذ ما يسر ودع ما عسر. وقد سمت العرب يسرا وياسرا ويسارا وأيسر. واليسر: القوم المياسرون. وبايعت الرجل فياسرته، إذا ساهلته. والشيء اليسير: القليل. وياسر منعم: ملك من ملوك حمير.
باب الراء والشين
مع ما بعدهما من الحروف
ر - ش - ص
الشرص، والجمع شرصة وشراص، بكسر الشين، وهي النزعة عند الصدغ. قال الأغلب:
يا رب شيخ أشمط العناصي
ذي لمة مبيضة القصاص
صلت الجبين ظاهر الشراص
والشصر: مصدر شصرت الناقة أشصرها وأشصرها شصرا، وهو أن تزند في أخلة بهلب ذنبها تغرز في أشاعرها إذا دحقت، أي خرجت رحمـها عند الولادة. والتزنيد: الشد الضيق؛ وكل شيء فعلت بـه ذلك فقد زندته. والأشعران: جانب الفرج منـها ينبت عليهما الشعر. والشصر، بفتح الصاد والشين: الظبي الشادن.
ر - ش - ض
أهملت.
ر - ش - ط
الشطر: النصف من كل شيء. وشاة شطور، إذا يبس أحد ضرعيها. وقولهم: حلب فلان الدهر أشطره، إذا جرب الأمور، وأصله من الحلب، أي هو يحلب شطرا ثم يحلب الشطر الآخر، وكأن أشطرا جمع شطر في أدنى العدد. ونظرت شطر بني فلان، أي ناحيتهم التي يقصد إليهم منـها. وفي التنزيل: " شطر المسجد الحرام " ، أي نحوه والله أعلم. قال الشاعر:
أقم قصد وجهك شطر العراق ... وخال الخليفة فاستمطر
كنى بالخال عن السحاب الذي يخال فيه المطر. والمحل الشطير: البعيد، وبه سمي الشاطر لتباعده عن الخير. ومنـه:
مليكية جاورت بالحجا ... ز قوما عداة وأرضا شطيرا
والشرط: رديء المال من الإبل والغنم، والجمع أشراط. والشرط: معروف، والجمع شروط وأشراط. وأشرط فلان نفسه لهذا الأمر، أي جعل نفسه علما له. وبه سمي الشرط لأنـهم جعلوا لأنفسهم أعلاما للناس يعرفون بها. قال أوس بن حجر:
فأشرط فيها نفسه وهو معصم ... وألقى بأسباب له وتوكلا
يصف رجلا دلى نفسه من الجبل على نبعة ليأخذها، أي هو متعلق بشيء، يقال: أعصمت بهذا الحبل واعتصمت به، إذا تعلقت به. وأشراط القيامة: علاماتها. والشرطان: نجمان من منازل القمر ولهما نوء ليس بغزير. ويقال: مطرنا بنوء الشرطين وبالأشراط أيضا. قال العجاج:
نوء السماك انقض أو دلوي ... من باكر الأشراط أشراطي

(1/395)

وربما قيل: مطرنا بنوء الشرط، وهو بطن الحمل فيما يزعم النجامون. والشرط أصله الشق، وبه سمي شرط الحجام. والشريط من الخوص من هذا اشتقاقه لأنـه يشق خوصه ثم يفتل، وهو فعيل في موضع مفعول. والشريطة مثل الشرط سواء. وبنو شريط: بطن من العرب.
والطرش ليس بعربي محض، بل هو من كلام المولدين، وهو بمنزلة الصمم عندهم. قال أبو حاتم: لم يرضوا باللكنة حتى صرفوا له فعلا فقالوا: طرش يطرش طرشا.
ر - ش - ظ
أهملت
ر - ض - ع
الرعش: الرعدة، رعش يرعش رعشا ورعشا ورعشانا فهو راعش. وشمر يرعش: ملك من ملوك حمير كان بـه ارتعاش فسمي يرعش.
والشعر: معروف، بتحريك العين وتسكينـها، وتقول العرب: ما شعرت بـه شعرا وشعرة وشعورة. والشاعر سمي شاعرا لأنـه يشعر للكلام. وقولهم: ليت شعري، أي ليتني أشعر بكذا وكذا. والشعير: حب معروف. وشعائر الله: المناسك، وهي أنصاب الحرم، واحدتها شعيرة هكذا يقول أبو عبيدة، والمشاعر التي هي مناسك الحج واحدها مشعر، وهي الأنصاب أيضا.
وأشعرت البدنة، إذا طعنت في سنامـها بمشقص أو سكين لتدمى فيعلم أنـها بدنة.
وشعيرة السيف من فضة أو حديد، وهي رأس الكلب، والكلب: المسمار في قائم السيف. والشعار: كل شيء لبسته تحت ثوب فهو شعار له. وشعار القوم: ما تداعوا بـه عند الحرب من ذكر أب أو أم أو غير ذلك. وأشعر فلان فلانا شرا، إذا غشيه به. وأشعره الحب مرضا، إذا أبطنـه إياه. والشعراء: ضرب من الذباب أزرق. والشعراء أيضا: هذا الخوخ المعروف. والشعيراء: ابنة ضبة بن أد ولدت لبكر بن مر أخي تميم ابن مر ولده، فهم بنو الشعيراء. وقال قوم: بل الشعيراء لقب بكر بن مر نفسه. والشعريان: نجمان، وهما الشعرى العبور والشعرى الغميصاء. قال أبو بكر: إنما سميت الغميصاء لأنـها أقل نورا من العبور، وسميت العبور لأنـها تعبر المجرة، هكذا يقول قوم. وأشاعر الفرس: ما حول حافره من الشعر. وأشاعر الناقة: جوانب حيائها. ويقال: داهية شعراء وداهية وبراء. ومن كلامـهم للرجل إذا تكلم بما ينكر عليه: جئت بها شعراء ذات وبر. والشعرة: العانة. وخف مشعر: مبطن بشعر. وشعر: جبل معروف، غير مصروف. والأشعر والأقرع: جبلان بالحجاز معروفان. ورجل أشعر وامرأة شعراء: كثير الشعر. والشعرور: نبت. وتفرق القوم شعارير شذر مذر، وشعارير قندحرة. وجاء أمية بن أبي الصلت في شعره بالشيتعور، وزعم قوم أنـه الشعير، ولا أدري ما صحته.
وروضة شعراء: كثيرة الشجر. ورملة شعراء: تنبت النصي وما أشبهه. والشرع: الوتر، والجمع شراع وشرع. قال الهذلي:
وعاودني ديني فبت كأنما ... خلال ضلوع الصدر شرع ممدد
وشريعة النـهر ومشرعته: حيث ينحدر إلى الماء منـه، ومنـه سميت شريعة الدين إن شاء الله تعالى لأنـها المدخل إليه، وهي الشرعة أيضا. وأشرع القوم الرماح للطعن، إذا هم صوبوها. ودور شوارع: على نـهج واضح. والشراع، شراع السفينة: معروف. وما لهم بينـهم شرع واحد وشرع واحد، والفتح أعلى، أي هم سواء، وله في المال سهم شرع. وسقى إبله التشريع، إذا أوردها شراع الماء فشربت ولم يستق لها. ومثل من أمثالهم: " أهون السقي التشريع " . والعشر: عقد معروف. والعشر: عشر ذي الحجة. والعشر: جزء من عشرة أجزاء. وأما قولهم: عشرون فمأخوذ من أظماء الإبل، أرادوا عشرا وعشرا وبعض عشر ثالث، فلما جاء البعض جعلوها ثلاثة أعشار فجمعوا عشرين على فعلين فقالوا: عشرين وذلك أن الإبل ترعى ستة أيام وتقرب يومين وترد في اليوم التاسع وكذلك العشر الثاني، فصار العشران ثمانية عشر يوما وبقي يومان من العشر الثالث فأقاموه مقام عشر. والعشر: آخر الأظماء. قال ذو الرمة:
حنين اللقاح الخور حرق ناره ... بجرعاء حزوى فوق أكبادها العشر

(1/396)

وعاشوراء: يوم سمي في الإسلام ولم يعرف في الجاهلية. قال أبو بكر: وليس في كلام العرب فاعولاء ممدودا إلا عاشوراء، هكذا قال البصريون، وزعم ابن الأعرابي أنـه سمع خابوراء، أخبرني بذلك حامد بن طرفة عنـه، ولم يجىء بهذا الحرف أصحابنا، ولا أدري ما صحته. وناقة عشراء، إذا بلغت في حملها عشرة أشـهر وقرب ولادها، والجمع عشار. قال الشاعر:
بلاد رحبة وبها عشار ... يدل بها أخا الركب العشار
وكذا فسروا في التنزيل: " وإذا العشار عطلت " ،قالوا: هي الإبل الحوامل، كذا قال أبو عبيدة والله أعلم. وعشر الحمار تعشيرا، إذا نـهق عشرا في طلق واحد. وعشيرة الرجل: بنو أبيه الأدنون الذي يعاشرونـه، وهكذا ذكر أصحاب المغازي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما أنزل عليه: " وأنذر عشيرتك الأقربين " قام فنادى: يا بني عبد مناف. وعشير الرجل: امرأته التي تعاشره في بيته، وهو عشيرها أيضا. ولك عشر هذا المال وعشيره ومعشاره. والعشر: نبت معروف. وأعشار الجزور: أنصباؤها إذا قسمت بين الناس. وعشر الجزار خيرة اللحم، إذا أخذ منـه أطايبه. وذو العشيرة: موضع معروف غزاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وبنو العشراء: قوم من العرب في غطفان لهم حديث لا أستجيز ذكره. وقدر أعشار: عظيمة، وقد فسروا بيت امرىء القيس:
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل
قال البصريون: أراد أن قلبه كسر ثم شعب كما تشعب القدر. وقال آخرون: بل أراد أن قلبه قسم أعشارا كأعشار الجزور فضربت بسهميها فخرج الثالث وهو الرقيب فأخذت ثلاثة أنصباء ثم ثنت فخرج السابع وهو المعلى فأخذت سبعة أنصباء فاحتازت قلبه أجمع، وهو أحسن التفسيرين. وفلان حسن العشرة والمعاشرة.
والعرش: السرير. والعريش: ظلة من شجر أو نحوه، والجمع عرش. والعرشان من الفرس: آخر شعر العرف. ويقال: ثلت عروش بني فلان، إذا تشتتت أمورهم. ويقال: ضربه فثل عرشيه، إذا قتله. قال ذو الرمة:
وعبد يغوث تحجل الطير حوله ... وقد ثل عرشيه الحسام المذكر
ويروى عرشيه " أيضا. وبئر معروشة، إذا طرح عليها خشب يقف عليه الساقي. فيشرف عليها، وربما سميت معروشة أيضا إذا ظللت. قال الشاعر:
ولما رأيت الأمز عرش هوية ... تسليت حاجات الفؤاد بزيمرا
زيمر: اسم ناقته. وعرشت الكرم تعريشا وعرشته عرشا، إذا جعلت تحته خشبا ليمتد عليها، وكرم معروش ومعرش. وعرشان: اسم رجل.
ر - ش - غ
شغر الكلب برجله، إذا رفعها ليبول فهو شاغر، ثم كثر ذلك في كلامـهم حتى قالوا: شغرت أرض بني فلان، إذا لم يكن فيها أحد يحميها ولا يمنع عنـها. وشغر الرجل المرأة للجماع وأشغرها أيضا، إذا رفع رجليها. وفي الحديث: " لا شغار في الإسلام " ، وهو أن يتزوج الرجلان كل واحد منـهما بأخت صاحبه أو بنت صاحبه ليس بينـهما مـهر، وكان من فعل أهل الجاهلية. والشغرور: نبت، زعموا. وتفرق الفوم شغر بغر، وقالوا شغر بغر. والشاغرة: موضع.
والشرغ، بفتح الشين وكسرها: الضفدع الصغيرة، والجمع شروغ والغرش: لغة يمانية، زعموا أنـه ثمر شجر، ولا أحقه.
ر - ش - ف
رشفت الماء أرشفه وأرشفه رشفا، إذا استقصيت شربه من الإناء حتى لا تدع فيه شيئا، والماء مرشوف ومرتشف، وكذلك رشف الريق، يقال: رشف الرجل ريق المرأة رشفا.
والشفر من قولهم: ما بالدار شفر، أي ما بها أحد، ولا يكادون يقولون ذلك إلا في النفي.
والشفر: منبت شعر الجفن، والجمع أشفار. وشفير كل شيء: حرفه، شفير النـهر وشفير البئر، وشفير الوادي وكذلك شفر الفرج: حروف أشاعره. وشفار: موضع. وشفرة السيف: حده والشفرة: السكين أيضا، ويسمى إزميل الحذاء شفرة. ومشفر البعير ومشفره أيضأ مثل الجحفلة من الفرس والشفة من الإنسان. ويربوع شفاري، وهو الذي على أذنـه شعر.

(1/397)

والشرف والشريف: موضعان بنجد. والشرف: علو الحسب. وشرف الإنسان: أعلى جسمـه. والرجل شريف، والذي دونـه لا حسب له مشروف. والرجل الأشرف: الطويل الأذنين، وبه سمي الرجل أشرف. وناقة شرافية: مرتفعة عالية. وناقة شارف: مسنة. وشراف: موضع معروف. وشرفت القصر وغيره، إذا جعلت له شرفا. وأذن شرافية وشفارية، إذا كانت عالية طويلة وعليها شعر.
والفرش: مصدر فرشت الفراش أفرشـه فرشا. وافترشت الأرض، إذا اتخذتها فراشا، وافترش الرجل المرأة كذلك. والفريش من الخيل: التي يحمل عليها بعد نتاجها بسبعة أيام، والجمع الفرائش، قال الأصمعي: وهو خير أوقاتها في النتاج. قال ذو الرمة:
باتت يقحمـها ذو أزمل وسقت ... له الفرائش والسلب القياديد
يصف آتنا، وسقت: جمعت الماء في رحمـها، والسلب: جمع سلوب، وهي التي فقدت ولدها، والفريش في الخيل والحمير سواء. والفرش من الإبل: صغارها التي لا يحمل عليها، الواحد والجمع فيه سواء. وكذلك فسر في التنزيل في قوله جل وعز: " حمولة وفرشا " ، والله أعلم.
والفراش: جمع فراشة، وهي دويبة تطير بالليل فتسقط في النار. وفي الحديث: " فيتتابعون تتابع الفراش في النار " . وفراش الرأس: عظام رقاق متداخلة في مقدمـه تحت الجبهة والجبينين. قال النابغة:
تطير فضاضا بينـهم كل قونس ... ويتبعها منـهم فراش الحواجب
والفرش: الفضاء الواسع من الأرض. والمفارش: النساء، ويقال: فلان كريم المفارش، إذا تزوج كرائم النساء. والمفارش أيضا: كل ما افترشته. وفراشة القفل أحسبها عربية صحيحة، وقد سموها المنشب. وأكمة مفترشة الظهر، إذا كانت دكاء، وكذلك الناقة، وجمل مفترش الظهر: لا سنام له. وما بقي من الغدير إلا فراشة، أي ماء قليل.
ر - ش - ق
الرشق: مصدر رشقت بالنبل رشقا، بفتح الراء. والرشق، بكسر الراء: السهام بعينـها التي يرشق بها. وغلام رشيق: خفيف الجسم لبق، والمصدر الرشاقة. وأرشقت الظبية، إذا مدت عنقها، وأرشقت المرأة، إذا تابعت نظرها، والمرأة والظبية مرشقتان، والجمع مرشقات ومراشق. ورشقه بالكلام، كأنـه رماه بـه كالرمي بالنبل.
والرقش: النقش، حية رقشاء: فيها ألوان من سواد وحمرة وغيرهما، والإسم الرقشة والرقش. ورقش فلان الكلام، إذا تم وكذب. قال رؤبة:
عاذل قد أولعت بالترقيش
إلي سرا فآطرقي وميشي
ورقش كلامـه أيضا، إذا زوره. وتسمى شقشقة البعير رقشاء لما فيها من اختلاف الألوان. قال الراجز:
وهو إذا جرجر بعد الهب ... جرجر في رقشاء مثل الحب
ويروى: في شقشقة كالحب. وسميت المرأة رقاش، معدولة عن راقشة، وفي العرب بطون ينسبون إلى رقاش، وهن أمـهاتهم، في بكر بن وائل بنو رقاش، وفي كلب رقاش، وأحسب أن في كندة بطنا أيضا يقال لهم بنو رقاش. والذين بالبصرة من بكر بن وائل بنو رقاش.
والرقشاء: دويبة تكون في العشب شبيهة بالحمطوط فيها حمرة وصفرة، قال أبو بكر: الحمطوط: دودة منقوشة مليحة. والمرقشان الشاعران كلاهما من بني قيس بن ثعلبة، وإنما سمي الأكبر منـهما بقوله:
الدار قفر والرسوم كما ... رقش في ظهر الكتاب قلم
والشقرة في الإنسان: حمرة تعلو البياض، والشقرة في الخيل: حمرة صافية يحمر معها السبيب والمعرفة والناصية، الذكر أشقر والأنثى شقراء. والشقرة: نور أحمر شبيه بالشقائق، أو هو هو. قال الشاعر:
وتساقى القوم كأسا مرة ... وعلا الخيل دماء كالشقر
وبنو شقرة: بطن من بني عمرو بن تميم، وأبوهم الحارث ابن مازن بن عمرو بن تميم، وإنما سمي الحارث الشقر بقوله:
وقد أحمل الرمح الأصم كعوبه ... بـه من دماء القوم كالشقرات

(1/398)

فسمي شقرة. وبنو شقرة أيضا: بطين أحسبهم من بني ضبة. والأشاقر: بطن من العرب كانت أمـهم تسمى الشقيراء، وأبوهم أسعد بن مالك بن عمرو بن مالك بن فهم، منـهم كعب بن معدان الأشقري الشاعر، ومن مواليهم شعبة بن الحجاج المحدث.
والشقارى: نبت، وقالوا الشقارى بالتشديد، وقالوا الشقار. ويقال: خبرته بشقوري، أي بحالي وأمري. ويقال: جاء فلان بالشقر والبقر، ويقال بالشقارى والبقارى، إذا جاء بالكذب.
وقد سمت العرب أشقر وشقران وشقيرا. والمشقر: حصن بالبحرين قديم وله حديث.
والمشاقر: منابت أحرار البقل، النصي وما أشبه ذلك، الواحد مشقر.
والشرق ضد الغرب، والمشرق ضد المغرب، والمشرقان: مطلع الشتاء ومطلع الصيف، والمشارق: مطالع الشمس كل يوم حتى تعود إلى المطلع الأول في الحول. وشرقت الشمس، إذا طلعت، وأشرقت، إذا امتد ضوءها. ويقال: " لا أفعل ذلك ما ذر شارق " ، أي ما طلع قرن الشمس. والشارق: صنم كان في الجاهلية، وبه سمت العرب عبد الشارق، هكذا يقول ابن الكلبي. وشريق: اسم أيضا. وشرق الرجل يشرق شرقا، إذا اغتص بالماء. قال عدي بن زيد:
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري
الاعتصار: النجاة. والمشرقة، بضم الراء وفتحها: الموضع الذي يستدرى فيه من الريح وتطلع فيه الشمس، وقال في الإملاء: حيث يقعد المتشرق في الشمس. قال الشاعر:
تريدين الطلاق وأنت عندي ... بعيش مثل مشرقة الشتاء
ويروى: مثل مشرقة الشمال. ومشريق: موضع، وقال سيبويه: مشريق آلة من آلة الباب.
والمشرق: المصلى. قال أبو ذؤيب:
حتى كأني للحوادث مروة ... بصفا المشرق كل يوم تقرع
وأيام التشريق التي بعد الأضحى إنما سميت بذلك لأنـهم كانوا يشرقون اللحم فيها، أي يبسطونـه ليجف. وشرق الثوب بالصبغ، إذا احمر فاشتدت حمرته. ولطمـه فشرق الدم في عينـه، إذا احمرت واشرورقت. وذكر الأصمعي أن رجلا لطم رجلا فاشرورقت عينـه واغرورقت فقدم إلى شريح أو إلى الشعبي فقال:
لها أمرها حتى إذا ما تبوأت ... بأخفافها مأوى تبوأ مضجعا
يقول إنـه لا يحكم فيها حتى ينظر إلى ما يصير أمرها. والأشراق: جمع شرق، والإشراق: المصدر. وناقة شرقاء، إذا شقت أذنـها بنصفين طولا، وكذلك شاة شرقاء.
والقرش: الجمع، تقرش القوم، إذا تجمعوا، وبه سميت قريش لتجمعها. قال أبو بكر: وقد كثر الكلام في هذا فقال قوم: قريش دابة من دواب البحر، وقال آخرون: سميت قريش بقريش بن يخلد بن غالب بن فهر وكان صاحب عيرهم فكانوا يقولون: قدمت عير قريش وخرجت عير قريش، وقال قوم: سميت قريشا لأن قصيا قرشـها أي جمعها، فلذلك سمي قصي مجمعا: قال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب:
أبونا قصي كان يدعى مجمعا ... بـه جمع الله القبائل من فهر
وقال أيضا:
نحن كنا سكانـها من قريش ... وبنا سميت قريش قريشا
وقال آخرون: تقرش الرجل، إذا تنزه عن مدانس الأمور. ويقال: تقارشت الرماح في الحرب، إذا تداخل بعضها في بعض. قال أبو زبيد:
إما تقارش بك الرماح فلا ... أبكيك إلا للدلو والمرس
وقد سمت العرب قريشا ومقارشا.
والقشر: مصدر قشرت الشيء أقشره قشرا، إذا انتزعت عنـه قشره. ورجل قاشور: مشؤوم، ومثل من أمثالهم: " أشام من قاشر " ، وهو فحل من الإبل، وله حديث. ورجل أقشر، إذا أفرطت حمرته حتى ينقشر جلده، وامرأة قشراء كذلك. والأقيشر: لقب شاعر معروف.
وبنو قشير: قبيلة من العرب معروفة. وسنة قاشورة: مجدبة لا خير فيها. قال الراجز:
فآبعث عليهم سنة قاشوره
تحتلق المال احتلاق النوره
ر - ش - ك
الشكر من قولهم: الشكر لله، وشكرت لك النعمى، ولا يكادون يقولون: شكرتك.

(1/399)

وبنو شاكر: قبيلة من همدان. وبنو شكر: بطن من الأزد. وبنو يشكر: بطن من بكر بن وائل. وشوكر: اسم من أسمائهم، الواو زائدة، واشتقاقه من الشكر. والشكير: ما نبت من العشب تحت ما هو أعلى منـه فلا يزال ضعيفا. والشكير أيضا: الشعر الصغار في معرفة الفرس. والشكير أيضا: شعر ينبت خلال الشيب ضعيفا. قال الراجز:
الآن إذ لاح بك القتير
والرأس قد صار له شكير
ونام لا يحذرك الغيور
واشتكر ضرع الناقة، إذا امتلأ لبنا، ويقال: أشكر أيضا. وربما استعير ذلك للسحاب فيقال: اشتكرت السحابة، إذا كثر ماؤها. والشكر: بضع المرأة. قال الشاعر:
وبيضاء المعاصم إلف لهو ... خلوت بشكرها ليلا تماما
واختصم رجل وامرأة إلى يحيى بن يعمر فقال يحيى للرجل: " أأن سألتك ثمن شكرها وشبرك أنشأت تطلها وتضهلها " قوله تطلها: تمطلها، وتضهلها: تعطيها قليلا قليلا. ويقال: بئر ضهول، إذا كانت قليلة الماء، وكذلك ناقة ضهول، إذا قل لبنـها. وامرأة شكور: يستبين عليها أثر الغذاء سريعا، وكذلك الفرس.
والشرك: مصدر شركت الرجل في ماله أشركه شركا. وشارك فلان فلانا شرك عنان أو شرك مفاوضة، فالعنان في صنف من المال بعينـه، والمفاوضة في جميعه. قال الشاعر:
أبى ابن كزمان كعب أن يصاهره ... مسكان شرك عنان وهو أسوار
الأسوار بالفارسية: الفارس. وشريك الرجل ومشاركه سواء. والإشراك بالله جل وعز: مصدر أشرك إشراكا، وهو أن يدعو لله شريكا، تبارك ربنا وتعالى. وشراك النعل: معروف، والجمع شرك، وشركت النعل تشريكا، وقال قوم: أشركتها إشراكا، وليس بالعالي. والشراك: الطريق الدقيق ينشعب عن جادة، والجمع شرك. وشرك الصائد: حبالته، الواحدة شركة، والجمع شرك أيضا. وقد سمت العرب شريكا وشريكا، وهو أبو بطن منـهم. وبنو شريك بن مالك بن عمرو بن مالك بن فهم، منـهم مسدد بن مسرهد، ومن مواليهم مقاتل بن سليمان.
والكرش لنوات الأربع من الخف والظلف مثل المعدة للإنسان، والجمع أكراش وكروش.
وكرش الرجل: وعاء يحفظ فيه نفيس متاعه. وفي حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " الأنصار كرشي وعيبتي " ، أي الذين أطلعهم على أسراري، ووجه الحديث: كرشي، أي مددي، أي الذين استمدهم لأن الخف والظلف يستمد الجرة من كرشـه. وتكرش القوم، إذا تجمعوا. وكرش فلان وجهه، إذا قبضه. وكرشان بن الآمري بن مـهرة بن حيدان بن آلحاف بن قضاعة: أبو قبيلة من العرب. ونزل بنا أكراش من الناس، أي جماعات. فأما الأكارس فالجماعات، لا واحد لها من لفظها، بالسين غير معجمة. والكرشة أيضا: ضرب من النبت.
والكشر أن يبدي الرجل ثناياه وأنيابه ورباعياته ضاحكا أو متغيظا. قال الشاعر:
فما ظنكم بآبن الحواري مصعب ... إذا افتر يوما كاشرا غير ضاحك
ر - ش - ل
أهملت.
ر - ش - م
الرشم فارسي معرب، وقد أعرب فقيل روشم وروسم.
والرمش: اللمس باليد أو التناول بأطراف الأصابع، رمشته أرمشـه وأرمشـه رمشا، إذا تناولته بأطراف أصابعك. ويقلب أيضا فيقال: مرشته أمرشـه مرشا.
والشمر: التبختر، شمر يشمر شمرا، إذا مر متخايلا. وشمر في أمره تشميرا، إذا جد.
وشمر من ثيابه، إذا قبضها إليه. وشمر أذياله لهذا الأمر، إذا تأهب له. ومنـه رجل شمري، إذا كان جادا في أموره. وقد سمت العرب شمرا ومشمرا. وشمر يرعش: ملك من ملوك حمير.
والشرم: الشق، يقال: شرمت عين الرجل، إذا شققت جفنـه الأعلى. وأبرهة الأشرم الحبشي ملك الحبشة، وهو صاحب الفيل، سمي بذلك لشرم كان بعينـه. وناقة شريم، إذا زندت فشرمت أشاعرها. قال الشاعر:
وناب همة لا خير فيها ... مشرمة الأشاعر بالمذاري
وامرأة شريم: مفضاة. وكل شق في جبل أو صخرة لا ينفذ فهو شريم.
والمرش: التناول بأطراف الأصابع كالقرص، مرشـه يمرشـه مرشا.

(1/400)

والمشر من قولهم: تمشر الرجل، إذا اكتسى وحسنت حاله.
وتمشر العود، إذا أورق. ورجل مشر، بكسر الميم، وهو الشديد الحمرة الأقشر. وبنو المشر: بطن من مذحج. ومشرت الشيء أمشره مشرا، إذا أظهرته. ومنـه قول الشاعر:
فقلت أشيعا مشرا القدر حولنا ... وأي زمان قدرنا لم تمشر
أي لم تظهر. والمشارة: الكردة، وليس بالعربية الصحيحة.
ر - ش - ن
الرشن: أصل بناء فعل الراشن، وهو الذي تسميه العامة الطفيلي، رشن يرشن رشنا ورشونا، ومنـه يقال: رش الكلب في الإناء، إذا أدخل رأسه فيه.
والشنر. أصل بناء الشنير، وهو السيىء الخلق. وبنو شنير: بطن من العرب أحسبهم من بني كنانة. والشنار: أقبح العار. قال الشاعر:
من الخفرات لم تفضح أخاها ... ولم ترفع لوالدها شنارا
والنشر: مصدر نشرت الثوب وغيره أنشره نشرا، ونشرت الحديث، إذا أذعته ونشرت العود بالمنشار نشرا، ووشرته وشرا وأشرته أشرا، في لغة من سمى المنشار منشارا. قال الشاعر:
لقد عيل الأيتام طعنة ناشره ... أناشر لا زالت يمينك آشره
أي مأشورة بالمئشار. قال أبو بكر: وهذا فاعل في موضع مفعول كقوله تعالى: " في عيشة راضية " ، في معنى مرضية. وشممت نشر الطيب، أي رائحته. وما أحسن نشر الأرض، إذا ابتدأ فيها النبت. ونشر الله الميت وأنشره لغتان فصيحتان، والميت منشور ومنشر. وفي التنزيل: " ثم إذا شاء أنشره " . قال الشاعر:
حتى يقول الناس مما رأوا ... يا عجبا للميت الناشر
أي المنشور. ونشرت عن المريض، إذا رقيته حتى يفيق، وهي النشرة. وانتشر الفحل، إذا أنعظ أو رول، والترويل أن يلألىء ولاينعظ. والنشر: الرائحة، وأكثر ما تخص بـه الرائحة الطيبة، وربما سميت الخبيثة أيضا نشرا. والنشر: أن يصيب اليبيس مطر في دبر الصيف فيتفطر بورق، وهو داء إذا أكله المال يصيبه السهام ويهرب الناس منـه بأموالهم. وقد سمت العرب ناشرة، وأحسب اشتقاقه من نشرت الشيء بالمنشار. والنشر: أن ينبت الشعر على الدبر وتحته فساد. قال الشاعر:
وفينا وإن قيل اصطلحنا تضاغن ... كما طر أوبار الجراب على نشر
إذا ما رآني ظل كاسر عينـه ... ولا جن بالبغضاء والنظر الشزر
والنشر: خلاف الطي. قال الشاعر:
والسوق يطويه وينشره
والنشر: النضح إذا صببت الماء من إناء في إناء أو صببت عليك فانتشر، ومنـه حديث الحسن رحمـه الله: " أتملك نشر الماء لا أم لك؟ " .
والنرش زعم بعض أهل اللغة أنـه التناول باليد، نرشـه نرشا، ولا أعرف ذلك. وليس في كلامـهم راء قبلها نون، ولا تلتفت إلى نرجس فإنـه فارسي معرب.
ر - ش - و
الرشو: مصدر رشاه يرشوه رشوا، والاسم الرشوة.
والشور: مصدر شرت العسل أشوره شورا فهو مشور، وأشاره يشيره فهو مشار، واشتاره يشتاره فهو مشتار، وأبى الأصمعي إلا شرته فهو مشور، وأنشد في ذلك:
كأن جنيا من الزنجبي ... ل بات بفيها وأريا مشورا
ورد " أشرت العسل " ، وأنكر بيت عدي بن زيد:
في سماع يأنن الشيخ له ... وحديث مثل ماذي مشار
فأما اشتار يشتار فهو افتعل يفتعل، ولا يوضح أمن فعل هو أو من أفعل. والشوار: متاع البيت. والشوار: الفرج. وشور: والد قعقاع بن شور الذي يضرب بـه المثل فيقال: " جليس قعقاع بن شور " ، وهو رجل شريف. ومشوار الدابة: الموضع الذي يعرض فيه.
والشرو: أصل بناء قولهم: هذا شروى هذا، أي مثله. قال الحارث بن حلزة:
وإلى ابن مارية الجواد وهل ... شروى أبي حسان في الإنس
والوشر من قولهم: أسنان موشرة حسنة الوشر، وهو التحزيز في أطرافها، وأحسب أن أصله من قولهم: وشرته بالميشار وشرته.
ر - ش - ه
الرهش من قولهم: رجل رهيش العظام، إذا كان دقيقها قليل اللحم عليها. والرواهش واحدها راهش، وهو عصب باطن الذراع. قال الشاعر:

(1/401)

وأعددت للحرب فضفاضة ... دلاصا تثنى على الراهش
وسهم رهيش: مرهف رقيق. قال امرؤ القيس:
برهيش من كنانته ... كتلظي الجمر في شرره
يريد أن هذا السهم قد أرقه بالمبرد وهو الضئيل، يعني الرهيش.
والشـهر: معروف. وشـهرت السيف، إذا انتضيته. وشـهرت الحديث، إذا أظهرته. ورجل شـهير ومشـهور بخير أو شر: نبيه. وقد سمت العرب شـهرا وشـهيرا ومشـهورا وشـهران وهو أبو قبيلة من العرب من خثعم. والأشاهر: بياض النرجس، هكذا قال أبو حاتم.
والشره: النـهم، رجل شره وامرأة شرهة.
والهشر: خفة الشيء ورقته، ومنـه اشتقاق الهيشر، وهو نبت ضعيف، الياء منـه زائدة.
والهرش من تهارش الكلاب، تهارشت تهارشا واهترشت اهتراشا. قال الراجز:
كأنما دلالها على الفرش
من آخر الليل كلاب تهترش
وقد سمت العرب هراشا ومـهارشا.
ر - ش - ي
الرشي أصل قولهم: ترشيت الرجل ورشيته، إذا لاينته ترشية وترشيا.
والريش: معروف، ومنـه رشت السهم أريشـه ريشا، إذا جعلت له قذذا. ومثل من أمثالهم: " فلان لا يريش ولا يبري " ، معناه: لا ينفع ولا يضر. وتريش الرجل، إذا حسنت حاله.
وراشني فلان يريشني ريشا، إذا استبانت منـه عليك حال حسنة. والرياش: الحال الجميلة، وقد قرىء: " وريشا " و " ورياشا " أيضا. وأعطاه مائة بريشـها، اختلف في هذا المعنى فقال الأصمعي: بريشـها: برحالها، وقال أبو عبيدة: كانت الملوك إذا حبت حباء جعلوا في أسنمة الإبل ريشا ليعرف أنـه حباء الملك.
والشير من قولهم: فلان صير شير، إذا كان حسن الصورة والشارة، وأصله الياء.
والشري: ورق الحنظل. والشريان: ضرب من الشجر يتخذ منـه القسي. قال الراجز:
شريانة تمنع بعد لين
وشري جلده يشرى شرى شديدا، إذا ظهرت فيه حدور، أي آثار وبثور. وشري الرجل في الأمر يشرى فيه، إذا لج. وبه سمي الشاري في قول قوم، وهو أقبح القولين عندهم.
والشراة تقول إنما تسموا بذلك لأنـهم شروا أنفسهم لله تعالى، أي باعوها، ومن ذلك شري السحاب، إذا دام مطره كأنـه لج في المطر، وهذا يرجع إلى القول الأول. والشرى: الناحية، مقصور، والجمع أشراء. قال الشاعر:
لعن الكواعب بعد يوم صرمنني ... بشرى الفرات وبعد يوم الخندق
وقال الشاعر:
لقد شعلت كل شرى بنار
أي كل ناحية.
ويقال: أشر الشيء، إذا أظهر. قال امرؤ القيس:
تجاوزت أحراسا إليها ومعشرا ... علي حراصا لو يشرون مقتلي
ويروى: يسرون، بالسين. وقال كعب بن جعيل:
وما برحوا حتى رأى الله فعلهم ... وحتى أشرت بالأكف المصاحف
وللراء والشين والياء مواضع تراها في الاعتلال إن شاء الله تعالى.
باب الراء والصاد
مع ما بعدهما من الحروف
ر - ص - ض
أهملت.
ر - ص - ط
الصطر: معروف، بالصاد والسين. والصطر في بعض اللغات: العتود من الغنم، بالصاد والسين.
والصراط: معروف، بالصاد والسين.
والمسرط: مسرط الطعام، بالسين والصاد، والسين أعلى.
والطرس: الكتاب، بالسين والصاد.
ر - ص - ظ
أهملت.
ر - ص - ع
الرصع: الضرب باليد. والرصائع: حلية السيف إذا كانت مستديرة، الواحدة رصيعة، وكل حلقة في حلية سيف أو سرج أو غير ذلك مستديرة فهي رصيعة. قال الشاعر:
ضربناهم حتى إذا اربث جمعهم ... وصار الرصيع نـهية للحمائل
يقول: انكبوا على وجوههم فصارت أجفان السيوف في موضع الحمائل، وقوله: اربث: تفرق، والنـهية: الغاية، وكل شيء انتهيت إليه فهو نـهية. والرصع مثل الرسح سواء، رجل أرصع وامرأة رصعاء، وهو خفة المؤخر. قال جرير:
ورصعاء هزانية يخلق ابنـها ... لئيما إذا ما جن في اللحم والدم
والرصع: فراخ النحل، الواحدة رصعة، بسكون الصاد. والرصع: الطعن الشديد، يقال: رصعه بالرمح وأرصعه، وهو شدة الطعن. قال الراجز:
وخزا إلى النصف وطعنا أرصعا

(1/402)

وفوق أغياب الكلى وكسعا
والرعص: الضرب، من قولهم: رعصه، إذا ضربه، وضربه حتى ارتعص، أي التوى من شدة الضرب. وارتعصت الحية، إذا التوت. قال الراجز:
إلا ارتعاصا كارتعاص الحيه
على شرا سيفي ومنكبيه
وارتعص الجدي، إذا طفر نشاطا، وأحسب أن هذا مقلوب عن اعترص الفرس وارتعص، وهما واحد. وارتعص الرمح ارتعاصا، إذا اشتد اهتزازه. قال أوس بن حجر:
أصم ردينيا كأن كعوبه ... نوى القسب عراصا مزجا منصلا
والرعص شبيه بالنفض من قولهم: رعصت الريح الشجرة، إذا نفضت أغصانـها.
والصعر: داء يصيب الإبل فتلتوي منـه أعناقها، وبه سمي المتكبر أصعر. وتصاعر الرجل وتصعر، إذا لوى خده من الكبر. وذكر أبو عبيدة أن من هذا قوله عز وجل: " ولا تصغر خدك للناس " . وقد سمت العرب أصعر وصعيرا وصعران. وصعير بن كلاب: أحد فرسان العرب المذكورين. قال مـهلهل:
عجبت أبناؤنا من فعلنا ... إذ نبيع الخيل بالمعزى اللجاب
علموا أن لدينا عقبة ... غير ما قال صعير بن كلاب
اللجاب: واحدها لجبة، بسكون الجيم، وهي التي قد ارتفع لبنـها، وإنما سكنوا في الجمع لجبات لأنـها صفة. والمعزى لا واحد لها من لفظها، ومعز، بسكون العين: جمع ماعز مثل صاحب وصحب. ويقال أيضا: اللجاب من قولهم عنز لجبة: قريبة العهد بالنتاج. وهذه الكلمة لصعير بن كلاب لما جاءهم مـهلهل يسألهم مرعى وهم في المـهادنة التي كانت بينـهم فقال صعير: " والله لا نرعيهم حتى يبيعوا المـهرة الشوهاء بالعنز اللجبة، الشوهاء من كل شيء: القبيحة إلا من الخيل فإنـها الحسنة منـها، وقالوا: هي الواسعة الأشداق، فقال مـهلهل حيئنذ هذه الأبيات. والصعرور: صمغ شجر يستطيل ويلتوي، والجمع صعارير. قال الشاعر:
إذا أورق العوفي جاع عياله ... ولم يجدوا إلا الصعارير مطعما
ويقال: ضربه فاصعنرر، أي التوى من الوجع، وتسمى دحروجة الجعل صعرورة، وليس بثبت قال الراجز:
يبعرن مثل الفلفل المصعرر
والصرع: مصدر صرعت الرجل أصرعه صرعا، فهو صريع ومصروع.
ورجل صريع، إذا كان حاذقا بالصراع. ورجل صرعة، إذا كان كذلك، بفتح الراء، فإذا قلت: رجل صرعة، فهو الذي يصرعه كل من صارعه. والمصاريع: الأبواب، واحدها مصراع، ولا يكون الباب مصراعا حتى يكون اثنين، ومن ذلك قيل: مصراع الشعر، لأنـه نصف بيت فشبه مصراع الباب به. والصرعان، بكسر الصاد وفتحها: الغداة والعشي. تقول: ما أراه الصرعين، أي غدوة وعشية.
والعرص من قولهم: عرص البرق يعرص عرصا وعرصا، وارتعص ارتعاصا، وهو اضطرابه في السحاب فالبرق عراص، وربما سمي السحاب عراصا لاضطراب البرق فيه.
وعرصة الدار: ما لا بناء فيه، والجمع عرصات وعراص. والعرص: خشبه توضع في وسط سقف البيت ويوضع عليها أطراف الخشب. والعرص: النشاط. ولحم معرص: لم يستحكم نضجه.
والعصر: الدهر.
والعصر: الملجأ، وهو المعتصر أيضا. قال الشاعر:
وصاحبي وهوة مستوهل زعل ... يحول بين حمار الوحش والعصر
وكل ما التجأت إليه من شيء فهو عصر ومعتصر وعصرة. قال عدي بن زيد:
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري
وبنو عصر: بطن من العرب من عبد القيس. وذكر أبو عبيدة أن قوله تعالى: " فيه يغاث الناس وفيه يعصرون " ، قال: ينجون من الجدب. وعصارة كل شيء: ما سال منـه إذا عصر، وليست العصارة بالثجير كما تقول العامة. قال الشاعر:
والعود يعصر ماؤه ... ولكل عيدان عصاره
ووصف بعض العرب رجلا فقال: والله ما كان لدنا فيعتصر ولا كان هشا فيكتسر.
والعصران: الغداة والعشي. وجارية معصرة ومعصر أيضا، والجمع معاصر، وهي التي قد جاوزت حد الكاعب، والجمع أيضا معصرات. قال الراجز:
جارية بسفوان دارها
تمشي الهوينا مائلا خمارها

(1/403)

معصرة أو قد دنا إعصارها
وقال الآخر:
قل لأمير المؤمنين الواهب
أوانسا كالربرب الربائب
من ناهد ومعصر وكاعب
والمعصرات: السحاب لأن الناس ينجون بسببها من الجدب، ومنـه قوله تعالى: " وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا " هكذا يقول أبو عبيدة، والله أعلم. والإعصار: غبار يثور من الأرض فيتصاعد في السماء، والجمع أعاصير، هكذا فسر قوله تعالى: " فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت، هكذا يقول أبو عبيدة، والله أعلم. وعوصرة: اسم الواو فيه زائدة، وهو من العصر. وسميت صلاة العصر لأنـها تصلى في أحد العصرين، وهو آخر النـهار. وقالوا: صلاة العصر وصلاة العصر. أخبرنا أبو عثمان الأشنانداني قال: سمعت الأخفش يقول: كنت عند الخليل فسأله رجل عن حد الليل فقال: من ندأة الشفق إلى ندأة الفجر.
ر - ص - غ
الرصغ والرسغ، بالصاد والسين: رسغ الدابة وغيره، وهو موصل الوظيف بالحافر من ذوات الأربع، ومن الناس موصل الكف بالذراع. والرساغ: حبل يشد في رسغ الدابة إلى وتد أو غيره، وكذلك في الرجلين، وهو الرساغ، بالسين والصاد أيضا. ورصاغ، بالصاد والسين: موضع.
والصغير: خلاف الكبير، والمصدر منـه الصغر. والصغار: الذل. والأصغر: خلاف الأكبر، وجمع أصغر أصاغر، وجمع صغير صغار. وقد سمت العرب صغران.
ر - ص - ف
الرصف والرصف جميعا: كل شيء ثنيت بعضه على بعض أو ضممت بعضه إلى بعض، وكل شيء فعلت بـه ذلك فقد رصفته. وكذلك تراصف الصخر في البناء والجبل، إذا تلاصق بعضه ببعض. والرصاف: العقب الذي يشد على فوق السهم. والرصفة والرصفة: عقبة تشد على عقبة تشد بها حمالة القوس العربية إلى عجسها. قال أبو بكر: الحمالة إنما تكون للقوس العربية، وهي مثل حمائل السيف، فأما سائر القسي فلا يكون لها حمالة. والرصاف: موضع معروف. والرصافة أيضا: موضع معروف. والرصاف: حجارة بيض ينضم بعضها إلى بعض يجري عليها الماء.
والصفر: حية تكون في البطن تعدي. وفي الحديث: " لا عدوى ولا هامة ولا طيرة ولا صفر " . قال الشاعر:
لا يتأرى لما في القدر يرقبه ... ولا يعض على شر سوفه الصفر
قوله يتأرى: يتحبس، ومنـه آري الدابة، والعدوى: أن يعدي الداء من واحد إلى واحد، والطيرة: ضد ما يتيمن به، يقال من ذلك: تطير الرجل تطيرا وطيرة، ومن العدوى أعداه إعداء، والاسم العدوى. والصفر: الحية المعروفة. والصفر: هذا الجوهر الذي تسميه العامة الصفر. والصفر، بكسر الصاد: الشيء الفارغ، صفر يصفر صفرا فهو صفر كما ترى. قال الشاعر:
وأفلتهن علباء جريضا ... ولو أدركنـه صفر الوطاب
والصفار: يبيس البهمى. قال أبو دواد:
فبتنا قياما لدى مـهرنا ... ننزع من شفتيه الصفارا
ويروى: عراة. قال أبو بكر: قال الأصمعي: قوله فبتنا عراة يريد تأزرنا وتشددنا. وقال آخرون: عراة: أصابهم العرواء، أي الزمع، هؤلاء كانوا في الرهان، وقال بعضهم: أخذهم العرواء من الرهان. ويقال: ما بالدار صافر، أي ما بها أحد. ومن أمثالهم: " أجبن من صافر " ، وله تفسيران، وليس هذا موضعه. والصفير: صوت المكاء والصقر وما أشبههما.
ومرج الصفر: موضع. والصفران: شـهران من السنة سمي أحدهما المحرم في الإسلام.
والصفرة: لون معروف. والصفاري: ضرب من الطير. والأصفر: الأسود، والعرب تسمي الواد صفرة. قال الشاعر - الأعشى:
تلك خيلي منـه وتلك ركابي ... هن صفر أولادها كالزبيب
يقوله الأعشى لقيس بن معد يكرب. قال أبو بكر: فهذا يدلك أنـهم يسمون الأسود أصفر.
وتنسب الروم إلى الأصفر فيقال: بنو الأصفر. والصفرية: قوم من الحرورية سموا بذلك لأنـهم أصحاب عبد الله بن صفار صاحب الصفرية، من هذا اشتقاق اسم أبيه. ويقال: رجل صفر اليد وامرأة صفر اليد، إذا خلت أيديهما من الخير. ويقال: هذه جرادة صفراء، إذا لم يكن في بطنـها بيض. قال الشاعر:
كأن جرادة صفراء طارت ... بأحلام الغواضر أجمعينا

(1/404)

والصرف من قولهم: لا يقبل الله منـه صرفا ولا عدلا، فقال بعض أهل اللغة: الصرف: الفريضة، والعدل: النافلة، وقال آخرون: الصرف: الوزن، والعدل: الكيل. والصريف: اللبن إذا سكنت رغوته. قال الراجز:
لم يغذها مد ولا نصيف
ولا تميرات ولا تعجيف
لكن غذاها اللبن الخريف
المحض والقارص والصريف
وقال بعض أهل اللغة: لا يسمى صريفا حتى ينصرف بـه عن الضرع. والصريف: صريف الفحل من الإبل بنابه حتى يسمع له صوت. قال النابغة:
مقذوفة بدخيس النحض بازلها ... له صريف صريف القعو بالمسد
وقال بعض أهل اللغة: صريف الفحل: تهدده.
وصريف الناقة إعياء، وربما كان أينا وربما كان نشاطا. ويقال: عنز صارف، إذا أرادت الفحل، وزعم قوم أن هذه الكلمة مولدة. والصراف: بياع الدراهم، وهو الصيرفي أيضا. قال الشاعر:
تنفي يداها الحصى في كل هاجرة ... نفي الدراهيم تنقاد الصياريف
ورجل صيرف: متصرف في الأمور مجد فيها. قال الشاعر:
قد كنت خراجا ولوجا صيرفا ... لم تلتحصني حيص بيص لحاص
اللحاص: الضيق، وتلتحصني: تفتعلني منـه، وحيص بيص: كلمتان تقالان يومأ بهما إلى الضيق وما لا يتخلص منـه. يقول: لم تضق علي الأمور. والصرف: صبغ أحمر. قال الأصمعي: هو الصبغ الذي تصبغ بـه شرك النعال. قال الشاعر:
كميت غير محلفة ولكن ... كلون الصرف عل بـه الأديم
يعنى فرسا، يقول: لونـها غير مشكل على من رآه فلا يحلف عليه. وقال أيضا: المحلفة: التي يشك فيها فيحلف هذا أنـها كميت ويحلف هذا أنـها ليست كذلك. وقد يسمى الدم صرفا تشبيها بذلك. قال الشاعر:
شامذا تتقي المبس عن المر ... ية كرها بالصرف ذي الطلاء
وإنما يصف حربا، ألا تراه يقول قبل هذا:
أصبحت حربنا وحرب بني الحا ... رث مشبوبة بأغلى الدماء
إنما أراد أن الناقة تحلب لبنا، وهذه الحرب تحلب دما، والصرف: الدم، والطلاء: الدم بعينـه.
وصرف الدهر: تقلبه، والجمع صروف. قال الراجز:
ونجذتني هذه الصروف
عزوزها والثرة الصفوف
يروى: الصفوف والضفوف بالصاد والضاد. وهذا مثل، يقول: " تصرف بي الدهر في شدته ورخائه " ، والعزوز: الضيقة الأحاليل من النوق والغنم، والثرة: الغزيرة. وهذا مثل.
والصرفان: تمر معروف. وزعم قوم أن الرصاص يسمى صرفانا، ولا أدري ما أقول فيه. وأنشدوا بيت الزباء:
أجندلا يحملن أم حديدا
أم صرفانا باردا شديدا
وقد سمت العرب مصرفا وصارفا. والصرفة: نجم من منازل القمر.
والفرص: القطع بالمفراص، والمفراص: حديدة عريضة يقطع بها الحديد، وقال قوم: بل هو إشفى عريض الرأس تخصف بـه النعال يستعمله الحذاءون وغيرهم. قال الشاعر:
وأدفع عن أعراضكم وأعيركم ... لسانا كمفراص الخفاجي ملحبا
الخفاجي: منسوب إلى حي من بني عامر بن صعصعة. والفرصة: قطعة صوف أو قطن.
وفي الحديث: " خذي فرصة ممسكة " . وفراص: أبو بطن من العرب. والفرصة من قولهم: انتهز فلان فرصته، أي اغتنمـها عند إمكانـها. والفريصة: لحمة في مرجع الكتف ترعد عند الفزع، والجمع فرائص، وقد قالوا: فراص، كأنـه جمع فرصة.
؟ر - ص - ق ال: شبيه بالنقزان من النشاط، ي ا، وهو من أحد المصادر التي جاءت على فعل فعلا، وهي ستة أو سبعة: ا، ورفض رفضا، وطرد طردا، وحلب حلبا، وقنص قنصا، وجلب جلبا، وطلب طلبا، وهرب هربا. وأ الرجل بعيره إرقاصا، إذا حمله على الخبب، وكذلك روي بيت حسان بن ثابت:
بزجاجة ت بما في قعرها ... القلوص براكب مستعجل
ومن روى: القلوص فقد أخطأ.

(1/405)

 




[الموسوعة الشاملة - جمـهرة اللغة عرزا]

نویسنده و منبع | تاریخ انتشار: Fri, 31 Aug 2018 12:27:00 +0000



تمامی مطالب این سایت به صورت اتوماتیک توسط موتورهای جستجو و یا جستجو مستقیم بازدیدکنندگان جمع آوری شده است
هیچ مطلبی توسط این سایت مورد تایید نیست.
در صورت وجود مطلب غیرمجاز، جهت حذف به ایمیل زیر پیام ارسال نمایید
i.video.ir@gmail.com